اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه السياسة الشرعية للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


فقه السياسة الشرعية - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
السياسة الشرعية ترتكز في تحقيق أهدافها على مبدأ مهم، وهو مبدأ التدرج، فقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى توحيد الله عز وجل وإصلاح الفطرة، ثم بنى على ذلك الأساس المتين دولة الإسلام، وكان عليه الصلاة والسلام رفيقاً في تعامله، لا ينتصر لنفسه، بل يغلب مصلحة الدعوة ووحدة الأمة.
سياسة الأنبياء لشعوبهم وأقوامهم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:فإن من نعم الله عز وجل على العباد أن كرمهم وشرفهم سبحانه وتعالى بالبصيرة، وهي العقول التي أنار الله عز وجل بها الإنسان وفضله على غيره، وأعظم من ذلك أن الله عز وجل جعل لتلك البصيرة نوراً وهدى يسير بها الإنسان في ظلمات الآراء والأهواء والشبهات، وجلى الله سبحانه وتعالى ذلك بكتبه المنزلة على رسله وأنبيائه، فكان الأنبياء يحملون النور والمشعل لإنارة العقول وتبديد الظلام فيها، والسياسة التي توصلهم في ذلك إلى الغاية التي يريدونها، فتجردوا من حظوظ النفس والأهواء والشبهات والشهوات، ليصلوا إلى الغاية المنشودة، لهذا جعل الله عز وجل أنبيائه صلى الله عليهم وسلم قادة في الدين والدنيا، وهم ساسة في إيصال الحق، يسوسون النفوس، ويسوسون الأفراد، ويسوسون الدول والحكام، يسوسون الرجال والنساء، ويسوسون الصغار، ويسوسون عمالهم، ويسوسون أيضاً إنفاق الأموال، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم، كلما ذهب نبي خلفه نبي بعده ). ‏
 سياسة الأنبياء للعقول والنفوس
ولهذا نقول: إن الأنبياء يأتون بسياسة العقول وسياسة النفوس ولو استنكر الإنسان؛ لأن ما تحمله أنت ليس ملكاً لك، وإنما هو لمن جاء بعدك، فإذا انفرد الإنسان بأمر باختيار الرأي، أو اختيار الفكر، أو اختيار القناعات، فهذه القناعات لو كانت فردية تموت بموت الإنسان لكان الأمر إليه، ولكنها تتحول إلى غيره، ولهذا الأحكام, والعقائد, والآراء والأفكار التي تمس الديانة ليست للإنسان وإنما لله سبحانه وتعالى، ولهذا قال الله جل وعلا: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، هل الحكم عبادة؟ نعم عبادة؛ لماذا؟ لأنه ليس ملكاً لك، الإنسان لا يستطيع أن يبدل لباس أهل بلده؛ لأنه ورثه عن أبيه وجده ولا خيار له بهذا غالباً، لم يستطع كل جيل أن يغير اللباس فكيف يغير الأفكار؟ لأنها لا تتغير إلا بعد أجيال مديدة، ولهذا الله سبحانه وتعالى جعل الأمر لديه، حتى لا يفرضه أحد على أحد، والله سبحانه وتعالى جعل الأمر إليه أيضاً وحمى دينه من التبديل بالبدع والشبهات؛ لماذا؟ لأن أفكار البشر تبنى كحال الهرم ثم تتحول عن بدايتها، اللبرالية الغربية نشأت من مبدأ حرية العمل والاقتصاد، ثم تحولت إلى الأخلاق, ثم إلى نكاح الذكور بالذكور، ونكاح الإناث للإناث، بل نكاح البهائم أيضاً، هذا التحول هل الذين ابتدءوا بهذا الفكر كانوا يظنون أن هذا الأمر سيتحول إليه؟ ما كان يخطر في بالهم، لو تيقنوا ذلك لتبرءوا من هذا الفكر بالكلية، ولهذا نقول: إن الغرب إنما تركوا الدين المبدل إلى الرأي المجرد؛ لأنهم لا يوجد لديهم بديل، أما هذه الأمة فهي أمة دين صحيح تام، حفظ الله عز وجل عليها رأيها، وحفظ الله عز وجل عليها شريعتها، وحفظ الله سبحانه وتعالى عليها آدابها وأخلاقها.هناك نزوات من البشر تريد التمرد على شريعة الله سبحانه وتعالى، هذا التمرد جاء الأنبياء بسياسة هذا الأمر, الله سبحانه وتعالى رسم الحق، وأمر الناس بأن تسير عليه، ولابد من خارجين عليه، خارجون عليه لدافع الشبهة، وخارجون عليه لدافع الشهوة.هناك أصحاب نزوات والنزوات في هذا تتباين، هناك من نزوته في السمع من حب السماع، أو التمتع مثلاً بسماع النميمة والأحاديث والأقاويل في الناس والشماتة فيهم والتعيير, يستلذ بأمثال هذا الأمر، وهناك من يسمع المحرمات كالطرب وغير ذلك، وهنا من شهوته بقوله، بلسانه، بالكلام والوقيعة والسب والشتم، ويستمتع بأمثل هذا الأمر، وهناك من شهوته بأكله ويحب أكل أو شرب الحرام كالخمر والخنزير وغير ذلك من المحرمات؛ كأكل الربا ومال اليتيم وغير هذا, أناس يشرعون وأناس يشتهون من غير تشريع، فإذا سألت عن الخمر قال: حرام، ولكنه يتناول ذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل ثقل الشبهة؛ لأنها بدعة أعظم خطراً من الشهوة؛ لأن الإنسان إذا زالت شهوته القائمة في نفسه تخلى عن الشهوة، ولهذا كبار السن إذا كبروا، تقدموا في العمر، قربوا إلى الله وتركوا المحرمات، أما البدع ازدادوا تمسكاً بها؛ لأنه يراها ديناً، إذاً فهي أشد رسوخاً، أما الشهوة فهي بطيئة التحول إلى شبهة فتتحول إلى شبهة بعد أمد طويل، ولهذا عظمت محاربة البدع في الشريعة أعظم من مواجهة الشهوات؛ لماذا؟ لأن الإنسان قد غرس في نفسه وازع بحرمة هذا الشيء، وينتظر الأمر حتى يتخلص منه، فإذا اغتنى ترك الربا، وإذا تزوج ترك المحرمات، وغير ذلك أو كبر وضعف فيه الوازع ابتعد عن جوانب المحرمات، إذاً ثمة إقلاع سريع بخلاف البدعة، ولهذا عظمت من هذا الوجه.
أهمية التدرج في التشريع والدعوة إلى الحق
المخالفون لدين الحق هؤلاء الذين يخرجون عن الصراط المستقيم لهم توجهات متعددة، ولهذا يعجب كثير من الناس من شدة النبي صلى الله عليه وسلم في موضع، ولينه في موضع آخر من جهة تعامله مع المخالفين، ومن جهة كذلك تبليغ الحق، الله سبحانه وتعالى ما أنزل الحق على نبي من أنبيائه جملة واحدة، وإنما أنزله الله جل وعلا على سبيل التدرج، ولهذا كفار قريش حينما رغبوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تفكروا في عدم نزول القرآن جملة واحدة، لماذا لا ينزل القرآن جملة واحدة فنرى بداية ونهاية؟ الله سبحانه وتعالى ماذا قال؟ قال: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ [الفرقان:32]، يعني: أن التدرج في أحكام الشريعة وتعليم الناس لها أعظم للثبات بخلاف ما ينزل عليهم من أحكام الله سبحانه وتعالى جملة واحدة ثقيلة؛ لماذا؟ لأن الإنسان لا يقبل التحول كاملاً، وإنما يريد التدرج؛ لماذا؟ لأنه فطر على هذا الأمر، ولهذا جاءت الشرائع بالتدرج في أمر المخاطبين, ولهذا يقول عمر بن عبد العزيز عليه رحمة الله يقول: إنك إن علمت الناس الإسلام جملة تركوه جملة، لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن كما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس، قال له النبي صلى الله عليه وسلم - وهذا من سياسته عليه الصلاة والسلام قال: ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب )، يعني: ليسوا وثنين كقريش، ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب )، وهذا بداية من سياسته، أنه ينبغي لمن يوجه الخطاب أن يعلم حال المخاطب، وأن الناس ليسوا على مراتب واحدة.
 سياسة الأنبياء للعقول والنفوس
ولهذا نقول: إن الأنبياء يأتون بسياسة العقول وسياسة النفوس ولو استنكر الإنسان؛ لأن ما تحمله أنت ليس ملكاً لك، وإنما هو لمن جاء بعدك، فإذا انفرد الإنسان بأمر باختيار الرأي، أو اختيار الفكر، أو اختيار القناعات، فهذه القناعات لو كانت فردية تموت بموت الإنسان لكان الأمر إليه، ولكنها تتحول إلى غيره، ولهذا الأحكام, والعقائد, والآراء والأفكار التي تمس الديانة ليست للإنسان وإنما لله سبحانه وتعالى، ولهذا قال الله جل وعلا: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، هل الحكم عبادة؟ نعم عبادة؛ لماذا؟ لأنه ليس ملكاً لك، الإنسان لا يستطيع أن يبدل لباس أهل بلده؛ لأنه ورثه عن أبيه وجده ولا خيار له بهذا غالباً، لم يستطع كل جيل أن يغير اللباس فكيف يغير الأفكار؟ لأنها لا تتغير إلا بعد أجيال مديدة، ولهذا الله سبحانه وتعالى جعل الأمر لديه، حتى لا يفرضه أحد على أحد، والله سبحانه وتعالى جعل الأمر إليه أيضاً وحمى دينه من التبديل بالبدع والشبهات؛ لماذا؟ لأن أفكار البشر تبنى كحال الهرم ثم تتحول عن بدايتها، اللبرالية الغربية نشأت من مبدأ حرية العمل والاقتصاد، ثم تحولت إلى الأخلاق, ثم إلى نكاح الذكور بالذكور، ونكاح الإناث للإناث، بل نكاح البهائم أيضاً، هذا التحول هل الذين ابتدءوا بهذا الفكر كانوا يظنون أن هذا الأمر سيتحول إليه؟ ما كان يخطر في بالهم، لو تيقنوا ذلك لتبرءوا من هذا الفكر بالكلية، ولهذا نقول: إن الغرب إنما تركوا الدين المبدل إلى الرأي المجرد؛ لأنهم لا يوجد لديهم بديل، أما هذه الأمة فهي أمة دين صحيح تام، حفظ الله عز وجل عليها رأيها، وحفظ الله عز وجل عليها شريعتها، وحفظ الله سبحانه وتعالى عليها آدابها وأخلاقها.هناك نزوات من البشر تريد التمرد على شريعة الله سبحانه وتعالى، هذا التمرد جاء الأنبياء بسياسة هذا الأمر, الله سبحانه وتعالى رسم الحق، وأمر الناس بأن تسير عليه، ولابد من خارجين عليه، خارجون عليه لدافع الشبهة، وخارجون عليه لدافع الشهوة.هناك أصحاب نزوات والنزوات في هذا تتباين، هناك من نزوته في السمع من حب السماع، أو التمتع مثلاً بسماع النميمة والأحاديث والأقاويل في الناس والشماتة فيهم والتعيير, يستلذ بأمثال هذا الأمر، وهناك من يسمع المحرمات كالطرب وغير ذلك، وهنا من شهوته بقوله، بلسانه، بالكلام والوقيعة والسب والشتم، ويستمتع بأمثل هذا الأمر، وهناك من شهوته بأكله ويحب أكل أو شرب الحرام كالخمر والخنزير وغير ذلك من المحرمات؛ كأكل الربا ومال اليتيم وغير هذا, أناس يشرعون وأناس يشتهون من غير تشريع، فإذا سألت عن الخمر قال: حرام، ولكنه يتناول ذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل ثقل الشبهة؛ لأنها بدعة أعظم خطراً من الشهوة؛ لأن الإنسان إذا زالت شهوته القائمة في نفسه تخلى عن الشهوة، ولهذا كبار السن إذا كبروا، تقدموا في العمر، قربوا إلى الله وتركوا المحرمات، أما البدع ازدادوا تمسكاً بها؛ لأنه يراها ديناً، إذاً فهي أشد رسوخاً، أما الشهوة فهي بطيئة التحول إلى شبهة فتتحول إلى شبهة بعد أمد طويل، ولهذا عظمت محاربة البدع في الشريعة أعظم من مواجهة الشهوات؛ لماذا؟ لأن الإنسان قد غرس في نفسه وازع بحرمة هذا الشيء، وينتظر الأمر حتى يتخلص منه، فإذا اغتنى ترك الربا، وإذا تزوج ترك المحرمات، وغير ذلك أو كبر وضعف فيه الوازع ابتعد عن جوانب المحرمات، إذاً ثمة إقلاع سريع بخلاف البدعة، ولهذا عظمت من هذا الوجه.
معالم بارزة في سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة والتبليغ
والنبي صلى الله عليه وسلم ما يأتيه أحد من الأقوام إلا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من القوم؟ ), حتى يعلم دينهم، ويعلم حالهم، ويعلم الوجيه منهم؛ حتى يضعه على أمره، ولهذا جاء في حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى: ( في الرجل الذي أعطته كسرة وسأل، وجاء الرجل الآخر وأُجلس وأُكرم، فقيل لها في ذلك، فقالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم )، لهذا الخطاب يتوجه إلى الإنسان بحسب مقامه، وبحسب حاله، وكذلك يتوجه الخطاب إليه بحسب بعده وقربه من الحق، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول لـمعاذ بن جبل : ( إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله )، وجاء في رواية في الصحيح: ( إلى أن يوحدوا الله )، هذا الخطاب فيه إشارة إلى أن هؤلاء ليسوا مسلمين منحرفين، بحيث تخاطبهم على الانحراف الذي وقعوا فيه، وإنما هم أبعد من ذلك أي: من أهل الكتاب، وليسو وثنيين أيضاً؛ لماذا؟ لأن الوثنية في ذلك هي مشركة بالله سبحانه وتعالى، أظهر إشراكاً من كفر كفار قريش، فغرس التوحيد فيهم في جانب الربوبية أعظم من غرسه في أهل الكتاب، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمهم الحق على سبيل التدرج، فقال عليه الصلاة والسلام: ( فليكن أول ما تدعوهم إليه )، يعني: ذكر الأمر بالترتيب، فذكر: (أول)، يعني: لا تأتي إلى الثاني حتى تنظر في أمر الأول، ( فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله )، حتى يعطيهم ذلك تاماً، قال: ( فإن هم أجابوك إلى ذلك )، يعني: انظر إلى ردة الفعل ماذا يقولون؟ ( فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك لذلك )، يعني: انتظر بعد ذلك ماذا يرجعون؟ لا تعطهم الإسلام كاملاً، حتى لا ينفروا منه، ولهذا الإنسان إذا أراد أن يدعو أحداً خالي القلب من تعاليم الإسلام، يعني: أنه موغل في جانب الضلال؛ عليه أن يرأف به؛ لماذا؟ لأن نفرته من الحق هذه النفرة التي يجدها الإنسان من الحق هي نفرة ربما تكون بسبب ظلام الجهل؛ لأن القلب إذا أوغل في ظلام الجهل نفر من نور الحق؛ الإنسان حينما يكون في موضع ظلام تستروح عينه الظلام، وتستنكر حينئذ النور، فإذا أراد أن يخرج إلى النور انكمش، كذلك القلب ينكمش من الحق إذا كان موغلاً في الظلام، فعلى الإنسان أن يأخذ به برأفة، وأن يشعره أيضاً أن هذه النفرة وهذه الكراهة الموجودة في القلب للحق هذه كراهة بسبب كونه في الظلام, عليه أن يرأف به ويأخذ به على سبيل التدرج حتى يرى النور.ولهذا كان بعض الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام قبل إسلامه ويقول: ( يا رسول الله, إني أريد أن أسلم، قال: أسلم، قال: ولكني أجدني كارهاً -يعني: كاره ما أنت فيه- قال النبي عليه الصلاة والسلام: أسلم ولو كنت كارهاً )، يعني: هذا الأمر كقول الإنسان للشخص: اخرج إلى النور ولو كنت كارهاً، بعد ذلك سيبقى الحق لديك وسترى، لهذا ينبغي الرحمة والرأفة بالحق؛ لأن البعيد عن الحق يجد وحشة منه، ولهذا كذلك الإنسان في نفسه إذا وجد وحشة من الحق ليعلم أن هذه الوحشة من الحق ليست حكماً بكون هذا الأمر حقاً أو باطلاً؛ إنما لأنه بعيد عن الحق فيحتاج إلى القرب منه على سبيل التدرج، كما أن الإنسان يسوس غيره عليه كذلك أن يسوس نفسه من جهة القرب من الحق على الشيء اليسير؛ ككون الإنسان في ظلام، لا يخرج إلى النور مباشرة حتى لا يضر نفسه، وإنما يكون على سبيل التدرج؛ حتى يبقى, بخلاف الإنسان الذي يأتي دفعة واحدة؛ كالذي يكون في ظلام ثم يخرج إلى النور فإنه يرتد ويرجع, أو ربما يتألم أو نحو ذلك، لهذا حتى لا يرتد ولا ينتكس عليه أن يأخذ الحق من أعلاه، إذا أراد الحق، ولهذا السياسة الشرعية في الحق تختلف عن السياسة الشرعية في الباطل. ‏
 الحرص على جمع الكلمة والاجتماع على قيادة موحدة
من سياسة النبي صلى الله عليه وسلم حرصه على جمع الكلمة، وحرصه عليه الصلاة والسلام على القيادة ولو كان هناك اثنين فقط، وألا يختلفا، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم حينما بعث معاذاً و أبا موسى أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتطاوعا، لئلا يخرجا عن أمر واحد, يقضيان فيه لأمر الناس، أما ما يتعلق بعمل الفرد لصالح نفسه فإن الأمر إليه؛ لماذا؟ لأن الأمة إن اختلفت ولم يكن لها قيادة فإنها إلى شتات، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لا يبعث سرية ولا غزاة في غزوة ولا قوماً في سفر إلا ويؤمر النبي عليه الصلاة والسلام عليهم أميراً، بل النبي عليه الصلاة والسلام يحث أصحابه إذا كانوا في سفر ثلاثة فما فوق إلا وجعل النبي عليه الصلاة والسلام عليهم أو منهم أميراً؛ لماذا؟ لأن الأمة لا بد لها من آمر ومأمور، وإلا لا يستقيم أمر الأمة؛ لماذا؟ لأن في الجماعة هيبة، وهذا من أعظم السياسات التي اتخذها الأنبياء في أممهم، أن يجتمع الناس على أمر واحد، وذلك أن الجماعة لها هيبة أكثر من الفرقة، ولو كان الناس على ملة واحدة، ولهذا الله سبحانه وتعالى نهى عن التنازع والتفرق؛ لماذا؟ قال: فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46]، يعني: القوة، وهيبة الناس، النبي صلى الله عليه وسلم بين الله عز وجل له أن الجماعة أمر فطري، أمر فطري في كل ما يدرك حتى في البهائم، لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في المسند والسنن قال عليه الصلاة والسلام: ( ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا يؤذن فيهم ولا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، وعليكم بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية )، لماذا الذئب يأكل من الغنم القاصية ولا يذهب إلى الجماعة؟ لأنها أظهر في الاختيار وإتاحة الفرصة؛ لماذا؟ لأنه حتى البهائم تهاب الجماعة، وهي تعلم أنه إذا جاء إلى الغنم وهي مجتمعة أو مختلفة أن ذلك لا يؤثر عليه شيء، ولكنه أمر في قلوب الكائنات جعله الله سبحانه وتعالى، لهذا الأمة التي تختلف مهما كانت كثيرة يهزمها الأقل منها إذا كانوا مجتمعين، ولهذا الله سبحانه وتعالى لماذا ينصر المائة والمائتين على الألف والألفين من المشركين لماذا؟ لأن أمرهم من جهة الاجتماع أعظم، ولماذا يهزم النبي عليه الصلاة والسلام اليهود وأضرابهم مع قلة العدد؟ لأن الله عز وجل يقول عنهم: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى [الحشر:14]، كذلك كفار قريش هل هم مجتمعون من جهة الحقيقة أو مختلفون؟ لا, مختلفون؛ لأنهم لم يخرجوا بصدق وإخلاص، ولهذا الله سبحانه وتعالى ذكر خروجهم أن سببه كما قال: بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ [الأنفال:47], لأجل الكبر، (( بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ )), كلٌ يرائي الآخر، لكن ليس لهم مبدأ وليس لهم رأي؛ لماذا؟ لأنهم ليس لديهم اقتناع حتى في الوثنية، لهذا الله سبحانه وتعالى يقول: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [الأنعام:33]، يعني: لا يكذبون دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]، يجحدون بهذه الرسالة الحقة، ولكن من جهة الحقيقة هزيمتهم إنما كانت بالاختلاف الباطن، ولو كان الاجتماع من جهة الظاهر، فغلبت أمة مجتمعة باطناً وظاهراً أكثر بأضعاف مضاعفة أمة مجتمعة في الظاهر وغير مجتمعة في الباطن، ولهذا من أعظم ما ينصر الأمة أن تجتمع على ملة وعقيدة واحدة، وأن تجتمع كذلك في صف واحد.
وصايا في السياسة الشرعية

 الوصية بتطهير البواطن
لهذا أوصيكم بتطهير البواطن لمن؟ لله سبحانه وتعالى، قد تجدون كلاماً في أنفسكم, من بعضكم في بعض, من الجماعة في الجماعة، لكن يجمعكم الإسلام والتوحيد، وهذا أعظم مطلب تجتمع الأمة عليه، هذا المجتمع مجتمع سني، لا يكون فيه ملة ككثير من البلدان التي عن يمينكم وشمالكم، لا يوجد فيه نصارى، لا يوجد فيه رافضة، وكلكم من أهل السنة، ثم تكون الأمة مختلفة وهي تريد الحق، ولهذا ينبغي أن نعلم أن عتبة الاجتماع هي تطهير البواطن وإرادة أمر الله سبحانه وتعالى، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم، وكما كان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم جمع الله عز وجل به الأمة لهذا الأمر، الأمة لا تجتمع على الثروات، لا تجتمع على المال، كم من الأمم عندها المال ثم تقاتلت، الأمة تجتمع على الحق والعدل، الحق الذي يريده الله أو تريده أنت؟ الذي يريده الله سبحانه وتعالى، لهذا الله عز وجل يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63]، كم من الأمم لديها من الأموال ما لديها وهي تتقاتل وتتصارع؟لهذا أنا أقول: إن الإنصاف في جانب توحيد الله سبحانه وتعالى والعدل ما اجتمع الناس على دعائم الإسلام العظام، فعليهم أن يجتمعوا، ويؤجلوا النظر في الجزئيات إلى ما بعد اجتماعهم، يعالجونها بعد ذلك، يتحاكمون فيها إلى أمر الله سبحانه وتعالى، البلد مقبل إلى تشكيل نظام، مقبل إلى تشكيل دستور، ينبغي على الأمة أن تجتمع وأن تستيقظ، وأن تعلم أمر الله سبحانه وتعالى الذي أراده منها، وألا ينكسوا وألا يتفرقوا، وأنهم يجب عليهم أن يتوحدوا وحدة كاملة، كالأصابع في اليد الواحدة يخدم بعضها بعضاً وكلها في جسد واحد.لهذا عليهم أن يتواصوا، وأن يتذاكروا بذلك، وأن يكون همهم النبي صلى الله عليه وسلم من جهة اتباعه ومنهجه, لا تصفية الحسابات، ولا الانتقام الذاتي، ولا النظر إلى حظوظ النفس، أو حظوظ القبيلة، أو النظر إلى أمر المدينة، يمثلوني أو يمثلون غيري، ما دام أن الأمة تجتمع على مثل هذا الأمر فإنها على الحق بإذن الله سبحانه وتعالى.الكلام في منهج النبي صلى الله عليه وسلم وسياسته، وتعامله مع الناس، وتدرجه عليه الصلاة والسلام, ولطفه معهم، وسياسة النبي صلى الله عليه وسلم مع الأقربين, في أزواجه, والكفار, والمشركين, إذا أراد الإنسان أن ينظر فيها ففي سنة النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك الشيء العظيم، وهي بحر لا ساحل له، إذا استضاءت بهدي النبي عليه الصلاة والسلام فلن تضل ولن تضيع، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً )، بقدر التمسك يكون الثبات، ( كتاب الله، وسنتي )، سنة النبي صلى الله عليه وسلم.أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم من المهتدين بهدي نبيه, الممتثلين لأمره، السالكين للصراط المستقيم، وأسأله جل وعلا أن يثبتني وإياكم على الهدى والتقى والعفاف والغناء، وأن يجمع كلمة المسلمين، وكلمة الأمة الليبية على الحق على التوحيد والسنة, وأن يؤلف بين قلوبهم، وأن يسل سخيمة صدورهم، وأن يؤلف بينهم على الفطرة وعلى الحق والمنهج القويم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه السياسة الشرعية للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net