اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كيف نتعامل مع الفتن؟ للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


كيف نتعامل مع الفتن؟ - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
الابتلاء سنة من سنن الله في خلقه، يميز الله به الخبيث من الطيب، ومن الابتلاء الفتن التي تحدث، سواء كانت خاصة كفتنة الإنسان في نفسه وأهله، أو عامة كالفتنة في المال، والفتنة في الدين، فمن أراد النجاة منها فعليه بطريق محمد صلى الله عليه وسلم.
مقدمة في الحديث عن الفتن
إن الحمد لله, نحمده ونستعينه, ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:‏
 كيفية معرفة الفتن
ولهذا ينبغي أن يعلم أن الإنسان لا يمكن أن يعرف الفتنة إلا بمعرفة الحق الظاهر البين، وأن الإنسان لا يمكن أن يعرف قدر الظلام ومراتبه ودرجاته إلا وقد عاش في النور وهذا أمر معلوم، ومن عاش في نور يسير فإنه يشكل عليه ويؤثر عليه الظلام اليسير وهذا أمر معلوم، كما أنه في النور كذلك في الظلمة، وكذلك كما أنه أيضاً في الأمور المدركة بالنظر كذلك في الأمور المدركة بالسمع، وكذلك ما يطرأ على قلب الإنسان، فإن العوارض الدقيقة التي تطرأ على قلب الإنسان تتراكم حتى تكون هرماً كبيراً لا يشعر به الإنسان إلا وقد انصرف وانقلب.ومعلوم أن انحراف الإنسان من جهة إلى جهة يشابهه انصراف قلب الإنسان من جهة إلى جهة، فإن الإنسان قد ينحرف شيئاً فشيئاً إذا كان في طريق قد اتجه شمالاً أو اتجه جنوباً، فإذا انحرف به الطريق شيئاً فشيئاً فإنه يظن أنه على جهته الأولى، كذلك بالنسبة للإنسان من جهة انصراف قلبه، إذا انصرف قلب الإنسان فتشرب شيئاً من الفتن شعرةً أو عوداً عوداً، فإنه حينئذ ينكر الحقائق فيحل مكان النور الظلمة ومكان الحق الباطل ومكان الكلام الصحيح والمعاني الحقة الكلام الخطأ والمعاني الباطلة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً ) ، وفي قوله عليه الصلاة والسلام جاء في رواية: (عوداً عودًا)، أي أن المراد بذلك: أنها تتكرر على نحو لا يدركه الإنسان حساً، فتتراكم تلك الفتن التي تعرض على القلوب حتى يشربها الإنسان ولا يدرك من ذلك شيئاً وهذا أمر معلوم.لهذا ينبغي للإنسان أن يعلم أنه ينبغي له أن يحافظ على سلامة دينه، وكذلك أيضاً أن يدرك أن البعد عن مواضع الفتن لمن جهل حقيقتها وكذلك منافذها بالنسبة للوصول إلى قلب الإنسان أن هذا من أعظم مواضع السلامة، ولهذا حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مخالطة المشركين إذا أظهروا الباطل؛ وذلك أن في إظهار الباطل مع وجود النكران أو النكير في قلب الإنسان يجعل الإنسان يتشرب ذلك الباطل شيئاً فشيئاً حتى يستروحه، فإذا استروحه مرةً تلتها مرة أخرى، ثم بعد ذلك يقع الإنسان في استرواح الباطل وقبوله والبعد عن طريق الحق والهداية. إن النبي صلى الله عليه وسلم -كما تقدم في حديث العرباض بن سارية- قد بين الحق وبين الضد المناقض له، وهذا ظاهر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور ) ، فهذا الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزوم طريق الحق فيه تضمين أو إشارة إلى وجود المناقض لذلك الطريق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: تمسكوا بها، فإن المتمسك بشيء فيه إشارة إلى وجود من ينازعه في هذا الشيء، وكذلك لوجود زلزلة لقدمه حتى يضطرب أو يسقط، وهذا أمر معلوم، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى وجود مناقض لمن سلك هذا الطريق، فأمر بالتمسك به وليس السير عليه مجرداً، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تمسكوا بها)، وأكد ذلك بقوله: (وعضوا عليها بالنواجذ)، والإنسان لا يمكن أن يعض على شيء بنواجذه إلا لوجود أحد يجذب ذلك الحق منه، فإن الإنسان يمسك بالشيء، وإمساكه بالشيء دليل على وجود منازعة، أو أن هذا الشيء الذي يمسك به لو لم ينازعه أحد بغيره فإنه ينازعه بذاته، فإن الحفاظ على الشيء ولو لم يكن ثمة أحد ينازعه فيه فإن الحق بذاته يحتاج إلى تمسك به وإلا غادر.ولهذا حث وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهمية معاهدة القرآن، ومعلوم أن القرآن من جهة اللفظ في ذاته لا ينتزعه شيء خارج عنه وإنما ينتزع ذاته، أعني القرآن ينتزع ذاته، والإنسان الذي لا يكرر القرآن ولا يتعاهد القرآن فإنه ينفلت منه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما: ( تعاهدوا القرآن؛ فوالذي نفسي بيده إنه لأشد تفلتاً من الإبل في عقلها ) ، والمراد بذلك أن الإنسان إذا لم يتعاهد الحق ويكثر من الإمساك به ولو لم يجذبه أحد، فإن ذلك يعني انصراف الحق بذاته على سبيل التدرج شيئاً فشيئاً حتى يغادر الحق من الإنسان ولا يبقى معه شيء.ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن أعظم ما يستمسك به الإنسان للوقاية من طرق الشر هو الإمساك بالحق بذاته، فإن الإمساك بالحق بذاته يجعل الإنسان من أهل الثبات واليقين، وإذا استقر الحق في ذات الإنسان ولم يعده الإنسان من جهة التكرار وكذلك التأمل والنظر وكذلك الاعتبار بغيره، فإن الفائدة تلحق الأخرى معها، فإن الإنسان يضعف شيئاً فشيئاً؛ لأن ذلك الحق إذا زاح حل محله الباطل وهذا أمر معلوم ومشاهد، وهذا كما أنه في المعاني كذلك أيضاً في الأمور المحسوسة، وقد جعل الله جل وعلا كثيراً من أمور المعاني تشابه المحسوسات.ونحن في المجالس القادمة بإذن الله جل وعلا وفي هذا المجلس بإذنه تعالى سنتكلم على جملة من الفتن, وتقرير جملة من المسائل التي تتعلق بالفتن، سواءً الفتن الحاضرة أو الفتن الغائبة، الفتن الباطنة أو الفتن الظاهرة، بحسب الحاجة إليه، والعالم والداعية والمبلغ عن الله جل وعلا ينبغي له أن يهتم بأمر نفسه من جهة ما يضطرب أو يشكل عليه من جهة معرفة الحق وكذلك تبليغه للناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عاش مع أصحابه بما يحتاجون إليه من جهة جلب أسباب الخير وتكميلها، ودفع أسباب الشر وتنقصيها قدر الإمكان والوسع.
أهمية معرفة طرق الشر للوقاية من الفتن
ولهذا ينبغي للإنسان إذا أراد ثباتاً ويقيناً، أولاً: أن يعرف الحق بذاته، وهذا أمر قد تقدم الإشارة إليه، الأمر الثاني: أن يعرف الباطل، ومعرفة تفاصيله من الأمور المهمة، ولهذا كان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يستبصرون ويستفصلون في أمور الفتن، وكذلك يدققون ويتذاكرونها، وإن في مذاكرتها معرفةً لمواضعها ودقائقها، ولهذا قال حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله تعالى كما جاء في الصحيحين وغيرهما، قال: ( كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ فقال: نعم ) ، إلى آخر الخبر.وفي ذلك أيضاً إشارة إلى ما جاء في الصحيح من حديث شقيق عن حذيفة بن اليمان قال: ( كنا جلوساً عند عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى، فقال عمر: أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتن؟ فقال حذيفة : نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فتنة الرجل في ماله وولده ونفسه تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى: ليس هذا الذي أريد، ولكن أريد الفتنة التي تموج كموج البحر ).والمراد: بهذا أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يهتمون بحسب الفتن التي يعيشونها، وأن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى في زمنه كان الناس في حال تقشف ولم يكونوا على أمر الانفتاح من جهة المال، مع إدراكه عليه رضوان الله تعالى أن الفتنة في أمر المال هي المجلبة لفتنة الرأي وفتنة القول، ولهذا قد روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير من حديث عمر بن الخطاب أنه قال: إذا وجد الماء وجد المال وإذا وجد المال وجدت الفتنة وهذا أمر معلوم، فإن الله عز وجل إذا بسط الرزق لعباده بغوا في الأرض، وقد روى ابن جرير الطبري أيضاً في كتابه التفسير عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال عند هذه الآية، قال: كانت العرب إذا كانوا في عام سنة انشغلوا بأنفسهم، وإذا كانوا في عام بسطة رزق اقتتلوا وقتل بعضهم بعضاً، وهذا أمر معلوم.
 كيفية معرفة الفتن
ولهذا ينبغي أن يعلم أن الإنسان لا يمكن أن يعرف الفتنة إلا بمعرفة الحق الظاهر البين، وأن الإنسان لا يمكن أن يعرف قدر الظلام ومراتبه ودرجاته إلا وقد عاش في النور وهذا أمر معلوم، ومن عاش في نور يسير فإنه يشكل عليه ويؤثر عليه الظلام اليسير وهذا أمر معلوم، كما أنه في النور كذلك في الظلمة، وكذلك كما أنه أيضاً في الأمور المدركة بالنظر كذلك في الأمور المدركة بالسمع، وكذلك ما يطرأ على قلب الإنسان، فإن العوارض الدقيقة التي تطرأ على قلب الإنسان تتراكم حتى تكون هرماً كبيراً لا يشعر به الإنسان إلا وقد انصرف وانقلب.ومعلوم أن انحراف الإنسان من جهة إلى جهة يشابهه انصراف قلب الإنسان من جهة إلى جهة، فإن الإنسان قد ينحرف شيئاً فشيئاً إذا كان في طريق قد اتجه شمالاً أو اتجه جنوباً، فإذا انحرف به الطريق شيئاً فشيئاً فإنه يظن أنه على جهته الأولى، كذلك بالنسبة للإنسان من جهة انصراف قلبه، إذا انصرف قلب الإنسان فتشرب شيئاً من الفتن شعرةً أو عوداً عوداً، فإنه حينئذ ينكر الحقائق فيحل مكان النور الظلمة ومكان الحق الباطل ومكان الكلام الصحيح والمعاني الحقة الكلام الخطأ والمعاني الباطلة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً ) ، وفي قوله عليه الصلاة والسلام جاء في رواية: (عوداً عودًا)، أي أن المراد بذلك: أنها تتكرر على نحو لا يدركه الإنسان حساً، فتتراكم تلك الفتن التي تعرض على القلوب حتى يشربها الإنسان ولا يدرك من ذلك شيئاً وهذا أمر معلوم.لهذا ينبغي للإنسان أن يعلم أنه ينبغي له أن يحافظ على سلامة دينه، وكذلك أيضاً أن يدرك أن البعد عن مواضع الفتن لمن جهل حقيقتها وكذلك منافذها بالنسبة للوصول إلى قلب الإنسان أن هذا من أعظم مواضع السلامة، ولهذا حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مخالطة المشركين إذا أظهروا الباطل؛ وذلك أن في إظهار الباطل مع وجود النكران أو النكير في قلب الإنسان يجعل الإنسان يتشرب ذلك الباطل شيئاً فشيئاً حتى يستروحه، فإذا استروحه مرةً تلتها مرة أخرى، ثم بعد ذلك يقع الإنسان في استرواح الباطل وقبوله والبعد عن طريق الحق والهداية. إن النبي صلى الله عليه وسلم -كما تقدم في حديث العرباض بن سارية- قد بين الحق وبين الضد المناقض له، وهذا ظاهر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور ) ، فهذا الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزوم طريق الحق فيه تضمين أو إشارة إلى وجود المناقض لذلك الطريق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: تمسكوا بها، فإن المتمسك بشيء فيه إشارة إلى وجود من ينازعه في هذا الشيء، وكذلك لوجود زلزلة لقدمه حتى يضطرب أو يسقط، وهذا أمر معلوم، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى وجود مناقض لمن سلك هذا الطريق، فأمر بالتمسك به وليس السير عليه مجرداً، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تمسكوا بها)، وأكد ذلك بقوله: (وعضوا عليها بالنواجذ)، والإنسان لا يمكن أن يعض على شيء بنواجذه إلا لوجود أحد يجذب ذلك الحق منه، فإن الإنسان يمسك بالشيء، وإمساكه بالشيء دليل على وجود منازعة، أو أن هذا الشيء الذي يمسك به لو لم ينازعه أحد بغيره فإنه ينازعه بذاته، فإن الحفاظ على الشيء ولو لم يكن ثمة أحد ينازعه فيه فإن الحق بذاته يحتاج إلى تمسك به وإلا غادر.ولهذا حث وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهمية معاهدة القرآن، ومعلوم أن القرآن من جهة اللفظ في ذاته لا ينتزعه شيء خارج عنه وإنما ينتزع ذاته، أعني القرآن ينتزع ذاته، والإنسان الذي لا يكرر القرآن ولا يتعاهد القرآن فإنه ينفلت منه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما: ( تعاهدوا القرآن؛ فوالذي نفسي بيده إنه لأشد تفلتاً من الإبل في عقلها ) ، والمراد بذلك أن الإنسان إذا لم يتعاهد الحق ويكثر من الإمساك به ولو لم يجذبه أحد، فإن ذلك يعني انصراف الحق بذاته على سبيل التدرج شيئاً فشيئاً حتى يغادر الحق من الإنسان ولا يبقى معه شيء.ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن أعظم ما يستمسك به الإنسان للوقاية من طرق الشر هو الإمساك بالحق بذاته، فإن الإمساك بالحق بذاته يجعل الإنسان من أهل الثبات واليقين، وإذا استقر الحق في ذات الإنسان ولم يعده الإنسان من جهة التكرار وكذلك التأمل والنظر وكذلك الاعتبار بغيره، فإن الفائدة تلحق الأخرى معها، فإن الإنسان يضعف شيئاً فشيئاً؛ لأن ذلك الحق إذا زاح حل محله الباطل وهذا أمر معلوم ومشاهد، وهذا كما أنه في المعاني كذلك أيضاً في الأمور المحسوسة، وقد جعل الله جل وعلا كثيراً من أمور المعاني تشابه المحسوسات.ونحن في المجالس القادمة بإذن الله جل وعلا وفي هذا المجلس بإذنه تعالى سنتكلم على جملة من الفتن, وتقرير جملة من المسائل التي تتعلق بالفتن، سواءً الفتن الحاضرة أو الفتن الغائبة، الفتن الباطنة أو الفتن الظاهرة، بحسب الحاجة إليه، والعالم والداعية والمبلغ عن الله جل وعلا ينبغي له أن يهتم بأمر نفسه من جهة ما يضطرب أو يشكل عليه من جهة معرفة الحق وكذلك تبليغه للناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عاش مع أصحابه بما يحتاجون إليه من جهة جلب أسباب الخير وتكميلها، ودفع أسباب الشر وتنقصيها قدر الإمكان والوسع.
أثر اللسان في إيقاع الفتنة
ومسألة المقاتلة قد لا تكون في مسألة رفع السلاح بالرماح, وكذلك السيوف وإراقة الدماء، وإنما قد يكون ذلك ببذل أو إطلاق اللسان بالوقيعة بالأعراض أو إطلاق آراء الكفر وغير ذلك، ولهذا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سباب المؤمن كقتله، وهذا أمر معلوم، فإن الإنسان إذا أطلق لسانه في عرض غيره فإن هذا مما يشابه استباحة دم الإنسان، ومعلوم أن الإنسان لا يمكن أن يقدم على إراقة دم غيره إلا وقد تسبب قبل ذلك أحد من الأطراف باستباحة عرضه، ومعلوم أن القتل لا يأتي إلا عن طريق اللسان، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في المسند والسنن من حديث معاذ بن جبل : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما قال معاذ : ( أنحن مؤاخذون بما نقول؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم ) ، يعني: أن حصائد الألسنة هي التي تكب الإنسان في النار، وتتسبب بالفتنة، ولهذا لا يمكن أن تقع الفتنة من أعلاها وأدناها إلا بسبب إطلاق العبارة.ونحن في زمن قد كثرت فيه الفتن وأعظمها فتنة هي فتنة إطلاق اللسان، وإطلاق اللسان ما يظهر فيه من كثير من إظهار الأقوال الباطلة من الكفريات وكذلك من النفاق والفسوق وغير ذلك، تحت عبارات متنوعة بما يسمى بحرية الرأي، أو ما يسمى بالنقد وغير ذلك ففتح الباب على مصراعيه، مما يحتاج معه المؤمن إلى معرفة الحق من جهة تأصيله وتقعيده ومعرفة الباطل وتأصيله وتقعيده، فإن الإنسان في بعض الأزمنة يكون أحوج إلى معرفة الباطل من معرفة الحق بذاته، وذلك لكثرة طرق الباطل، فإن طرق الباطل كثيرة وطريق الخير واحد.ولهذا جاء في حديث أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ( خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً، وخط عن يمينه وعن شماله خطوطاً فقال: هذا الصراط المستقيم، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها ) ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصراط المستقيم خطاً واحداً، وجعل السبل متنوعة وجعلها أيضاً من جهة العدد ومن جهة المكان، من جهة العدد متنوعة وكذلك كثيرة، ومن جهة المكان عن يمين وعن شمال، وذلك بحسب التفات القلوب، فإن من القلوب من تتشوف إلى طريق من الطرق كطريق أهل الغلو، ومن الناس من يتشوف إلى طريق أهل الانسلاخ فيلتفت يمنة.
 كيفية معرفة الفتن
ولهذا ينبغي أن يعلم أن الإنسان لا يمكن أن يعرف الفتنة إلا بمعرفة الحق الظاهر البين، وأن الإنسان لا يمكن أن يعرف قدر الظلام ومراتبه ودرجاته إلا وقد عاش في النور وهذا أمر معلوم، ومن عاش في نور يسير فإنه يشكل عليه ويؤثر عليه الظلام اليسير وهذا أمر معلوم، كما أنه في النور كذلك في الظلمة، وكذلك كما أنه أيضاً في الأمور المدركة بالنظر كذلك في الأمور المدركة بالسمع، وكذلك ما يطرأ على قلب الإنسان، فإن العوارض الدقيقة التي تطرأ على قلب الإنسان تتراكم حتى تكون هرماً كبيراً لا يشعر به الإنسان إلا وقد انصرف وانقلب.ومعلوم أن انحراف الإنسان من جهة إلى جهة يشابهه انصراف قلب الإنسان من جهة إلى جهة، فإن الإنسان قد ينحرف شيئاً فشيئاً إذا كان في طريق قد اتجه شمالاً أو اتجه جنوباً، فإذا انحرف به الطريق شيئاً فشيئاً فإنه يظن أنه على جهته الأولى، كذلك بالنسبة للإنسان من جهة انصراف قلبه، إذا انصرف قلب الإنسان فتشرب شيئاً من الفتن شعرةً أو عوداً عوداً، فإنه حينئذ ينكر الحقائق فيحل مكان النور الظلمة ومكان الحق الباطل ومكان الكلام الصحيح والمعاني الحقة الكلام الخطأ والمعاني الباطلة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً ) ، وفي قوله عليه الصلاة والسلام جاء في رواية: (عوداً عودًا)، أي أن المراد بذلك: أنها تتكرر على نحو لا يدركه الإنسان حساً، فتتراكم تلك الفتن التي تعرض على القلوب حتى يشربها الإنسان ولا يدرك من ذلك شيئاً وهذا أمر معلوم.لهذا ينبغي للإنسان أن يعلم أنه ينبغي له أن يحافظ على سلامة دينه، وكذلك أيضاً أن يدرك أن البعد عن مواضع الفتن لمن جهل حقيقتها وكذلك منافذها بالنسبة للوصول إلى قلب الإنسان أن هذا من أعظم مواضع السلامة، ولهذا حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مخالطة المشركين إذا أظهروا الباطل؛ وذلك أن في إظهار الباطل مع وجود النكران أو النكير في قلب الإنسان يجعل الإنسان يتشرب ذلك الباطل شيئاً فشيئاً حتى يستروحه، فإذا استروحه مرةً تلتها مرة أخرى، ثم بعد ذلك يقع الإنسان في استرواح الباطل وقبوله والبعد عن طريق الحق والهداية. إن النبي صلى الله عليه وسلم -كما تقدم في حديث العرباض بن سارية- قد بين الحق وبين الضد المناقض له، وهذا ظاهر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور ) ، فهذا الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزوم طريق الحق فيه تضمين أو إشارة إلى وجود المناقض لذلك الطريق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: تمسكوا بها، فإن المتمسك بشيء فيه إشارة إلى وجود من ينازعه في هذا الشيء، وكذلك لوجود زلزلة لقدمه حتى يضطرب أو يسقط، وهذا أمر معلوم، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى وجود مناقض لمن سلك هذا الطريق، فأمر بالتمسك به وليس السير عليه مجرداً، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تمسكوا بها)، وأكد ذلك بقوله: (وعضوا عليها بالنواجذ)، والإنسان لا يمكن أن يعض على شيء بنواجذه إلا لوجود أحد يجذب ذلك الحق منه، فإن الإنسان يمسك بالشيء، وإمساكه بالشيء دليل على وجود منازعة، أو أن هذا الشيء الذي يمسك به لو لم ينازعه أحد بغيره فإنه ينازعه بذاته، فإن الحفاظ على الشيء ولو لم يكن ثمة أحد ينازعه فيه فإن الحق بذاته يحتاج إلى تمسك به وإلا غادر.ولهذا حث وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهمية معاهدة القرآن، ومعلوم أن القرآن من جهة اللفظ في ذاته لا ينتزعه شيء خارج عنه وإنما ينتزع ذاته، أعني القرآن ينتزع ذاته، والإنسان الذي لا يكرر القرآن ولا يتعاهد القرآن فإنه ينفلت منه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما: ( تعاهدوا القرآن؛ فوالذي نفسي بيده إنه لأشد تفلتاً من الإبل في عقلها ) ، والمراد بذلك أن الإنسان إذا لم يتعاهد الحق ويكثر من الإمساك به ولو لم يجذبه أحد، فإن ذلك يعني انصراف الحق بذاته على سبيل التدرج شيئاً فشيئاً حتى يغادر الحق من الإنسان ولا يبقى معه شيء.ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن أعظم ما يستمسك به الإنسان للوقاية من طرق الشر هو الإمساك بالحق بذاته، فإن الإمساك بالحق بذاته يجعل الإنسان من أهل الثبات واليقين، وإذا استقر الحق في ذات الإنسان ولم يعده الإنسان من جهة التكرار وكذلك التأمل والنظر وكذلك الاعتبار بغيره، فإن الفائدة تلحق الأخرى معها، فإن الإنسان يضعف شيئاً فشيئاً؛ لأن ذلك الحق إذا زاح حل محله الباطل وهذا أمر معلوم ومشاهد، وهذا كما أنه في المعاني كذلك أيضاً في الأمور المحسوسة، وقد جعل الله جل وعلا كثيراً من أمور المعاني تشابه المحسوسات.ونحن في المجالس القادمة بإذن الله جل وعلا وفي هذا المجلس بإذنه تعالى سنتكلم على جملة من الفتن, وتقرير جملة من المسائل التي تتعلق بالفتن، سواءً الفتن الحاضرة أو الفتن الغائبة، الفتن الباطنة أو الفتن الظاهرة، بحسب الحاجة إليه، والعالم والداعية والمبلغ عن الله جل وعلا ينبغي له أن يهتم بأمر نفسه من جهة ما يضطرب أو يشكل عليه من جهة معرفة الحق وكذلك تبليغه للناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عاش مع أصحابه بما يحتاجون إليه من جهة جلب أسباب الخير وتكميلها، ودفع أسباب الشر وتنقصيها قدر الإمكان والوسع.
تنوع أهواء الناس تجاه الفتن
كذلك أيضاً فإن شهوات الناس وتشوفهم للفتن يتنوع، فمن الناس من يلتفت إلى فتنة السمع, ومنهم من يتشوف إلى فتنة البصر، ومنهم من يتشوف إلى فتنة الفرج، ومنهم من يتشوف إلى فتنة الكلام، ومنهم من يتشوف إلى فتنة الفكر وغير ذلك، فتتنوع الفتن، فبحسب أهواء الناس تنوعت الطرق، ولهذا قال الله جل وعلا: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة:257] ، فسماها: ظلمات، وسمى الحق: نوراً، فجعله نوراً واحداً وجعل الظلمات متعددة، وذلك بحسب المشارب، ولهذا كان على كل طريق منها شيطان يدعو إليها.والتبصر بمعرفة الطرق هذه يرجع إلى حكمة الإنسان ويرجع أيضاً إلى معرفة العالم المتبصر بخطورة هذه الفتن تراكماً، فإن العالم اليقظ وكذلك الداعية وكذلك العابد الصالح الذي يعرف مواضع الخطورة يعرف الفتنة المقبلة ويعرف الفتنة المدبرة، ويعرف الفتنة العظيمة ويعرف الفتنة الحقيرة، ومرد ذلك كله إلى معرفة العظيم والحقير, والكبير والصغير, والقوي والضعيف بما قدره الشارع من كلام الله جل وعلا, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنحن نقيم الشريعة بما قيمها الشارع، ونقيم الدنيا مما تركه الشارع لنا بما ننظر إليه، وما أعطانا الله جل وعلا من حس ومعرفة وإدراك، فالخلط في هذين البابين يجعل الإنسان يضطرب في هذا.لهذا يقول العلماء: إن أهل العلم العارفين بمواضع الخير والشر هم أهل الإدراك والعناية، وهم أولى أن يستمع لقولهم؛ وذلك أن كثيراً من الناس ينظرون إلى دائرة واحدة وهي دائرة الشر، أو ينظرون إلى دائرة واحدة وهي دائرة الخير، فلا يميزون أولى مراتب الخير، وكذلك لا يميزون بين أدنى دركات الشر، وهذا الخلط يقع فيه كثير من العامة ويمتحن فيه كثير من العلماء حتى ينساق كثير من العلماء بأخذ الأدنى تلبيةً لرغبة العامة، وهذا من الجهل.لهذا ينبغي للإنسان ألا يجامل في دين الله جل وعلا، وأن يقدم أمور الدين وأحكامه بحسب تقديم الله جل وعلا، وأن يأخذ الأشد فالأشد بحسب تأكيد الشارع عليه، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله جل وعلا عليه شريعته على سبيل التدرج، وهذا التدرج جاء بالأهم مع صعوبته وشدته؛ وذلك أن أعظم الأمور ثباتاً ورسوخاً في قلب الإنسان ما يفعله الإنسان على سبيل التعبد والتدين، فإن كفار قريش قد فتنوا بأمر الأصنام والأوثان، وأصلها هي من الأولياء والصالحين فصوروها ثم جعلوا لها أصناماً وتماثيل ثم عبدوها من دون الله جل وعلا، وهذه تتعلق بأفعالهم وأقوالهم في نومهم ويقظتهم، لا يغادر الإنسان إلا وقد تطير بشيء من أصنامهم واستقسم بالأزلام، وكذلك أيضاً في حال ولادة أحد له من ذكر أو أنثى، وكذلك في زواجهم، وكذلك أيضاً في ذبائحهم يهلون بها لغير الله، كذلك أيضاً في أقوالهم ومجالسهم وأيمانهم فتشربت قلوبهم بذلك، فمع كون هذا الأمر قد تشرب بقلوبهم ولكنه يتعلق بأمر التوحيد أكده رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل ما كان من أمر الدين ولو كان متأكداً دون أمر التوحيد، فرسخ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر التوحيد قدر وسعه وإمكانه، فدعا إليه بمكة مع جملة من فضائل الإسلام والإيمان، وكذلك مكارم الأخلاق التي تتوافق مع الفطرة وتحث على ما كان عليه كفار قريش مما يعضد هذا هذا، فإن في تصحيح أجزاء الفطرة تأسيساً وتقعيداً وتأكيداً أيضاً لذلك البساط الذي نشأ عليه، أو تلك القاعدة التي نشأ عليها بناء الإسلام.
 كيفية معرفة الفتن
ولهذا ينبغي أن يعلم أن الإنسان لا يمكن أن يعرف الفتنة إلا بمعرفة الحق الظاهر البين، وأن الإنسان لا يمكن أن يعرف قدر الظلام ومراتبه ودرجاته إلا وقد عاش في النور وهذا أمر معلوم، ومن عاش في نور يسير فإنه يشكل عليه ويؤثر عليه الظلام اليسير وهذا أمر معلوم، كما أنه في النور كذلك في الظلمة، وكذلك كما أنه أيضاً في الأمور المدركة بالنظر كذلك في الأمور المدركة بالسمع، وكذلك ما يطرأ على قلب الإنسان، فإن العوارض الدقيقة التي تطرأ على قلب الإنسان تتراكم حتى تكون هرماً كبيراً لا يشعر به الإنسان إلا وقد انصرف وانقلب.ومعلوم أن انحراف الإنسان من جهة إلى جهة يشابهه انصراف قلب الإنسان من جهة إلى جهة، فإن الإنسان قد ينحرف شيئاً فشيئاً إذا كان في طريق قد اتجه شمالاً أو اتجه جنوباً، فإذا انحرف به الطريق شيئاً فشيئاً فإنه يظن أنه على جهته الأولى، كذلك بالنسبة للإنسان من جهة انصراف قلبه، إذا انصرف قلب الإنسان فتشرب شيئاً من الفتن شعرةً أو عوداً عوداً، فإنه حينئذ ينكر الحقائق فيحل مكان النور الظلمة ومكان الحق الباطل ومكان الكلام الصحيح والمعاني الحقة الكلام الخطأ والمعاني الباطلة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً ) ، وفي قوله عليه الصلاة والسلام جاء في رواية: (عوداً عودًا)، أي أن المراد بذلك: أنها تتكرر على نحو لا يدركه الإنسان حساً، فتتراكم تلك الفتن التي تعرض على القلوب حتى يشربها الإنسان ولا يدرك من ذلك شيئاً وهذا أمر معلوم.لهذا ينبغي للإنسان أن يعلم أنه ينبغي له أن يحافظ على سلامة دينه، وكذلك أيضاً أن يدرك أن البعد عن مواضع الفتن لمن جهل حقيقتها وكذلك منافذها بالنسبة للوصول إلى قلب الإنسان أن هذا من أعظم مواضع السلامة، ولهذا حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مخالطة المشركين إذا أظهروا الباطل؛ وذلك أن في إظهار الباطل مع وجود النكران أو النكير في قلب الإنسان يجعل الإنسان يتشرب ذلك الباطل شيئاً فشيئاً حتى يستروحه، فإذا استروحه مرةً تلتها مرة أخرى، ثم بعد ذلك يقع الإنسان في استرواح الباطل وقبوله والبعد عن طريق الحق والهداية. إن النبي صلى الله عليه وسلم -كما تقدم في حديث العرباض بن سارية- قد بين الحق وبين الضد المناقض له، وهذا ظاهر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور ) ، فهذا الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزوم طريق الحق فيه تضمين أو إشارة إلى وجود المناقض لذلك الطريق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: تمسكوا بها، فإن المتمسك بشيء فيه إشارة إلى وجود من ينازعه في هذا الشيء، وكذلك لوجود زلزلة لقدمه حتى يضطرب أو يسقط، وهذا أمر معلوم، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى وجود مناقض لمن سلك هذا الطريق، فأمر بالتمسك به وليس السير عليه مجرداً، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تمسكوا بها)، وأكد ذلك بقوله: (وعضوا عليها بالنواجذ)، والإنسان لا يمكن أن يعض على شيء بنواجذه إلا لوجود أحد يجذب ذلك الحق منه، فإن الإنسان يمسك بالشيء، وإمساكه بالشيء دليل على وجود منازعة، أو أن هذا الشيء الذي يمسك به لو لم ينازعه أحد بغيره فإنه ينازعه بذاته، فإن الحفاظ على الشيء ولو لم يكن ثمة أحد ينازعه فيه فإن الحق بذاته يحتاج إلى تمسك به وإلا غادر.ولهذا حث وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهمية معاهدة القرآن، ومعلوم أن القرآن من جهة اللفظ في ذاته لا ينتزعه شيء خارج عنه وإنما ينتزع ذاته، أعني القرآن ينتزع ذاته، والإنسان الذي لا يكرر القرآن ولا يتعاهد القرآن فإنه ينفلت منه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما: ( تعاهدوا القرآن؛ فوالذي نفسي بيده إنه لأشد تفلتاً من الإبل في عقلها ) ، والمراد بذلك أن الإنسان إذا لم يتعاهد الحق ويكثر من الإمساك به ولو لم يجذبه أحد، فإن ذلك يعني انصراف الحق بذاته على سبيل التدرج شيئاً فشيئاً حتى يغادر الحق من الإنسان ولا يبقى معه شيء.ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن أعظم ما يستمسك به الإنسان للوقاية من طرق الشر هو الإمساك بالحق بذاته، فإن الإمساك بالحق بذاته يجعل الإنسان من أهل الثبات واليقين، وإذا استقر الحق في ذات الإنسان ولم يعده الإنسان من جهة التكرار وكذلك التأمل والنظر وكذلك الاعتبار بغيره، فإن الفائدة تلحق الأخرى معها، فإن الإنسان يضعف شيئاً فشيئاً؛ لأن ذلك الحق إذا زاح حل محله الباطل وهذا أمر معلوم ومشاهد، وهذا كما أنه في المعاني كذلك أيضاً في الأمور المحسوسة، وقد جعل الله جل وعلا كثيراً من أمور المعاني تشابه المحسوسات.ونحن في المجالس القادمة بإذن الله جل وعلا وفي هذا المجلس بإذنه تعالى سنتكلم على جملة من الفتن, وتقرير جملة من المسائل التي تتعلق بالفتن، سواءً الفتن الحاضرة أو الفتن الغائبة، الفتن الباطنة أو الفتن الظاهرة، بحسب الحاجة إليه، والعالم والداعية والمبلغ عن الله جل وعلا ينبغي له أن يهتم بأمر نفسه من جهة ما يضطرب أو يشكل عليه من جهة معرفة الحق وكذلك تبليغه للناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عاش مع أصحابه بما يحتاجون إليه من جهة جلب أسباب الخير وتكميلها، ودفع أسباب الشر وتنقصيها قدر الإمكان والوسع.
بيان الله ورسوله ما يحتاجه الناس في مواجهة الفتن
إن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين لأصحابه أحكام الدين جملةَ وتفصيلاً، فبين ما يحتاجه الناس بياناً فكان الكلام من الله جل وعلا وكذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم محكماً بيناً، ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7] ، فبين الله سبحانه وتعالى أن الأصل في الدين الوضوح والبيان، وهذا ظاهر أيضاً كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث النعمان بن بشير : قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( الحلال بين والحرام بين ) ، وهذا أيضاً ظاهر في قول الله جل وعلا: كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر:23] ، قد جاء عن عبد الله بن عباس و مجاهد بن جبر وغيرهم أنهم قالوا: يشبه بعضه بعضاً يصدق بعضه بعضاً ويؤكد بعضه بعضاً، ولا يكذب بعضه بعضاً.وهذا يجعل الإنسان إذا أراد معرفة الحق فإنه يعرف بمعرفة الحق بذاته الباطل، فمن عرف الحق بالإجمال عرف الباطل بالإجمال، ومن عرف الحق بالتفصيل عرف الباطل بالتفصيل، ولهذا ينبغي للإنسان أن يقارن بين مراتب المعلومات قدر وسعه وإمكانه، وألا يوغل في جزئيات تذهب به هذه الجزئيات يمنةً ويسرةً، فيظن أنه قد أدرك من علوم الشريعة أو أدرك من مسائل الدين ما يركن إليه قلبه، أنه قد فعل شيئاً تطمئن إليه النفس، وقد ترك ما هو أولى من ذلك لذاته وكذلك لغيره.
 كيفية معرفة الفتن
ولهذا ينبغي أن يعلم أن الإنسان لا يمكن أن يعرف الفتنة إلا بمعرفة الحق الظاهر البين، وأن الإنسان لا يمكن أن يعرف قدر الظلام ومراتبه ودرجاته إلا وقد عاش في النور وهذا أمر معلوم، ومن عاش في نور يسير فإنه يشكل عليه ويؤثر عليه الظلام اليسير وهذا أمر معلوم، كما أنه في النور كذلك في الظلمة، وكذلك كما أنه أيضاً في الأمور المدركة بالنظر كذلك في الأمور المدركة بالسمع، وكذلك ما يطرأ على قلب الإنسان، فإن العوارض الدقيقة التي تطرأ على قلب الإنسان تتراكم حتى تكون هرماً كبيراً لا يشعر به الإنسان إلا وقد انصرف وانقلب.ومعلوم أن انحراف الإنسان من جهة إلى جهة يشابهه انصراف قلب الإنسان من جهة إلى جهة، فإن الإنسان قد ينحرف شيئاً فشيئاً إذا كان في طريق قد اتجه شمالاً أو اتجه جنوباً، فإذا انحرف به الطريق شيئاً فشيئاً فإنه يظن أنه على جهته الأولى، كذلك بالنسبة للإنسان من جهة انصراف قلبه، إذا انصرف قلب الإنسان فتشرب شيئاً من الفتن شعرةً أو عوداً عوداً، فإنه حينئذ ينكر الحقائق فيحل مكان النور الظلمة ومكان الحق الباطل ومكان الكلام الصحيح والمعاني الحقة الكلام الخطأ والمعاني الباطلة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً ) ، وفي قوله عليه الصلاة والسلام جاء في رواية: (عوداً عودًا)، أي أن المراد بذلك: أنها تتكرر على نحو لا يدركه الإنسان حساً، فتتراكم تلك الفتن التي تعرض على القلوب حتى يشربها الإنسان ولا يدرك من ذلك شيئاً وهذا أمر معلوم.لهذا ينبغي للإنسان أن يعلم أنه ينبغي له أن يحافظ على سلامة دينه، وكذلك أيضاً أن يدرك أن البعد عن مواضع الفتن لمن جهل حقيقتها وكذلك منافذها بالنسبة للوصول إلى قلب الإنسان أن هذا من أعظم مواضع السلامة، ولهذا حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مخالطة المشركين إذا أظهروا الباطل؛ وذلك أن في إظهار الباطل مع وجود النكران أو النكير في قلب الإنسان يجعل الإنسان يتشرب ذلك الباطل شيئاً فشيئاً حتى يستروحه، فإذا استروحه مرةً تلتها مرة أخرى، ثم بعد ذلك يقع الإنسان في استرواح الباطل وقبوله والبعد عن طريق الحق والهداية. إن النبي صلى الله عليه وسلم -كما تقدم في حديث العرباض بن سارية- قد بين الحق وبين الضد المناقض له، وهذا ظاهر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور ) ، فهذا الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزوم طريق الحق فيه تضمين أو إشارة إلى وجود المناقض لذلك الطريق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: تمسكوا بها، فإن المتمسك بشيء فيه إشارة إلى وجود من ينازعه في هذا الشيء، وكذلك لوجود زلزلة لقدمه حتى يضطرب أو يسقط، وهذا أمر معلوم، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى وجود مناقض لمن سلك هذا الطريق، فأمر بالتمسك به وليس السير عليه مجرداً، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تمسكوا بها)، وأكد ذلك بقوله: (وعضوا عليها بالنواجذ)، والإنسان لا يمكن أن يعض على شيء بنواجذه إلا لوجود أحد يجذب ذلك الحق منه، فإن الإنسان يمسك بالشيء، وإمساكه بالشيء دليل على وجود منازعة، أو أن هذا الشيء الذي يمسك به لو لم ينازعه أحد بغيره فإنه ينازعه بذاته، فإن الحفاظ على الشيء ولو لم يكن ثمة أحد ينازعه فيه فإن الحق بذاته يحتاج إلى تمسك به وإلا غادر.ولهذا حث وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهمية معاهدة القرآن، ومعلوم أن القرآن من جهة اللفظ في ذاته لا ينتزعه شيء خارج عنه وإنما ينتزع ذاته، أعني القرآن ينتزع ذاته، والإنسان الذي لا يكرر القرآن ولا يتعاهد القرآن فإنه ينفلت منه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما: ( تعاهدوا القرآن؛ فوالذي نفسي بيده إنه لأشد تفلتاً من الإبل في عقلها ) ، والمراد بذلك أن الإنسان إذا لم يتعاهد الحق ويكثر من الإمساك به ولو لم يجذبه أحد، فإن ذلك يعني انصراف الحق بذاته على سبيل التدرج شيئاً فشيئاً حتى يغادر الحق من الإنسان ولا يبقى معه شيء.ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن أعظم ما يستمسك به الإنسان للوقاية من طرق الشر هو الإمساك بالحق بذاته، فإن الإمساك بالحق بذاته يجعل الإنسان من أهل الثبات واليقين، وإذا استقر الحق في ذات الإنسان ولم يعده الإنسان من جهة التكرار وكذلك التأمل والنظر وكذلك الاعتبار بغيره، فإن الفائدة تلحق الأخرى معها، فإن الإنسان يضعف شيئاً فشيئاً؛ لأن ذلك الحق إذا زاح حل محله الباطل وهذا أمر معلوم ومشاهد، وهذا كما أنه في المعاني كذلك أيضاً في الأمور المحسوسة، وقد جعل الله جل وعلا كثيراً من أمور المعاني تشابه المحسوسات.ونحن في المجالس القادمة بإذن الله جل وعلا وفي هذا المجلس بإذنه تعالى سنتكلم على جملة من الفتن, وتقرير جملة من المسائل التي تتعلق بالفتن، سواءً الفتن الحاضرة أو الفتن الغائبة، الفتن الباطنة أو الفتن الظاهرة، بحسب الحاجة إليه، والعالم والداعية والمبلغ عن الله جل وعلا ينبغي له أن يهتم بأمر نفسه من جهة ما يضطرب أو يشكل عليه من جهة معرفة الحق وكذلك تبليغه للناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عاش مع أصحابه بما يحتاجون إليه من جهة جلب أسباب الخير وتكميلها، ودفع أسباب الشر وتنقصيها قدر الإمكان والوسع.
الفتنة في تقديم المفضول على الفاضل
ومعلوم أن من أعظم تلبيس إبليس على كثير من الناس، وكذلك أيضاً من العباد والصالحين والعلماء: أن يشغلهم بالمفضول عن الفاضل عند المزاحمة، أو قوة همة الإنسان بما لا يستطيع معه الشيطان أن يدفع تلك الهمة فيصرفها عن أمر فاضل إلى أمر مفضول، فيسرح الإنسان ويمرح في هذا الأمر المفضول، فحينئذ ينقص من الدين الظاهر بحسب انصراف الإنسان عنه، ولهذا كثير من الناس يسلون أنفسهم ببعض أنواع العبادة، وكذلك بعض أنواع الدعوة، ويظنون أنهم بذلك قد سلكوا طريق الهداية التامة، وإن كانوا قد تركوا ما هو أولى وأعظم من ذلك، فإن هذا نوع من التقصير والخلل، بل هو من الفتنة التي يفتن فيها الإنسان.ومعلوم أن من ترك التوحيد وتقريره وانصرف إلى معرفة فضائل الإسلام والإيمان، وكذلك الأخلاق ومكارمها والآداب والسلوك التي دل عليها الإسلام، فأخذ يورد من الآيات والأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشبع معها نهم النفس المنصرفة إلى إرضاء الله، أو شعور الإنسان بشيء من التدين والتعبد لله، فينصرف إلى المفضول مع ترك الفاضل، فتقع حينئذ الفتنة فيفتن الإنسان في ذاته، ويفتن أيضاً غيره بانصراف الإنسان القدوة إلى الأمور المفضولة وترك الأمور الفاضلة.
 كيفية معرفة الفتن
ولهذا ينبغي أن يعلم أن الإنسان لا يمكن أن يعرف الفتنة إلا بمعرفة الحق الظاهر البين، وأن الإنسان لا يمكن أن يعرف قدر الظلام ومراتبه ودرجاته إلا وقد عاش في النور وهذا أمر معلوم، ومن عاش في نور يسير فإنه يشكل عليه ويؤثر عليه الظلام اليسير وهذا أمر معلوم، كما أنه في النور كذلك في الظلمة، وكذلك كما أنه أيضاً في الأمور المدركة بالنظر كذلك في الأمور المدركة بالسمع، وكذلك ما يطرأ على قلب الإنسان، فإن العوارض الدقيقة التي تطرأ على قلب الإنسان تتراكم حتى تكون هرماً كبيراً لا يشعر به الإنسان إلا وقد انصرف وانقلب.ومعلوم أن انحراف الإنسان من جهة إلى جهة يشابهه انصراف قلب الإنسان من جهة إلى جهة، فإن الإنسان قد ينحرف شيئاً فشيئاً إذا كان في طريق قد اتجه شمالاً أو اتجه جنوباً، فإذا انحرف به الطريق شيئاً فشيئاً فإنه يظن أنه على جهته الأولى، كذلك بالنسبة للإنسان من جهة انصراف قلبه، إذا انصرف قلب الإنسان فتشرب شيئاً من الفتن شعرةً أو عوداً عوداً، فإنه حينئذ ينكر الحقائق فيحل مكان النور الظلمة ومكان الحق الباطل ومكان الكلام الصحيح والمعاني الحقة الكلام الخطأ والمعاني الباطلة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً ) ، وفي قوله عليه الصلاة والسلام جاء في رواية: (عوداً عودًا)، أي أن المراد بذلك: أنها تتكرر على نحو لا يدركه الإنسان حساً، فتتراكم تلك الفتن التي تعرض على القلوب حتى يشربها الإنسان ولا يدرك من ذلك شيئاً وهذا أمر معلوم.لهذا ينبغي للإنسان أن يعلم أنه ينبغي له أن يحافظ على سلامة دينه، وكذلك أيضاً أن يدرك أن البعد عن مواضع الفتن لمن جهل حقيقتها وكذلك منافذها بالنسبة للوصول إلى قلب الإنسان أن هذا من أعظم مواضع السلامة، ولهذا حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مخالطة المشركين إذا أظهروا الباطل؛ وذلك أن في إظهار الباطل مع وجود النكران أو النكير في قلب الإنسان يجعل الإنسان يتشرب ذلك الباطل شيئاً فشيئاً حتى يستروحه، فإذا استروحه مرةً تلتها مرة أخرى، ثم بعد ذلك يقع الإنسان في استرواح الباطل وقبوله والبعد عن طريق الحق والهداية. إن النبي صلى الله عليه وسلم -كما تقدم في حديث العرباض بن سارية- قد بين الحق وبين الضد المناقض له، وهذا ظاهر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور ) ، فهذا الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزوم طريق الحق فيه تضمين أو إشارة إلى وجود المناقض لذلك الطريق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: تمسكوا بها، فإن المتمسك بشيء فيه إشارة إلى وجود من ينازعه في هذا الشيء، وكذلك لوجود زلزلة لقدمه حتى يضطرب أو يسقط، وهذا أمر معلوم، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى وجود مناقض لمن سلك هذا الطريق، فأمر بالتمسك به وليس السير عليه مجرداً، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تمسكوا بها)، وأكد ذلك بقوله: (وعضوا عليها بالنواجذ)، والإنسان لا يمكن أن يعض على شيء بنواجذه إلا لوجود أحد يجذب ذلك الحق منه، فإن الإنسان يمسك بالشيء، وإمساكه بالشيء دليل على وجود منازعة، أو أن هذا الشيء الذي يمسك به لو لم ينازعه أحد بغيره فإنه ينازعه بذاته، فإن الحفاظ على الشيء ولو لم يكن ثمة أحد ينازعه فيه فإن الحق بذاته يحتاج إلى تمسك به وإلا غادر.ولهذا حث وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهمية معاهدة القرآن، ومعلوم أن القرآن من جهة اللفظ في ذاته لا ينتزعه شيء خارج عنه وإنما ينتزع ذاته، أعني القرآن ينتزع ذاته، والإنسان الذي لا يكرر القرآن ولا يتعاهد القرآن فإنه ينفلت منه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما: ( تعاهدوا القرآن؛ فوالذي نفسي بيده إنه لأشد تفلتاً من الإبل في عقلها ) ، والمراد بذلك أن الإنسان إذا لم يتعاهد الحق ويكثر من الإمساك به ولو لم يجذبه أحد، فإن ذلك يعني انصراف الحق بذاته على سبيل التدرج شيئاً فشيئاً حتى يغادر الحق من الإنسان ولا يبقى معه شيء.ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن أعظم ما يستمسك به الإنسان للوقاية من طرق الشر هو الإمساك بالحق بذاته، فإن الإمساك بالحق بذاته يجعل الإنسان من أهل الثبات واليقين، وإذا استقر الحق في ذات الإنسان ولم يعده الإنسان من جهة التكرار وكذلك التأمل والنظر وكذلك الاعتبار بغيره، فإن الفائدة تلحق الأخرى معها، فإن الإنسان يضعف شيئاً فشيئاً؛ لأن ذلك الحق إذا زاح حل محله الباطل وهذا أمر معلوم ومشاهد، وهذا كما أنه في المعاني كذلك أيضاً في الأمور المحسوسة، وقد جعل الله جل وعلا كثيراً من أمور المعاني تشابه المحسوسات.ونحن في المجالس القادمة بإذن الله جل وعلا وفي هذا المجلس بإذنه تعالى سنتكلم على جملة من الفتن, وتقرير جملة من المسائل التي تتعلق بالفتن، سواءً الفتن الحاضرة أو الفتن الغائبة، الفتن الباطنة أو الفتن الظاهرة، بحسب الحاجة إليه، والعالم والداعية والمبلغ عن الله جل وعلا ينبغي له أن يهتم بأمر نفسه من جهة ما يضطرب أو يشكل عليه من جهة معرفة الحق وكذلك تبليغه للناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عاش مع أصحابه بما يحتاجون إليه من جهة جلب أسباب الخير وتكميلها، ودفع أسباب الشر وتنقصيها قدر الإمكان والوسع.
أقسام الفتن
إن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أمور الفتنة لأمته، وهذا ظاهر في قول عمر بن الخطاب السابق كما تقدم، أنه قد قسم الفتنة إلى قسمين:‏
 الفتنة في الدين
النوع الثاني من أمور الفتن: ما يتعلق بأمور الديانة في ذاتها وهي الفتن الكبيرة، وهي على مراتب: أعظمها فتنة الإنسان في عقيدته، وفتنة الإنسان في عقيدته هي أعظم ما يصاب به الإنسان، لهذا سماها الله جل وعلا: الفتنة في كتابه العظيم، قال الله جل وعلا: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217] ، والمراد بالفتنة هنا: هي الكفر، ولهذا قد روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير من حديث شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أنه قال في الفتنة هنا: ارتداد الإنسان عن دينه أكبر من القتل، وجاء أيضاً عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، وجاء أيضاً من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وهذا محل اتفاق عند العلماء من المفسرين من السلف: أن المراد بالفتنة هنا الكفر والخروج من الملة، وهي أعظم من القتل.
أهمية معرفة مراتب أمور الدين
وهذا يدلنا على مسألة مهمة: وهي معرفة المراتب في أمور الدين، معرفة المراتب في أمور الدين مردها إلى الشريعة، بعض الناس يستعظم القتل وإراقة الدماء، وهذا يجعله كبيراً وهو عند الله كبير، ولكن في أمور الموازنة يكون الكبير صغيراً في أمور المقابلة، والقتل بالنسبة لأمر التوحيد وثلمه يعتبر صغيراً، ولهذا جعل الله جل وعلا الفتنة أكبر، ولم يهون الله جل وعلا القتل فيسميه: صغيراً، وإنما جعل الشرك أكبر منه، فبقي القتل على تعظيمه وجعل الشرك أعظم منه.والمراد من هذا: أن معرفة المراتب مردها في ذلك إلى ميزان الشريعة، ولهذا كانت الفتنة الحقيقية في وقوع الناس في الشرك والكفر، ولهذا قد جاء في صحيح البخاري : أن رجلاً جاء إلى عبد الله بن عمر ، قال: كيف ترى القتال في الفتنة؟ فقال: إن القتال في الفتنة ليس الذي تريدون، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل الناس على الكفر، وذلك قتال الفتنة وبقاؤهم على الشرك فتنة، والمراد بهذا: أن قتال النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين هو قتال للفتنة، وهذه الفتنة هي الكفر.وقد يظن الناس أن القتال إذا كان لتحقيق التوحيد ورفع رايته أن هذا في ذاته فتنة، ولهذا قد طرأ الجهل في هذا حتى في زمن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى فظنوا أن كل قتال من أمور الفتنة، قال عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى: وأما القتال الذي تذهبون إليه فليس هو قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو قتال على الملك، والمراد بهذا: أن قتال الناس يتباين، منه ما هو دفع للفتنة كما قال الله جل وعلا: حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة:193] ، أي: حتى لا يكون كفر وشرك مع الله عز وجل، فاستباح الله سبحانه وتعالى إراقة الدماء تحقيقاً للتوحيد ودفعاً للشرك بسائر صوره وأنواعه.ولهذا نقول: إن كثيراً من الأمور التي يظنها الناس ذنوباً هي في ذاتها تحقيق لما هو أعظم منها، بل هي حسنات وقربى عند الله سبحانه وتعالى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إراقة الدماء قدر وسعه وإمكانه حتى دماء المشركين، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في حديث أنس بن مالك كما جاء في الصحيح: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أمر رجلاً على جيش أو سرية أو غزوة، فقال: إذا أتيت قوماً فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن لم يقبلوا ولم يجيبوك فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم جزيةً في أموالهم، فإن هم قبلوا منك فاقبل منهم وكف عنهم ) ، وهذا كله درء لمسألة إراقة الدماء، وعليه أمر التوحيد، وأن أمر توحيد الجماعة هو فوق إراقة دماء الأفراد.ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى اكتمال لحمة الإسلام وقوته على غيره، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقاء الكفار على ما هم عليه أفراداً، وإنما كانوا أفراداً لكون أهل الإسلام عليةً، وذلك بدفع الجزية ودفع الجزية نوع من الصغار، ولهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] ، فالإنسان حينما يدفع لغيره إذا طلبه رهبةً فهذا نوع ضعف وقوة من الطالب وكذلك أيضاً الآخذ، ثم بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن ذلك إلا في أمر المواجهة ولم يقبلوا شيئاً من تلك الأمور أراق النبي صلى الله عليه وسلم أمر الدماء؛ وذلك لأن في مخالطتهم من غير رفعة للإسلام إضعاف لأمر الإسلام في الجماعة والأفراد، وهذا أمر معلوم.والنبي صلى الله عليه وسلم دفع أمر إراقة الدماء قدر وسعه ما تحقق للإسلام والإيمان الرفعة، وإذا لم يتحقق للإيمان والإسلام الرفعة إلا بإراقة الدماء فقد رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في إراقة دم الكافر والتسبب في إراقة دم المؤمن، ولهذا الإنسان لا يجوز له أن يريق أو يتسبب في إراقة دمه إلا في حال الجهاد، وحال الجهاد لا يقال: إن الإنسان يباح له ذلك، بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من أعظم الأمور قربة عند الله، ولهذا سئل النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح وغيره، أنه قيل: ( أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيله ) ، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً أن المجاهد يغفر له كل خطيئة اقترفتها يمينه من أول قطرة من دمه إلا الدين.والمراد من هذا: أن الله جل وعلا قد بين غفران الخطايا للإنسان من أول إراقة الدم، وهذا لا يتحقق لأحد إلا من حقق التوحيد كاملاً، والشهيد في سبيل الله، وفي هذا إشارة إلى تعظيم أمر التوحيد وبيان ميزانه، ثم يأتي بعد ذلك الفتن في أمور الدين بحسب مراتب الإسلام وجوباً.
 الفتنة في الدين
النوع الثاني من أمور الفتن: ما يتعلق بأمور الديانة في ذاتها وهي الفتن الكبيرة، وهي على مراتب: أعظمها فتنة الإنسان في عقيدته، وفتنة الإنسان في عقيدته هي أعظم ما يصاب به الإنسان، لهذا سماها الله جل وعلا: الفتنة في كتابه العظيم، قال الله جل وعلا: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217] ، والمراد بالفتنة هنا: هي الكفر، ولهذا قد روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير من حديث شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أنه قال في الفتنة هنا: ارتداد الإنسان عن دينه أكبر من القتل، وجاء أيضاً عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، وجاء أيضاً من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وهذا محل اتفاق عند العلماء من المفسرين من السلف: أن المراد بالفتنة هنا الكفر والخروج من الملة، وهي أعظم من القتل.
كيفية معرفة قدر عظم الفتنة
وإذا أراد الإنسان أن يعرف مواضع الفتنة تعظيماً فليعرف مقدارها شرعاً، فليعرف مقدار ما تنقص وما تهون شرعاً، فإن الفتنة في أمر الدين منها ما يصد عن أمر الصلاة، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، فإذا وجد من يهون من أمر الصلاة وكذلك ركنيتها وكذلك أوقاتها ونحو ذلك، فهذه تلي التوحيد فتنة، والعالم في ذلك من عرف مراتب ودرجات الأحكام الشرعية، والجاهل في ذلك الذي يجهل تلك المراتب، وأعلم الناس هو من عرف مراتب الخير وعرف دركات الشر، وأعلم الناس أيضاً من عرف درجات الخير وما يقابلها في حال التزاحم، ومعلوم أن أبواب الخير على درجات ومراتب والدعوة إليها وتحقيقها يكون بحسب أهميتها ومرتبتها في الدين.وليس للإنسان أن يقدم مرتبةً على أخرى، فأصبح ثبات مراتب الأحكام الشرعية كثبات الدرجات التي يصعد بها الإنسان، فإن الإنسان يصعد بها وهذه أمور قدرية، يصعد الإنسان على الأمر على العتبة الأولى والدرجة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة وهكذا، وأما إتيانها عكساً فهذا من الأمور غير الممكنة حساً، كذلك أيضاً الإتيان بعكس الشريعة قلب لها، والإتيان بميزان غير ميزان محمد صلى الله عليه وسلم.ونحن في زمننا هذا قد ظهرت الفتنة في أمور الدين بخلط الواجبات وكذلك خلط مراتب أو دركات الشر وعدم بيان ميزانها من جهة الحق، فثمة من يهون بأمر التوحيد وأمر القبور وأمر الشرك، وكذلك من يهون بأمر الصلاة، وثمة من يهون بالأصول الثابتة المستقرة في دين الإسلام مما يتعلق بمسائل الفضيلة، وما يتعلق بمسائل الحجاب، وما يتعلق بمسائل الأعراض بالزنا، وكذلك الدعوة إلى ما يسمى بالشذوذ وغير ذلك، أو نقض أحكام الإسلام الظاهرة من أحكام الله جل وعلا بما يتعلق بالحدود وتطبيقها في الناس، وكذلك أهميتها وأحكام الله جل وعلا وكونها من الأمور التي يسوسها الناس.وكذلك من الفتن ما يتعلق بالتهوين ببعض المحرمات وبيان أنها من الأمور الفردية، وما يتعلق بأحوال الناس، ما يتعلق باختيار الإنسان في أمر دينه، وما يتعلق باختيار الإنسان في رأيه وملبسه، وكذلك قوله، وكذلك في ذهابه ومجيئه، وما يتبع ذلك من أخلاق من فتنة الإنسان ما يسمى بأبواب الحريات، أو فتنة الإنسان ما يتعلق في ولده وماله، وكذلك أيضاً زوجه، وما يتعلق أيضاً بأمور الفضيلة ما تقدم الإشارة إليه في الدعوة إلى حرية اللباس أو التعري أو ما يدعى إليه بحرية الشذوذ، أو تحريم بعض الأصول المستقرة في الشريعة الثابتة في كلام الله أو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصمة المرأة مثلاً بكون عصمتها بيد الرجل، وكذلك ولاية الرجل على المرأة وقوامته عليها والوجوه في ذلك، وكذلك ما يسمى بحرية الإنسان بالزنا، وكذلك أيضاً الشذوذ، وما يتعلق بأمور الميراث وغير ذلك من الفتن المتنوعة التي تطرح بين عشية وضحاها، خاصة في زمن الانفتاح في زماننا، انفتاح الفضائيات واتحاد اللغات عند كثير من الناس، فأصبح المشرقي يعرف لغة المغربي والمغربي يعرف لغة المشرقي ونحو ذلك، وإن لم يعرفها فإنها تترجم في ساعتها، بينما كان في الأزمنة السابقة الشر مع وجوده في الأزمنة السابقة إلا أنه يبقى في بيئته ولغته، فالاطلاع عليه ضئيل، ولكن يقال: إن الشر قد يوجد في أذهان كثير من الناس ولو لم يخالطوا أهل الفتنة، وكذلك الفرقة والشقاق والفتنة في دين الله جل وعلا. وأعظم الفتن هي تقليب الأمور، ولهذا قال الله جل وعلا: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ [التوبة:48] ، فتقليب الأمور في دين الله جل وعلا، قلب الموازين، قلب الأمور الواجبة، قلب المصالح، قلب المفاسد التقليل من شأنها، هذا من الأمور التي لا يزيلها إلا مجيء الحق الذي بينه الله سبحانه وتعالى ولو كره الكافرون.لهذا ينبغي للإنسان أن يكون من أهل المعرفة بالحق في ذاته وأهل التبصر به، وكذلك معرفة الأدلة الواردة في ذلك قدر إمكانه ووسعه، وهذا من أحوج ما يكون إليه الناس في زماننا، وذلك دفعاً للشر ودفعاً للفتنة، وكذلك توضيحاً وتجليةً للحق الظاهر البين، ونحن أحوج ما نكون إلى إظهار البينات المحكمات التي هي أصل الدين في زمن وجد أو سهل الوقوف على مسائل العلم، فكثير من مسائل العلم البينة الظاهرة يتخللها شيء من الأمور المتشابهة، سواءً ما يتعلق بالأمور المنسوخة أو ما يتعلق بالأمور الخاصة أو ما يتعلق بأمور قضايا الأعيان أو ما يتعلق بالأخبار الضعيفة المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فهمت على غير وجهها، فإنها تظهر للناس أكثر من ظهور المحكمات البينات، وهذا سبيل أهل النفاق الذين يبغون الفتنة، كما في قول الله جل وعلا: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7] ، مع كون هذه المتشابهات أموراً قليلة، وذلك أن الأمر البيني أو القضية البينية التي هي بين قطبين تكون ضعيفة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عامر بن شراحيل عن النعمان عليه رضوان الله تعالى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات ) ، وفي رواية وهي الأصح: ( مشبهات لا يعلمهن كثير من الناس ).في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مشبهات لا يعلمهن): إشارة إلى عدم العلم وهو الجهل بها، وكذلك أيضاً بوجودها، قد يجهل كثير من الناس وجود هذه المشبهات على الناس، ولكن في حال علم الناس بهذه المشبهات تكون هذه الفتنة، وهذه هي طريقة أهل النفاق التي ذكرها الله جل وعلا، وتكون لسببين: وذلك لابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ابتغاء الفتنة يريدون بذلك الاضطراب، وكذلك خلخلة التوازن في معرفة مراتب الخير وكذلك الأحكام الشرعية، خلط أمور الخير بالشر، خلط أمور الحق بالباطل، خلط أمور الصواب بالخطأ وغير ذلك.وكذلك خلط مراتب الدين في ذاتها، وهذا من أعظم الفتن أيضاً في زماننا، نجد كثيراً من الناس من يدعو إلى باب من أبواب الخير، وهذا الباب من أمور الخير هو في ذاته خير ولكن بالنسبة لمفهوم الإسلام تاماً فإن الاقتصار عليه يعد من أمور الشر.لهذا معرفة مراتب الدين، ومعرفة أحكام الشريعة على النحو الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعظم الأمور الواجبة المتحتمة على الإنسان، كذلك أيضاً معرفة دركات الشر وما يجب على الإنسان دفعه من الأمور المهمة، كثير من الناس لحبه للخير وكذلك غيرته ينشغل قلبه ببعض الأمور المحرمة وينشغل بها دفعاً، وينبغي أن ينشغل بما هو أولى منها.ونحن -بإذن الله عز وجل- في سلسلة هذه الدروس سنتكلم على القضايا التي وقع فيها نوع قلب وخلخلة في ميزانها من جهة قيمتها في ذاتها، من جهة مراتبها، صورها، أنواعها، حقيقتها من جهة الكتاب والسنة، هذا من أعظم ما ينبغي أن يتبصر به الإنسان، وخاصةً في زمننا ما يتعلق بقضايا التوحيد، ما يتعلق بقضايا الأخلاق، وكذلك ما يتعلق ببعض مسائل الأحكام الشرعية والحدود وغير ذلك، وهذا ما نجعله على مراتب بإذن الله سبحانه وتعالى.ودرس الأحد القادم نتكلم فيه عن الحجاب بين الفقه الأصيل والفقه البديل، ونبين أحكام الحجاب من جهة الشريعة صوره، أنواعه، أدلته، الأقوال التي وردت فيه، المستند الذي يستندون عليه، مقامها من جهة القوة والضعف، أقوال السلف في ذلك على وجه الإنصاف والاعتدال على نحو ما يريده الله جل وعلا حسب الوسع والطاقة، والإنسان في ذلك يجتهد في أمثال هذه المسائل.ومنها ما يكون ظاهراً بيناً محكماً قطعياً، ومنها ما يدور فيه شيء من مسائل الخلاف، ومنها ما هو خلاف مفتعل، ومنها ما يكون فيه مصطلحات تقلب من جهة الميزان، وكذلك تقليل شأن هذه المسألة وقيمتها من جهة الشريعة، هل هي من الأصول العظيمة؟ وهل هي من الفرعيات والجزئيات أو القشور كما يسميها بعض الناس؟ هذا من الأمور التي حدث فيها نوع اضطراب وفتنة وقلب للأمور، ونسأل الله عز وجل أن يسدد الخطى في المحاضرة القادمة بإذن الله عز وجل، أول أحد من الشهر القادم. وفقني الله وإياكم لمرضاته، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
 الفتنة في الدين
النوع الثاني من أمور الفتن: ما يتعلق بأمور الديانة في ذاتها وهي الفتن الكبيرة، وهي على مراتب: أعظمها فتنة الإنسان في عقيدته، وفتنة الإنسان في عقيدته هي أعظم ما يصاب به الإنسان، لهذا سماها الله جل وعلا: الفتنة في كتابه العظيم، قال الله جل وعلا: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217] ، والمراد بالفتنة هنا: هي الكفر، ولهذا قد روى ابن جرير الطبري في كتابه التفسير من حديث شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أنه قال في الفتنة هنا: ارتداد الإنسان عن دينه أكبر من القتل، وجاء أيضاً عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، وجاء أيضاً من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وهذا محل اتفاق عند العلماء من المفسرين من السلف: أن المراد بالفتنة هنا الكفر والخروج من الملة، وهي أعظم من القتل.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كيف نتعامل مع الفتن؟ للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net