اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه الأولويات للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


فقه الأولويات - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
إن إدراك فقه الأولويات وموازنة الأمور من العلوم المهمة التي يحتاجها أهل العلم، ولا يدرك ذلك إلا بمعرفة حقائق الأشياء وأضدادها، ومعرفة النصوص الشرعية على ما هي عليه، والتقصير في هذا الجانب يورث الخلط في الأفهام والأحكام؛ وحينما ضعف الوعي في هذا الجانب المعرفي ظهر الإفراط والتفريط في فهم الأشياء والحكم عليها.
اختلاف مدارك الناس في فهم حكم الله في تشريعاته
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن سنة الله الكونية قضت بأن الأشياء على مراتب وعلى مقادير، وجعل سبحانه وتعالى للأشياء أسباباً تتكون منها.وينبغي أن تفهم سنة الله جل وعلا الكونية، ويدرك أن ثمة توافقاً بين ما يدركه الإنسان ويراه، وبين علل التشريع، وعلى الإنسان أن ينساق إلى أوامر الله سبحانه وتعالى, ويدرك الغايات والحكم الإلهية، وإنما يختلف نظر الإنسان إلى أحكام الله جل وعلا بين متأمل مدرك وعالم وجاهل ومقصر في هذا الباب، فيتباين الناس في إدراك حكم الله جل وعلا من أوامره ونواهيه بناء على ذلك.لهذا كان الكون على تراتيب, وعلى تراكيب, ودرجات، ولكل درجة ومرتبة قيمة في الشريعة، وهذه حكمة ماضية جعلها الله سبحانه وتعالى لسننه الكونية، وجعلها أيضاً لسننه الشرعية، وهذا مقتضى حكمة الله جل وعلا وكمال قدرته، فالله سبحانه وتعالى قد وصف نفسه بالحكمة، وسمى نفسه بالحكيم، وجعل الله جل وعلا لجميع أوامره حكماً بالغة لا يدرك جميعها إلا هو، ويدرك الخلق بعضاً منها ويتباينون في إدراك ذلك.ولهذا جعل الله جل وعلا العلماء أعظم الناس خشية له، قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].إن من أعظم المهمات في فهم دين الله سبحانه وتعالى: أن يعرف الإنسان مراتبه ومقاديره، وكذلك في حال اجتماع المصالح أن يعرف مراتب ودرجات تلك المصالح، وإذا اجتمعت المفاسد أيضاً أن يعرف مراتب ودركات تلك المفاسد، وإلا ضل الإنسان.وسنتكلم هنا في بيان المراتب والمقادير، وكذلك في الدرجات والدركات في أبواب الخير، وأبواب الشر في دين الإسلام التي بينها الله جل وعلا في كتابه العظيم، وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة من أقواله وأفعاله.
 

أهمية معرفة فقه الأولويات
إن فقه الموازنات، وفقه الأولويات، من الأمور المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن يدركها، وخاصة في الأزمنة المتأخرة, عند اختلاط كثير من أحكام الشريعة، وكذلك عند دخول المبالغات في بعض الأبواب وحقها عدم المبالغة، ودخول التصغير والتحقير لمسائل حقها التعظيم؛ وذلك أن مرد هذا إلى حكم الله جل وعلا وتقديره، وإنما وقع الخلط في كثير من أحكام الله سبحانه وتعالى وموازينه؛ لأن كثيراً من الناس يظنون أن الإسلام إنما جاء جملة فيؤخذ جملة.وكذلك فإن كثيراً من الناس يخلطون بين ما يحتاجونه من أوامر الله وأحكامه, وبين أحكام الله سبحانه وتعالى التي لا يطيقها الإنسان, كذلك أيضاً بين مراتب الأمور التي أصلها معظم، ولكنها في ذاتها تعد من فرعيات الدين ومسائله، وإن كانت تدخل في الأصل العام: بعض فرعيات, وجزئيات, وصور دقائق مسائل الإيمان وغير ذلك. وغيرها يدخل في أبواب الفروع، ولكنه أصل وباب فيها، وما يكون في الفروع مما هو ظاهر وأعظم إذا كان من الأصول العظيمة, والدعائم الجليلة, أعظم من بعض الفرعيات وصور مسائل الإيمان، وهذا أمر معلوم.لهذا فالذين يأخذون بظواهر الأدلة من كلام الله جل وعلا, وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, ببيان منزلة وقدر الأحكام الشرعية الواردة بالنص، ويكتفون بذلك، هذا فيه نوع قصور، وكذلك تجاهل لمراد الله جل وعلا، فإن الله سبحانه وتعالى الذي فرض أركان الإسلام هو الذي فرض أركان الإيمان، والذي جعل السنن والمستحبات، وكذلك جعل المباحات جعلها في باب، وجعل الفرائض في أبواب متنوعة، منها ما كان على فروض الأعيان، ومنها ما كان على فروض الكفاية. وفروض الأعيان تتباين, منها: ما هو فرض إذا تركه الإنسان كفر, وخرج عن الملة، ومنها ما ليس بفرض ولكن مقامه في الشريعة أعظم؛ باعتبار أنه شعيرة من شعائر الدين.والله جل وعلا قد جعل كونه، وجعل أحكامه على تراتيب, وأسباب يلزم من بعضها بعضها الآخر، والإنسان إذا لم يعرف أسباب الأشياء وعرف الغايات أو حصل العكس وقع في خلل وقصور.فالله سبحانه وتعالى قد جعل كل شيء له مرتبة سابقة له؛ فقد أوجد الله الإنسان من عدم، وقبل إيجاده من عدم جعل الله سبحانه وتعالى مقادير الخلائق قبل أن يخلقه؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى مبيناً المراتب التي خلق فيها الإنسان: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [الأعراف:11].فبين الله سبحانه وتعالى أنه كان الخلق، ثم كان التصوير، ثم أمر الله جل وعلا الملائكة بالسجود لآدم، ثم كان بعد ذلك الامتحان.إن معرفة تسلسل الحوادث، وتدرج الأحكام من الأمور المهمة, التي يعرف فيها الإنسان مراتب الدين. ‏
 مجيء الشريعة لحفظ ضروريات الحياة
لقد شرع الله جل وعلا لهذه الأمة جملة من الشرائع والأحكام، منها ما وافقت فيه الأمم السابقة، ومنها ما اختلفت فيه عن غيرها، وهذا يجمله العلماء بما يسمى بالضروريات الخمس. وهي: ضرورية حفظ الدين، وكان هذا هو الأصل، الذي لأجله الله جل وعلا شرع الجهاد، وشرع القتال، وشرع إقامة الحدود؛ حفاظاً على الدين، وصوناً له من الدخيل فيه، ولما كان ذلك هذا الحفظ -يعني: لضرورية الدين- يلزم منه استباحة الدماء، وكذلك قطع الأطراف، والنفي، وكذلك أيضاً مصادرة ما يسمى بالحريات وغير ذلك؛ حفظاً للدين الذي لا تقوم الدنيا والآخرة إلا به؛ ولهذا جاءت التشريعات بحفظ هذا الدين, وبيان منزلته.والإنسان لا يمكن أن يعرف الموازين إلا وقد عرف قيم الأشياء قبل أن يزنها، أعظم ما يعرف به الإنسان الموازين هو أن يرجع الموزونات إلى حكم الله سبحانه وتعالى, باعتبار أننا نتكلم عن أحكام الشريعة.والشريعة جاءت بجملة من الشرائع, وأحكام الله سبحانه وتعالى متنوعة في هذا الباب, وهي ما يسمى بأبواب المصالح المتنوعة، هذه المصالح مصالح دينية، ومصالح دنيوية، وقد جاءت الشريعة ببيان جملة من أحكامها على سبيل النص، وجاءت الشريعة ببيان جملة من أحكامها على سبيل اللزوم، ومنها ما دل الدليل على بيان فضلها ومنزلتها بنزول النص العام الذي يدخل في ثناياه جملة من الصور والأحوال.
الرجوع إلى النصوص الشرعية لمعرفة الأمور
ولا يمكن للإنسان أن تتحقق له معرفة الأشياء إلا بإرجاع الأحكام الشرعية إلى الذي أنزلها وشرعها، والله سبحانه وتعالى قد بين تلك المقادير.إن الميزان الحق في معرفة قيم الأشياء، ومعرفة مراتبها، وما يقدم منها وما يؤخر، ودرجات هذه الأشياء عند الاضطراب والتضاد, لا يكون إلا بالرجوع إلى النص.وكثير من الأحكام الشرعية التي أنزلها الله جل وعلا, وأمر الناس بالتعبد له بها تتباين من جهة قيمها، وإن كانت ترد بصيغة واحدة، الله جل وعلا يأمر عباده في جميع العبادات بقوله جل وعلا: افعلوا، فقد أمر الله جل وعلا بالصلاة، وأمر بالزكاة, والصيام, والحج، وببر الوالدين، وصلة الأرحام، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام, وغير ذلك, كلها كانت بصيغة افعل، وما عدا ذلك قد يقع فيه الخلط. إذا أخذ الإنسان شطراً من أوجه ومعاني الشريعة وقع لديه الخلط والاضطراب في هذا الأمر، فأخذ الشريعة حينئذ على ميزان واحد, هو أنها عبادات يأخذ الإنسان منها ما يشاء. وهذا أوجد الخلط عند كثير من الناس بحيث أنه يأخذ شيئاً من دين الله, وتكون لديه قناعة بأنه أخذ شيئاً من الدين, فأشبعت غريزته حينئذ بأنه قد أرضى الله جل وعلا بصلة الأرحام، وأرضى الله جل وعلا بإفشاء السلام، وإطعام الطعام، وكذلك بشيء من الصلاة, بينما هو ينقض ما هو أعظم من ذلك وهو التوحيد.
 مجيء الشريعة لحفظ ضروريات الحياة
لقد شرع الله جل وعلا لهذه الأمة جملة من الشرائع والأحكام، منها ما وافقت فيه الأمم السابقة، ومنها ما اختلفت فيه عن غيرها، وهذا يجمله العلماء بما يسمى بالضروريات الخمس. وهي: ضرورية حفظ الدين، وكان هذا هو الأصل، الذي لأجله الله جل وعلا شرع الجهاد، وشرع القتال، وشرع إقامة الحدود؛ حفاظاً على الدين، وصوناً له من الدخيل فيه، ولما كان ذلك هذا الحفظ -يعني: لضرورية الدين- يلزم منه استباحة الدماء، وكذلك قطع الأطراف، والنفي، وكذلك أيضاً مصادرة ما يسمى بالحريات وغير ذلك؛ حفظاً للدين الذي لا تقوم الدنيا والآخرة إلا به؛ ولهذا جاءت التشريعات بحفظ هذا الدين, وبيان منزلته.والإنسان لا يمكن أن يعرف الموازين إلا وقد عرف قيم الأشياء قبل أن يزنها، أعظم ما يعرف به الإنسان الموازين هو أن يرجع الموزونات إلى حكم الله سبحانه وتعالى, باعتبار أننا نتكلم عن أحكام الشريعة.والشريعة جاءت بجملة من الشرائع, وأحكام الله سبحانه وتعالى متنوعة في هذا الباب, وهي ما يسمى بأبواب المصالح المتنوعة، هذه المصالح مصالح دينية، ومصالح دنيوية، وقد جاءت الشريعة ببيان جملة من أحكامها على سبيل النص، وجاءت الشريعة ببيان جملة من أحكامها على سبيل اللزوم، ومنها ما دل الدليل على بيان فضلها ومنزلتها بنزول النص العام الذي يدخل في ثناياه جملة من الصور والأحوال.
أسباب المعرفة التامة للأشياء

 أمثلة على معرفة الشيء بمعرفة ضده
والله سبحانه وتعالى قد جعل إدراك حقائق الأشياء بمعرفتها ومعرفة ضدها؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى لا يبين حكماً من أحكامه إلا وقد بين ضده؛ فقد أمر الله جل وعلا بالتوحيد وبين ضده وهو الإشراك، وأمر الله جل وعلا بإقامة الصلاة وبين ضدها وهو الترك، ومن تركها وحكمه في الشريعة, وما جاء في ذلك من نصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, كما جاء في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة )، وكذلك ما جاء في حديث بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر )؛ لهذا يجد الإنسان إذا أراد أن يوازن على سبيل المثال بين الصلاة والزكاة، يجد أن نصوص التكفير فيمن ترك فعل الصلاة والزكاة إنما جاءت في تكفير تارك الصلاة أكثر من غيره؛ لهذا يقال: إن الصلاة تقدم على غيرها، ونصوص الوعيد التي جاءت في ترك الزكاة أعظم من نصوص الوعيد التي جاءت في ترك الصيام، وهكذا يجري ذلك على سائر الفروض, سواء كانت من فروض الأعيان فيما بينها، أو من فروض الكفايات فيما بينها.وكذلك ما كان من المستحبات منها ما هو متأكد، ومنها ما كان على غير التأكيد، ومنها ما بين الله جل وعلا أمره ولم يبين الله سبحانه وتعالى عقاب التارك.ومعرفة الموازنة في هذا الأمر تكون بمعرفة الثواب المقدر فيه، فالله جل وعلا قد بين كثيراً من الأحكام الشرعية, وحث عليها, وبين فضل الفاعل, ككثير من العبادات كالسنن الرواتب وغيرها، ومن ذلك ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين وغيرهما في قوله: ( من صلى لله جل وعلا في اليوم والليلة ثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة ), هذا بيان للثواب. ودليل الخطاب فيه: أن الإنسان إذا ترك ذلك فإنه لا يستحق هذا، فيكون حينئذ ضده أن من ترك هذا الفعل لم يبن له بيت في الجنة كل يوم، على خلاف عند العلماء, في لزوم ذلك في كل يوم أم هو على الدوام والمحافظة، وفضل الله جل وعلا أوسع، وعلى هذا يقال: إن ذلك في كل يوم.ولهذا نقول: إن أبواب الموازنات تحتاج من الإنسان أن يعرف حقائق الأشياء، وأن يعرف ضدها، وألا ينظر إلى النص، وكذلك النصوص المترادفة المجردة، فيشغل نفسه بالأوامر، ولا يشغل نفسه ببيان عقوبة التارك؛ لهذا يقع الخلط في هذا الأمر.
صور من الخلط في جوانب الشريعة

 ظن تحقق بعض العبادات بفعل بعضها
كثير من الناس يظن أن توحيد الله سبحانه وتعالى -وكذلك الإيمان- يتحقق للإنسان بفعل خصلة من خصال الإيمان، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق )، وهذه الشعب التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم جعلها من الإيمان وجعلها على مراتب، فالإيمان لا يتحقق كاملاً إلا بالإتيان بهذه الشعب كاملة أو بأغلبها، والكفر أيضاً شعب، ولكن يتحقق الكفر بشعبة واحدة.من وقع في شيء مما يكفر به الإنسان كفر ولو أتى ببعض شعب الإيمان؛ ولهذا فالذي يسجد لصنم يكفي هذا في تكفيره, ولو لم يعبد الشمس, والقمر, والكواكب, ويحلف, وينذر, ويذبح, وغير ذلك؛ باعتبار أنه قد كفر بوجود شعبة من شعب الكفر، وأما الإنسان الذي يفعل العبادة كأن صلى لا يلزم من ذلك أن يتحقق فيه الإيمان, إلا بنفي سائر أبواب الشرك كلها، وتحقق مجموع أو جمهور شعب الإيمان.ولا يمكن للإنسان أن يتحقق الإيمان لديه, إلا بالإتيان بشعب الإيمان أو بأغلبها، وهذا على الخلاف، وهذا على اختلاف في مسائل شعب الكفر، فالكفر يتحقق بشعبة واحدة من شعبه، إذا وقع فيها الإنسان.لهذا كثير من الناس الذين تسوقهم العاطفة, إذا ثبت كفر شخص، أو ثبت كفر جماعة بأي نوع من أنواع المكفرات, نظروا إلى شيء من العبادات التي يقوم بها فحكموا له بالإيمان لذلك، كأن يكون من أهل صلة الرحم، أو يكون من أهل بذل السلام، أو كفالة الأيتام وغير ذلك، وهذا خطأ؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد عارض كفار قريش حينما أشركوا في العبادة مع الله غيره.
من فوائد فقه الأولويات

 أهمية النظر إلى مآلات الأمور
فإذا نظر الإنسان في قيم الأشياء, وحقائقها, ومرتبتها من جهة الأصل, ونظر أيضاً إلى مآل الأمور وجب عليه أن يمتثل حكم الله، وهذا أيضاً يظهر في قصة الحديبية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان معه جماعة من الصحابة، منهم عمر و أبو بكر و سهل وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول سهل أيضاً كما رواه البخاري من حديث أبي وائل عن سهل قال: ( لقد رأيتنا أيام الحديبية، لو نملك أن نرد من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ونقاتل لقاتلنا، حتى إن عمر بن الخطاب ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟! أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟! فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم، فقال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لن يضيعني، وذهب عمر إلى أبي بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى، فقال له نحو ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله لن يضيع نبيه ). والمراد من هذا أن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى لما كان دون النبي عليه الصلاة والسلام إدراكاً للغايات باعتبار الوحي، وكذلك أيضاً إدراك النبي عليه الصلاة والسلام للحكم الإلهية أعظم، كان الموازنات في قول عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى دون النبي عليه الصلاة والسلام, فوازن بإرجاع بعض الوجوه, إلى أسباب لا ترد هنا، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ فجعل هذا نتيجة إلى وجوب المقاتلة: ( أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار )، أننا لو فعلنا هذا الأمر وكانت النتيجة بعد ذلك، ألا يكون هذا أننا في الجنة وهم في النار؟ قال: نعم، أي: أننا لو قاتلناهم على هذه الحال فنحن في الجنة وهم في النار. ولكن ثمة مصلحة هي أعظم من ذلك وهي الفتح، ثم أنزل الله جل وعلا على نبيه عليه الصلاة والسلام سورة الفتح: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح:1]، فجاء عمر إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ( هو الفتح؟ فقال: نعم ).
الأمور التي يقوم عليها باب الموازنات
وهذا فيه إشارة إلى أن أبواب الموازنات ينبغي للإنسان أن يجمع فيها بين أمرين: ‏
 خطأ التعلق بالمآلات والإعراض عن النصوص الشرعية
كثير من الناس يتعلق بباب وهو ما يسمى بإدراك المآلات، ثم يضرب بها النصوص الشرعية, ويلغيها نصاً نصاً؛ تعلقاً بشطر من أمور المدركات، وكذلك أبواب الموازين، وهذا نوع من التشهي والخلط؛ لهذا ينبغي للإنسان أن ينظر وأن يفرق بين ما يتعلق بفرد، وما يتعلق بأمة.وأن ما يتعلق بأمة كذلك ينبغي أن ينظر إليه بحسبه، فما كان مؤقتاً يؤجل، وما كان يسقط على سبيل الإلغاء, فهذا يختلف عن غيره.والنبي عليه الصلاة والسلام كان يأمر، من جاء يريد المبايعة بأركان الإسلام، وإذا وجد فرد من يريد التنزل تنزل له النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن للأفراد لا للجماعة، وحكم الشريعة ونظامها باقيان. وقد روى الإمام أحمد في كتابه المسند من حديث نصر بن عاصم ويرويه عنه قتادة قال: ( كان رجل منا، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبايعه على ألا يصلي إلا صلاتين, فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يصلي إلا صلاتين ). وهذا إشارة إلى أن هذا الرجل تردد بين أمرين: أن يبقى على وثنيته وكفره، أو أن يدخل الإسلام, ويؤمن بأركانه, ولكنه لا يؤدي إلا الصلاتين, فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( صلِ صلاتين )، وهذا من أبواب الموازنة, والموازنة لا تعني أن يفعل الإنسان ما يشاء، وقد يقع بعض الخلط في هذا عند بعض الناس، وقد يقع الخلط هذا أيضاً حتى عند بعض أهل العلم والفضل، فضلاً عن عامة الناس.وأعظم ما يجلب الخلط في هذا الأمر: إشغال ذهن الإنسان بنصوص دون نصوص، وهذا لا ينبغي أن يساق العالم إليه.قد تثار نصوص معينة في بعض الأزمنة لتعظم أمراً وتهون أمراً آخر، وتخفى نصوص عظيمة بينة طاهرة جلية، فينبغي على العالم أن لا ينطلي عليه هذا اللبس, وإنما ينطلي على القاصر، وعلى بعض طلاب العلم, أو قصيري الأفهام، ومرد ذلك إلى حكم الله سبحانه وتعالى وقضائه.روى الدارمي وغيره من حديث إبراهيم عن علقمة أن عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى قال: كيف بكم إذا ألبستم فتنة يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويعمل فيها بغير السنة، فإذا تركت قالوا: تركت السنة، قالوا: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال: إذا كثر قراؤكم, وقل علماؤكم, وكثرت أمراؤكم، وابتغيت الدنيا بالآخرة.وفي هذا جملة من المسائل منها: أنه قد يعم لدى كثير من الناس العمل بغير السنة، ويظن أنه في حال تركها أنها تركت السنة وهي بدعة، ومرد ذلك إلى استحسان العقل, لا إلى حكم الله جل وعلا ووزنه كما أنزل الله جل وعلا في كتابه, وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. لهذا وجب على الإنسان في إدراكه لما يزنه أن يرجع ذلك إلى النص، وأن يرجع ذلك أيضاً إلى معرفة المآل، ثم بعد ذلك يصدر عن حكم الله سبحانه وتعالى, ورأي خالص مع شدة الاستعانة, والاستخارة ومعرفة الحال.
دعائم فهم فقه الأولويات والموازنة في الأحكام الشرعية
ثمة أمور وأسباب إذا تحصلت لطالب العلم، وكذلك العالم، كان من أهل المعرفة في هذا الأمر, يمكن أن تجمل في أمور: ‏
 العلم بالمآلات والمقاصد الشرعية
الأمر الثالث: أن يكون الإنسان عالماً بالمآلات والمقاصد الشرعية، والمآلات لا تكون بالعجلة, والطيش, بل بالروية, ,والدقة والتوكل على الله جل وعلا, والإكثار من سؤال الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد؛ ولهذا جاء في الصحيح من حديث أبي سلمة أنه قال: ( سألت عائشة عليها رضوان الله تعالى، ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يستفتح به في قيام الليل؟ قالت عليها رضوان الله تعالى: كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: اللهم عالم الغيب والشهادة، فاطر السماوات والأرض، اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل, أنت تحكم بين عبادك فيما اختلفوا فيه، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ). إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يسأل الله جل وعلا الهداية فيما أختلف فيه, من قضايا الأعيان، وما يتعلق بأبوابنا هنا فيما يسمى بأبواب الموازنات عند التعارض، وكذلك الأولويات, فينبغي لمن هو دونه -من باب أولى- أن يلح أكثر من ذلك وأعظم؛ حتى يوفق إلى الصواب، ولا يكفي الإنسان مجرد علمه، والرجوع إلى عقله فحسب بل عليه فهم ومعرفة المآل، مع التوكل على الله سبحانه وتعالى.فإن لم يعرف ذلك فإنه سيقع في الجهل, والاضطراب, ثم يصدر بظنه عن وحي وقد وقع فيما يخالف أمر الله سبحانه وتعالى.
أسباب إدراك المآلات
والمآلات تدرك بأمور: ‏
 إدراك ما يقابل مرتبة الخير من مراتب الشر
الأمر الثالث من الأمور التي ينبغي أن يصدر عنها الإنسان في معرفة الأوليات: أن يدرك الإنسان ما يقابل ذلك الأمر من مرتبة من أبواب الشر، وما يفوت من مصلحة على سبيل التعيين، وتقدمت الإشارة إلى أن من أعظم ما يوفق إليه الإنسان من الخير: أن يعرف مراتب الخير بعضها من بعض وأيها أولى، ويعرف مراتب الخير، وما يقابلها من مراتب الشر.ثم يقيم كل مرتبة على ما تقدم الكلام عليه في أبواب الموازنات.إذا كانت هذه المصلحة بذاتها، والمصلحة لها أمران: الأمر الأول: قيمتها من جهة النص الشرعي. الأمر الثاني: قيمتها من جهة مآلها؛ لأن المصلحة قد تؤدي إلى مفسدة.والمفسدة التي قد تؤدي إليها تعرف بأمرين: الأمر الأول: معرفتها من جهة النص وقيمتها. الأمر الثاني: مآل تلك المفسدة.فتلك المفسدة قد تكون دون تلك المصلحة التي يريد الإنسان أن يعمل بها، وقد تؤول تلك المفسدة بعد ذلك إلى خير, فيكون حينئذ الخير قد آل إليه خير، والمفسدة إنما هي مرحلة، فتكون حينئذ المرحلة قاصرة عن ذلك، وهذا من الأمور التي ينبغي للإنسان أن يكون من أهل التوسع والنظر فيها, حتى يوفق إلى الحق والصواب في هذا. وأكثر ما يقع الخلط في الناس بسبب قصر النظر في هذا الباب، وهذا نوع من الحرمان يقع في الناس بحسب جهلهم بهذه الأحوال الأربع، وبحسب أيضاً بعدهم عن التوكل على الله سبحانه وتعالى والاعتماد عليه، وسؤال الله جل وعلا التوفيق والصواب.
أسباب الخلط في أبواب الموازنات
كما أشرنا إلى الأسباب التي تعين الإنسان على معرفة الأولويات، ينبغي أن نشير إلى الأسباب أيضاً التي تحرم الإنسان خاصة في الأزمنة المتأخرة، أو تجعله من أهل الخلط في أبواب الموازنات. ‏
 النظر إلى فتنة الحال وعدم النظر إلى مآلات الأشياء
ومن الأمور التي تجعل الإنسان يخلط في أمور الموازنات: أن ينظر إلى فتنة الحال ولا ينظر إلى مآلات الأشياء، وهذا يقع فيه كثير من الناس خاصة ما يتعلق بأمور الفتن، والمحن التي يخلط فيها كثير من الناس في الأحكام ونحو ذلك، فيقعون في الخلط في هذه الأبواب، ولا يعلمون ما تؤول إليه الأمور، فيقع الإنسان في عدم الموازنة، ومخالفة ما يريده الله جل وعلا من حيث لا يشعر؛ ولهذا نجد كثيراً من الناس نادمين على أقوال يقولونها، وأفعال يفعلونها بسبب العجلة أو الطيش، أو مسايرة الهوى والنفس بالقصور في باب؛ لأن النفس تركن إلى الراحة والدعة.
نظرة مقاصدية في نصر الله لرسوله محمد عليه الصلاة والسلام
ومن الأمور المهمة أن يعلم أن الشريعة لا تساير الأنفس وتنساق لها، بل الشريعة قد جعلت العقول والأنفس تسير معها، وهي التي تسوس الأنفس والعقول؛ فإن الشريعة جاءت مواكبة، ومنساقة لما فطر الله جل وعلا النفوس عليها؛ ولهذا ينبغي للعالم أن يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قد نصره الله جل وعلا وأيده؛ لأن الدين لا يقوم إلا بمحمد، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نصره الله جل وعلا، ووعد الله جل وعلا بنصره فقال سبحانه وتعالى: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:40]، الله جل وعلا جعل النصرة لنبيه، وما جعل النصرة لأتباعه بذواتهم، وهذا من الأمور التي ينبغي للإنسان أن يدركها وأن يفهمها، فكثير من الناس يجعل ميزان الأولويات، وميزان الموازنات في الأمور بحسب ما يدرك من مآل الأشياء القاصرة عنده، لا بميزان الشرع، وميزان المآلات لا بعقل الإنسان المجرد المحض، وإنما يجمع المآلات تلك ثم يرجئها ويزنها بالشرع.بعض الناس ينظر إلى المآلات، وتكون المآلات إلى شر، قد يكون الخير فعله في بعض الأحيان يأتي بشر، ولكن ذلك الشر لا يكتفى بمجرد وجوده، وإنما ينظر بميزان ذلك الشر في الشريعة، هل ذلك الشر بميزانه في الشريعة يوازي ذلك الخير الحال أم لا؟ ولهذا المآلات ينبغي أن ترجع أيضاً إلى ميزان الشريعة، لا أن ترجع إلى ميزان العقل المحض، وكما انصرفنا وصدرنا من الشريعة، ينبغي أن نرجع أيضاً في أمور المآلات إلى الشريعة، أعظم ما يخلط فيه الناس في أمور المآلات أن يرجعوا ذلك إلى مسألة الحس، أو ذوق الإنسان، أو عاطفته.وأعظم ما يخلط فيه الناس -وخاصة أتباع الأنبياء من العلماء وطلاب العلم والمناضلين المجاهدين, والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر- أنهم يجعلون أنفسهم أمثال النبي عليه الصلاة والسلام في أبواب النصرة، واستعجال النصر، النبي عليه الصلاة والسلام يختلف في هذا الأمر، وإن كان العلماء ورثة الأنبياء؛ وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام جعل الله جل وعلا نصرته في ذاته؛ لهذا قال الله جل وعلا: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [التوبة:40]، أما الأتباع فقد يقوم الأتباع ولا ينصرون. لهذا من كان مع النبي عليه الصلاة والسلام في ابتداء الأمر قتلوا ولم يروا النصرة، ومنهم جماعة من خيرة المقربين من النبي عليه الصلاة والسلام ولم يكن ثمة تمكين للنبي عليه الصلاة والسلام تام، كـحمزة عليه رضوان الله تعالى قتل ولم يمكن للنبي عليه الصلاة والسلام بعدُ، ولم يشاهد من ذلك تمكيناً، وجماعة ممن قتل مع النبي عليه الصلاة والسلام في بدر وأحد وغيرهما، وقبل ذلك ممن طرد مع النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أسلم ولم يدرك ما كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصرة.النبي عليه الصلاة والسلام أبقاه الله جل وعلا؛ لأن النصر يتعلق بذاته حتى مكن الله جل وعلا له في الأرض، ثم أنزل الله جل وعلا عليه آية التمكين والنصرة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، فكانت هذه أعظم تمكين لأمة الإسلام في هذه الأرض، وأعظم نصرة للنبي عليه الصلاة والسلام، ونعيت للنبي عليه الصلاة والسلام نفسه إذا أوشك على لقاء ربه جل وعلا، وبهذا نعلم أن ثمة فرقاً بين أتباع الأنبياء وبين النبي عليه الصلاة والسلام. ‏
 من مظاهر الخلط في قضية نصر الله لرسوله عليه الصلاة والسلام
وأكثر الناس يخلطون في أمور الموازنات كأن يجعلون موازنة النبي عليه الصلاة والسلام في إقدامه وإحجامه في بعض الصور لتعلقها بالنصرة التي تكون بذاته، بخلاف الأمة، الأمة قد لا تنتصر في عقد أو عقدين أو ثلاثة أو قرن وإنما يكمل بعضها بعضا منهم من يموت في ابتداء أمره ثم لا يمكن له، ومنهم من يمكن له بعد ذلك، ومنهم لا يكون النصرة له إلا بعد جيل، ومن الناس من يمكن بسبب نضال غيره ممن قضى نحبه فجاءه التمكين بين يديه؛ ولهذا حكمة عظيمة وسنة جليلة، وهذا ندركه في كثير من العصور.وكثير من المجتمعات تمكن بسبب نضال وقوة وقيام أناس آخرين قد ناضلوا وجاهدوا في سبيل الله، وقاموا بأمر الحق؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله )، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تزال طائفة)، ما قال: واحد، في نص النبي عليه الصلاة والسلام إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [التوبة:40]، لأن الأمر يتعلق بوعد، أما أنتم فتذهبون وتجيئون، ولكن النصرة تتعلق بمحمد هذه المرة، وما عداه فلا بد أن تكون طائفة (لا تزال طائفة من أمتي) هذه الطائفة كالأمة الممتدة في طريق، قد يهلك أولها ولم يصل، ويهلك أكثرها ولم يصل، وقد يهلك ويولد أقوام في بلد التمكين ولم يسلكوا الطريق ولم يتحملوا شيئاً من المشاق؛ ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ). أما النبي عليه الصلاة والسلام فهو واحد والنصر يتعلق به (( إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ )).
وصايا عامة في باب المآلات

 الاهتمام بجانب العبادة
كذلك أيضاً ينبغي له أن يكون من أهل العبادة والديانة؛ ولهذا العالم إذا لم يكن من أهل الديانة والعبادة فإنه يخلط، وإذا لم يتجرد من الأمور الشائبة التي تؤثر على قلبه، فإنه يخلط في هذا الأمر؛ ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام في الخبر الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن ( ما ذئبان جائعان أطلقا في غنم بأفسد عليها من المال والجاه للرجل في دينه )؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يحذر من الأمور التي تخلط عليه في مسائل الموازنات. وهذا من الأمور والأسباب التي تجعل الإنسان يخلط في هذا الأمر، أنه إذا شاب ميزانه بأمر من أمور الدنيا وتعلق بها فهذا يشغل شيئاً من القلب، فينبغي أن يترفع من مد يده إلى الناس، ويترفع عن مخالطة أرباب الدنيا حتى لا يختل ميزانه؛ فإنه إذا حمى قلبه من هذه الأمور وفق إلى الصواب والهداية والرشاد.وإن خالفه غيره من أرباب الدنيا فيعلم أنهم أتوا من سبب هذا الخلط الذي وقع في قلوبهم، وأنه يدرك أنهم قد مدوا أيدهم إلى شيء من الدنيا، وركنوا إلى شيء منها؛ فأثر ذلك على ميزان القلب، وإن نزعوا إلى شيء من النصوص الشرعية فالنصوص الشرعية ثمة نصوص أخرى تماثلها. وكذلك هذه النصوص التي جاءت في الوحي، وإن كانت حقيقة في ذاتها، لكن ثمة أعظم منها ومعانٍ أجل منها؛ ولهذا الله سبحانه وتعالى أقر المشركين على أن سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام من الدين، ولكن لا يسوون، أي: أن هذه الكفة هي كفة حقيقية، وهي من الخير، ولكن قد زاحمت خيراً أعظم من ذلك, فينبغي ألا تقدم عليها، وأن تقديم غيرها عليها من الظلم والبغي؛ ولهذا سمى الله جل وعلا من يساوي ويعظم عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج بالإيمان بالله وباليوم الآخر بالقوم الظالمين، وهذا يجعل الإنسان يعلم أن الشريعة تحتاج إلى إنصاف وعدل، وهذا العدل لا يكون إلا بفهم النصوص كما تقدم الإشارة إليه.أسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم لمرضاته، وأسأله سبحانه وتعالى أن يهديني وإياكم منهجاً قويماً، وصراطاً مستقيما، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
الأسئلة

 المصدر المعرفي لفهم فقه الأولويات والموازنات
السؤال: هل هناك كتاب في فقه الأولويات والموازنات؟الجواب: لا أعلم في هذا كتاباً، وإنما مردها أن يديم الإنسان النظر في الشريعة، ويرجع على حسب الأصول التي تقدم الكلام عليها، فسيوفق ويعان ويسدد بإذن الله.أسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم لمرضاته، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه الأولويات للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net