اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اعرف الحق تعرف أهله للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


اعرف الحق تعرف أهله - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
جعل الله تعالى الحقائق في ذوات المعاني لا في ذوات حامليها، فينبغي لمن أراد الثبات على الحق والنجاة من الفتن التمييز بين الحق بمعانيه وبين الأشخاص الذين يحملونه، وقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بالفصل بين هديه العظيم وذاته البشرية، ومما يعين على ذلك: التجرد للحق والتربي على معرفته بالدليل والتأصيل، والإعراض عن الباطل وأهله.
التفريق بين الحق وحملته
الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد: فالله سبحانه وتعالى قد أكرم الإنسان وعلمه, وهداه الله جل وعلا النجدين, والله سبحانه وتعالى ما خلق الخليقة إلا على نظام تسير عليه, وهدى الله سبحانه وتعالى السائلين إلى معرفة الحق من الباطل والصواب من الخطأ, وذلك بتمييز ذوات الناظرين بالعقل, وتمييز تلك الذوات المنظور إليها بعلامات يهتدى بها إلى معرفة الخير من الشر, وتمييز أحدهما عن الآخر, وذلك أن الله جل وعلا ما جعل مكلفاً في الأرض إلا وكان لتكليفه سبب يسير عليه الإنسان, وهذه المسيرة وهذا الطريق ثمة علامات متنوعة عن يمين الإنسان وعن شماله يهتدي بها الإنسان, ويعرف طريق الرشاد والهداية والسداد من طريق الغواية والضلال والعثرات التي يجدها الإنسان في أثناء طريقه, لهذا كان الإنسان بقدر وضوح الحق لديه بقدر ما تكون العقوبة عليه, وذلك أن الحجة كلما كانت ظاهرة على الإنسان كان العقاب عليه أشد, وإذا كانت الحجة ضعيفة في عقله وإدراكه كان العقاب أقل, وإذا انعدمت الحجة والبيان لم يكن ثمة عقاب, ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]. والله جل وعلا خلق الخليقة وجعل لها طريقاً ومنهجاً تسير عليه, والنبي صلى الله عليه وسلم جعل للناس من يسوسهم كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم, كلما ذهب نبي خلفه نبي آخر ), والمراد بذلك أن هداية الناس ودلالتهم لا بد أن تكون عن طريق الوحي من الله جل وعلا, وهذا الوحي لا بد أن يتركب على شيء وعلى إناء يحتويه, وهذا الإناء الذي يحتويه هو العقل, فالإنسان له مدارك وله عقل, ويعي به الخير من الشر والصواب من الخطأ, وهذا التمييز لا يمكن أن يكون إلا بدلالات يراها الإنسان ثم يميز الخبيث من الطيب.
 

أصل العلم ومنبعه
وثمة أمر ينبغي أن يُدرك؛ وهو أن الله جل وعلا كما أنه أوجد الذوات وهذه المخلوقات من عدم, فكذلك الله جل وعلا أوجد كثيراً من المعلومات للإنسان من عدم, وكثير من الناس يظن أنه إذا أَلَّف بين معلومات ينطق بها ويتكلم بها فإنه يظن أنه قد جاء بشيء من المعلومات من عدم, وذلك من الخطأ المحض, فلا يمكن للإنسان أن يوجد معلوماً أو يوجد فكرة في عقله لم يسبق إليها, وإنما ذلك مؤلف من مجموعة أجزاء منثورة كما يؤلف الإنسان مواد الطبيعة, فيؤلف بينها على أشكال جديدة ويسميها ابتكاراً واختراعاً, وهذا الابتكار والاختراع هو من مادة أصلها موجود, لا يمكن أن يوجد أصل المادة من عدم, كذلك من جهة المعاني والأفكار فإنها لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى، لكن يؤلف الإنسان بينها حتى يشكل كثيراً من المعاني والمعلومات والمدركات التي لم يسبق إليها على هذا التركيب, وأما من جهة أجزائها فإنه قد سبقه إليها الكثير, ولهذا من المحال أن الإنسان يوجد معلومة من عدم محض, فإن هذا لا يكون من أحد إلا لله جل وعلا, فالمعاني تخلق كما تخلق الذوات من الماديات وغيرها, إذا أدرك الإنسان ذلك فإنه يعلم مهمة العقل من جهة استيعاب الحقائق وإدراكها, ويعلم أيضاً أن عقله ما هو إلا إناء, وهذا الإناء هو الذي يستوعب تلك المواد في أي مادة وضعت فيه، يحكمه ما وهبه الله جل وعلا فيه من تمييز, ويحكمه ما غرسه الله جل وعلا فيه من فطرة, لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما: ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ), فالله جل وعلا جعل الفطرة هي التي توجه الإنسان وتأطره على الحق, ولكن إذا قلبت الفطرة احتاج الإنسان إلى أن يُرجع إلى أصلها حتى يتميز ذلك الملقى إليه حقاً أو كان باطلاً, ولهذا قال الله جل وعلا: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30], وهذه الفطرة تخضع إلى نوع من التدليس والتلبيس, ويكون هذا التدليس والتلبيس إما بذات المعلومة، أو بفعل الفاعل لها من جهة ذاته لو كان فرداً كأن يكون رمزاً، أو كذلك بكثرة الفاعلين لها ولو لم يكونوا رموزاً, فالنفوس ميالة إلى الكثرة من جهة العدد, وتحب أن تنغمس مع الكثرة، ولا تحب في ذلك القلة, وأعظم الخصومات التي واجهت أنبياء الله سبحانه وتعالى في أقوامهم هي مخالفتهم للكثرة, وذلك أن المخالفين لهم قالوا: إنهم يتهمون الأنبياء بالقلة والندرة, وأن من خالفهم هم الأكثر والسواد الأعظم, وهذا لا قيمة له من جهة الحقائق والتأصيل.
 

الأمر باتباع الحقائق والمعاني دون الذوات
والله سبحانه وتعالى جعل الحقائق في ذوات المعاني لا في ذوات حامليها, وهذا ينبغي أن يؤخذ بالاعتبار, فالله جل وعلا جعل الحق بالكلمات والألفاظ والمعاني، وما جعل الحق في ذوات حامليها, وإذا فهمنا هذا التأصيل عرفنا أن الذين يحملون الحق والباطل إنما هم أوعية جعلها الله جل وعلا حملة للحق والباطل, وأما ما يحملونه من معانٍ فهي التي يتميز بها الناس إلى الحق أو إلى الباطل, ولهذا الله جل وعلا جعل إحقاق الحق بالكلمات, وما جعل إحقاق الحق بالذوات, قال تعالى: يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ [الأنفال:7], لا بفلان وفلان, فهذه الكلمات التي أمر الله جل وعلا بلزومها هي المعاني التي أمر الله سبحانه وتعالى بإنزالها على أنبيائه, وقد أمر الله جل وعلا باتباع البينات وعدم اتباع الأولياء من دونه: وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف:3], فهؤلاء الأولياء هم الذين يتعصب عندهم الجهلة بالالتفاف حولهم ومحاولة التكاثر، حتى يجعلوا للقول الضعيف قوة وشوكة, فيغتر به الناس لقوتهم وشوكتهم, وكذلك نفوذ رأيهم وامتزاج ذلك بكثير من حضور المادة ومطامع الدنيا, فتنكسر كثير من القلوب عن إدراك ذلك الحق بذاته لهيبة حامله. ‏
 أثر التعلق بذات النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من هديه وسنته
ورسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله جل وعلا إلى الناس كافة, وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28], أرسله الله جل وعلا إلى الناس كافة, منهم من شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا دنا منه فرق بين بشرية النبي صلى الله عليه وسلم وبين الحق الذي يحمله, ومنهم من كان بعيداً، فحمل ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم على سائر الذوات من أن التعظيم الذي لحق تلك الذات إنما هو لعظمتها في ذاتها, فكأن المعاني والألفاظ كانت تابعة للذات لا أن الذات تابعة للمعاني.فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد من ارتد من العرب, ولماذا كان ربط الارتداد بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم مجرداً، مع أن الأحكام والمعاني كانت موجودة قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبعده؟ ثم أيضاً لماذا كان الارتداد في الخارجين النائين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان في القريبين؟ لأن الأبعدين إنما تعلقوا بهيبة الذات أكثر من التعلق بهيبة المعاني, وكذلك فإن المنافقين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هم ممن كان في أطراف المدينة أكثر ممن كان مخالطاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم, والصحابة عليهم رضوان الله تعالى حرصوا على تصحيح الباطن أكثر من الظاهر، وذلك ليوافق من كان حول المدينة من كان داخلاً فيها، كما جاء عن أبي بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى, لما دفعوا الزكاة لـأبي بكر الصديق وخضع من خضع، قال: (والله لا نكف عن قتالهم حتى يؤمنوا أن قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار), والمراد بذلك أن ثمة إشارة إلى أن إيمانهم السابق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متعلقاً بذاته, وخشية وهيبة, وذلك أن الله جل وعلا قد نصر نبيه عليه الصلاة والسلام بالرعب مسيرة شهر كامل, وهذا الرعب والانكسار الذي كان في قلوب كثير من الناس حمل القلوب على الإيمان والركون, وكذلك الانقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع ضعف إيمان, كثير من الناس لديه شائبة في اتباع الذوات, ولا يخلو أحد من ذلك إلا النزر اليسير, ولهذا وجد عند خيرة الخلق من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الأنبياء شيء من ذلك, ولهذا لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وقع بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من الخلاف اليسير, ووقع فيهم شيء من الفزع, فأنزر الله جل وعلا شيئاً يتعلق بذات رسول الله صلى الله عليه وسلم وفصلاً بين الذات والمعاني التي حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144], الانقلاب على العقب إشارة إلى أن الإنسان كان متبعاً في السابق, فهو يسير في طريقه خلف من؟ إما أن يكون منساقاً خلف ذات أو منساقاً خلف معنى, والمعنى موجود والذات قد زالت, فإذا كان الله قد أخذ نبيه عليه الصلاة والسلام واختاره إليه، فمن نكص على عقبيه ممن كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو متعلق بذاته, ومن بقي ثابتاً فهو متعلق بالمعنى الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمته, وهذا الأمر زلزل بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم من العلية, وكان هذا الزلزال الذي وقع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقع على الأمة جمعاء بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن مغيراً من طريقهم، ولكن هو نوع من الذهول, ولهذا وقع في هذا الأمر بعض الخاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكنهم لم يدعوا اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم, الصفوة كـأبي بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى هو الذي قام في هذا الأمر، وثبت على ما هو عليه، وبين لمن حوله هذا الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءنا بالمعاني ما جاء بذاته عليه الصلاة والسلام, فذاته عليه الصلاة والسلام أوجدها الله جل وعلا، ويأخذها الله سبحانه وتعالى متى شاء أن يأخذها, ولا عذر لأحد بالانصراف عن ذلك المعنى الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يرفع الله جل وعلا العلم, فإذا رفع الله تلك المعاني التي أحق الحق بها؛ كما في قوله بما تعالى: يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ [الأنفال:7], لا بذات فلان وفلان, فإذا رفعت تلك المعاني والألفاظ والكلمات عذر الإنسان حينئذ عن اتباع الحق, ولهذا جاء في سنن ابن ماجه وعند الحاكم أيضاً من حديث حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله تعالى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب)، والمراد بذلك هو اندفان الثوب بالرمال إذا سفت عليه الريح ونحو ذلك، (حتى لا يُدرى ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك إلا أقوام يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقيل له: ما تغنيهم تلك؟ فقال: تنجيهم من النار، لا أبا لك! ), وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حتى لا يُدرى), إشارة إلى أن المعنى غاب عن الناس, بخلاف حامليه, ولكن لما كان الأصل أن المعاني لا تقوم إلا بالذاوات صعب على كثير من الناس أن يعلق ذهنه في حال الاتباع للمعنى بعيداً عن الذات, وذلك أن الفصل بينهما لا يكون إلا لمن وفقه الله جل وعلا, وذلك أن الإنسان يتابع المعلم له في حركاته وسكناته ونحو ذلك, فإذا زل الإنسان أو انصرف أو أنحرف عن طريق الحق لم يستطع الإنسان حينئذ أن يفصل بين المعاني التي يحملها وبين تلك الذات إذا انحرفت عن طريق الحق, فإذا كانت الذات في ذاتها تزول زوالاً تاماً؛ وذلك بوفاتها وموتها وفنائها ولا تغير من الحق شيئاً وهو باقٍ بتمامه كذلك، فإن انحراف الإنسان ببعض أجزائه يلحق به وفاة الإنسان بالكلية, فإذا زال الإنسان ببعضه فإنه لا يزيل الحق بكامله, فكيف إذا زال الإنسان بكله وانتكس عن طريق الحق.
تعلق التكليف بالمعاني والكلمات
وينبغي للإنسان أن يعلم أن أصل التكليف إنما جاء بالمعاني وجاء بكلمات الله سبحانه وتعالى, فالله جل وعلا قد أنزل كتابه العظيم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الله جل وعلا بالاعتصام بكتابه سبحانه وتعالى, لهذا قال الله جل وعلا: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103], جاء عن غير واحد من المفسرين أن حبل الله هو القرآن, جاء ذلك عن عبد الله بن عباس و مجاهد بن جبر و عكرمة وغيرهم, وجاء أن المراد بذلك هو لا إله إلا الله محمداً رسول الله, فينبغي للإنسان أن يعلم أن الله جل وعلا جعل تلك الحقائق بين الناس والتكليف باق وقائم, ولكن لرحمة الله سبحانه وتعالى ولطفه لضعف الحملة في آخر الزمان، وكثير من الناس لا يملك السيطرة على الحقائق التي تصل إلى ذهنه واستيعاب التفريق بين المعاني، ولذلك كان من يأتي في آخر الزمان أعظم من جهة الأجر في تضعيف العبادة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, والصحابة عليهم رضوان الله تعالى أعظم, فمن يأتي بعدهم هم من جهة التضعيف أكثر, والصحابة عليهم رضوان الله تعالى من جهة التعظيم أكبر وأوفر؛ وذلك أن من جاء بعدهم في آخر الزمان إنما يؤمنون بصحف يقرئونها, يعني: أنها حقائق مجردة عن العامل بها أو ضعف الذي يعمل بها، فضعف الأخذ واستراب الإنسان من الأخذ بها؛ فعظم عند الله جل وعلا الأجر.والنبي صلى الله عليه وسلم قد حث على صلاح الذات لهذا الأصل؛ لأن كثيراً من العامة لا يستطيع الفصل بين حامل الحق والحق الذي يحمله, فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تصحيح الذوات, وذلك مهم عند العلماء لكونهم قدوة يراهم القريب والبعيد, ورسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بالأقربين إليه عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لكون الأقربين هم أقرب هدياً للنبي عليه الصلاة والسلام من حملة الحق؛ كما جاء في حديث العرباض بن سارية كما في السنن وغيرها, قال عليه الصلاة والسلام: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ), في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة إشارة إلى الاقتداء بالمعاني, وهذه المعاني لها حملة, وهؤلاء الحملة أولهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبعده عليه الصلاة والسلام أصحابه عليهم رضوان الله تعالى, وخص النبي صلى الله عليه وسلم الخلفاء الراشدين؛ لأنهم أقرب الناس إليه وأقل الناس مخالفة لقوله, مع ورود المخالفة؛ وذلك أننا في حال نفينا للمخالفة يلزم من ذلك تبعاً ورود العصمة التامة, وهذا فيه مشابهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا منتفٍ, ولكن بمجموع الاقتداء فهم مقتدون برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم خير الخلق بعد أنبياء الله جل وعلا.ويأتي بعد ذلك مرتبة من حملة الحق من كان قريباً من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كالصحابة عليهم رضوان الله تعالى على سبيل الإجمال؛ كما جاء في مسلم من حديث أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد, وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون, وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد ), إشارة إلى أن حملة الحق فيهم أمان للذات ما استقاموا مع الحق الذي حملوه, فإذا استقاموا مع الحق الذي حملوا واحتاطوا لذلك القول اتبعهم الناس, والخطاب في كلامنا هنا يتوجه إلى العلماء وطلاب العلم وحملة الحق والرموز، ويتوجه أيضاً إلى العامة, وذلك أن العامي ينبغي عليه أن يربي نفسه وأن يأطر نفسه, وأنه كلما تأخر الزمن كثرت التقلبات في الذات.
 أثر التعلق بذات النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من هديه وسنته
ورسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله جل وعلا إلى الناس كافة, وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28], أرسله الله جل وعلا إلى الناس كافة, منهم من شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا دنا منه فرق بين بشرية النبي صلى الله عليه وسلم وبين الحق الذي يحمله, ومنهم من كان بعيداً، فحمل ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم على سائر الذوات من أن التعظيم الذي لحق تلك الذات إنما هو لعظمتها في ذاتها, فكأن المعاني والألفاظ كانت تابعة للذات لا أن الذات تابعة للمعاني.فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد من ارتد من العرب, ولماذا كان ربط الارتداد بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم مجرداً، مع أن الأحكام والمعاني كانت موجودة قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبعده؟ ثم أيضاً لماذا كان الارتداد في الخارجين النائين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان في القريبين؟ لأن الأبعدين إنما تعلقوا بهيبة الذات أكثر من التعلق بهيبة المعاني, وكذلك فإن المنافقين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هم ممن كان في أطراف المدينة أكثر ممن كان مخالطاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم, والصحابة عليهم رضوان الله تعالى حرصوا على تصحيح الباطن أكثر من الظاهر، وذلك ليوافق من كان حول المدينة من كان داخلاً فيها، كما جاء عن أبي بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى, لما دفعوا الزكاة لـأبي بكر الصديق وخضع من خضع، قال: (والله لا نكف عن قتالهم حتى يؤمنوا أن قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار), والمراد بذلك أن ثمة إشارة إلى أن إيمانهم السابق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متعلقاً بذاته, وخشية وهيبة, وذلك أن الله جل وعلا قد نصر نبيه عليه الصلاة والسلام بالرعب مسيرة شهر كامل, وهذا الرعب والانكسار الذي كان في قلوب كثير من الناس حمل القلوب على الإيمان والركون, وكذلك الانقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع ضعف إيمان, كثير من الناس لديه شائبة في اتباع الذوات, ولا يخلو أحد من ذلك إلا النزر اليسير, ولهذا وجد عند خيرة الخلق من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الأنبياء شيء من ذلك, ولهذا لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وقع بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من الخلاف اليسير, ووقع فيهم شيء من الفزع, فأنزر الله جل وعلا شيئاً يتعلق بذات رسول الله صلى الله عليه وسلم وفصلاً بين الذات والمعاني التي حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144], الانقلاب على العقب إشارة إلى أن الإنسان كان متبعاً في السابق, فهو يسير في طريقه خلف من؟ إما أن يكون منساقاً خلف ذات أو منساقاً خلف معنى, والمعنى موجود والذات قد زالت, فإذا كان الله قد أخذ نبيه عليه الصلاة والسلام واختاره إليه، فمن نكص على عقبيه ممن كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو متعلق بذاته, ومن بقي ثابتاً فهو متعلق بالمعنى الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمته, وهذا الأمر زلزل بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم من العلية, وكان هذا الزلزال الذي وقع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقع على الأمة جمعاء بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن مغيراً من طريقهم، ولكن هو نوع من الذهول, ولهذا وقع في هذا الأمر بعض الخاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكنهم لم يدعوا اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم, الصفوة كـأبي بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى هو الذي قام في هذا الأمر، وثبت على ما هو عليه، وبين لمن حوله هذا الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءنا بالمعاني ما جاء بذاته عليه الصلاة والسلام, فذاته عليه الصلاة والسلام أوجدها الله جل وعلا، ويأخذها الله سبحانه وتعالى متى شاء أن يأخذها, ولا عذر لأحد بالانصراف عن ذلك المعنى الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يرفع الله جل وعلا العلم, فإذا رفع الله تلك المعاني التي أحق الحق بها؛ كما في قوله بما تعالى: يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ [الأنفال:7], لا بذات فلان وفلان, فإذا رفعت تلك المعاني والألفاظ والكلمات عذر الإنسان حينئذ عن اتباع الحق, ولهذا جاء في سنن ابن ماجه وعند الحاكم أيضاً من حديث حذيفة بن اليمان عليه رضوان الله تعالى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب)، والمراد بذلك هو اندفان الثوب بالرمال إذا سفت عليه الريح ونحو ذلك، (حتى لا يُدرى ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك إلا أقوام يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقيل له: ما تغنيهم تلك؟ فقال: تنجيهم من النار، لا أبا لك! ), وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حتى لا يُدرى), إشارة إلى أن المعنى غاب عن الناس, بخلاف حامليه, ولكن لما كان الأصل أن المعاني لا تقوم إلا بالذاوات صعب على كثير من الناس أن يعلق ذهنه في حال الاتباع للمعنى بعيداً عن الذات, وذلك أن الفصل بينهما لا يكون إلا لمن وفقه الله جل وعلا, وذلك أن الإنسان يتابع المعلم له في حركاته وسكناته ونحو ذلك, فإذا زل الإنسان أو انصرف أو أنحرف عن طريق الحق لم يستطع الإنسان حينئذ أن يفصل بين المعاني التي يحملها وبين تلك الذات إذا انحرفت عن طريق الحق, فإذا كانت الذات في ذاتها تزول زوالاً تاماً؛ وذلك بوفاتها وموتها وفنائها ولا تغير من الحق شيئاً وهو باقٍ بتمامه كذلك، فإن انحراف الإنسان ببعض أجزائه يلحق به وفاة الإنسان بالكلية, فإذا زال الإنسان ببعضه فإنه لا يزيل الحق بكامله, فكيف إذا زال الإنسان بكله وانتكس عن طريق الحق.
الفصل بين الحق وحملته
والنبي صلى الله عليه وسلم جعل الخيرية والأفضلية كلما دنت من زمن النبي صلى الله عليه وسلم تعلقت الأفضلية بذوات أهل القرن بمجموعهم, لهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح من حديث عمران بن حصين قال: ( خير الناس قرني, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم ), فذكر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة قرون ثم أمسك, وذلك أن الخيرية بعد ذلك تنتقل من ذات إلى ذات ومن بلد إلى بلد, لا تلتزم بزمن على سبيل التسلسل، كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك, وفي هذا إشارة إلى قضية مهمة، وهي تتعلق بحملة الحق الذين يكونون في آخر الزمان، وهي أن التقلب يطرأ عليهم أكثر من غيرهم, كذلك المهمة عند حملة الحق, ينبغي أن يفصلوا بين ذواتهم وبين الحق الذي يحملوه, وكثير من الناس يحاول أن يجعل الحق متعلق بذاته. ‏
 اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم بالفصل بين هديه العظيم وصفته البشرية
ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مدرسة مع كونه معصوماً عليه الصلاة والسلام, كان مدرسة في الفصل بين تعظيم هديه وذاته؛ حتى لا يؤخذ بذاته عليه الصلاة والسلام ويجعل نفسه كسائر الناس من جهة التعامل, فلا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ملك, ولا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خارج عن نطاق البشرية, وإنما هو بشر عليه الصلاة والسلام, ولهذا كفار قريش لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم استنكروا عليه أموراً؛ من هذه الأمور: أن النبي صلى الله عليه وسلم يمشي في الأسواق, ويأكل الطعام, وذلك أنه قد انغرس في نفوسهم أن القدوة ينبغي ألا يكون من البشر, وله خصائص تنفرد عنه, فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل مع كفار قريش كما يتعاملون مع بعضهم, يمشي في الأسواق، ويأكل الطعام، ويفعل ما يفعلون، ويدع ما يدعون، ما كان موافقاً لأمر الله جل وعلا وترخيصه, وهذا فيه إشارة إلى أن نفوس الناس في قبولهم الحق تتعلق بالذات أكثر من الحق ذاته؛ كما كان كفار قريش, امتنع كفار قريش عن الحق فكانوا مترددين بين الحق الذي بين أيديهم من المعاني وبين حامل الحق, حامل الحق هو بشر, ولكن الحق الذي بين يديهم حق, فمنعهم من اتباع الحق نزول صاحبه عن الصفة الفوقية, إلى صفة البشر, فكان مساوياً لهم من جهة بشريتهم، فرفضوا الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم, لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج عن تعظيم نفسه كتعظيم القادة, ولا يحجب نفسه عن الناس ونحو ذلك؛ لماذا؟ حتى يؤخذ الحق منه لذات الحق لا لذاته, فكان النبي صلى الله عليه وسلم يوجه أصحابه وهو في وسطهم كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، وكثير ممن يأتي إليه ولم يره يظن أنه ملَك, والقادم إلى العالم أو إلى القدوة ونحو ذلك ينظر إلى ذاته من جهة التعظيم, فإذا كان على أُبَّهة وتعظيم وكبر وكذلك عدم تبسط مع الناس فإنه يتعلق التعظيم بذاته, فإذا انكسر انكسرت شوكة ما يحمله, فضعف في قلوب الناس فانهزموا, ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على بيان مستوى البشرية للناس ولو كانوا أبعدين, والبساطة, ولهذا كان الذي يستمسك بالحق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع الحق الذي جاء به عليه الصلاة والسلام، ويعلم أن الذي بين يديه إنما هو بشر, وقد جاء عند ابن سعد في كتابه الطبقات وعند أبي نعيم في كتابه الحلية: ( أن عدي بن حاتم عليه رضوان الله تعالى لما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قال قبل ذلك: والله ما من أحد سمعت به أكره عندي من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سمعت به ), وذلك أنهم ينقلون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوالاً، وإن كانت قد اندثرت عند المتأخرين، فكانوا ينشدون في النبي صلى الله عليه وسلم أشعاراً؛ وذلك أن الأشعار هي التي تحفظ, ولكن الله جل وعلا لم يبق من هذه الأشعار في أفواه الناس شيئاً, فشوهوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقي الحق الذي يحمله, ( قال: فأتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده فلما صلى أتيته فقلت: إني أتيت إليك من جبال طي, قال: من أنت؟ قال: قلت: أنا عدي بن حاتم الطائي , قال: فقام بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره فاكتنفته امرأة, قال: فوقف معها طويلاً ), النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاءه سيد من أسياد العرب, وهذا السيد من أسياد العرب عليه رضوان الله تعالى سيد في قومه, ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يبين أنه يحمل رسالة, وهذه الرسالة لهذا السيد وكذلك لتلك المرأة الضعيفة, ( قال: فقام معها النبي صلى الله عليه وسلم طويلاً ), يريد أن يشير أنه تركني وأنا السيد، ( قال: فقلت والله ما هذه بسيرة ملِك ), يعني: أن هذا ليس من ملوك الأرض, هذا صاحب رسالة, ملوك الأرض: الذين يهتمون بذاتهم أكثر من المعاني التي يرسلونها, فهم يصنعون أمجاداً للذات. والنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يكسر هذه الأمور يبين أنه يحمل معاني لا يحمل شيئاً لذاته, ( قال: فدخلت إلى داره, فعمد إلى وسادة محشوة من الليف, فرمى بها إلي فقال: اجلس عليها, فجلس على الأرض, قلا: فقلت: لتجلسن عليها, قال: فأبى, فجلست عليها, قال: فكان أحب الناس إلي ), هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم, يريد أن يبين النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أنه لا يحمل شيئاً لذاته، حتى لا يمتزج بين الحق الذي معه وذاته وحظه عليه الصلاة والسلام, فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين صفة البشرية.وهذا أيضاً في رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: ( إني لا أنسى ولكني أُنسَّى لأسن ), يعني: لأسن للناس الشرائع والسنن, وبين النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً كما جاء في الصحيح من حديث علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فزيد فيها أو نُقص, فقلنا: يا رسول الله, إنك صليت بنا كذا وكذا, فقام النبي صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة وتوجه فركع ركعتين ثم انفتل إلينا فقال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ), والمراد بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كما أن الله عصمه من المخالفة لأمره الظاهر إلا أن الله جل وعلا جعل فيه بياناً للبشرية بورود النسيان عليه, وكذلك ما يطرأ على الإنسان من العوارض البشرية؛ وذلك حتى لا يمتزج بينه وما يحمله عليه الصلاة والسلام.
ثمار التعلق بالحقائق والمعاني دون الأشخاص والذوات
كان من إلغاء الذوات والتعلق بها أن الشارع جل وعلا أراد ألا يتعلق الناس بالذوات فلم ينجب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ويبقى, وإنما أُنجب للنبي عليه الصلاة والسلام من البنات، ومعلوم لدى الناس أن الذكور ينسبون لآبائهم لا ينسبون لبناتهم, ولكن مع ذلك لتعلق الناس بالذوات نشأ من طوائف الإسلام من تعلق بأبناء البنات أكثر من التعلق بالحق, فكيف لو كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أبناء, فكان ثمة نسب يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلبه مباشرة؟ إذاً لكانت الفتنة في ذلك أعظم.ولهذا الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في كثير من الفتن التي تحدث في الأمة أعظم ما يعانون هو الفصل بين الذوات وبين المعاني, لما وقعت الفتنة بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى الدينوري وغيره عن علي بن أبي طالب أن الحارث الأعور جاء إلى علي بن أبي طالب عليه رضوان الله قال: أتريد أن نظن أن الحق معك وأن طلحة و الزبير و عائشة على الباطل؟ فقال علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى: اعرف الحق تعرف أهله.المراد بذلك أنه ينبغي للإنسان أن يعرف المعاني, وفي ذلك جملة من السلامات: ‏
 ثانياً: تجنب الوقوع في الخطأ والزلل عند افتتان الناس
وكذلك من الأمور المهمة في أهمية اتباع المعاني ومن ثمارها: أن الإنسان لا يقع في الخطأ والزلل إن وقع الناس, فإن أحسنوا أحسن وإن أساءوا أساء, التكليف من جهة الأصل يقع على الإنسان, يقع على كل أحد, سواء كان ضعيفاً أو قوياً, صغيراً أو كبيراً ما كان من أهل التكليف, لهذا النبي صلى الله عليه وسلم خاطب الناس كلهم, ووجه الخطاب إليهم, وما وجه الخطاب إلى القادة خاصة, ولكن لأثر القادة دعا النبي صلى الله عليه وسلم أولاً القادة ثم إن تبعهم قومهم على ذلك فحسن, وإن لم يتبعهم قومهم على ذلك تتبعهم بأعيانهم, ولهذا بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن وأبا موسى كذلك إلى اليمن, بعث النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً من رسائله إلى الرموز؛ لماذا؟ لأن نفوس الناس والأتباع تتشوف إلى اتباع أفعال الرموز حتى ينقادوا معهم؛ هل اتبعوا ذلك القول أو لم يتبعوه؟ إن اتبعوه انساقوا, وهذا لما وجد في النفوس دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرموز ثم دعا الأفراد.ولهذا قال الله عز وجل مبيناً دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأفراد: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6], وهذه الدعوة الفردية إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يتوجه بدعوته إلى الأفراد سواء كانوا كباراً أو صغاراً, ولكن لما كانت النفوس البشرية تضعف عند القادة كانت لدعوة القادة أهمية أكثر من غيرهم, ولما كان انحراف القادة عن الحق مؤثراً في انحراف الناس عن طريق الحق كانت الحيطة في التعامل مع الكبار والرموز أكثر من غيرهم لماذا؟ حفاظاً على المعاني التي ربما يلبسون فيها على الناس, لهذا النبي صلى الله عليه وسلم دارى القادة أكثر من غيرهم؛ للطبيعة البشرية أن النفوس تتبع الأقوى, ولكن عند الله سبحانه وتعالى من جهة الحقيقة أن الله جل وعلا يخاطب كل أحد على حده: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء:15], إلا أن الله سبحانه وتعالى يجعل للذين اتُّبعوا من العذاب ما يلحق الأتباع؛ لأنهم غروهم, أما من جهة الأتباع فيلحقهم العقاب الذي كتبه الله سبحانه وتعالى عليهم, كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38], أما من جهة الوزر (( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى )), إلا من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى قيام الساعة, لهذا بين الله جل وعلا أن الذين يدخلون النار الذين اتَّبعوا والذين اتُّبعوا والمستضعفين والكبراء, هؤلاء كلهم يدخلون النار؛ لماذا؟ لأنهم عند الله جل وعلا سواسية، لا يفرق بين هذا وهذا, كل إنسان يحاسب على ما كان عليه, لهذا ينبغي للإنسان أن يعلم أن تكليفه عند الله جل وعلا إنما هو بالعقل الذي لديه, فينبغي عليه أن يتبع الحق.أما أثر القادة فالمنزلة لهم عند الله جل وعلا عظيمة إن اتبعوا؛ وذلك لأن الأجر يلحق أولئك, وأما بالنسبة للذين اتُّبعوا بالباطل فإن الإثم يلحقهم أيضاً أعظم من غيرهم؛ لماذا؟ لأنهم غروا الناس, أما الأتباع فيلحقهم العقاب إن خالفوا والثواب إن وافقوا, والإنسان في ذلك يستقل ويستكثر بالأتباع, وإنما عظم الأتباع على غيرهم؛ لأن الناس يتأثرون بهم أكثر من غيرهم, وهذا أمر ينبغي أن يحتاط فيه الإنسان, ومن مكن الله جل وعلا له في الناس فينبغي له أن يحتاط في هذا الأمر, وكذلك فيه تمحيص لكثير من الأقوال التي يقول بها الناس، أتبع قول فلان وأقول بقول فلان, وهذا مما نهى عنه عليه الصلاة والسلام كما جاء في المسند والسنن أنه قال عليه الصلاة والسلام: ( لا يكون أحدكم إمعة، يقول: إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت, وإنما إن أحسنوا أحسن, وإن أساءوا لم يسئ ), والمراد بذلك أنه ينبغي للإنسان إذا سلك الناس طريقاً من طرق الشر والغواية أن يخالفهم إلى طريق الحق، وإذا سلكوا الحق سلك الحق معهم؛ لماذا؟ تكثيراً للناس, ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم ما حث على المخالفة إلا في أمر المنكر والباطل, لهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن أحسن الناس أحسنت ), يعني: أحسن معهم وكن معهم, لا تكن شاذاً في الحق, وانضوِ تحت أولئك, وأما من جهة الباطل فينبغي للإنسان أن ينفرد بمخالفته للناس بباطلهم, وأن يتبع الحق؛ لماذا؟ لأن التكليف يقع عليه.
أسباب تعلق الناس بالذوات وتعظيم الأشخاص

 ثالثاً: البعد عن مخالطة القدوات
ومن أسبابها خاصة في زمننا: أن كثيراً من الناس الذين يقتدى بهم لا يظهر منهم إلا ما حسن عن الناس للبعد عن المخالطة, وقد تقدم معنا فيمن كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ارتدوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، من هم؟ أكثرهم الذين بعدوا عن النبي صلى الله عليه وسلم, بل قيل: أهل المدينة لم يرتد أحد منهم؛ لماذا؟ لأنهم كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم, والنبي صلى الله عليه وسلم تمكن من الفصل بين ما يحمله عليه الصلاة والسلام وبين بشريته؛ لماذا؟ لأن عقول الناس لا تعي بالتمييز بين هذا وهذا, وأما الأبعدون فانضووا تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدعو إليه بضعف, وكان لديهم هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فيتعاملون معه ربما تارة بتعامل السلطان وصاحب القوة ونحو ذلك, فإذاً ضعف لديهم ذلك المعنى الذي كان في قلوبهم.لهذا ارتد من ارتد من العرب ممن كان بعيداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقاتلهم من قاتلهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا فيه إشارة إلى معانٍ كثيرة: منها أن الإنسان إذا لم يخالط القدوة الذي يقتدي به وكان نائياً عنه؛ فإن هذا مما يؤثر تعظيماً في قلب الإنسان له, لهذا ينبغي للعالم أن يخالط الناس في دواوينهم, وأن يروا حاله وبشريته وبساطته وتواضعه ونحو ذلك؛ لماذا؟ حتى يأخذوا قوله على نحو العدل من غير تعظيم ولا غلو ونحو ذلك, أما مخاطبة الناس عن بعد ونحو ذلك فإن هذا يورث غلواً وتعظيماً، وهذا على قدر الوسع والطاقة, ورسول الله صلى الله عليه وسلم بذل ما كلفه الله جل وعلا في ذلك, والإنسان في ذلك مكلف قدر إمكانه بمخالطة الناس, لهذا النبي صلى الله عليه وسلم بين أهمية مخالطة الناس وتحمل أذاهم, وذلك أن يكون الإنسان داعياً لهم بالحق والهدى, ونحن في هذا الزمن الدعوة تأتي إلى كثير من الناس عن بعد, سواء عن طريق القنوات الفضائية, فلا يُرى من الموجهين للناس ورموز الفكر وغير ذلك مما يدعونا إليه إلا أحسن ما يدعونا إليه ونحو ذلك, لهذا يقلدهم من كان بعيداً لهم, وهذا الأمر له وجهتين: ما يتعلق بذات الداعي أنه ينبغي له أن يحتاط في نفسه في قوله وفعله, وأنه إذا اتبعه الناس بالباطل فإن الإثم والتبعة في ذلك عليه عظيمة.كذلك بالنسبة للذين يبتعدون عن أهل العلم والدراية والرموز ونحو ذلك، ينبغي أن يأطروا أنفسهم على بشرية القادة والرموز والعلماء ونحو ذلك, وأن العبرة بالمعاني ونحوها, وهذا أمر عسير؛ لأنه لا بد للإنسان أن يعظم القدوة وحامل الحق, وأنه إذا زال وانحرف أنه يزول معه, وأنه إذا انتهى وانتكس فكثير من الناس ينتكسون عن طريق الحق, فإذا كان بعضهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتبطت انتكاستهم بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوال ذاته؛ إشارة إلى أنهم تعلقوا بالذات وما تعلقوا بالمعنى الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا أمر يؤكد عليه أن الأمر الذي أمر الله جل وعلا باتباعه عليه هو اتباع الحق وعدم اتباع غيره, لهذا كان أئمة الإسلام يحثون على عدم تعظيم الذوات, وإنما تعظيم الحق, فإذا استكثر الإنسان أخذاً من تعظيم الحق فإنه أقرب الناس إلى الصواب, وأما إذا خالف الحق فبحسب بعده عن الحق بحسب ما يتحقق فيه الشر والبعد والتحذير منه.
الأمور التي تعين على الثبات على الحقائق دون التعلق بالذوات

 سابعاً: مقارنة أقوال القادة والرموز والعلماء بعبادتهم وصلاحهم
كذلك أن ينظر إلى جانب التعبد, العبادة والديانة عند القائل, فإن الديانة هي التي تؤثر على ذلك القول؛ وذلك أنها تمحص الباطن؛ لأن أكثر ما يغيب عن الناس ويخدعهم هو الباطن, هل الباطن سليم أو ليس بسليم, وأعظم ذلك هو خشية الله جل وعلا, لهذا يقول الله سبحانه وتعالى في بيان العلماء حقاً: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28], العلماء من جهة الحقيقة هم الأصل الذين يخشون الله, العالم الذي لا يخشى الله جل وعلا ويظهر منه ظاهراً العلم ويحرم من ظاهرة العبادة؛ التعبد لله جل وعلا, فيظهر مع التقصير في العبادة فهذا لا يؤمن من إصابته الحق في الظاهر, فينبغي أن يُحتاط في قوله ويحتاط لفعله, فينبغي أن نقارن الأقوال والحقائق التي يقولها كثير ممن ينتسب إلى العلم أو ينتسب إلى الدعوة أو ينتسب إلى الفكر, وأن نربط ذلك بقربه من الله جل وعلا وعبادته في ذاته, وإن كانت العبادة لازمة له في ذاته, ولكن ينظر إلى صلاته, وينظر إلى عبادته, إلى تسبيحه وتهليله ونحو ذلك, ينظر إليه ويربط مع تقريره العام للناس, فإن ذلك أقرب ما يكون إلى معرفة التمحيص الحق, قد يكون غيره أدرى منه, ولكن ذلك أدرى دراية قلبية, فلا يخرج شيئاً إلا يريد طمعاً بما عند الله, وأما إذا ساءت نية الإنسان وضعف إيمانه فإنه يميل بالآراء يمنة ويسرة لمطامع ذاتية ومقاصد يريد الوصول إليها, فيكون اليوم على رأي وغداً على رأي, فيتقلب الإنسان بين الشبهات والشهوات وحظوظ الدنيا وحظوظ النفس, وهذه الأمور كامنة لا يدركها الإنسان, لا يدرك إلا ما ظهر لديه, ويظن أن ذلك الذي تقلب فيه قد بان له دليل أو بان له تعليل, وإنما هو قد انصرف إلى شيء من مقاصده في أمر الدنيا, فتوجه اليوم إلى مقصد وحينما فتح الباب الآخر توجه إلى مقصد آخر, وهكذا يتقلب الإنسان في باطنه ولا يدركه الإنسان, وكم من القلوب تتقلب في انحراف عن وجهة الله جل وعلا, تستدير استدارة تامة القلوب ولا نراها, ولا نرى إلا الظواهر التي تظهر من الناس, لهذا ينبغي للإنسان أن يعلم صواب اتجاه القلوب إلى الله بصواب اتجاه الأبدان إلى الله بكثرة العبادة, التعبد لله سبحانه وتعالى, قد يكون الإنسان قليل العلم في ذلك لكن يسلم من ذلك أنه ما تشبث بشهوة ومطمع من الدنيا, هذا إذا تمحص حظاً وقولاً فإنه أقرب الناس إلى الصواب, قد يخطئ في مسألة, ولكن يكفي أنه أصاب في أكثر المسائل, ولا نأمن في موضع أن غيره ممن قل خشيته لله جل وعلا أنه يصيب في موضع ويخطئ في أكثر المواضع, فنحن نريد سلامة مجموع الدين وأصوله وثوابته؛ حتى يسلم لنا الدين كما أراده الله جل وعلا.أسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم التوفيق والهداية والرشاد, وأسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم التسديد والإعانة والتوفيق والرشاد, وأن يسلك بي وبكم منهجاً قويماً وصراطاً مستقيماً.وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , اعرف الحق تعرف أهله للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net