اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حائية ابن أبي داود [3] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


حائية ابن أبي داود [3] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
ينزل الله سبحانه في كل ليلة إلى سماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله، وذلك في ثلث الليل الآخر، وقد تواترت النصوص في ذلك، وأهل السنة والجماعة على إثبات صفة النزول، خلافاً لمن أنكر هذه الصفة من المعطلة كالجهمية وغيرهم.
إثبات صفة النزول وبيان شبه من أنكرها
[ وقل ينزل الجبار في كل ليلةبلا كيف جل الواحد المتمدح ].الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين:يقول ابن أبي داود عليه رحمة الله: [ وقل ينزل الجبار في كل ليلة ] : صفة النزول لله سبحانه وتعالى كما تقدم، هي من الصفات التي يفرق فيها بين أهل السنة وأهل البدعة، وذلك أن المبتدعة ينفون صفة العلو لله سبحانه وتعالى أصلاً وإن أثبتوها لله سبحانه وتعالى قدراً، ولذلك ذهب الجهمية والمعتزلة إلى نفي علو الله سبحانه وتعالى واستوائه على عرشه، فقالوا: إن الله عز وجل ليس بمستو على عرشه، وتأولوا قول الله جل وعلا في غير ما آية في كتابه العظيم بذكر الاستواء، كقوله جل وعلا: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] ، قالوا: استوى بمعنى: استولى، وجعلوا منه قول الشاعر الأخطل النصراني: قد استوى بشر على العراقمن غير سيف أو دم مهراقوهذا تحريف لكلام الله سبحانه وتعالى، فاستوى غير استولى، وقد شابهوا اليهود في تحريفهم لمعاني كلام الله سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا حينما أمر اليهود بقوله: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة:58] ، دخلوا الباب وقالوا: حنطة، فزادوا حرفاً كما زاد الجهمية حرفاً في استوى، قالوا: استولى، فلام الجهمية كنون اليهود تحريفاً لكلام الله سبحانه وتعالى، وذلك أنهم ينفون الاستواء، ويجعلونه بمعنى استولى، وهذا يتضمن معنىً فاسداً: وهو أن استولى تدل على أن ثمة مالك متجبر قادر قبل الله، وهذا معنىً باطل من اعتقده فقد كفر.ولذلك العلماء عليهم رحمة الله تعالى، متفقون على كفر الجهمية وإخراجهم من الإسلام، والله جل وعلا لعلوه مكاناً وقدراً، واستوائه على عرشه حقيقة ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، والسماوات أطباق: سماء تليها سماء كما جاء في قصة الإسراء والمعراج، ونزول الله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وعظيم سلطانه.ومن نفى نزول الله سبحانه وتعالى كالجهمية وغيرهم؛ فإنما نفاه لأنه تضمن معنىً فاسداً في قلوبهم من التشبيه، ومن المعاني الفاسدة التي تضمنتها قلوبهم فنفوا النزول، وقولهم: إن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا، فهل يخلو من ذلك عرشه؟ وقالوا: إن الثلث الأخير من الليل أو الثلث الأوسط -في رواية- ينتقل من بلد إلى بلد، فهل يقال: إن الله عز وجل ينزل على الدوام وينافي ذلك استواؤه على عرشه؟فيقال: إن هذا إنما استقر لدى المبتدعة؛ لأنهم قد شبهوا الخالق بالمخلوق، وذلك أن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، فمن زعم أن الله عز وجل حينما ينزل إلى السماء الدنيا يخلو منه عرشه، لم يأت هذا المعنى إلا لمشابهة قد انقدحت في الذهن، فيقال: إن الله عز وجل ينزل على الحقيقة نزولاً يليق بجلاله وعظيم سلطانه.فأهل البدع تأولوا، فقالوا: تنزل رحمته، قالوا: لقرينة جاءت في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الله عز وجل يقول: ( هل من مستغفر فأغفر له، هل من داع فأستجيب له؟ ) ، قالوا: وهذا المراد بالنزول، وهذا تأويل للصفة عن وجهها، وهو تعطيل للمعنى أيضاً، فالله سبحانه وتعالى ينزل على الحقيقة كما هو الأصل. ‏
 تعظيم أقوال الصحابة والاهتمام بها
قال: [ لا يرد حديثهم ] : مما يدل على أنهم أطبقوا على ذلك وهم أئمة ثقات، ويريد بذلك الصحابة عليهم رضوان الله تعالى والتابعين. قال: [ ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا ] ، أي: من كذب ما جاء عن السلف من الصحابة والتابعين وأجمعوا عليه، فإنه خاب وخسر ويستحق التقبيح والزجر والردع، فإذا أجمع الصحابة على شيء فلا يكون إلا حقاً، وإذا أجمعت الأمة وخاصةً السلف من الصحابة والتابعين على أمر فهو الإجماع الحق، ولذلك يقول الإمام أحمد عليه رحمة الله: الإجماع إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم تبع لهم .فينبغي لطالب العلم أن يعتني بإجماع الصحابة وأن يضبطه، وأن يديم النظر فيه سواءً في مسائل الفقه أو مسائل الاعتقاد، بل حتى في مسائل السلوك، فإن إجماعهم حجة، وأي خلاف يطرأ بعد ذلك فهو خلاف مردود مهما كان قائله، وهم خير الأمة وأعلمهم بالله سبحانه وتعالى بعد أنبياء الله جل وعلا، ولذلك اصطفاهم الله سبحانه وتعالى لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لفضلهم لأنهم أبر الأمة قلوباً وأزكاهم منزلة.والمصنف عليه رحمة الله بين جلالتهم وفضلهم في أنهم لا يرد قولهم ولا يرد حديثهم حينما يخبرون عن الله سبحانه وتعالى، وذلك أنه إما أنه لا يقال من باب الرأي وإما أنهم يروون عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيسندون ويحيلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4]. والصحابة عليهم رضوان الله تعالى كالنجوم في السماء يهتدى بها، فقد روى الإمام مسلم عليه رحمة الله في صحيحه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى مع أصحابه المغرب، ثم ذهب إلى داره ثم رجع إلى صلاة العشاء فوجدهم مكانهم، فقال عليه الصلاة والسلام: لا زلتم مكانكم؟ قالوا: نعم ننتظر الصلاة، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء، فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ) ، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينقض أجلة الصحابة وكبراؤهم إلا وقد دبت الفتنة ووقعت الفرقة، وكلما مضت السنون في عصر الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كلما زادت الفتنة والفرقة.وذلك يدل على فضل هؤلاء الأخيار، وأنهم إنما فضلوا على غيرهم لا لأشخاصهم ولكن لقلوبهم، وأنهم عاينوا التنزيل وأبصروه، فكانوا أعلم الناس بالله بعد أنبياء الله سبحانه وتعالى، وهم أولى بالاتباع من غيرهم، فلا يكون فعل يفعله الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بدعة أبداً؛ وذلك أنهم خير السلف، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) ، فالعبرة ليست بالعمل الظاهر ولكن بعمل القلب.فلا يتجرأ متجرئ على قول يفعله أحد من الصحابة أو يقول به أن يجعل فاعله أو قائله مبتدعاً، وإن كانت العبرة بالسنة والاقتداء بها، لكن هؤلاء لمنزلتهم وعلو مكانتهم وشرفهم وفضلهم، وأن الله عز وجل قد زكاهم في كتابه فرضي عنهم، وأخبر أنهم راضون عنه، وهذا الوصف لا يكون إلا لمن علت منزلته وارتفعت مكانته، وهو أن يوصف بأنه راض عن الله سبحانه وتعالى، ولذلك يقول الله جل وعلا: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100] ، لمكانتهم ومنزلتهم عند الله سبحانه وتعالى.وفي هذا الباب - أي: في باب الاعتقاد وباب الأسماء والصفات - لا حجة في قول أحد من الناس إلا في الكتاب والسنة وما ينقله الصحابة، وإنما قيد ذلك بأن لا يكون من قبيل الرأي، وإنما يكون من قبيل الوحي المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبين عليه رحمة الله أن أولئك لا يرد حديثهم، إما لصحبتهم، وإما لجلالتهم وفضلهم ومكانتهم وأنهم من جملة الثقات كأئمة التابعين، فلا يرد حديثهم حينئذ بكل حال، فمن خالفهم قد خاب، ومن كذبهم فإنه يستحق التقبيح والذم؛ لأنه بذلك قد خالف الكتاب والسنة، فإنهم خير حملة، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ) ، والمراد بالقرن في هذا الخبر ليس هو مائة سنة كما اصطلح عليه المؤرخون من المتأخرين، بل المراد بالقرن هنا هو حقبة زمنية، قيل: أنها عشرون سنة، وقيل: أنها ثلاثون، والصواب أنها عشرون سنة.فالمراد بالقرن: ( خير القرون قرني ) ، أي: من كان مع النبي عليه الصلاة والسلام، ( ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ) ، فقد تزيد وقد تنقص عن ذلك، ولذلك يطلق بعض السلف الطبقة على العشر أو الخمس عشرة سنة كما روي ذلك عن عبد الله بن عباس ، وعن عكرمة مولى عبد الله بن عباس، وغيرهم من السلف.ثم بعد بيان أن هؤلاء لمكانهم وفضلهم لا يردون حينما ينقلون الأخبار، وأن من خالفهم فإنه خائب وخاسر ومستحق للتقبيح، أراد أن يبين تفاوتهم في المنزلة والفضل.
فضل أبي بكر وعمر من بين سائر الصحابة
[ وقل: إن خير الناس بعد محمد وزيراه قدماً ثم عثمان الأرجح ].يقول: [ وقل: إن خير الناس بعد محمد وزيراه قدماً ثم عثمان الأرجح ].وزيرا رسول الله صلى الله عليه وسلم هما أبي بكر و عمر ، وإنما يسمى الوزير: وزيراً، لأنه يشد به الأزر، فإن هذين هما أعظم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤازرةً وشداً له، ولذلك كانا أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمته؛ وذلك أنهما قد بلغا درجة الصديقية فنصرا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان بحاجة إلى النصر، فـأبو بكر نصره وآزره بمكة فهو أول من آمن به من الشيوخ، وكان صاحبه في الغار، وذكره الله عز وجل إشارةً في كتابه العظيم وكفى بذلك منةً وفضلاً ومنقبة، وكان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين في صلاة الجماعة حينما يمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقربه ويقدمه حتى في الذكر، فحينما يذهب يذهب هو و أبو بكر ، وإذا أراد أن يذكر أحداً من الصحابة و أبو بكر فيهم يقول: أبو بكر وفلان، وإن كان عمر فيهم قال: أبو بكر و عمر وفلان؛ وذلك لمكانتهم وفضلهم، ولذلك أجمع الصحابة عليهم رضوان الله تعالى على استحقاق أبي بكر لالخلافة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.والصحابة عليهم رضوان الله تعالى كلهم عدول، ومن قدح فيهم فقد ضل وغوى وسلك طريق المبتدعة من النواصب والروافض الذين كانوا بين طرفي نقيض، فمن مادح لقوم وطاعن في قوم، ومنهج أهل السنة في هذا الباب أن يترضى عن الصحابة كلهم، وأن يمسك عما شجر بينهم من خلاف، وأن يعتقد أن أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أهل الشجرة، وأن أفضل أهل الشجرة هم العشرة المبشرون بالجنة، وأن أفضل العشرة المبشرين بالجنة هم الخلفاء الراشدون الأربعة، وأن أفضل الخلفاء الراشدين هم أبو بكر و عمر ثم عثمان ثم علي بن أبي طالب .ولذلك ثبت عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى، كما رواه ابن سعد و أبو نعيم في الحلية من حديث نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال: كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفضل فنقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ، ثم نمسك لا نفضل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وهذا دليل على الإقرار.فمن طعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك علامة الهلاك، وهو بذلك مخالف عاص لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: ( لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) ، والأحاديث في فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تذكر، والحديث في هذا الباب بحاجة إلى مجلس كامل، لذا سوف نتكلم عليه في المجلس الآتي بإذن الله تعالى.
 تعظيم أقوال الصحابة والاهتمام بها
قال: [ لا يرد حديثهم ] : مما يدل على أنهم أطبقوا على ذلك وهم أئمة ثقات، ويريد بذلك الصحابة عليهم رضوان الله تعالى والتابعين. قال: [ ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا ] ، أي: من كذب ما جاء عن السلف من الصحابة والتابعين وأجمعوا عليه، فإنه خاب وخسر ويستحق التقبيح والزجر والردع، فإذا أجمع الصحابة على شيء فلا يكون إلا حقاً، وإذا أجمعت الأمة وخاصةً السلف من الصحابة والتابعين على أمر فهو الإجماع الحق، ولذلك يقول الإمام أحمد عليه رحمة الله: الإجماع إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم تبع لهم .فينبغي لطالب العلم أن يعتني بإجماع الصحابة وأن يضبطه، وأن يديم النظر فيه سواءً في مسائل الفقه أو مسائل الاعتقاد، بل حتى في مسائل السلوك، فإن إجماعهم حجة، وأي خلاف يطرأ بعد ذلك فهو خلاف مردود مهما كان قائله، وهم خير الأمة وأعلمهم بالله سبحانه وتعالى بعد أنبياء الله جل وعلا، ولذلك اصطفاهم الله سبحانه وتعالى لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لفضلهم لأنهم أبر الأمة قلوباً وأزكاهم منزلة.والمصنف عليه رحمة الله بين جلالتهم وفضلهم في أنهم لا يرد قولهم ولا يرد حديثهم حينما يخبرون عن الله سبحانه وتعالى، وذلك أنه إما أنه لا يقال من باب الرأي وإما أنهم يروون عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيسندون ويحيلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4]. والصحابة عليهم رضوان الله تعالى كالنجوم في السماء يهتدى بها، فقد روى الإمام مسلم عليه رحمة الله في صحيحه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى مع أصحابه المغرب، ثم ذهب إلى داره ثم رجع إلى صلاة العشاء فوجدهم مكانهم، فقال عليه الصلاة والسلام: لا زلتم مكانكم؟ قالوا: نعم ننتظر الصلاة، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء، فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ) ، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينقض أجلة الصحابة وكبراؤهم إلا وقد دبت الفتنة ووقعت الفرقة، وكلما مضت السنون في عصر الصحابة عليهم رضوان الله تعالى كلما زادت الفتنة والفرقة.وذلك يدل على فضل هؤلاء الأخيار، وأنهم إنما فضلوا على غيرهم لا لأشخاصهم ولكن لقلوبهم، وأنهم عاينوا التنزيل وأبصروه، فكانوا أعلم الناس بالله بعد أنبياء الله سبحانه وتعالى، وهم أولى بالاتباع من غيرهم، فلا يكون فعل يفعله الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بدعة أبداً؛ وذلك أنهم خير السلف، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) ، فالعبرة ليست بالعمل الظاهر ولكن بعمل القلب.فلا يتجرأ متجرئ على قول يفعله أحد من الصحابة أو يقول به أن يجعل فاعله أو قائله مبتدعاً، وإن كانت العبرة بالسنة والاقتداء بها، لكن هؤلاء لمنزلتهم وعلو مكانتهم وشرفهم وفضلهم، وأن الله عز وجل قد زكاهم في كتابه فرضي عنهم، وأخبر أنهم راضون عنه، وهذا الوصف لا يكون إلا لمن علت منزلته وارتفعت مكانته، وهو أن يوصف بأنه راض عن الله سبحانه وتعالى، ولذلك يقول الله جل وعلا: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100] ، لمكانتهم ومنزلتهم عند الله سبحانه وتعالى.وفي هذا الباب - أي: في باب الاعتقاد وباب الأسماء والصفات - لا حجة في قول أحد من الناس إلا في الكتاب والسنة وما ينقله الصحابة، وإنما قيد ذلك بأن لا يكون من قبيل الرأي، وإنما يكون من قبيل الوحي المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبين عليه رحمة الله أن أولئك لا يرد حديثهم، إما لصحبتهم، وإما لجلالتهم وفضلهم ومكانتهم وأنهم من جملة الثقات كأئمة التابعين، فلا يرد حديثهم حينئذ بكل حال، فمن خالفهم قد خاب، ومن كذبهم فإنه يستحق التقبيح والذم؛ لأنه بذلك قد خالف الكتاب والسنة، فإنهم خير حملة، ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ) ، والمراد بالقرن في هذا الخبر ليس هو مائة سنة كما اصطلح عليه المؤرخون من المتأخرين، بل المراد بالقرن هنا هو حقبة زمنية، قيل: أنها عشرون سنة، وقيل: أنها ثلاثون، والصواب أنها عشرون سنة.فالمراد بالقرن: ( خير القرون قرني ) ، أي: من كان مع النبي عليه الصلاة والسلام، ( ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ) ، فقد تزيد وقد تنقص عن ذلك، ولذلك يطلق بعض السلف الطبقة على العشر أو الخمس عشرة سنة كما روي ذلك عن عبد الله بن عباس ، وعن عكرمة مولى عبد الله بن عباس، وغيرهم من السلف.ثم بعد بيان أن هؤلاء لمكانهم وفضلهم لا يردون حينما ينقلون الأخبار، وأن من خالفهم فإنه خائب وخاسر ومستحق للتقبيح، أراد أن يبين تفاوتهم في المنزلة والفضل.
الأسئلة

 خلق الله السماء بيده سبحانه
السؤال: يقول: هل السماء من الأشياء التي بناها الله عز وجل بيده أم بقدرته؟الجواب: قدرة الله عز وجل عامة في كل شيء، لو أراد الله عز وجل أن يقول لشيء كن كان، ولكن الله سبحانه وتعالى يفعل أشياء ويخلق أشياء لحكمة بالغة، ولذلك أخبر الله سبحانه وتعالى أنه قد جعل خزنة جهنم تسعة عشر، لماذا جعل العدد هكذا؟ فتنة لمن في قلبه مرض، فالله عز وجل لا يسأل عما يفعل، لكن الإنسان هو الذي يسأل، فيقال في مثل هذه الحال: إن الله عز وجل خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ولا يسأل الإنسان: لماذا لم يخلقها في يوم أو في لحظة بكن فتكون، الله عز وجل خلق ذلك ولا يسأل عن ذلك، ويعلم أنه لحكمة بالغة، وخلق الله عز وجل السماوات بيده: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ [الذاريات:47].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حائية ابن أبي داود [3] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net