اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , لامية ابن الوردي [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي


لامية ابن الوردي [1] - (للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي)
كتب الله عز وجل الموت على الخلق كلهم، فكل ما على هذه الأرض فانٍ، وقد فطر الله عز وجل الناس على تذكر أيام الصبا لذاتها وآلامها، ومن رحمته بهم أن جعلهم يتذكرون اللذات وينسون الآلام. والغناء واللهو والطرب محرم على الرجال والنساء إلا أنه يرخص للنساء بضرب الدف في الأعراس وغيرها من المناسبات، وعلى الإنسان أن يتقي مواطن المحرمات، ويأتي بالواجبات وما افترضه الله عليه.
معرفة الآداب في حياة المسلم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:فهذه الرسالة تسمى بلامية ابن الوردي ، وهو عمر بن مظفر بن عمر بن أبي الفوارس بن الوردي ، من أئمة القرن السابع والقرن الثامن الهجري، حيث ولد عام ستمائة وتسعة وثمانين، وتوفي عام سبعمائة وتسعة وأربعين للهجرة.وهذه اللامية هي نحو من سبعين بيتاً من الشعر، وقد تضمنت كثيراً من الآداب والسلوك التي حث عليها الشرع، وحثت عليها الفطر السوية؛ ولذلك جمع فيها المصنف كثيراً من الآداب.وينبغي للعالم والمتعلم أن يظفر بالآداب ومعرفة دليلها من الشرع والطبع، فإن الله سبحانه وتعالى قد فطر الناس على فطر سليمة، مستقيمة سوية، تعرف الخير، وتنكر الشر، وقد جاءت الشريعة بما تعرفه النفوس فشرعته، وجاءت ببيان الشر فأنكرته؛ ولذلك قد يكون للنفس نزوات تخالف ما جاء في الشرع.وسيأتي في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دلالة الناس إلى الخير وإرشادهم إليه، وقد وصف الله عز وجل هذه الأمة بالخيرية فقال سبحانه وتعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ [آل عمران:110]، وهذا يكون لنزوات النفس التي تخالف الصراط المستقيم وتحيد عنه، وغالباً ما يكون هذا من النفوس التي تقر بالمخالفة، فمن يقع في السرقة أو في الزنا أو الكذب أو الغيبة أو النميمة أو غيرها من المحرمات هو مقر بذلك؛ لأنه يعلم أنه قد أتى شيئاً تنبذه النفوس، فإنه لا يرغب لنفسه أن يخدع وأن يسرق، وأن يكذب عليه، وأن ينمى أو يطعن في عرضه، وقد جاءت الشريعة بحماية العقل وحماية الدين وحماية النفس وحماية العرض وحماية المال، وهذه هي الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها.
 

غرض ابن الوردي من نظم هذه الأبيات
وقد أراد المصنف عليه رحمة الله تعالى في هذه المنظومة أن يدل على سبيل الحق في باب السلوك والتربية وتهذيب النفس ونحو ذلك، بعيداً عن الأحكام الشرعية في باب الحلال والحرام والفقه، وهذا باب يحتاجه الناس عامة، ويحتاجه الخاصة أيضاً؛ ليتبصروا بمواطن السلوك الحق، ودرجة سلوكه والحذر منه، وما تكرهه الطباع، وما لا تكرهه.وقد جاء في الشرع باب الحلال وباب الحرام وباب المتشابهات، وجاء ما يسمى في الشرع بالمروءة، فإن النفس لها مروءة، وإن كان هذا الأمر لا يدخل في باب الحلال والحرام إلا أن النفوس مجبولة على موافقة ومحاكاة غيرها، وهذا معلوم بالضرورة، فإن النفس تحاكي الغير، وإذا شذ أحد الناس في المجتمع بسلوك أو فعل فإن من النفوس من تحاكيه، وإن لم ينكر عليه ويبين ما هو عليه من باطل فإن النفس تحاكيه، ثم يحاكيه الآخر، والمنكر والخطأ لا ينتشر في الناس إلا أن واحداً فعل أو قال، والآخر سكت على ذلك الفعل أو القول، فانتشر الفساد في الناس.والمصنف عليه رحمة الله تعالى قصد إلى بيان التربية والسلوك والأخلاق الحميدة التي دلت عليها الشريعة ودلت عليها الفطر السليمة.
 

اعتزال الأغاني والغزل
قال المصنف رحمه الله: [اعتزل ذكر الأغاني والغزلوقل الفصل وجانب من هزل]قوله: (اعتزل) الاعتزال هو البعد والانفراد، وهي محمودة في مواطن كثيرة، منها حينما يختلط الخير بالشر، ولا يعرف الإنسان الخير من الشر إما لجهله وإما للفتنة العامة التي حلت بالناس ونحو ذلك. ‏
 اعتزال كتب الأغاني والغزل
وينبغي للمرء كما أنه يبتعد في هذا الباب، كذلك عليه أن يبتعد عن القراءة في مثل هذه المعاني، كقراءة الكتب التي تصنف في الغزل والأغاني، فيبتعد عنها كلها، وكل ذلك مذموم غير ممدوح في العقل والشرع، والإنسان إذا عدل النظر بالقراءة في المعاني السيئة في هذا الباب، فحينئذٍ يتشرب قلبه من تلك المعاني السيئة من حيث لا يشعر، ويجري ذلك على لسانه.ولا زال الناس من أهل العلم والأدباء يصنفون في هذا الباب الغث والسمين، ومن هذا الباب مصنف صنفه الإمام الأصفهاني عليه رحمة الله تعالى سماه الأغاني، قد ملأه بالفحش والبذاءة، وإن كان من كتب الأدب المشهورة المعروفة التي يثني عليها العلماء عليهم رحمة الله تعالى، فهو من باب قوة العبارة والأدب العالي الرفيع الذي يذكر أدب الجاهليين ومن جاء في صدر الإسلام لما فيه من معانٍ قوية وجميلة، لكنه صاحبه قد ملأه بالمجون والحكايات الباطلة التي يستحي الإنسان من ذكرها، وقد صنف أحد العلماء الهنود كتاباً سماه (السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني)، ذكر فيه ما يذم عليه في كتابه، وما وضعه فيه من لوثة بالألفاظ والحكايات والمعاني.
الاختصار في القول واعتزال من هزل
قوله: (وقل الفصل) أي: اختصر في القول، ومن المعلوم أن الإنسان كلما زاد في التفصيل وأكثر في الكلام وقع في الخطأ، وكلما اختصر في قوله قل خطأه وأصاب، وينبغي على الإنسان أن يختصر في قوله، وألا يسهب، فإن كثرة الكلام تدل على ورود الخطأ فيه، ومما ينسب لـعلي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى- ولا أعلم له إسناداً عنه- قال: خير الكلام ما قل ودل، ولم يطل فيمل. أما الإسهاب في إيصال المعنى أو العبارة للمتلقي، أو الحديث بأمر ليس بمختصر، فيختصره الإنسان في عبارات يسيرة، فهذا مما هو مذموم؛ لأنه يوقع الإنسان في الخطأ.وقوله: (وجانب من هزل) أي: ابتعد عنه، وهذا ضرب من ضروب العزلة، أن يعتزل الإنسان من وقع في الهزل، ولم يكن أمره أمر جد، والغالب على أمر المؤمن القوي أن يكون عازماً حازماً صادقاً لا هازلاً، والنبي عليه الصلاة والسلام ما كان هازلاً قط، نعم قد يمزح، لكنه لا يمزح إلا بحق، ولا يمازح أحداً من أصحابه إلا بصدق، أما كثرة الهزل فإن غلب على الإنسان فإنه يسقطه في أعين الناس.
 اعتزال كتب الأغاني والغزل
وينبغي للمرء كما أنه يبتعد في هذا الباب، كذلك عليه أن يبتعد عن القراءة في مثل هذه المعاني، كقراءة الكتب التي تصنف في الغزل والأغاني، فيبتعد عنها كلها، وكل ذلك مذموم غير ممدوح في العقل والشرع، والإنسان إذا عدل النظر بالقراءة في المعاني السيئة في هذا الباب، فحينئذٍ يتشرب قلبه من تلك المعاني السيئة من حيث لا يشعر، ويجري ذلك على لسانه.ولا زال الناس من أهل العلم والأدباء يصنفون في هذا الباب الغث والسمين، ومن هذا الباب مصنف صنفه الإمام الأصفهاني عليه رحمة الله تعالى سماه الأغاني، قد ملأه بالفحش والبذاءة، وإن كان من كتب الأدب المشهورة المعروفة التي يثني عليها العلماء عليهم رحمة الله تعالى، فهو من باب قوة العبارة والأدب العالي الرفيع الذي يذكر أدب الجاهليين ومن جاء في صدر الإسلام لما فيه من معانٍ قوية وجميلة، لكنه صاحبه قد ملأه بالمجون والحكايات الباطلة التي يستحي الإنسان من ذكرها، وقد صنف أحد العلماء الهنود كتاباً سماه (السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني)، ذكر فيه ما يذم عليه في كتابه، وما وضعه فيه من لوثة بالألفاظ والحكايات والمعاني.
تذكر أيام الصبا
قال المصنف رحمه الله: [ ودع الذكر لأيام الصبافلأيام الصبا نجم أفلإن أحلى عيشة قضيتهاذهبت لذاتها والإثم حل]قوله: (ودع الذكرى لأيام الصبا) أي: لا تتحدث بما مضى، ولا تلهيك عن يومك، فالإنسان ابن يومه، ويجب عليه أن يستغل يومه فيما ينفعه.وفي الصبا تمر على الإنسان أيام جميلة وحلاوة ذكرى، مما يرغب في ذكره والإكثار من ذكره، حتى يشغل الإنسان عما ينفعه في يومه وغده، وذلك أن صاحب التذكر للأيام الماضية والإكثار من ذلك مذموم حتى عند الناس؛ لأنه قد عطل نفسه، وأخذ يذكر إما مجداً له أو مجداً لأبيه ونحو ذلك، وهذا غير ممدوح، فالفتى من يقول: هأنذا، لا من يقول: كنت أو كان أبي. ‏
 نسيان المصائب والآلام
وقد سمى الله عز وجل جماعة الناس أو الجماعة من الإنس ناساً؛ لنسيانهم، وهذه نعمة من الله سبحانه وتعالى على الإنسان أنه ينسى، ولو لم ينسَ الإنسان المصائب وما يحل فيه من بلاء وفتنة لما عاش الناس إلا مغمورين، ولكن الله عز وجل ينسي الإنسان مصائبه، وما حل فيها من فاقة وموت قريب ونحو ذلك، ولو استحضره في تلك اللحظة لتقطع قلبه كمداً، ولكن الله عز وجل رءوف بعباده، ولذلك المصنف عليه رحمة الله تعالى قال هنا: (دع) ما مضى؛ لأنه قد سطر عليك وانتهى.إذاً قوله: (دع الذكرى لأيام الصبا) أي: لا تذكرها، وهنا يمثل فقط، فعليه أن يدع الذكرى لأيام الصبا التي لا تغني الإنسان، والإنسان ليس هنا ممنوعاً أن يذكر أيام صباه ويذكر أيام ما مضى من التاريخ، لكنه لا يشغل نفسه بحكايات الصبا ويتمناها، وهو ابن يومه ومخاطب ومحاسب على ذلك. وقوله: (فلأيام الصبا نجم أفل) الأفول هو الانصرام، يقال: أفل النجم إذا غاب، وأفلت الشمس إذا غابت، وكذلك القمر، فنجم الصبا حينما يأفل انقضى وجف القلم به، فينبغي للإنسان أن ينشغل بيومه، ولا ينشغل بغير ذلك.
ذهاب اللذة وبقاء الإثم وشؤم المعصية
قال المصنف رحمه الله: [إن أحلى عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل]أي: أن الإنسان ينسى اللذة، والله عز وجل قد جعل الجنة محفوفة بالمكاره، والنار محفوفة بالشهوات، وهذا من موطن الفتنة والامتحان والاختبار.والله عز وجل قد جعل الإنسان ينسى اللذة وينسى الألم، وهذا كله من رحمة الله سبحانه وتعالى، فالإنسان حينما يدع لذة من لذات الدنيا لأجل الله سبحانه وتعالى وجعله ينساها، فهو كمن أخذها وتمتع بهذه اللذة من الغد، جعلهم سيان في العقل والفكر، وقد جاء في الخبر: ( يؤتى بأغنى أهل الدنيا وأنعمهم، فيغمس في النار غمسة من أهل النار، فيقال له: هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا يا رب. ويؤتى بأشد أهل الدنيا بأساً وأشقاهم من أهل الجنة، فيغمس في النار غمسة فيقال له: هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا يا رب )، ولهذا الإنسان ينسى النعيم وينسى الجحيم الذي مر به، والمعصية لذتها وقتية، ولكن عقابها أمدي سرمدي إن كان من أهل النار، وإن كان من أهل الإيمان إن شاء الله عز وجل عذبه، ولكنها تبقى في قلب الإنسان حسرة في هذه الدنيا، وللمعصية ذنب وشؤم على قلب الإنسان، وغشاوة وران عليه حتى يغلب ذلك عليه، ويكون من أهل المعصية وأهل الذنوب، بل ربما كان من أهل النار قطعاً إن ارتكب شيئاً يكفره ويخرجه من دائرة الإسلام.والذي يريده المصنف عليه رحمة الله تعالى هنا أن الإنسان مهما تمتع بالحرام واستلذ به إلا أن تلك النعمة تزول بلحظتها، ويبقى شؤمها في قلب الإنسان، وعاقبتها يحاسب عليها الإنسان يوم القيامة، والدنيا دار امتحان واختبار، وقد فطر الله عز وجل قلب الإنسان على ملذات، ومنعه منها، وفطره على تتبع بعض الأمور ومنعه منها، والإنسان يكره الكلفة والمشقة، وقد سمى الله عز وجل الأوامر الشرعية تكاليف، قال سبحانه وتعالى: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، فسماها تكاليف، لكنها بالوسع، أما إذا خرجت عن طاقة الإنسان ووسعه، فالله عز وجل لا يكلف نفساً إلا وسعها.
 نسيان المصائب والآلام
وقد سمى الله عز وجل جماعة الناس أو الجماعة من الإنس ناساً؛ لنسيانهم، وهذه نعمة من الله سبحانه وتعالى على الإنسان أنه ينسى، ولو لم ينسَ الإنسان المصائب وما يحل فيه من بلاء وفتنة لما عاش الناس إلا مغمورين، ولكن الله عز وجل ينسي الإنسان مصائبه، وما حل فيها من فاقة وموت قريب ونحو ذلك، ولو استحضره في تلك اللحظة لتقطع قلبه كمداً، ولكن الله عز وجل رءوف بعباده، ولذلك المصنف عليه رحمة الله تعالى قال هنا: (دع) ما مضى؛ لأنه قد سطر عليك وانتهى.إذاً قوله: (دع الذكرى لأيام الصبا) أي: لا تذكرها، وهنا يمثل فقط، فعليه أن يدع الذكرى لأيام الصبا التي لا تغني الإنسان، والإنسان ليس هنا ممنوعاً أن يذكر أيام صباه ويذكر أيام ما مضى من التاريخ، لكنه لا يشغل نفسه بحكايات الصبا ويتمناها، وهو ابن يومه ومخاطب ومحاسب على ذلك. وقوله: (فلأيام الصبا نجم أفل) الأفول هو الانصرام، يقال: أفل النجم إذا غاب، وأفلت الشمس إذا غابت، وكذلك القمر، فنجم الصبا حينما يأفل انقضى وجف القلم به، فينبغي للإنسان أن ينشغل بيومه، ولا ينشغل بغير ذلك.
عدم إدراك الإنسان للحكمة من بعض التشريعات
والله عز وجل اختبر الإنسان بما حف بالجنة من مكاره، واختبره بما حف بالنار من شهوات، فالإنسان يسعى إلى شهواته ونزواته، ويريدها ويريد تحصيلها، والله عز وجل قد منعه من ذلك، وفتح له باب عوض، فحرم عليه الزنا، وأباح له النكاح، وحرم عليه أكل الربا، وأحل له البيع، فما من شيء يحرمه الله عز وجل إلا ويفتح للإنسان باباً آخر، لكن قد يفتح باباً من أبوب الشر، ويكون ذلك الباب أوسع من الخير امتحاناً وفتنة للناس.لكن قد يقول قائل: ولم؟ يقال: لحكمة بالغة، فالإنسان لا يسعى لمعرفة الحكم، وإن كان لا يؤمن إلا بحكمة فهذا ضرب من ضروب الاعتزال، وهذا الموطن هو الفيصل بين أهل الإيمان وأهل الكفر، ومن ذلك لماذا كفر كفار قريش، وألحدوا بدين محمد صلى الله عليه وسلم؟ ومالوا عن الحق وعن جادته إلى طريق الغواية والضلال؟ لأنهم ما رأوا الحكمة والبينة، وقد خاطبهم بعقولهم، قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة:275]، فما علموا الحكمة الشرعية التي حرم الله عز وجل لأجلها الربا، وأحل الله عز وجل البيع.والله عز وجل يحرم المحرمات ويبين الواجبات، ولكنه لا يبين الحكمة من ذلك التشريع في كل حين، ولو بانت الحكمة كالشمس لكل الناس لما ضل عن الشريعة إلا المجانين، ولكن الله عز وجل بين الحكمة لبعض الأحكام الشرعية، ولما يعرف حكمته فإن الإنسان يزداد بذلك إيماناً ويقيناً.والله عز وجل قد أيد محمداً صلى الله عليه وسلم ببعض المعجزات والخوارق، وبعض الحكم البينة التي يعجر الإنسان عن إدراكها وكنهها ومعرفة حالها؛ لكي يأخذ الإنسان منها وعمن غاب، أما من يتتبع جميع الأحكام ويريد لكل حكم علة فهذا يطلب محالاً، وهذا ضرب من ضروب الاعتزال، ويسعى بالإنسان إلى الإلحاد والخروج من الملة والعياذ بالله.ومن رغب أو طمع في أنه يعرف لكل حكم شرعي حكمة أو علة لأجلها جاء هذا، فهذا من الخطر، وهذه بداية طريق الاعتزال، ولذلك ضل الكفار بتتبعهم للحكم، والله عز وجل ما جعل الإنسان بهيمة تنقاد، ولكن جعل له عقلاً يميزه أن الله عز وجل حرم هذا الأمر لتلك العلة، وأمر بهذا الأمر وهذا التكليف لتلك الحكمة البالغة، وأمر بذلك الأمر وغيب الحكمة، ونهى عن ذلك المحرم، وغيب الحكمة ليأخذ من هذا إلى هذا، فيزداد بذلك بصيرة، والإنسان إذا بان له في أمر واحد أمر الله عز وجل به حكمة بالغة عظيمة لا يمكن أن تصدر من بشر، فإنه يجريه على ما يأتي، والله عز وجل أيد محمداً صلى الله عليه وسلم بالمعجزات، وأيد أولياءه بالكرامات.والإنسان إن آمن بالإطلاق فإن يؤمن بكل شيء وإن لم يدرك حقيقته، بل وإن كان يرى خلافه، أو لم يتبصر بتلك العلة أو الحكمة، أو وقع في قلبه شيء من عدم الرؤية بالظاهر، لكنه يؤمن بذلك حقيقة، ولذلك أبو بكر الصديق إنما بلغ درجة الصديقية؛ لأنه أطلق باب التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به من غير نظر لعلة أو حكمة، ولذلك كان صديقاً عليه رضوان الله تعالى من هذا الباب، فلما قال له كفار قريش: (إن صاحبك يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس، قال: والله لو قيل لي أنه عرج به إلى السماء لصدقته)، وهذا يدل على التصديق المطلق، والتسليم لله سبحانه وتعالى.وكذلك عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى لما أرسله النبي عليه الصلاة والسلام يتتبع المرأة التي معها الرسالة إلى كفار قريش من أهل مكة، فلما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يغزوهم -كما ذكر ابن إسحاق في السير - قال: تبعها، فجاءها ولم يجد معها شيئاً، وقال: (والله لا يكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أخرجيها وإلا عريتك، فأخرجتها من ضفائرها)، كما جاء في الرواية؛ لأنه قطعاً النبي عليه الصلاة والسلام لا يكذب، وهذا تسليم مطلق، ولا يقع في قلبه ريب أو شك.وقد ذكر النسائي عليه رحمة الله في السنن وابن إسحاق في السير بإسناد لا بأس به (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في ليلة من الليالي جالساً مع عائشة عليها رضوان الله تعالى، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: كيف بإحداكن..)، أي: أصحاب الحجر، ومعلوم أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام في حجرات، يعني: حجرات متجاورة، ولا تفتح حجرة منهن على مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حجرة عائشة ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( كيف بإحداكن إذا نبحت عليها كلاب الحوأب )، والحوأب بلدة على طريق الذهاب إلى العراق، وكانت عائشة في المدينة فقالت: (يا رسول الله! كيف بنا وما يذهبنا إلى هناك؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما أظنه إلا أنت يا حميراء ).وتوفي النبي عليه الصلاة والسلام، وجاءت خلافة أبو بكر وانقضت، وجاءت خلافة عمر وانقضت، وجاءت خلافة عثمان وانقضت، وجاءت خلافة علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى، وجاءت عائشة عليها رضوان الله تعالى، وجاء أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا لها: وقعت فتنة بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحثوها على الخروج إلى العراق إلى الكوفة، فلا زالوا بها حتى ركبت الناقة، وعلى تلك الناقة، وسميت واقعة الجمل، فركبت الناقة، وفي طريقها لما أقبلت إلى العراق سمعت نباح كلاب في ليلة من الليالي، فقالت: ما هذه البلدة؟ قالوا: الحوأب، فتذكرت كلام النبي عليه الصلاة والسلام من عقود فبكت، ولا يعلم من حولها بكلام النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يعلمون ما بها، فسقطت حتى حملت مرة أخرى، فتذكرت قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( كيف بإحداكن إذا نبحت على إحداكن كلاب الحوأب؟! قالت: ومن الذي يذهب بنا يا رسول الله؟ قال: ما أظنه إلا أنت يا حميراء)، وهذا إنما غاب عن عائشة عليها رضوان الله تعالى، لا لأنها قد وقع فيها ريب أو شك من ذلك، لكنها قد استغربت الحال وصدقت بيقين، وغاب عن قلبها استحضار ذلك عند حال الحدوث.والله عز وجل قد أيد نبيه عليه الصلاة والسلام بالمعجزات وبالإخبار بأمر الغيب، وجعل أصحابه عليهم رضوان الله تعالى بتلك المنزلة الرفيعة والتسليم المطلق؛ لأنهم ما بحثوا عن علة، بل جزموا يقيناً بأن هذا الرجل الذي صدق في تلك الأمور وبانت العلة والحكمة سيصدق قطعاً في تلك الأمور.والنبي عليه الصلاة والسلام لما أخبر عمر بن الخطاب وقال له: ( يأتي وفد اليمن ومعهم رجل اسمه أويس ، فإن لقيته فاستأمره أن يستغفر لك، فإنه رجل كان باراً بأمه )، فلما جاء وفد اليمن في خلافة عمر ، ذهب عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى يسأل وفد اليمن: (أفيكم رجل اسمه أويس ؟) وكانت العرب لا تحتك بالرعاة، ولا تتحدث معهم أنفة وكبراً، بل ربما لا يعرفون أسماءهم، (فقالوا: ليس معنا رجل اسمه أويس ، فقال: والله لا يكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ يتتبعهم واحداً واحداً، حتى قال: هل بقي منكم أحد؟ قالوا: بقي رعاة الإبل، فذهب إليهم، فلقي أحد الرعاة اسمه أويس ، فبكى عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى وقال: النبي عليه الصلاة والسلام قال لي كذا وكذا، وأمرني أن تستغفر لي ثم دعا له أويس القرني عليه رضوان الله تعالى.وغير ذلك مما يدل على التسليم المطلق؛ لأنهم ما نظروا وما التمسوا علة إلى الحكم الشرعي والخبر.وما يذكره المصنف عليه رحمة الله تعالى في هذه الرسالة هي من المسلمات التي فطر الإنسان عليها في سائر الشرائع، من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.وما لا ينسخ من التشريعات هي ثلاثة أمور: العقائد، والأخبار، والأخلاق، والمصنف عليه رحمة الله أراد أن يبين في رسالته هذه الأخلاق، والأخلاق لا تنسخ، فالكذب محرم وخيانة في أي شريعة كانت، وكذلك الغيبة والنميمة، أما إكرام الضيف فهو من حسن الخلق في أي شريعة كانت، ولا يكون في شريعة ليس من حسن الخلق، وفي الشريعة الأخرى من حسن الخلق، ولكنه من حسن الخلق ومن مكارمه على سائر الشرائع.ومكارم الأخلاق يقال: إنها شريعة الله عز وجل باقية، وتتفق الشرائع كلها على الأخلاق والعقائد، وتختلف في التشريعات، أي: في الحلال والحرام في بعض الأحوال.
 نسيان المصائب والآلام
وقد سمى الله عز وجل جماعة الناس أو الجماعة من الإنس ناساً؛ لنسيانهم، وهذه نعمة من الله سبحانه وتعالى على الإنسان أنه ينسى، ولو لم ينسَ الإنسان المصائب وما يحل فيه من بلاء وفتنة لما عاش الناس إلا مغمورين، ولكن الله عز وجل ينسي الإنسان مصائبه، وما حل فيها من فاقة وموت قريب ونحو ذلك، ولو استحضره في تلك اللحظة لتقطع قلبه كمداً، ولكن الله عز وجل رءوف بعباده، ولذلك المصنف عليه رحمة الله تعالى قال هنا: (دع) ما مضى؛ لأنه قد سطر عليك وانتهى.إذاً قوله: (دع الذكرى لأيام الصبا) أي: لا تذكرها، وهنا يمثل فقط، فعليه أن يدع الذكرى لأيام الصبا التي لا تغني الإنسان، والإنسان ليس هنا ممنوعاً أن يذكر أيام صباه ويذكر أيام ما مضى من التاريخ، لكنه لا يشغل نفسه بحكايات الصبا ويتمناها، وهو ابن يومه ومخاطب ومحاسب على ذلك. وقوله: (فلأيام الصبا نجم أفل) الأفول هو الانصرام، يقال: أفل النجم إذا غاب، وأفلت الشمس إذا غابت، وكذلك القمر، فنجم الصبا حينما يأفل انقضى وجف القلم به، فينبغي للإنسان أن ينشغل بيومه، ولا ينشغل بغير ذلك.
الابتعاد عن آلات الطرب واللهو
قال المصنف رحمه الله: [واترك الغادة لا تحفل بها تمس في عز وترفع وتجلواله عن آلة لهو أطربتوعن الأمرد مرتج الكفل]قوله: (واترك الغادة لا تحفل بها) الغادة هي الجارية التي تفتن في مشيتها (تمس في عز وترفع وتجل). وقوله: (واله عن آلة لهو أطربت) أي: انشغل عنها، ولا تشغلك. والمراد بها ما يطرب من الغناء، من الدفوف والآلات والموسيقى واللهو والطرب، وقد نهى الله عز وجل عنها، وسماها الله سبحانه وتعالى لهو الحديث، وكانت العرب حتى في الجاهلية تجعل الغناء والطرب للنساء لا للرجال؛ لأنهم يأنفون منه، ويجعلونه من خوارم المروءة. ‏
 التفريق بين السماع والاستماع للغناء والطرب
وقوله هنا: (لهو أطربت) هل المقصود من آلة اللهو الإطراب؟ فإذا كان الإنسان لا يطرب من آلة اللهو يجوز أن يستمع إليها؟ بمعنى: هل هناك فرق بين السماع والاستماع؟ فرق بعض السلف في هذا، وقالوا: فرق بين السماع والاستماع، فما كان مطرباً يحرم، وما لم يكن مطرباً فلا يحرم، وعلى هذا قالوا: ما أطرب وإن كان من غير آلة لهو فيحرم، وهذا فيه ما فيه، والنبي عليه الصلاة والسلام قال لـأنجشة لما كان مرتحلاً: ( رويداً يا أنجشة ، لا تكسر القوارير )، والمراد بالقوارير النساء، أي: لا تفتنهن بصوتك الذي أطربت به، وقوله: (رويداً) أي: اسكن قليلاً، فلم يأمره بالسكوت التام والصمت، وهذا يدل على الجواز إذا خلا من آلة طرب ولهو. وعلى هذا إذا استمع الإنسان أو سمع الإنسان شيئاً من آلات اللهو التي لا تطرب أصلاً، كأن يكون في طريق أو مجلس ونحو ذلك، ولكنه لم يستمع، إنما تجري إلى مسامعه من غير إنصات، فهذا لا حرج على الإنسان فيه، فقد يبلى الإنسان في شارع ونحو ذلك، ولا يؤاخذ الله عز وجل الإنسان لأنه لم يستمع، ولكنه ينفذ إلى مسامعه من غير اختياره.وقد ذهب جماعة من العلماء وعلى رأسهم الإمام ابن رجب عليه رحمة الله إلى التفريق بين السماع والاستماع، وقال: إن ما أنصت فيه الإنسان وأراد تدبراً وإطراباً فإنه ينهى عنه، أما ما ينفذ إلى مسامع الإنسان من غير قصد حتى وإن كان بآلات لهو وطرب فإنه لا يؤاخذ عليه الإنسان شريطة إلا يصغي له بالسماع.
مخالطة الأمرد
قال المصنف رحمه الله: [.. وعن الأمرد مرتج الكفلإن تبدى تنكسف شمس الضحىوإذا ما ماس يزري بالأسلزاد إن قسناه بالبدر سنىأو عدلناه بغصن فاعتدلوافتكر في منتهى حسن الذيأنت تهواه تجد أمراً جلل] ‏
 علاج النظر للأمرد
وقوله: (وافتكر في منتهى حسن الذيأنت تهواه تجد أمراً جلل) وذلك أن الإنسان يتفكر بالعاقبة التي سيئول إليها ذلك الجمال، سواءً كان جمال رجل أو امرأة، وهو التراب، وأنه ستأكله الدود، ومآله إلى هذا، وعاقبته إليه، فإنه إن ذكر بذلك الأمر فإنه يعلم أنه علق قلبه بمفقود ومآله إلى زوال، ولذلك قالت امرأة أحد الخلفاء، وقيل: إنه هارون الرشيد ، وقد نظرت إليه: إنك أنت النعيم، إلا أنك تزول، فبكى عليه رحمة الله.
هجر الخمر واجتنابها
قال المصنف رحمه الله: [واهجر الخمرة إن كنت فتى كيف يسعى في جنون من عقل]الخمرة: هي ما خامر العقل وغطاه، والخمر محرمة بالاتفاق، ولا خلاف في ذلك، فهي محرمة بالكتاب والسنة والإجماع، ومن قال بإباحتها فقد كفر؛ لتكذيبه نصوص الكتاب والسنة.وهنا قال: (واهجر الخمرة) لأن الإنسان لا يليق بكامل عقله أن يشرب الخمر، فإن الله عز وجل قد وهبه عقلاً، ثم يزيله عن قصد وعمد.وقوله: (كيف يسعى في جنون من عقل) أي: أن يكون حاله كحال المجانين الذين سلبهم الله عز وجل عقلاً، مع أن الله سبحانه وتعالى قد أنعم عليه بذلك، والإنسان حينما يجن أو يختلس عقله يذهب به أهله إلى أقاصي الدنيا لعلاج عقله، لعله يشفى، وهذا يسعى إلى جنون عقله، فهذا لا يليق بعاقل، بل هو منقصة ومذمة.
 علاج النظر للأمرد
وقوله: (وافتكر في منتهى حسن الذيأنت تهواه تجد أمراً جلل) وذلك أن الإنسان يتفكر بالعاقبة التي سيئول إليها ذلك الجمال، سواءً كان جمال رجل أو امرأة، وهو التراب، وأنه ستأكله الدود، ومآله إلى هذا، وعاقبته إليه، فإنه إن ذكر بذلك الأمر فإنه يعلم أنه علق قلبه بمفقود ومآله إلى زوال، ولذلك قالت امرأة أحد الخلفاء، وقيل: إنه هارون الرشيد ، وقد نظرت إليه: إنك أنت النعيم، إلا أنك تزول، فبكى عليه رحمة الله.
الوصية بتقوى الله
قال المصنف رحمه الله: [واتق الله فتقوى الله ماجاورت قلب امرئ إلا وصلليس من يقطع طرقاً بطلاًإنما من يتقي الله البطل]هنا يشير إلى قوله عليه الصلاة والسلام للثقفي عليه رضوان الله تعالى لما قال للنبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم : ( قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: قل: آمنت بالله فاستقم )، ومعنى ذلك أن الإنسان قد يصل إلى الحق، ويصل إلى الصواب، وهذا كثر، ولكن الاستقامة على ذلك والصبر عليه حتى يصل الإنسان هذا هو موطن الصعوبة.وقوله: (ما جاورت قلب امرئ إلا وصل) أي: لا بد أن تجاور التقوى قلب الإنسان حتى يصل وينجو من عذاب الله سبحانه وتعالى، ويختم له بخير. ‏
 صاحب التقوى الحقيقية
قوله: (ليس من يقطع طرقاً بطلاًإنما من يتقي الله البطل) المراد بذلك: ليس من يسافر الأسفار ويمشي في البراري على قدميه ويقطع المفاوز هو الرجل، والبطل والقوي والجبار، ولكن من يتقي الله سبحانه وتعالى هو البطل، وهذا فيه دليل على منقبة عند العرب، وهي أنهم يمدحون صاحب الأسفار الذي يسافر لكسب الرزق والذهاب والمجيء ونحو ذلك، ولذلك الإمام الشافعي عليه رحمة الله مما ينسب له في ديوانه قال:سافر تجد عوضاً عما تفارقهوانصب فإن لذيذ العيش في النصبإني رأيت وقوف الماء يفسدهإن سرى طاب وإن لم يجر لم يطبومعروف أن الماء الجاري هو الماء الصافي الذي لا يلوثه شيء، كمياه الأودية، أما الغدران الباقية فهذه تجري عليها الناس والبهائم حتى تفسد، فعليك بالجريان كالماء الذي رأيت وقوف الماء يفسده، إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب.
تصديق الشرع بخصوص الغيب وتكذيب المنجمين
قال المصنف رحمه الله: [ صدق الشرع ولا تركن إلى رجل يرصد في الليل زحل ]مراده بذلك: عليك بتصديق الشرع أنه لا يعلم الغيب إلا الله، (ولا تركن إلى رجل يرصد في الليل زحل) والمراد بذلك المنجمون، ولذلك تقول العرب: كذب المنجمون ولو صدقوا، فإن صدقوا فهذا من باب الصدفة، ولا تنظر إلى الكواكب والنجوم تريد أن تعلم علماً مستقبلياً، وصدق الشرع أنه لا يعلم الغيب إلا الله، ولذلك من ادعى علم الغيب فقد نازع الله عز وجل في حقه. ‏
 النظر في النجوم
قوله: (زحل) زحل هي من الكواكب السبعة، وهي الشمس والزهرة وعطارد وزحل، وهذه تعلق بها الجاهليون بعلم الغيب، وهذا من وساوس الشيطان، فهي لا تعلم الإنسان غيباً، ولا تعلمه علماً يزداد به معرفة، وقد نهى بعض السلف، ولا أعلم في هذا شيئاً مرفوعاً عن النظر في النجوم حال سقوطها، وقد روى ابن أبي شيبة والإمام أحمد في المسند من حديث أبي قتادة قال: ( نهينا أن نتبع الشهب أبصارنا )؛ خشية أن ينقذف في قلب الإنسان أن هذا الشهب أراد الله عز وجل به كذا وكذا، لكن هذا الحديث لا يصح مرفوعاً، وإنما أردنا به استئناساً، ويعارضه ما جاء في حديث صحيح الإمام مسلم لما قال سعيد بن جبير : (أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قال: أنا)، مما يدل على جواز النظر في النجوم من غير علم الغيب.
عجز العقول عن إدراك الله تبارك وتعالى
قال المصنف رحمه الله: [ حارت الأفكار في قدرة منقد هدانا سبلاً عز وجل]أي: أن الإنسان لا يمكن أن يدرك الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل لا تحيط به الأبصار ولا تدركه العقول، والله عز وجل أحاط بكل شيء علماً، وهذا قطع من المصنف عليه رحمة الله تعالى أن لا يتفكر في علم الغيب؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يدركه بالمحسوس. وقوله: (حارت الأفكار) أي: تحور وترجع، ولا تستطيع أن تعرف شيئاً، وقد أمر الله عز وجل الإنسان أن يمد بصره إلى السماء أكثر من كرة، فيرجع إليه البصر خاسئاً وهو حسير؛ لأنه لا يمكن أن يدرك حقيقة الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103]، أي: لا يمكن للإنسان أن يحيط بالله عز وجل علماً على الحقيقة، إلا بما أخبر الله عز وجل به في كتابه وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.ومهما يتخيل الإنسان الله عز وجل أنه كذلك فالله فوق ذلك، فلا يتفكر الإنسان بصفات الله عز وجل كيفيةً وهيئةً ونحو ذلك، فالله عز وجل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وهذا قطع أنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، والإنسان مجبول على تصور كل مذكور، وإذا قيل له: قابلت رجلاً فيه كذا وكذا، فإنه يتخيل رجلاً على هيئة فلانية، إما أن يكون على هيئة رجل رآه، وإما أن يكون على هيئات رجال لهم صفات، فوضعها في هذا الرجل.وكثير من الناس يقول: أنا قد سمعت بك يا فلان، وتخيلتك بشكل معين، والإنسان قد يتخيل ما يسمع به خيالاً، وهذا يخطر في قلب الإنسان، أي: أن الله عز وجل على الصفة الفلانية، وكان الواجب عليه أن يعلم يقيناً أن ما يتخيله الإنسان عن الله، فليعلم أن الله فوق ذلك؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يتخيل في قلبه إلا ما هو محسوس، والإنسان لا يمكن أن يتفكر بشيء إلا وقد رآه، أما أن يتفكر بشيء لم يره فلا يمكن قطعاً إلا بشيء قد رآه يقظة أو مناماً، ولو أن الإنسان أعطي ورقة وقلماً، وقيل له: يا فلان! اكتب شيئاً لم تره، أو ارسم شكلاً لم تره، فهل يستطيع؟ لا يمكن أن يستطيع، إما أن يرسم شيئاً رآه، وإما أن يجمع صفات قد رآها متفرقة ووضعها بشكل معين، أما أن يضع أو يرسم شيئاً لم يره، فأبداً لا يمكن هذا؛ لأن عقل الإنسان كالحافظة، تنقدح فيه المعلومات ويخرجها، أما أن يبتكر شيئاً جديداً لم يخطر له على بال فلا يمكن هذا أبداً، وقد انفرد الله عز وجل بالابتكار من عدم، أما الإنسان فلا يبتكر من عدم أبداً، ولكنه يأخذ من صورة، ويجمع من صورة إلى صورة، ويؤلف بينها، فتخرج بزعمه أنها صورة جديدة قد جمعها، وهذا يدل على كمال الله سبحانه وتعالى.
 النظر في النجوم
قوله: (زحل) زحل هي من الكواكب السبعة، وهي الشمس والزهرة وعطارد وزحل، وهذه تعلق بها الجاهليون بعلم الغيب، وهذا من وساوس الشيطان، فهي لا تعلم الإنسان غيباً، ولا تعلمه علماً يزداد به معرفة، وقد نهى بعض السلف، ولا أعلم في هذا شيئاً مرفوعاً عن النظر في النجوم حال سقوطها، وقد روى ابن أبي شيبة والإمام أحمد في المسند من حديث أبي قتادة قال: ( نهينا أن نتبع الشهب أبصارنا )؛ خشية أن ينقذف في قلب الإنسان أن هذا الشهب أراد الله عز وجل به كذا وكذا، لكن هذا الحديث لا يصح مرفوعاً، وإنما أردنا به استئناساً، ويعارضه ما جاء في حديث صحيح الإمام مسلم لما قال سعيد بن جبير : (أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قال: أنا)، مما يدل على جواز النظر في النجوم من غير علم الغيب.
الموت قاطع ما اتصل ومفرق ما اجتمع
قال المصنف رحمه الله: [كتب الموت على الخلق فكم فل من جيش وأفنى من دولأين نمرود وكنعان ومنملك الأرض وولى وعزلأين عاد أين فرعون ومنرفع الأهرام من يسمع يخلأين من سادوا وشادوا وبنواهلك الكل ولم تغن القللأين أرباب الحجى أهل النهىأين أهل العلم والقوم الأول] ‏
 مجازاة الله للخلق بعد البعث
قوله: (وسيجزي فاعلاً ما قد فعل) أي: أن الله عز وجل سيجزي صاحب الخير بالخير، وسيجزي صاحب الشر بالشر، إن كان صاحب خير بالعاقبة الحسنة في الجنة، وإن كان صاحب شر بالعاقبة السيئة في النار، إن لم يغفر الله عز وجل له إن كان من أهل الإيمان.فإذا عمل الإنسان السيئات وتاب منها واستغفر وأناب إلى الله عز وجل، فالله عز وجل لا يعذبه بها، و(التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، لكن هل يقره الله عز وجل على ذلك الذنب، ويسأله عنه وإن تاب؟ قد اختلف العلماء في هذا، فذهب بعض السلف، وهو قول الحسن البصري وغيره إلى أن الإنسان إن أذنب ذنباً أو أذنب ذنوباً فتاب واستغفر أنها لا تمحى من صحيفته، لكنه لا يعذب بها ويقرر بها يوم القيامة: يا فلان! أتذكر سيئة كذا وكذا، قد غفرها الله عز وجل لك.وذهب بعض العلماء إلى أنها تمحى، وهذا هو الصواب، فلا يسأل عنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث عبد الله بن عمرو : ( التوبة تجب ما قبلها، والإسلام يجب ما قبله، والهجرة تجب ما قبلها، والحج يجب ما قبله ).
الدعوة لطلب العلم وترك الكسل
قال المصنف رحمه الله: [أي بني اسمع وصايا جمعتحكماً خصت بها خير الملل اطلب العلم ولا تكسل فماأبعد الخير على أهل الكسل ]قوله: (أي بني اسمع وصايا جمعت..) يريد المصنف هنا أن يرشد إلى وصايا عظيمة جليلة، قد سبق شيء منها، وما يأتي فهو الأهم والأجل، والأهم في حياة الإنسان. وقوله: (اطلب العلم ولا تكسل) هنا جعل طلب العلم لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا وقد أبعد الراحة والدعة والكسل؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يصل إلى العلا إلا وقد سهر الليالي، ولا يمكن أن يصعد ويبلغ إلى أعلى المراتب والأماكن الحميدة في هذه الأرض إلا وقد جد واجتهد.وقلما من الناس من يرث المجد إرثاً،ويكون من أهل السيادة في الدنيا إرثاً، فهم أفراد معدودون، لكن الأصل أن الإنسان لا يكون من أهل السيادة والرفعة والعلو إلا بالسهر، أما العلم فلا يعرف إرثاً، ولا يعرف نسباً، فيرفع الله عز وجل به أسياداً، ويرفع الله عز وجل به العبيد الذين قد وضعوا، ويضع الله عز وجل بالجهل الأسياد، وقد جعل الله عز وجل الفقهاء السبعة جلهم من الموالي؛ لأن العلم لا يعرف نسباً، فالله عز وجل يرفع به، وقد جعل الله عز وجل الذين يعلمون ليسوا كالذين لا يعلمون.ثم أخذ المصنف يحث على تفاصيل ذلك من الاحتفال به والتفقه، ويأتي الكلام عليه بإذن الله عز وجل، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
 مجازاة الله للخلق بعد البعث
قوله: (وسيجزي فاعلاً ما قد فعل) أي: أن الله عز وجل سيجزي صاحب الخير بالخير، وسيجزي صاحب الشر بالشر، إن كان صاحب خير بالعاقبة الحسنة في الجنة، وإن كان صاحب شر بالعاقبة السيئة في النار، إن لم يغفر الله عز وجل له إن كان من أهل الإيمان.فإذا عمل الإنسان السيئات وتاب منها واستغفر وأناب إلى الله عز وجل، فالله عز وجل لا يعذبه بها، و(التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، لكن هل يقره الله عز وجل على ذلك الذنب، ويسأله عنه وإن تاب؟ قد اختلف العلماء في هذا، فذهب بعض السلف، وهو قول الحسن البصري وغيره إلى أن الإنسان إن أذنب ذنباً أو أذنب ذنوباً فتاب واستغفر أنها لا تمحى من صحيفته، لكنه لا يعذب بها ويقرر بها يوم القيامة: يا فلان! أتذكر سيئة كذا وكذا، قد غفرها الله عز وجل لك.وذهب بعض العلماء إلى أنها تمحى، وهذا هو الصواب، فلا يسأل عنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث عبد الله بن عمرو : ( التوبة تجب ما قبلها، والإسلام يجب ما قبله، والهجرة تجب ما قبلها، والحج يجب ما قبله ).

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , لامية ابن الوردي [1] للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

http://audio.islamweb.net