اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - (باب ما تفعل المحرمة إذا حاضت) إلى (باب المني يصيب الثوب) للشيخ : عبد المحسن العباد


شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - (باب ما تفعل المحرمة إذا حاضت) إلى (باب المني يصيب الثوب) - (للشيخ : عبد المحسن العباد)
إذا حاضت المرأة أو نفست وهي محرمة فعليها أن تقوم بما يقوم به الحاج من أعمال الحج إلا الطواف بالبيت، فإنها تؤجله حتى تطهر، وقد بين الشارع الطريقة التي يزال بها دم الحيض إذا أصاب الثوب وذلك بأن يُحك بعود ويُفرك حتى يزال جرمه في الثوب ثم يغسل بالماء.
ما تفعل المحرمة إذا حاضت

 تراجم رجال إسناد حديث عائشة فيما تفعل المحرمة إذا حاضت
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو: ابن مخلد الحنظلي المشهور بابن راهويه، وراهويه للمحدثين فيه إطلاق، وللغويين فيه إطلاق، فالمحدثون يجعلون الواو ساكنة وما قبلها مضموماً والياء بعدها مفتوحة، فيقولون: ابن راهويه.أما اللغويون: فيكون الاسم مختوماً بويه، أي: الواو مفتوحة والياء ساكنة، فيقول: راهويه؛ لأن الاسم يكون عندهم مختوماً بويه.وهو ثقة، محدث، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل والتوثيق، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .[حدثنا سفيان].وهنا مهمل؛ يعني: غير منسوب، فهو مهمل النسبة، فإذا ذكر اسم الشخص ولم ينسب، ولم يؤت بما يميزه عن غيره فإنهم يسمونه المهمل، فيكون محتملاً لأشخاص كما هنا؛ لأن سفيان يحتمل: سفيان بن عيينة، ويحتمل: سفيان الثوري، وكانا في زمن واحد، وهما محدثان، فقيهان، مشهوران، وهذا غير المبهم؛ لأن المبهم لا يذكر اسمه، لكن يشار إليه بأن يقال: رجل، أو أخبرني رجل، أو حدثني رجل، أو امرأة، فهذا يقال له: مبهم؛ لأنه غير مسمى، فرجل يعني: جنس. والطريقة إلى معرفة المهمل تعيينه وتمييزه هل هو الثوري أو ابن عيينة هو ما ذكرت مراراً أن المعروف في ذلك أو المشهور في ذلك طريقان: إحداهما: أن يكون مسمى في بعض الطرق التي ورد بها الحديث؛ لأن الحديث يأتي من عدة طرق، فيكون في بعضها مهملاً، وفي بعضها منسوباً، والطريقة الثانية: بالنظر للشيوخ والتلاميذ الذين أخذ عنهم هذا المهمل -مهمل النسبة- وإذا نظرنا في ترجمة شيخ سفيان وهو عبد الرحمن بن القاسم نجد أن في ترجمته في تهذيب الكمال: أنه روى عنه السفيانان، أي سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري. فإذاً: فهو محتمل أن يكون هذا أو هذا، لكن لما نظرنا في ترجمة إسحاق بن راهويه في تهذيب الكمال، وجدنا أن المزي لم يذكر إلا سفيان بن عيينة، وما ذكر في شيوخ إسحاق بن راهويه إلا سفيان بن عيينة، وما ذكر من شيوخه سفيان الثوري. إذاً: يكون سفيان بن عيينة، وسفيان بن عيينة ثقة، محدث، فقيه، حافظ عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن القاسم].هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وهو ثقة عابد، قال عنه سفيان بن عيينة: كان أفضل أهل زمانه. يثني عليه، وهو هنا تلميذه المهمل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين في عصر التابعين، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً في هذا الكتاب.[عن عائشة].هي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة، وهي أكثر الصحابيات على الإطلاق حديثاً، وهي أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم ستة من الذكور وعائشة رضي الله عنها وأرضاها أم المؤمنين، وهم الذين جمعهم السيوطي في بيتين من ألفيته، حيث قال عنهم: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كـالخدريوجابر وزوجة النبيِّ
ما تفعل النفساء عند الإحرام

 تراجم رجال إسناد حديث جابر فيما تفعل النفساء عند الإحرام
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي، ومحمد بن المثنى، ويعقوب بن إبراهيم واللفظ له].هؤلاء ثلاثة من مشايخ النسائي واللفظ للأخير منهم وهو يعقوب بن إبراهيم.و عمرو بن علي الفلاس يأتي ذكره كثيراً، وهو من النقاد، كلامه كثير في الجرح والتعديل، فهو من أئمة الجرح والتعديل، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.ومحمد بن المثنى هو الزمن العنزي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة جميعاً.ويعقوب هو ابن إبراهيم الدورقي، وهو أيضاً ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة. وكل من محمد بن المثنى ويعقوب بن إبراهيم شيخان للنسائي وقد ماتا في سنة واحدة وهي سنة اثنتين وخمسين ومائتين؛ أي: قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، فهما من صغار شيوخ البخاري الذين هم قريبون منه في السن، وقريبون منه في الوفاة؛ لأنه ليس بين وفاتهما وبين وفاة البخاري إلا أربع سنوات.[أخبرنا يحيى بن سعيد].وهو القطان المحدث، الثقة، الناقد، المعروف بإمامته في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا جعفر بن محمد].وهو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو من أئمة أهل السنة، وإمام من أئمة أهل البيت، ومن أئمة أهل السنة الذين رووا عنهم الأحاديث، ومن الذين رووا الأحاديث عن رسول الله، وهو المعروف بـالصادق، وهو أيضاً من الأئمة الاثني عشر عند الرافضة الذين يقدسونهم ويعظمونهم ويتجاوزون الحدود فيهم. ومن المعلوم أن الواجب في حق المؤمنين من أهل البيت ومن غيرهم هو المحبة والموالاة، والتوسط بين الإفراط والتفريط، فلا غلو ولا جفاء، وإنما توسط واعتدال، فلا يغلى في أحد ولا يجفى في حق أحد، كما قال الطحاوي رحمه الله في عقيدته -عقيدة أهل السنة- يقول: وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من اللاحقين أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل. فالواجب هو التوسط بين الإفراط والتفريط، ومن كان من صالح أهل البيت فإنه يحب لأمرين: لتقواه وإيمانه، وهذا هو الأساس، وأيضاً لقرابته من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو مذهب أهل السنة الذين يعرفون لكلٍ منزلته، ويعرفون قدر أهل البيت، وينزلونهم منازلهم ويحبونهم ويتولونهم، ولا يجفونهم، ولا يغلون فيهم، وإنما يتوسطون فيهم، والذي سبق إلى هذا التقديم وإلى معرفة هذا الفضل لأهله هم الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم وأرضاهم، وأولهم خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام أبو بكر الصديق فإنه قد جاء في صحيح البخاري أنه قال: والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليِّ من أن أصل قرابتي؛ يعني: يحب أن يصل قرابة رسول الله عليه الصلاة والسلام أعظم من محبته لصلة قرابته؛ وذلك لمحبته للرسول صلى الله عليه وسلم ومن تنفيذ وصية الرسول صلى الله عليه وسلم في أهل بيته، في أنهم يحبون ويتولون، لكن بلا غلو ولا جفاء، وإنما بتوسط واعتدال بين الإفراط والتفريط، كما قال أبو سليمان الخطابي: ولا تَغلُ في شيء من الأمر واقتصدكلا طرفي قصد الأمور ذميميعني: الطرفين المجانبين لطريق القصد، وهو الاعتدال والتوسط، كلٌ منهما ذميم أي: جانب الإفراط وجانب التفريط، جانب الغلو وجانب الجفاء، هذا هو مذهب وطريقة أهل السنة في حق أهل البيت. وجاء كذلك عن أبي بكر أيضاً وهو في صحيح البخاري قوله: ارقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته. وكذلك أيضاً عمر رضي الله عنه وأرضاه يقول للعباس: والله لإسلامك أحب إليِّ من إسلام الخطاب لو أسلم؛ وذلك لكونه عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكون الرسول صلى الله عليه وسلم يحب إسلامه، ويحب إسلام أعمامه، ولهذا حرص على إسلام أبي طالب، وجاء إليه وهو في النزع وفي الرمق الأخير من حياته الدنيوية وطلب منه أن يسلم، وقال: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله)، فكان عنده بعض جلساء السوء فذكروه بملة عبد المطلب، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فكان عمر رضي الله عنه وأرضاه يقول هذه المقالة. إذاً: هذا هو قول سادات أهل السنة، وسادات المسلمين أفضل من مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين، فـأبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما هذا قولهم وكلامهم في حق أهل البيت، والواجب هو محبة أهل البيت؛ يعني: من كان منهم مؤمناً يحب لإيمانه وتقواه، وهذا هو الأساس في المحبة، ويحب لقرابته من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين الذي في الإسناد هو صدوق، فقيه، وقد روى له البخاري في الأدب المفرد، وروى له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثني أبي].وهو محمد بن علي بن الحسين المشهور بـالباقر وهو ثقة، فاضل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ويقال فيه ما قيل في ابنه من جهة المودة والمحبة والموالاة لأهل البيت، فمن كان منهم مستقيماً وصالحاً فإنه يحب لتقواه، ويحب لقرابته من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، هذا هو قول أهل السنة الذين يتولون الجميع، ويحبون أولياء الله عز وجل من الصحابة ومن أهل البيت، فمن كان منهم صالحاً فإنهم يحبونه لصلاحه ولقرابته من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا يقصرون الأمر في أحد دون أحد، بل يكونون في المودة لـعلي وأولاده، وللعباس وأولاده، وهكذا لجميع قرابة رسول الله عليه الصلاة والسلام على السواء.فرضي الله تعالى عن علي وعن الصحابة أجمعين، ورحم الله التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.[أتينا جابر بن عبد الله].هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، وهو الصحابي الجليل المشهور، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
دم الحيض يصيب الثوب

 تراجم رجال إسناد حديث أسماء بنت أبي بكر فيما يفعل بدم الحيض إذا أصاب الثوب
قوله: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي].يحيى بن حبيب بن عربي، وهو بصري، ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا حماد بن زيد].وحماد بن زيد أيضاً بصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن هشام بن عروة].وهو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن فاطمة بنت المنذر].وهي فاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وهي زوجة هشام؛ يعني: يروي عن زوجته؛ لأنها هي بنت عمه، فهو هشام بن عروة بن الزبير، وهي فاطمة بنت المنذر بن الزبير، فهي ابنة عمه، وهي ثقة، حديثها عند أصحاب الكتب الستة.[عن أسماء بنت أبي بكر].وهي أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وأرضاها، وهي الصحابية أم عبد الله بن الزبير، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
المني يصيب الثوب

 الموقف مما جرى بين علي ومعاوية
[عن معاوية بن أبي سفيان].وهو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وهو أمير المؤمنين، وأول ملوك المسلمين، وهو خير ملوك المسلمين، وهو كاتب وحي رب العالمين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد حصل بينه وبين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه ما حصل، وكل منهما قد اجتهد، والمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، والخطأ مغفور، وقد قال بعض العلماء الذين وفقهم الله عز وجل بالكلام الحسن في حق الصحابة والفتن التي كانت في أيامهم: قد صان الله عنها أيدينا، فنسأل الله أن يصون عنها ألسنتنا؛ يعني: أنهم ما أدركوا زمانهم، وما بقي إلا القول، والقول الحق هو أن كل مسلم ناصح لنفسه يجب أن يكون كلامه في ما هو حق؛ لأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، فهو إذا لم يقل خيراً في الصحابة فلا أقل من السكوت والصمت، وأما أن يتكلم فيهم بما لا يليق، ففاعل ذلك لا يضرهم وإنما يضر نفسه ويجر البلاء على نفسه، ومن المعلوم أنه ليس عند الناس في الدار الآخرة إلا الحسنات والسيئات، فمن تكلم في أحد بكلام لا يليق فإنه يأخذ من حسناته يوم القيامة، وإذا لم يكن له حسنات فإنه يؤخذ من سيئات المظلوم المتكلم فيه بغير حق ويطرح على القائل، كما جاء في حديث المفلس الذي بينه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: (المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وحج، ويأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا، فيعطى لهذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أُخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار). إذاً: فالواجب في حق أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام أن نترضى عنهم ونستغفر لهم، ونقول كما قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10]؛ لأن الله تعالى ذكر في سورة الحشر ثلاثة أصناف من الناس ليس لهم رابع؛ يعني: سالمون ناجون، وأما من سواهم فهو حائد عن طريق الحق والهدى.أما الصنف الأول: فهم المهاجرون، وجاء هذا في آية مستقلة: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8]، فوصف الله عز وجل المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم، وجاءوا لصحبة رسول الله عليه الصلاة والسلام ونصرته بأنهم صادقون، والله تعالى أمر المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، والمراد بالصادقين أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد جاءت هذه الآية بعد ذكر الثلاثة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين صدقوا فيما قالوا وفيما خاطبوا به الرسول عليه الصلاة والسلام في تخلفهم عن غزوة تبوك، ولم يحصل منهم ما حصل من المنافقين، فصدقوا ونجاهم الله تعالى بالصدق، ثم أمر الله المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119].فالمهاجرون وصفهم الله تعالى بأنهم الصادقون، وقد أمر المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين. إذاً: فهذه الآية تشتمل على الصنف الأول من الأصناف الثلاثة وهي الناجية السالمة.والصنف الثاني: الأنصار، وهم جاءوا في الآية التي بعدها: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9].والصنف الثالث: هم الذين جاءوا بعد المهاجرين والأنصار، مستغفرين لهم داعين لهم، سائلين الله تعالى ألا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، فقال: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ [الحشر:10]؛ يعني: من بعد المهاجرين والأنصار، يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].وليس وراء هذه الأصناف الثلاثة إلا الخذلان والانحراف عن طريق الحق والهدى؛ لأن من لم يكن من المهاجرين ولا من الأنصار لا يكون ناجياً وسالماً إلا إذا جاء على طريقة المهاجرين والأنصار، وسأل الله عز وجل هذا السؤال الذي اشتملت عليه هذه الآية الكريمة المبينة لما كان عليه هؤلاء التابعون لهؤلاء السالكين، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10]، وكيف يكون في القلوب غل للذين آمنوا وهم أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم وأرضاهم، فإنه لا يكون في القلوب غل إلا في قلوب مريضة، وقلوب خذل أصحابها، وحيل بينهم وبين التوفيق والهدى. بل قد جاء في القرآن ما هو أشد من ذلك وأعظم! فإن الله تعالى ذكر وصف أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام في التوراة والإنجيل، فقال: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29]، فهؤلاء الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم نوه الله بشأنهم في الكتب السابقة، وجاء وصفهم والثناء عليهم في الكتب السابقة رضي الله عنهم وأرضاهم وذلك في التوراة والإنجيل وهما أشهر الكتب المتقدمة، ثم قال في آخرها: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29]؛ يعني: فمن غاضه أصحاب رسول الله أو غيض بأصحاب رسول الله، فله نصيب من هذه الآية لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29]، وهذا أشد ما يكون على من في قلبه حقد على أصحاب رسول الله، وأعظم شيء جاء في القرآن في حق من كان في قلبه غل على أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه وأرضاه -كما قلت- هو أول ملوك المسلمين، وهو خير ملوك المسلمين وكاتب الوحي لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وأخو أم حبيبة أم المؤمنين، وكما قلت: جرى بينه وبين علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه شيء، فرضي الله تعالى عن علي وعن معاوية وعن الصحابة أجمعين، والواجب هو الكف عما جرى بينهم إلا بالكلام الحق، وحملهم على أحسن المحامل، وأنهم مجتهدون، فالمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد وخطأه مغفور. وقد جاء عن بعض السلف أنه قيل له: ماذا تقول في معاوية ؟ فقال: ماذا أقول في رجل صلى خلف النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة: سمع الله لمن حمده، فقال معاوية وهو وراءه: ربنا ولك الحمد؛ يعني: استجاب الله لمن حمده، وماذا أقول في رجل هذا شأنه؟! يعني: كسائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.[عن أم حبيبة].وهي أخته أم المؤمنين بنت أبي سفيان رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - (باب ما تفعل المحرمة إذا حاضت) إلى (باب المني يصيب الثوب) للشيخ : عبد المحسن العباد

http://audio.islamweb.net