اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - (باب الإبعاد عند إرادة الحاجة) إلى (باب القول عند دخول الخلاء) للشيخ : عبد المحسن العباد


شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - (باب الإبعاد عند إرادة الحاجة) إلى (باب القول عند دخول الخلاء) - (للشيخ : عبد المحسن العباد)
قوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى) يعني أن الإنسان يحصل من الثواب والأجر على نيته؛ فإن العمل لا بد فيه من نية، والإنسان يحصل الأجر والثواب على حسب ما نواه.ثم إن هاتين الجملتين (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) قاعدتان عامتان، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعدهما مثالاً يوضح المقصود، وأن الأمر يتبع النية، وأنه متعلق ومرتبط بها، وذلك المثال هو الهجرة، فقال عليه الصلاة والسلام: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله). أي: إذا كان قصده حسناً -وهو الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام من أجل أن يأتي بشعائر دينه، ومن أجل أن يحافظ على دينه، ومن أجل أن يتعلم الدين وأن يتفقه فيه- فهجرته إلى الله ورسوله.فإن قيل: الأصل في الشرط والجزاء أنهما يكونان متغايرين، فيقال: (من جد وجد، ومن زرع حصد)، فالجزاء غير الشرط، وهنا اتحد الجزاء مع الشرط، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)! فالجواب أنّ الجزاء وإن كان هنا نفس الشرط إلّا أن الحكم يختلف باختلاف المتعلق، فقوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله) أي: نية وقصداً، (فهجرته إلى الله ورسوله) أي: ثواباً وأجراً. فبهذا يختلف الشرط والجزاء، فالأول يتعلق بالنية والقصد، والثاني يتعلق بالثواب والأجر.فذكر النبي صلى الله عليه وسلم في صدر هذا التمثيل الشيء الذي فيه أجر وثواب، وهو كون الإنسان يريد بعمله وجه الله عز وجل والدار الآخرة.وأما إذا كانت الهجرة من أجل غرض دنيوي من تجارة أو زواج فقد قال فيها عليه الصلاة والسلام: (ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)، فلم يقل: فهجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها وإنما جاء بلفظ عام ليبين أن من هاجر لشيء فإن هجرته إلى ما هاجر إليه، فإذا كان من أمور الدنيا لتحصيل المال، أو تحصيل الزواج أو غير ذلك فهجرته إلى ما هاجر إليه، فأتى بالجواب بلفظ عام؛ لأن أغراض الناس ومقاصدهم في أعمالهم المتعلقة بالدنيا لا تنحصر، فجاء بالجواب بلفظ يشمل كل شيء يقصد به الإنسان شيئاً من الدنيا. وأيضاً ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المثال ليوضح به أن من يكون قصده حسناً فله الثواب والأجر، ومن كان قصده غير ذلك فهجرته إلى ما هاجر إليه.
الإبعاد عند إرادة الحاجة

 تراجم رجال إسناد حديث: (إن النبي كان إذا ذهب المذهب أبعد ...)
قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو: السعدي ، وهو الذي سبق أن مر بنا ذكره، وهو من شيوخ الإمام مسلم ، ويروي عنه مسلم كثيراً، والبخاري , والنسائي , والترمذي .[عن محمد بن عمرو].هو: ابن حلحلة ، ويروي عنه إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير .[عن أبي سلمة].هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو الذي سبق أن مر بنا في أول حديث، وقلنا: إن بعض العلماء قال: إنه سابع الفقهاء السبعة على أحد الأقوال، وهو من رجال الجماعة.[عن المغيرة بن شعبة].المغيرة بن شعبة هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أميراً على البصرة وعلى الكوفة، وكان كذلك من الصحابة المشهورين، وكذلك أيضاً من الشجعان، وفيه صفات حميدة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
الرخصة في ترك الإبعاد عند إرادة الحاجة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة في ترك ذلك.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن شقيق عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهى إلى سباطة قوم، فبال قائماً، فتنحيت عنه، فدعاني، وكنت عند عقبيه حتى فرغ، ثم توضأ ومسح على خفيه) ]. ‏
 تراجم رجال إسناد حديث حذيفة: (كنت أمشي مع رسول الله فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائماً...)
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم بن راهويه بسكون الياء أو فتحها، والمعروف عند أهل اللغة أنهم يقولون: راهويه - بالسكون-، والمحدثون يقولون: راهويه - بالفتح-، وكل من اللفظين يصلح، وفي بيت من أبيات ألفية ابن مالك:ذا إن بغير ويه تم أعرباويه, يعني: نفطويه، راهويه، عمرويه، ألفاظ كثيرة تأتي على هذا.وإسحاق بن إبراهيم هذا إمام من أئمة الحديث، وله كتاب مسند، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، وكلهم رووا عنه، فهو شيخ لهم جميعاً، شيخ للبخاري, ومسلم, والترمذي, والنسائي, وأبي داود ، وأما ابن ماجه فإنه لم يرو عنه. وهو إمام، جليل، فقيه, محدث، ومن طريقته أنه يستعمل (أخبرنا) في الرواية عن شيوخه، وفي طريقة النسائي أنه يعبر بـ(أخبرنا)، أيضاً.وذكرت أن الحافظ ابن حجر في فتح الباري عندما يذكر البخاري إسحاق غير منسوب، وهو يحتمل غيره, يستأنس إذا كان يعبر بـ(أخبرنا) أن يجعلها قرينة تدل على أنه ابن راهويه ؛ لأن هذه عادته أنه لا يستعمل إلا (أخبرنا) ولكن وجد عنه في بعض الكتب وفي بعض الروايات: حدثنا، ولكن هذا غالب على طريقته، والبخاري له عدة شيوخ يقال لهم: إسحاق منهم: إسحاق بن منصور، وإسحاق بن راهويه، فكلهم يقال لهم: إسحاق، فأحياناً يقول: حدثنا إسحاق ويسكت، فلا يدرى من هو، فهو إذا كان إسحاق هذا قال: أخبرنا - فيجعلها ابن حجر قرينة على أنه ابن راهويه. [أخبرنا عيسى بن يونس].وهو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، وسبق أن مر بنا، وهو أخو إسرائيل بن أبي إسحاق، وهو من رجال الجماعة.[حدثنا الأعمش].هو: سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو مشهور بلقبه: الأعمش ، وأحياناً يأتي ذكره باسمه: سليمان ، وقد يكون في الحديث الواحد يأتي من عدة طرق في بعضها يقال: سليمان ، وفي بعضها يقال: الأعمش ، ولكنه مشهور كثيراً بلقبه، وهو أيضاً معروف ومشهور بالتدليس، وهو الذي مثل به العراقي للمدلسين في الصحيح، قال: وفي الصحيح عدة كالأعمش وكهشيم بعده وفتشيعني: فـالأعمش من المعروفين بالتدليس، والأعمش هذا لقبه، وذكرت فيما مضى: أن فائدة معرفة ألقاب المحدثين: حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، فإذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فالذي ما يعرف يظن أن هذا غير هذا، والذي يعرف إذا وجد سليمان في بعض الروايات، أو وجد الأعمش في بعض الروايات يقول: هذا هو هذا. ولكن الذي لا يدري ولا يعرف يظن أن الأعمش شخص، وأن سليمان شخص آخر، لكن من يعرف لا يلتبس عليه الأمر، وإنما يعرف بأن هذا لقب، وهذا اسم. قوله: [عن شقيق].هو: ابن سلمة أبو وائل ، وهو كثيراً ما يأتي بكنيته، وأحياناً يأتي باسمه، وهنا جاء باسمه، وسبق أن مر بنا في بعض الأحاديث أبو وائل ، فهو مشهور بكنيته ومشهور باسمه.ومعرفة الكنى أيضاً لها فائدة عظيمة وهي: أن الذي -أيضاً- لا يعرف يظن الشخص الواحد شخصين، إذا ذكر مرة بكنيته ومرة باسمه.وهو من المخضرمين؛ من الذين أدركوا الجاهلية وأدركوا الإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من المعمرين؛ لأنه عاش مائة سنة، وكانت وفاته في خلافة عمر بن عبد العزيز ، على رأس المائة، وعمره مائة سنة، ومعناه أنه أدرك عشر سنوات من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعمر حتى كانت وفاته سنة مائة وواحد، وهو من رجال الجماعة، وهو من الثقات الذين أكثر عنهم البخاري ، وأكثر عنهم أصحاب الكتب.[عن حذيفة]. حذيفة بن اليمان سبق أن مر، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحب السر، وهو الذي كان عنده علم عن المنافقين.وهذا الحديث لو لم يوجد إلا عند النسائي ، ولم يوجد عند غيره مصرحاً بالتحديث، فإنه يكون من الأحاديث المتوقف فيها، التي إذا وجد شيء يعضدها ارتقت إلى الحسن لغيره؛ لأن حديث المدلس متوقف فيه، لكن الحديث موجود في الصحيحين.
القول عند دخول الخلاء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [القول عند دخول الخلاء.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا إسماعيل عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)].
 تراجم رجال إسناد حديث أنس في القول عند دخول الخلاء
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا إسماعيل عن عبد العزيز بن صهيب].إسحاق بن إبراهيم هو المتقدم في الإسناد الذي قبله وهو ابن راهويه .وإسماعيل الذي يروي عنه إسحاق هو: إسماعيل بن إبراهيم ابن علية ، وهو من الثقات الأثبات، وهو مشهور بالنسبة إلى أمه فيقال: ابن علية ، وهناك عدد ينسبون إلى أمهاتهم وهم مشهورون بهذا، وهم: ابن علية , وابن بحينة وابن أبي ابن سلول ، فـسلول أمه، وكان إسماعيل بن علية يكره أن يقال له: ابن علية ، ولهذا بعض المحدثين - وأظنه الشافعي - كان يقول: حدثني إسماعيل الذي يقال له: ابن علية ، فهو مشتهر بهذه النسبة.والطريقة عند ذكر مثل هذه النسبة: أنه عندما ينسب إلى أبيه، ثم ينسب إلى أمه، فكلمة (ابن) لا تعرب كإعراب (ابن) التي قبلها، مثلاً: قال إسحاق بن إبراهيم ، لا يؤتى بألف مع ابن، لكن لو جاء عن ابن عباس ، وما جاء اسم قبله، فلا تأت ابن بدون ألف، بل لا بد أن تأتي الألف، لكن إذا قلت: عبد الله بن عباس فلا تأت بالألف التي هي همزة الوصل؛ لأن كلمة (ابن) إذا كانت بين علمين الأول منسوب للثاني فإنك تحذف الألف، فلو أتيت بـ(ابن) في أول الكلام أو في أول السطر فإنك تأتي بها بالألف، فعندما تقول: قال إسماعيل بن إبراهيم ابن علية ، فلا تأت بالألف, لأن (ابن) هذه ترجع إلى إسماعيل، ولا ترجع لـإبراهيم ، ولهذا ترفع، يقال: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم ابن علية؛ لأن مقسم ليس ابن علية، وإنما إبراهيم هو ابن علية، ولهذا تأتي الألف.ثم أيضاً من حيث الإعراب ما تعرب إعراب الاسم الذي قبلها، وإنما تعرب إعراب الاسم الأول الذي نسب إلى علية، فالذي نسب إلى علية هو إسماعيل، وليس إبراهيم ولا مقسم ؛ لأن علية اسم أم إسماعيل، فإذا قلت: قال إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم ابن علية ؛ فابن ترجع لـإسماعيل الأول، ولا ترجع لـمقسم ؛ لأن علية ليست أم مقسم حتى يكون مجروراً، وإنما ترجع إلى إسماعيل الذي هو الأول.إذاً: هنا شيئان يلاحظان في مثل هذا، وهما: الإعراب، فإنه يعرب إعراب الاسم الأول، وأيضاً الألف تثبت.وإسماعيل بن علية من رجال الجماعة، وإسحاق بن إبراهيم شيخ لأصحاب الكتب إلا ابن ماجه ، وأما الباقون الذي هم ابن علية , وعبد العزيز بن صهيب, وأنس ، فهؤلاء روايتهم عند أصحاب الكتب كلها.وهذا الحديث من الأحاديث العالية عند النسائي ، فهو رباعي، وهذا أعلى ما يكون عند النسائي ، والنسائي ما عنده ثلاثيات، فبين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص: إسحاق بن إبراهيم, وإسماعيل بن علية, وعبد العزيز بن صهيب, وأنس بن مالك رضي الله عنه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - (باب الإبعاد عند إرادة الحاجة) إلى (باب القول عند دخول الخلاء) للشيخ : عبد المحسن العباد

http://audio.islamweb.net