اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - تأويل قوله عز وجل: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) للشيخ : عبد المحسن العباد


شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - تأويل قوله عز وجل: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) - (للشيخ : عبد المحسن العباد)
وأول حديث بدأ به من الأحاديث الأربعين حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) فقال:[ عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).رواه إماما المحدثين: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري ، و أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة ].هكذا كما أورده النووي رحمه الله، وقد كان من عادته في كتابه هذا وفي كتابه (رياض الصالحين) أنه عندما يذكر الصحابي يذكره بكنيته، وكذلك يذكر وصفه، كما قال هنا: (عن أمير المؤمنين أبي حفص ).
تأويل قوله عز وجل: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الطهارة.تأويل قوله عز وجل: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6].أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)].هذا هو أول كتاب النسائي أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب رحمة الله عليه؛ كتاب الطهارة، وفي بعض النسخ ليس فيه ذكر كتاب الطهارة، وإنما البدء بالترجمة وهي: تأويل قول الله عز وجل: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6] الآية.وعلى ذكر الكتاب فهذه تعتبر ترجمة عامة في أول الكتاب, والمقصود منها: أنه عند الوضوء لا يغمس الإنسان يده في الماء مباشرة، وإنما يغسلها خارج الإناء، ثم بعد ذلك يدخل يده في الإناء.وعلى أن كتاب الترجمة غير موجود فذكر هذه الترجمة العامة التي هي بمثابة كتاب الطهارة، وأورد تحتها حديثاً واحداً يتعلق بما يستحب أن يكون بين يدي الوضوء، إما استحباباً مطلقاً، كما إذا توضأ الإنسان ولم يقم من نوم، أو أنه واجب أو مستحب إذا كان قائماً من النوم, كما جاء في هذا الحديث هنا، فالحديث مقيد بالقيام من النوم، فتكون هذه الترجمة ترجمة عامة بمثابة قولنا: باب الوضوء، أو كتاب الوضوء، أو كتاب الطهارة، وأورد تحت الترجمة حديثاً واحداً يتعلق بما يكون قبل البداية بالوضوء، وهو غسل اليدين خارج الإناء قبل أن يغمس يده في الإناء الذي فيه ماء الوضوء.
 شرح حديث: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه...)
والحديث يقول فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) هذا هو الحديث الذي أورده تحت هذه الترجمة، وقد ذكرت في أول الدرس أن سنن النسائي في بعض النسخ ليس فيها ذكر كتاب، وإنما فيه ذكر هذه الترجمة التي هي تشبه الكتاب؛ لأنه قال: تأويل قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة:6]، فهي ترجمة عامة يدخل تحتها الطهارة، ويدخل تحتها الوضوء وما يتبع الوضوء من سنن، فهي على بعض النسخ التي ليس فيها ذكر: (كتاب) بمثابة الكتاب، والحديث الذي أورد تحتها هو مما يحصل عند الوضوء، وكذلك غير الوضوء؛ لأن المقصود إذا قام الإنسان من نومه فلا يغمس يده في الإناء، فلا إذا كان يريد أن يتوضأ, ولا إذا كان يريد ألا يتوضأ، يعني: لا يغمس يده في الإناء إذا قام من النوم حتى يغسلها ثلاثاً.قوله عليه السلام: (فلا يغمس يده في وضوئه). وفي بعض الروايات: (في الإناء) يعني: الإناء الذي يتوضأ به، الإناء المشتمل على ماء الوضوء، ومن المعلوم أن الوضوء بفتح الواو لها معنىً غير معنى الوضوء بضم الواو، وهناك صيغ أخرى تشبه هذه الصيغة، فإن ما كان بفتح الواو فهو الماء الذي يراد أن يتوضأ منه، فماء الوضوء يقال له: وَضوء، وفعل الوضوء يقال له: وُضوء، كون الإنسان يأخذ, ويتوضأ, ويغسل؛ فالعملية هذه يقال لها: وُضوء بضم الواو، وأما نفس الماء الذي خصص للوضوء فيقال له: وَضوء، (دعا بوضوء) يعني: دعا بماء يتوضأ به.وفي حديث عثمان قال: (من توضأ نحو وضوئي هذا) المقصود به: العمل والفعل، فإذاً: وَضوء بفتح الواو يراد به الماء الذي يتوضأ به، والوُضوء بالضم يراد به, فعل الوضوء، ولهذا اللفظ أشياء تماثله، مثل: السَّحور والسُّحور، فإن السَّحور اسم للطعام الذي يؤكل في السحر لمن يريد أن يصوم، والسُّحور هو: الأكل، حصول الأكل، وكذلك الطَّهور مثل الوَضوء, فالطَهور والوُضوء بفتح الطاء لما يتطهر به، وبضمها فعل التطهر، كما في الحديث: (الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان)، وكذلك أيضاً الصَّعوط والصُّعوط لما يستصعط في الأنف، الذي هو الفعل يقال له: فعول، وكذلك الوَجور والوُجور، الوَجور وهو الذي يوضع في الفم يقال له: وَجور، والفعل يقال له: وُجور، فهذه كلمات متشابهة متماثلة، تأتي على صيغتين بالفتح وبالضم، فما كان منها بالفتح فهو اسم للشيء الذي يستعمل، وما كان بالضم فهو اسم للاستعمال.قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً) يعني: أنه يغسلها خارج الإناء، فيفرغ من الإناء على يديه فيغسلهما ثلاثاً، ثم بعد ذلك يغمس يده في الإناء ويأخذ لغسل وجهه, وغسل يديه, وغسل رجليه, ومسح رأسه؛ لأن المطلوب أن يفعل ذلك قبل أن يبدأ، وقد علل ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام بقوله: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) وهذا تعليل, يعني: احتمال أن يكون حصل لها نجاسة، والنجاسة غير متحققة، لكن هذا من الاحتياط، ولهذا اختلف العلماء في هذا الحكم, هل هو للوجوب أو للاستحباب، يعني: كونها تغسل خارج الإناء وجوباً, أو استحباباً.من العلماء من قال: إنه مستحب، وأن هذا من باب الآداب والاحتياط، ومنهم من قال: إنه واجب، وأن من لم يفعل ذلك يأثم، هذا هو معنى كونه واجباً، وأما إذا كان مستحباً فإنه إذا لم يفعل ذلك فإنه لا يأثم، ولكنه خالف الأولى، ولم يحسن الأدب الذي ينبغي أن يستعمله الإنسان، وهو الذي أرشد إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والأحوط والأظهر: أن الإنسان لا يقدم على غمس يديه في الإناء عندما يقوم من النوم, إلا وقد غسلهما خارج الإناء، وأنه يأثم لو لم يفعل ذلك؛ لأن فيه مخالفة، لكن لا يقال: إن الماء يتنجس؛ لأنه ما تحقق النجاسة في اليد.وقيل في تعليل توجيه هذا: أن أهل الحجاز وبلادهم حارة, فكانوا يستجمرون بالحجارة، ومن المعلوم أن النجاسة قد تتجاوز موضع الخروج وقد لا تتعدى موضع الخروج، فالنجاسة إذا لم تتعد موضع الخروج فيكفي الاستجمار، وأما إن خرج وتجاوزه إلى مكان آخر من الجسد غير موضع الخروج فهذا يحتاج إلى الاستنجاء بالماء، فكانوا يستجمرون بالحجارة، ومن المعلوم أنه قد يتجاوز الخارج موضع العادة، فإذا استجمر الإنسان ونام وأصابه عرق, فإنه قد يلمس الموضع الذي أصابته النجاسة, فتعلق النجاسة بيده بسبب العرق الذي حصل.وقيل: إن هذا هو التوجيه، وأن هذا فيه احتمال النجاسة، يعني: إذا نام، أما إذا كان الإنسان مستيقظاً فإنه يتصرف في يده ويعرف أين تذهب، وإذا كان في يده عرق ولمس مكان الخروج أو الأماكن التي حول الخروج وقد تجاوزتها النجاسة فعلق بها شيء من النجاسة، فالإنسان في حال الاستيقاظ يدري أنه يحتاج إلى أنه يغسل؛ لأنه يعرف بأنه مس الشيء الذي هو مظنة النجاسة، أما إذا كان نائماً فإنه لا يدري، قد تكون يده ذهبت إلى ذلك المكان الذي به النجاسة، أو قد تكون به النجاسة، وقد لا تكون ذهبت، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده).ومن العلماء من يقول: إن الحكم بالوجوب مقيد بنوم الليل، ولهذا جاء التعبير بالبيات: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده).ومنهم من يقول: إنه لا يتقيد بنوم الليل، بل يبقى على إطلاقه، وكلمة (بات) قد تستعمل لغير المبيت بالليل، يقال: بات فلان يعمل كذا وكذا, وقد يستعمل في النهار، يقال: بات، إذا كان مكثراً منه, أو مشتغلاً به.فمنهم من قال: إنه خاص بنوم الليل، ومنهم من يقول: إنه عام في النوم؛ لأن التعليل لا يخص نوم الليل، بل الإنسان إذا نام في الليل والنهار لا يدري أين باتت يده، ولا يدري أين ذهبت يده, فلا يكون ذلك خاصاً بنوم الليل، بل يشمل نوم الليل ونوم النهار.وكما قلت: الإنسان يأثم والطهارة تصح، والماء لا يقال: إنه تنجس؛ لأن النجاسة ما تحققت، ولكن القول الأولى والذي هو الأحوط هو أن الإنسان لا يقدم على غمسها في الإناء إذا استيقظ من النوم, إلا بعد أن يغسلها ثلاثاً كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
الأسئلة

 دفع إشكال أن أبا هريرة أكثر الرواة حديثاً مع كونه أسلم متأخراً
السؤال: هناك من يتكلم في مرويات أبي هريرة رضي الله عنه بسبب تأخر إسلامه، فما قولكم في هذا؟الجواب: ما يتكلم في مرويات أبي هريرة، لكونه تأخر إسلامه إلا أهل البدع أو أهل الهوى، وإلا فإن الصحابة رضي الله عنهم والأمة قد قبلت مروياته، بل أكثر السنة من مروياته، وأكثر الأحاديث من مرويات أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، والمعروف أن الذين يقدحون به هم أهل البدع, مثل: الرافضة الذين يكرهون أبا هريرة ويكرهون غيره من الصحابة، ولهذا يأتون بمثل هذا الكلام السيئ, وهو كون أبي هريرة متأخراً إسلامه وغيره من كبار الصحابة مثل أبي بكر , وعمر , وعثمان , وعلي أقل منه حديثاً مع أنهم من أول من أسلم، ما علموا أو علموا ولكنهم تجاهلوا بقصدهم السوء والإفساد والتشويش.ومن المعلوم أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه فيه عوامل عديدة جعلت حديثه يكثر، وجعلت الناس يأخذون عنه كثيراً؛ أولاً: من ناحية تحمله، لكونه لازم الرسول صلى الله عليه وسلم.أما من ناحية كثرة الرواية عنه فكونه في المدينة، وكونه عاش مدة طويلة؛ لأنه في حدود الستين كانت وفاته، يعني: عاش بعد الرسول صلى الله عليه وسلم حدود الخمسين سنة، أما أبو بكر, وعمر, وعثمان, وبعض الصحابة الذين هم أقل حديثاً منه فقد كانت وفاتهم متقدمة، ثم فيهم من كان مشغولاً بالولاية، ومشغولاً بالخلافة، وأما أبو هريرة رضي الله عنه فما عنده إلا الأخذ والإعطاء، وعنده التحمل والتحميل، ثم كونه عاش بالمدينة، والمدينة الناس يأتون إليها، يردون ويصدرون، وإذا جاءوا يأتون لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وأبو هريرة موجود في المدينة، فهذا من أسباب كثرة الرواية عنه وكثرة حديثه.والذي يتكلم فيه لا يضر أبا هريرة ، وإنما يضر المتكلم، وكما يقولون: كم من كلمة قالت لصاحبها: دعني، فالإنسان يتكلم بكلمة وكان ينبغي له ألا يتكلم بها، وكأن الكلمة تناديه وهي تقول له: دعني قبل أن ينطق بها؛ لأن النطق بها ليس بحسن، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول في الحديث الصحيح: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) .والحافظ ابن حجر رحمه الله لما ذكر كلام بعض الحنفية المتعصبين الذين تكلموا في حديث المصراة من أجل أنه من حديث أبي هريرة ، قال: وقائل هذا الكلام ما ضر إلا نفسه، ثم نقل عن أبي المظفر السمعاني في رده على أبي زيد الدبوسي فقال: إن القدح في أحد من الصحابة علامة على خذلان فاعله.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - تأويل قوله عز وجل: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) للشيخ : عبد المحسن العباد

http://audio.islamweb.net