اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع - كتاب الحدود [7] للشيخ : خالد بن علي المشيقح


شرح زاد المستقنع - كتاب الحدود [7] - (للشيخ : خالد بن علي المشيقح)
قطاع الطريق هم الذين يعرضون للناس بالسلاح لأخذ أموالهم جهاراً في الصحراء أو البنيان، وهذا الحد بينه وبين القصاص فروق، وهناك خلاف في إلحاق هذا الحد بحد السرقة في الشروط، وللعلماء في عقوبة المحاربين مسلكان: الترتيب، والتخيير واختلف الفقهاء في المراد بنفيهم
تابع حد قطاع الطريق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: حد قطاع الطريق: وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو البنيان فيغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة، فمن منهم قتل مكافئاً أو غيره كالولد والعبد والذمي وأخذ المال قتل ثم صلب حتى يشتهر، وإن قتل ولم يأخذ المال قتل حتماً ولم يصلب، وإن جنوا بما يوجب قوداً في الطرف تحتم استيفاؤه، وإن أخذ كل واحد من المال قدر ما يقطع بأخذه السارق ولم يقتلوا قطع من كل واحد يده اليمنى، ورجله اليسرى في مقام واحد، وحسمتا ثم خلي، فإن لم يصيبوا نفساً ولا مالاً يبلغ نصاب السرقة نفوا بأن يشردوا فلا يتركون يأوون إلى بلد، ومن تاب منهم قبل أن يقدر عليه سقط عنه ما كان لله من نفي وقطع وصلب وتحتم قتل، وأخذ بما للآدميين من نفس وطرف ومال إلا أن يعفى له عنها، ومن صال على نفسه أو حرمته أو ماله آدمي، أو بهيمة، فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به، فإن لم يندفع إلا بالقتل فله ذلك ولا ضمان عليه، فإن قتل فهو شهيد، ويلزمه الدفع عن نفسه وحرمته دون ماله].كنا قد توقفنا على باب: حد قطاع الطريق.قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء والبنيان).قال: (باب: حد قطاع الطريق).ويعبر عنهم بعض العلماء بقوله: باب حد المحاربين. والأمر في هذا سهل، والحد تقدم لنا تعريفه، والقطاع: جمع قاطع، والطريق هو ما يطرقه الناس. أو هو: المكان الذي يسلكه الناس ويعبرون منه، وسمي هذا المكان طريقاً؛ لأن الناس يطرقونه بأقدامهم.وعرفهم المؤلف رحمه الله بقوله: (وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء والبنيان فيغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة).والخلاصة في ذلك: أن قطاع الطريق هم الذي يأخذون المال عن طريق السلاح، فهؤلاء هم قطاع الطريق.الأصل في حكمهم القرآن والسنة والإجماع:أما القرآن فقول الله عز وجل في سورة المائدة: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33].وأما السنة: فقصة العرنيين الذين قتلوا الراعي وأخذوا إبل النبي صلى الله عليه وسلم، فقتلهم النبي عليه الصلاة والسلام.والإجماع منعقد على حكمه في الجملة وإن اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في بعض أحكامهم كما سيأتينا. والنظر الصحيح يقتضي ذلك؛ لأن أخذ المال بالسلاح فيه إرهاب للناس وعدم أمن لهم، فكون هذه العقوبة فيهم، -كما سيأتينا إن شاء الله- هي ضرب من ضروب تحقيق الأمن، وهو من محاسن هذه الشريعة.قال رحمه الله: (وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء والبنيان).
 

شروط قاطع الطريق
قطاع الطريق يشترط لهم شروط، هي:
 عدم اشتراط المكافأة
في حد قطاع الطريق لا تشترط المكافأة بخلاف القصاص فإنها تشترط، فمثلاً في غير حد قطاع الطريق: الحر هل يقتل بالعبد؟ عند الجمهور لا يقتل الحر بالعبد، لكن في حد قطاع الطريق يقتل الحر بالعبد؛ لأن هذا حد وليس قصاصاً.ولهذا قال المؤلف : (من قتل منهم مكافئاً أو غيره).والوالد في القصاص لا يقتل بولده لكن هنا يقتل. والمسلم لا يقتل بالكافر في القصاص لكن في حد قطاع الطريق يقتل.ففرق بين الحد والقصاص.
الفروق بين القصاص وحد قطع الطريق
الفرق الأول: أن القتل في القصاص تشترط فيه المكافأة كما سبق لنا وأما القتل في حد قطاع الطريق فإنه لا تشترط فيه المكافأة. الفرق الثاني: أن القصاص الخيرة فيه لأولياء الدم، فلهم العفو دون مقابل، ولهم أن يأخذوا الدية، ولهم أن يقتصوا، وأما حد قطاع الطريق فلا خيار، وإنما هو إلى الإمام ويجب عليه أن يقيمه. الفرق الثالث: في القصاص يجوز الصلح على الدية وعلى أكثر من الدية، وأما حد قطاع الطريق فإنه لا صلح، بل هذا حد تجب إقامته، والصلح في حدود الله وحقوقه إنما يكون ذلك بإقامتها. قال رحمه الله: (فمن قتل منهم مكافئاً أو غيره كالولد، والعبد، والذمي، وأخذ المال قتل ثم صلب حتى يشتهر).وقول المؤلف رحمه الله أيضاً قبل ذلك: (مجاهرة لا سرقة).وعلى هذا لو كان عن طريق السرقة فإنه لا يكون حد قطاع الطريق وإنما يكون حكمه حكم حد السرقة.وهل يشترط لحد قطاع الطريق شروط السرقة من الحرز والنصاب أو لا يشترط؟ للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان: الرأي الأول: أنه يشترط إلحاقاً له بحد السرقة بجامع أن كلاً منهما أخذ للمال.وعلى هذا لو أخذوا دون نصاب فلا يحكم عليهم بحد قطاع الطريق وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وأنه يشترط النصاب وكذلك أيضاً يشترط الحرز.الرأي الثاني: أن هذا ليس شرطاً وأن حد قطاع الطريق حد مستقل بذاته لا يلحق بغيره.وهو قول عند المالكية، وهذا القول هو الصواب.ونظير ذلك كما تقدم لنا في السرقة جحد العارية، فنقول: إن جحد العارية سنة مستقلة بنفسها لا تلحق بغيرها، وعلى هذا فالصواب في هذه المسألة: أننا لا نشترط الحرز، وكذلك أيضاً لا يشترط النصاب، ولا تشترط أيضاً المكافأة كما ذكر المؤلف رحمه الله، فكما أن المكافأة لا تشترط فكذلك لا نشترط الحرز ولا النصاب؛ لأن هذه مسائل مستقلة بذاتها.
 عدم اشتراط المكافأة
في حد قطاع الطريق لا تشترط المكافأة بخلاف القصاص فإنها تشترط، فمثلاً في غير حد قطاع الطريق: الحر هل يقتل بالعبد؟ عند الجمهور لا يقتل الحر بالعبد، لكن في حد قطاع الطريق يقتل الحر بالعبد؛ لأن هذا حد وليس قصاصاً.ولهذا قال المؤلف : (من قتل منهم مكافئاً أو غيره).والوالد في القصاص لا يقتل بولده لكن هنا يقتل. والمسلم لا يقتل بالكافر في القصاص لكن في حد قطاع الطريق يقتل.ففرق بين الحد والقصاص.
عقوبة قطاع الطريق
للعلماء رحمهم الله في أحكام قطاع الطريق مسلكان: المسلك الأول مسلك الترتيب: وهذا ما عليه أكثر أهل العلم في الجملة، بمعنى أنهم يرتبون على كل حالة حكماً مستقلاً لها، ويقولون: إذا فعل كذا فحكمه كذا، وإذا فعل كذا فحكمه كذا.المسلك الثاني: مسلك التخيير، وأن الإمام مخير فيهم، كما قال الله عز وجل: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33].وهذا مسلك الظاهرية ويوافقهم المالكية في كثير من المسائل ويجعلون الأمر من قبيل التخيير.قال المؤلف رحمه الله: (قتل وأخذ المال).
 الترتيب والتمييز في عقوبة المحارب
قال رحمه الله: (وتحتم قتل).هذا الأمر الرابع: ويعني أن الأمر بعد التوبة انقلب إلى أولياء الدم، فإذا قتل المحارب ثم تاب قبل أن يقدر عليه يكون الأمر راجعاً إلى أولياء المقتول إن شاءوا أخذوا الدية، وإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفوا كالقصاص قال: (وأخذ بما للآدميين من نفس وطرف ومال إلا أن يعفى له عنها).فأصبحت أربعة أحكام بعد القدرة عليه تسقط عنه، وهي: النفي وقطع اليد والرجل، والمال يعطى لأصحابه، والصلب؛ لأن حق الآدمي لا يسقط إلا بعفوه عنه.فأصبحت الأحكام إذاً ستة أحكام، هذا على مسلك الترتيب.والمسلك الثاني مسلك التخيير: وأن الأمر في ذلك راجع إلى الإمام سواء قتل وأخذ المال، أو قتل ولم يأخذ المال، أو أخذ المال فقط، أو أخاف السبيل. واستدلوا بظاهر الآية: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33]، قالوا: إن (أو) هنا للتخيير. والجمهور الذين قالوا بعدم التخيير استدلوا بآثار مرفوعة، لكنها لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا لمال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض. وهذا رواه الشافعي ، والبيهقي ، وابن أبي شيبة ، وعبد الرزاق من طرق لكنه ضعيف.وأما الذين أخذوا بظاهر الآية فقالوا: إن (أو) في القرآن تأتي للتخيير، والأمثلة على ذلك كثيرة: من ذلك: قول الله عز وجل: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196].ومن ذلك أيضاً: قول الله عز وجل في كفارة اليمين: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة:89].وهناك قاعدة وهي: إذا دار الأمر بين الاستقلال والافتقار فالأصل الاستقلال، فإذا قلنا إن: (أو) للتخيير فلا حاجة إلى تقدير: أن يقتلوا، أو يصلبوا.وإذا قلنا: إنها ليست للتخيير؛ وإنما هي للتنويع فإننا نحتاج إلى تقدير فقوله تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا [المائدة:33]، يعني: إذا قتلوا وأخذوا المال يقتلون ويصلبون، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا تقطع أيديهم، وهذا ما ذهب إليه الظاهرية ويوافقهم المالكية، وهذا هو الأقرب والله أعلم، وهذه المسألة كما ذكرنا أنه يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام.
أحكام الصيال
قال المؤلف رحمه الله: (ومن صال على نفسه أو حرمته أو ماله آدمي أو بهيمة فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به، فإن لم يندفع إلا بالقتل فله ذلك).ذكر المؤلف رحمه الله أحكام الصائل في باب حد الحرابة بجامع التعدي، فالصائل فيه شبه بالمحارب بجامع التعدي.
 الدفاع عن المال
قال رحمه الله: (دون ماله).هل يجب عليه أن يدفع عن ماله أو لا يجب عليه؟المشهور من المذهب: أنه لا يجب عليه.والرأي الثاني وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه يجب عليه أن يدفع عن ماله، وتقدم لنا الكلام على هذه المسألة وأن المشهور من المذهب أنه لا يلزمه أن يحفظ ماله.والصحيح: أنه يجب عليه أن يحفظ ماله وأن يدافع عنه؛ لأن الله عز وجل قال: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ [النساء:5] ، وهذا فيه أمر بحفظ المال. وكذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المغيرة : عن إضاعة المال.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع - كتاب الحدود [7] للشيخ : خالد بن علي المشيقح

http://audio.islamweb.net