اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع - كتاب الحدود [2] للشيخ : خالد بن علي المشيقح


شرح زاد المستقنع - كتاب الحدود [2] - (للشيخ : خالد بن علي المشيقح)
الزنا جريمة عظيمة، ومرتكبها إما محصن وعقوبته الرجم، وإما بكر وعقوبته الجلد مائة، واختلف في التغريب، وحد اللوطي كالزاني وقيل: يقتل مطلقاً، واختلف في كيفية قتله، واختلف في حد وطء البهيمة ومآلها.
تابع حد الزنا
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب حد الزنا:إذا زنا المحصن رجم حتى يموت، والمحصن: من وطئ امرأته المسلمة أو الذمية في نكاح صحيح، وهما بالغان عاقلان حران، فإن اختل شرط منها في أحدهما فلا إحصان لواحد منهما، وإذا زنى الحر غير المحصن جلد مائة جلدة وغرب عاماً ولو امرأة، والرقيق خمسين جلدة ولا يغرب، وحد لوطي كزان، ولا يجب الحد إلا بثلاثة شروط:أحدها: تغيب حشفته الأصلية كلها في قبل أو دبر أصليين حراماً محضاً، الثاني: انتفاء الشبهة، فلا يحد بوطء أمة له فيها شرك أو لولده، أو وطء امرأة ظنها زوجته أو سريته أو نكاح باطل اعتقد صحته، أو نكاح أو ملك مختلف فيه ونحوه، أو أكرهت المرأة على الزنا الثالث: ثبوت الزنا، ولا يثبت إلا بواحد من أمرين].تقدم لنا ما يتعلق بشيء من أحكام الحدود على وجه العموم، ومن ذلك ما يتعلق بتعريف الحد وحكم إقامته ومن الذي يقيمه؟ وهل تقام الحدود في المساجد؟ وهل تؤخر الحدود لعارض أو لا؟ وحكم الشفاعة في الحدود، وشروط وجوب إقامة الحد.هذه الأحكام العامة سبقت لنا، ثم بدأ المؤلف رحمه الله في بيان أحكام الحدود على وجه التفصيل.قال رحمه الله: (باب حد الزنا).بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بحد الزنا؛ لأن الشارع غلظ في عقوبته، مما يدل على غلظ هذه الفاحشة.الزنا في اللغة: الفجور، وأما في الاصطلاح فقيل: إنه فعل الفاحشة في قبل أو دبر، وقيل: إن الزنا: هو فعل الفاحشة في فرج آدمية، والزنا محرم والشرائع السماوية كلها تتفق على تحريمه، بل الفطر تتفق على ذلك قال الله عز وجل: وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:68-69].وقال سبحانه وتعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32] . وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) والشارع جعل في عقوبة الزاني المحصن الرجم، مما يدل على أنه من كبائر الذنوب، وهذه العقوبة تتفق عليها الشرائع، فليس الرجم خاصاً بشريعة الإسلام، ولهذا في قصة اليهوديين اللذين زنيا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوراة، فجيء بها فإذا فيها آية الرجم.
 أقسام وطء الدبر
وطء الدبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: وطء دبر الذكر، فهذا حكمه حكم اللوطي. القسم الثاني: وطء دبر المرأة الأجنبية هل هو زنا أو لواط؟ المذهب يجعلونه زنا، وهو محل احتمال أن حكمه حكم اللواط، ويحتمل أن يقال: إن حكمه حكم الزنا، لكونه لم يطأ ذكراً وإنما وطء امرأة، ويحتمل أن يأخذ حكم اللواط؛ لأنه وطء دبراً لم يطأ فرجاً، فيحتمل هذا ويحتمل هذا، وإن كان الاحتمال لجعله لواطاً أقوى.القسم الثالث: وطء دبر الزوجة، فهذا لا يأخذ حكم الزنا واللواط وإن كان محرماً إلا أنه يأخذ حكم التعزير. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه إذا تواطأ الزوجان على هذا العمل فإنه يفرق بينهما، لقول الله عز وجل: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223].فالله سبحانه وتعالى أمر بالوطء في الحرث، وهو القبل: موضع الزرع، أما الدبر فهو موضع الأذى.
شروط وجوب حد الزنا

 الشرط الثاني: انتفاء الشبهة
قال رحمه الله تعالى: (الثاني انتفاء الشبهة فلا يحد بوطء أمة له فيها شرك، أو لولده).الشرط الثاني: انتفاء الشبهة، وهذا الشرط ليس خاصاً في حد الزنا، وليت المؤلف رحمه الله تعالى ذكره في شروط وجوب إقامة الحد، وقد سبقت لنا في الدرس الماضي، فانتفاء الشبهة ليس خاصاً في حد الزنا، بل إنه شرط في حد الزنا، والسرقة، وغير ذلك من الحدود.والشبهة عرفها الحنفية -وهم أوسع من تكلم في درء الحدود بالشبهات- فقالوا: إنها ما يشبه الثابت وليس بثابت، وقيل: إنها تعارض أدلة التحريم والإباحة.وهل الحد يدرأ بالشبهة أو لا يدرأ بالشبهة؟ جمهور العلماء يرون أن الحدود تدرأ بالشبهات.والرأي الثاني: رأي الظاهرية أنه متى وجب الحد فإنه يجب إقامته، والجمهور يستدلون بالحديث المشهور: ( ادرءوا الشبهات ما استطعتم ) رواه الإمام الترمذي والدارقطني والبيهقي من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وله شواهد ضعيفة، والحديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذي ثبت عنه معنى هذا عمر وابن مسعود ، ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات، وورد عن ابن مسعود : ادرؤوا الحدود والقتل عن عباد الله ما استطعتم، وأثر عمر في مصنف ابن أبي شيبة ، وأثر ابن مسعود في مصنف عبد الرزاق .الرأي الثاني: أنه لا عبرة بالشبهات وأنه يجب إقامة الحد لعموم أدلة الحدود: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2]. فيجب إقامة الحد متى ثبت الحد، والقول بالشبهات قول يؤدي إلى تعطيل كثير من الحدود، ولهذا فإن الذين يقولون: إن الحدود تدرأ بالشبهات أدى هذا القول إلى عدم إقامة كثير من الحدود، وضرب المؤلف رحمه الله أمثلة فقال رحمه الله: (فلا يحد بوطء أمة له فيها شرك) هذه أمة مشتركة بين زيد، وعمر، وبكر، فلو جاء زيد ووطئها هل هذا الوطء مباح أو محرم؟ زنا أو غير زنا؟ مادام أنها مشتركة لا يجوز له أن يطأها؛ لأنه لا يجوز أن يطأ إلا ملكاً خالصاً، والمؤلف يقول: إنه لا يحد مع أنه يرى أنه محرم، فكيف لا يحد وهو قد وطئ فرجاً محرماً؟ يقول: إن شبهته أنه مالك لبعض هذه الأمة.بغض النظر هل هو مالك أو ليس مالكاً. لكن هل وطئ فرجاً محرماً أو مباحاً؟ ما دمنا نقول: إنه وطئ فرجاً محرماً فيجب إقامة الحد، ومثله أيضاً: لو وطئ أمة ليست له وإنما لولده فيها شرك، فهل يحد أو لا يحد؟ يقول: لا يحد؛ لأن الولد وما ملك لوالده، فكأن هذه الأمة له وهذه شبهة.قال رحمه الله: (أو وطئ امرأة ظنها زوجته أو سريته).لم يثبت الحد لوجود الجهل، فالحد لا يجب إلا بالعلم بالحكم الشرعي، والحكم الشرعي: أنه حرام، والحال: أن هذا فرج غير مباح، وهنا في هذه الحالة ما ثبت الحد، ظنها زوجته، أو ظنها سريته، أو في نكاح باطل اعتقد صحته، والنكاح الباطل هو الذي أجمع العلماء على بطلانه، كالنكاح في العدة، كأن تزوج امرأة في عدتها يعتقد صحته، أو نكاح مختلف فيه مثل: الزواج بلا ولي، الحكم هنا مادام أنه يعتقد الصحة نقول: إنه معذور؛ لأنه جاهل. قال رحمه الله: (أو نكاح أو ملك مختلف فيه).كشراء الفضولي، كرجل معه ألف ريال لزيد، فذهب واشترى بهذه الألف أمة لزيد، وزيد ما وكله، فهذا فضولي، فزيد الآن ملك هذه الأمة ملكاً مختلفاً فيه؛ لأن الحنابلة والشافعية لا يرون صحة تصرف الفضولي، ولو بالإجازة، بخلاف الحنفية والمالكية.فلو وطئها زيد الذي اشتريت له هذه الأمة، هل يحد أو لا يحد؟نقول: إذا كان يعتقد الصحة فلا يحد، وإن كان يعتقد عدم الصحة وأن هذا محرم فإنه يحد.قال رحمه الله: (أو نحوه).يعني نحو ما ذكر كأن يجهل تحريم الزنا، بأن يكون حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن بلاد الإسلام.قال رحمه الله: (أو أكرهت المرأة على الزنا).ليست شبهة؛ لأنه ما ثبت الحد؛ إذ لا بد من الاختيار، فلو أكره على فعل الحد فلا شيء عليه، قال الله عز وجل: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106].قوله رحمه الله: (أو أكرهت المرأة على الزنا).هل يفهم منه أن الرجل لو أكره على الزنا لا يعذر؟ أو نقول: بأنه لا مفهوم له؟له مفهوم على المذهب؛ فالرجل لا يدخل تحت الإكراه فيما يتعلق بالزنا؛ لأن الوطء لا بد له من انتشار، والانتشار لا بد له من رغبة، والرغبة تدل على اختيار الوطء، والصحيح في هذا أنه لا فرق بين المرأة والرجل، وأنه إذا أكره الرجل. على الزنا فهو معذور حينئذ، وهذا قد يحصل، فقد يرفع عليه السلاح ونحو ذلك، ومع ذلك يحصل له انتشار، لكن لو خلي بينه وبين نفسه ما فعل الفاحشة، فالصواب في هذه المسألة أنه لا فرق بين المرأة والرجل لعموم قول الله عز وجل: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106].قال رحمه الله: (الثالث: ثبوت الزنا، ولا يثبت إلا بواحد من أمرين).هذا الشرط الثالث من شروط الحد، والزنا يقول المؤلف رحمه الله تعالى: لا يثبت إلا بواحد من أمرين، وسيأتينا أن الزنا يثبت بواحد من أمور ثلاثة، البينة، أو الاعتراف، أو القرائن.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع - كتاب الحدود [2] للشيخ : خالد بن علي المشيقح

http://audio.islamweb.net