اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع - كتاب الجنايات [2] للشيخ : خالد بن علي المشيقح


شرح زاد المستقنع - كتاب الجنايات [2] - (للشيخ : خالد بن علي المشيقح)
لقد حرم الإسلام قتل النفس المعصومة، وشرع القصاص على من أزهقها ولو كانوا جماعة، وسواء كان القاتل مباشراً أو آمراً بغير حق كل ذلك يعد قتلاً موجباً للقصاص إذا توافرت فيه شروطه المعتبرة وهي: أن يكون المقتول معصوم الدم، والجاني حال الجناية مكلفاً، وأن يكون الم
تابع قتل الجماعة بالواحد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن سقط القود أدوا دية واحدة ومن أكره مكلفاً على قتل مكافئه فقتله فالقتل أو الدية عليهما، وإن أمر بالقتل غير مكلفٍ أو مكلفاً يجهل تحريمه أو أمر به السلطان ظلما من لا يعرف ظلمه فيه فقتل، فالقود أو الدية على الآمر، وإن قتل المأمور المكلف عالماً تحريم القتل فالضمان عليه دون الآمر، وإن اشترك فيه اثنان لا يجب القود على أحدهما منفرداً لأبوة أو غيرها، فالقود على الشريك، فإن عدل إلى طلب المال لزمه نصف الدية،باب شروط القصاص:وهي أربعة: عصمة المقتول، فلو قتل مسلم أو ذمي حربياً أو مرتداً لم يضمنه بقصاص ولا دية، الثاني: التكليف، فلا قصاص على صغير ولا مجنون، الثالث: المكافأة بأن يساويه في الدين والحرية والرق، فلا يقتل مسلم بكافر، ولا حر بعبد، وعكسه يقتل، ويقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر، والرابع: عدم الولادة، فلا يقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفل، ويقتل الولد بكل منها.باب استيفاء القصاصيشترط له ثلاثة شروط: أحدها كون مستحقه مكلفاً].تقدم لنا شيء من المقدمة في اللغة والاصطلاح، وأن الجناية في اللغة أعم منها في الاصطلاح، فهي الاعتداء على البدن أو المال أو العِرض، وأما في الاصطلاح فهي: الاعتداء على البدن بما يوجب قصاصاً أو مالاً.وذكرنا أن الجنايات تنقسم إلى ثلاثة أقسام، فأنواع القتل ثلاثة أنواع: النوع الأول: قتل العمد، وذكرنا ضابطه، والنوع الثاني: قتل شبه العمد، وذكرنا الخلاف فيه هل هو ثابت أو ليس بثابت؟ وعرفنا أن جمهور العلماء يثبتونه خلافاً للمالكية فإنهم لا يثبتونه في الجملة، والقسم الثالث: قتل الخطأ، وذكرنا صوره. وذكرنا أن الحنفية رحمهم الله تعالى يرون أن قتل العمد لا بد أن يكون بحديد، أو ما يقوم مقام الحديد في تفريق أجزاء البدن، وتكلمنا على هذه، وأن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر في ذلك صوراً.ثم بعد ذلك شرع المؤلف رحمه الله في قتل الجماعة بالواحد، وعرفنا أن العلماء رحمهم الله لهم في ذلك رأيان:الرأي الأول: وهو رأي جمهور أهل العلم: أن الجماعة تُقتل بالواحد، وذكرنا أدلتهم.الرأي الثاني: أن الجماعة لا تقتل بالواحد، وهو قول الظاهرية.واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45]، وأجبنا عن هذا الاستدلال بأن المراد بقوله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45]، المقصود بذلك هو جنس النفس.وعرفنا متى تُقتل الجماعة بالواحد؟ وقلنا تُقتل الجماعة بالواحد في صورتين:الصورة الأولى: إذا تمالئوا، بمعنى تواطئوا على قتله فإنهم يُقتلون، حتى النظير، يعني يشمل النظير والمباشر والممسك وغير ذلك، المهم مادام أنهم تواطئوا وتمالئوا على قتله فإنهم يُقتلون به. الصورة الثانية: إذا لم يتمالئوا، فالفقهاء رحمهم الله يقولون: لا بد أن يصلح فعل كل واحد منهم للقتل، فإذا صلح فعل كل واحد منهم للقتل فإنهم يُقتلون جميعاً.ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن سقط القود أدوا دية واحدة).إذا سقط القود -يعني: القصاص- عن هؤلاء الجماعة، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: لا يلزم هؤلاء الجماعة إلا دية واحدة؛ لأن القتل واحد، فلا يلزم به أكثر من دية، نقول: بأن القتل واحد، وإذا كان كذلك فإنه لا يلزم به أكثر من دية!
 

القود بين الآمر والمباشر

 صور القود على الشريكين في القتل المختلفين في الحكم حال الانفراد
قال رحمه الله تعالى: (وإن اشترك فيه اثنان لا يجب القود على أحدهما منفرداً؛ لأبوة أو غيرها، فالقود على الشريك).صورة هذه المسألة: حصل قتل عمد اشترك فيه اثنان، سقط القود عن أحدهما لتخلف شرط وجوب القصاص.ومثال ذلك: أب ورجل أجنبي قتلا ابن الأب، وكما سيأتينا من شروط وجوب القصاص عدم الولادة، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: القصاص على شريك الأب، وإن كان الأصل أن القصاص عليهما جميعاً، لكنه سقط عن الأب لتخلف شرط وجوب القصاص.فيشترط لوجوب القصاص عدم الولادة بين القاتل والمقتول.مثال آخر: لو اشترك مسلم وكافر في قتل كافر، فالقصاص على الكافر، وأما المسلم.. فلا قصاص عليه؛ لأنه تخلف فيه شرط من شروط وجوب القصاص، وهو المكافأة في الدين، وهنا لا مكافأة.وهذا قول جمهور أهل العلم: أنه إذا سقط القصاص لتخلف الشرط عن أحد الشريكين، فإنه يبقى في الشريك الآخر الذي توفرت فيه شروط وجوب القصاص؛ لأن الأصل وجوب القصاص، ولتوفر الشروط فيه.وعند الحنفية أنه لا يجب القصاص، لا على الأب ولا على غيره، ولا على الكافر ولا على المسلم، واستدلوا على ذلك: بأن القتل هنا تركب من أمرين: من موجب للقصاص وغير موجب للقصاص، فلا يجب القصاص.والصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وأن القصاص واجب؛ لما تقدم من أن الأصل وجوب القصاص، لكنه سقط عن الشريك لتخلف شرط وجوب القصاص فيه، وإلا فإن العمدية متمحضة فيه.صورة أخرى: لو اجتمع في القتل مكلف وغير مكلف، كما لو اجتمع عاقل ومجنون، أو بالغ وصغير، أو آدمي وسبع في قتل هذا الشخص، فالعلماء يقولون: لا قصاص؛ لأن القتل هنا لم يتمحض في العمدية، بخلاف الصورة الأولى، إذا اشترك الأب وغير الأب، فالقتل هنا متمحض في العمدية لكنه سقط عن الأب لتخلف شرطه فيه، بخلاف السبع والآدمي، فالسبع لا يمكن منه القصد وإنما هو مفترس، وطبعه الافتراس، وكذلك الصبي ليس محلاً للقصد، والمجنون كذلك، فلم تتمحض العمدية في هذه الصور، بخلاف ما تقدم فلا يجب القصاص.قال رحمه الله تعالى: (فإن عدل إلى طلب المال لزمه نصف الدية).إذا عدل ولي القصاص إلى طلب المال، يقول: (لزمه نصف الدية)، يلزم شريك الأب، أو شريك المسلم نصف الدية.ومثال ذلك: لو اجتمع أب وغير الأب في قتل هذا الولد، ثم إن ولي القصاص عفا عن القود إلى الدية، فإنه يلزم شريك هذا الأب نصف الدية.
شروط وجوب القصاص
قال رحمه الله تعالى: (باب شروط القصاص).عندنا شروط وجوب القصاص، وشروط استيفاء القصاص، فشروط وجوب القصاص، تعني: ما هي الشروط التي لابد من توفرها حتى يجب القصاص؟وشروط استيفاء القصاص، تعني: ما هي الشروط التي لابد من توفرها لاستيفاء القصاص بعد وجوبه؟فشروط الاستيفاء تكون بعد الوجوب، وأما شروط الوجوب فيُنظر فيها في وجوب هذا القصاص، هل يجب أو لا يجب؟
 الشرط الرابع: عدم الولادة
قال رحمه الله: (الرابع: عدم الولادة، فلا يُقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفُل، ويُقتل الولد بكل منهما).يقول المؤلف رحمه الله من شروط وجوب القصاص: عدم الولادة بين القاتل والمقتول، فإذا كان القاتل والداً للمقتول فإنه لا يُقتل به، وهذه المسألة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون القاتل هو الوالد المباشر، كأن يقتل الأب ولده، أو أن تقتل الأم ولدها، فإذا كان القاتل هو الأب المباشر، فجمهور العلماء أنه لا يُقتل الوالد بولده؛ لحديث عمر السابق: (لا يقاد مملوك من مولاه، ولا والد من ولده)، ولأن الوالد هو الذي أنعم على الولد بالحياة، فلا يُقتل به، ويجب عليه بره. الرأي الثاني: رأي المالكية، أنه يُقتل به إذا تمحض القتل في العمدية، كأن يأتي به ويضجعه ويذبحه، أو يأتي بالرشاش ويذبحه، أما إذا لم يتمحض بالعمدية، كأن يكون هناك خصام وشجار وغضب ثم ضربه وهلك، فلا يُقتل به، هذا رأي المالكية.والذي يظهر والله أعلم: أن ما ذهب إليه جمهور أهل العلم قوي، وما ذهب أيضاً المالكية إليه قوي أيضاً، فيظهر والله أعلم أن مثل هذه يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام، والأم كذلك لها حكم الأب تماماً.القسم الثاني: أن يكون القاتل هو الوالد غير المباشر، كالأجداد والجدات، فهذه المسألة الخلاف فيها أضعف، فأكثر أهل العلم يقولون لا يُقتل، ولهذا قال لك المؤلف: (وإن علا)، والرأي الثاني في المسألة: أنه يُقتل الجد والجدة؛ لعمومات أدلة القصاص.والعكس بالعكس، الولد إذا قتل والده فإنه يُقتل به، بل من باب أولى أنه يُقتل به؛ لأن هذا هو أعظم العقوق والقطيعة، ولعمومات أدلة القصاص. قال رحمه الله تعالى: (ويُقتل الولد بكل منهما)، لما ذكرنا من العموم.
شروط استيفاء القصاص
قال رحمه الله: (باب استيفاء القصاص).ومعنى استيفاء القصاص هو: فعل مجني عليه أو وليه في الجاني مثل فعله.فالمراد باستيفاء القصاص هو إقامة القصاص بعد وجوبه، فإذا توفرت الشروط السابقة فلكي نقيم القصاص على هذا القاتل يشترط شروط:
 الشرط الأول: أن يكون الولي المستحق مكلفاً
قال رحمه الله: (يشترط له ثلاثة شروط: أحدها كون مستحقه مكلفاً),الشرط الأول: قال: (كون مستحقه مكلفاً)، فإن كان صبياً أو مجنوناً لم يستوف، وحُبس الجاني إلى البلوغ والإفاقة، هذا الشرط الأول، وعلى هذا إذا كان المقتول ورثته صغار، كأب قُتل ليس له إلا أولاد صغار أو مجانين، ما الحكم هنا؟يقول المؤلف رحمه الله: فإذا كان ورثة الدم صغاراً أو كانوا مجانين، أو كانوا صغاراً ومجانين، فالحكم هنا كما قال المؤلف: لا يستوفى القصاص إلى أن يكلف، إلى أن يبلغ الصبي، ويعقل المجنون، وصورة هذا الشرط أن يكون جميع الورثة غير مكلفين، إما صغاراً، أو مجانين، أو صغاراً ومجانين، وهذا الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وهو رأي الشافعية، واستدلوا على ذلك بأن معاوية رضي الله عنه حبس هدبة بن خشرم حتى بلغ ابن القتيل، ولأن القصاص يقصد منه التشفي، ولا يحصل التشفي من الصغير حتى يبلغ، ولا من المجنون حتى يعقل. الرأي الثاني: أنه يُقتص من القاتل، وعلى ولي الصبي وولي المجنون المطالبة لهم بالدم، كما يطالب بأموالهم يطالب بحقهم من الدم، ويطالب بالقصاص، واستدلوا على ذلك بقصة الحسن رضي الله عنه، فإن الحسن قتل ابن ملجم الذي قتل علي بن أبي طالب ، وفي الورثة صغار، وأجيب عن ذلك قالوا: الحسن قتله لأنه قتل علياً غيلة، وقيل: قتله لأنه يعتقد كفره، وقيل: قتله لأنه قتل الإمام الأعظم.والذي يظهر -والله أعلم- أنه إن كانوا مجانين أنه يقام عليهم القصاص؛ لأن حبسه فيه تعذيب له، وكون المجنون يعقل هذا علمه عند الله عز وجل، فالعادة جرت أنه لا يعقل، وإن كان صغيراً فيظهر والله أعلم أنه يُنتظر، إلا إن رأى الإمام أن يقتله فله ذلك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع - كتاب الجنايات [2] للشيخ : خالد بن علي المشيقح

http://audio.islamweb.net