اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [44] للشيخ : خالد بن علي المشيقح


شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [44] - (للشيخ : خالد بن علي المشيقح)
يجوز للمودع عنده أن يستعمل الوديعة فيما يكون في مصلحتها، وإذا خلطها بشيء من جنسها بحيث لا تتميز فإنه يضمنها، أما إذا خلطها بما يمكن تمييزه فلا يضمن، وقول المودع هو المقبول إذا تلفت الوديعة أو ردها، وإذا أنكر ثم أقر بعد البينة عليه فلا يقبل إنكاره.
تابع الانتفاع بالوديعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل: ويقبل قول المودع في ردها إلى ربها أو غيره بإذنه، وتلفها وعدم التفريط، فإن قال: لم تودعني ثم ثبتت ببينة أو إقرار ثم ادعى رداً أو تلفاً سابقين لجحوده لم يقبلا ولو ببينة، بل في قوله: ما لك عندي شيء ونحوه, أو بعده بها، وإن ادعى وارثه الرد منه أو من مورثه لم يقبل إلا ببينة، وإن طلب أحد المودعين نصيبه من مكيل أو موزون ينقسم أخذه, وللمستودع والمضارب والمرتهن والمستأجر مطالبة غاصب العين.باب إحياء الموات: وهي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، فمن أحياها ملكها من مسلم وكافر بإذن الإمام وعدمه, في دار الإسلام وغيرها، والعنوة كغيرها، ويملك بالإحياء ما قرب من عامر إن لم يتعلق بمصلحته، ومن أحاط مواتاً أو حفر فيه بئراً فوصل إلى الماء أو أجراه إليه من عين ونحوها أو حبسه عنه ليزرع فقد أحياه ].تقدم لنا جملة من أحكام الوديعة، وذكرنا تعريفها في اللغة والاصطلاح، وحكمها، وأنه يشترط فيها ما يشترط في الوكالة؛ لأنها إنابة في الحفظ. وأيضاً تقدم لنا من مسائلها: أنه يجب على المودع أن يحفظ الوديعة في حرز مثلها؛ لأنه مأمور بأدائها، ولا يمكن أن يؤديها إلا إذا حفظها في حرز مثلها.وتقدم لنا أيضاً من مسائل الوديعة: ما إذا عين المودع حرزاً فخالف المودع، وأن هذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام.وأيضاً تقدم لنا فيما إذا حصل لنا خوف أو سفر، وكيف يتصرف المودع مع الوديع، وهل للمودع أن يودع الوديعة عند من يحفظ مال ربها أو عند من يحفظ ماله كوكيله والموظف عنده وعند زوجته ونحو ذلك, أو ليس له ذلك؟ هذا تقدم الكلام عليه. ‏ ثم قال رحمه الله: (ومن أودع دابة فركبها لغير نفعها أو ثوباً فلبسه أو دراهم فأخرجها من محرز ثم ردها أو رفع الختم ونحوه).تقدم أن تكلمنا على شيء من هذه المسألة، وقلنا: بأن المودع إذا تصرف في الوديعة فإن هذا التصرف لا يخلو من أمرين:الأمر الأول: أن يكون من مصلحة الوديع فهذا لا ضمان له، فمثلاً لو أنه ركب الدابة لكي يعلفها، أو لكي يسقيها, أو ركب السيارة لكي يحفظها في مكان يرى أنه أحرز, أو أخرج الثوب خشية عليه من العبث ونحو ذلك فهذا لا ضمان له؛ لأنه محسن، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة:91].الأمر الثاني: أن يكون التصرف ليس لمصلحة الوديعة، كما لو ركب السيارة لمصلحته هو، ليعمل عليها عملاً، أو لبس الثوب لكي ينتفع به هو، فتلفت هذه الوديعة، فإنه يضمن؛ لأنه تعدى، لكن لو أنه رد الوديعة إلى الحرز، فهل يعود ائتمانه مرة أخرى؟ أو نقول: لا بد من عقد جديد؟ المشهور من المذهب وكذلك مذهب الشافعية أنه لا يعود ائتمانه، ولا بد من عقد جديد، وعلى هذا يجب عليه أن يبادر برد الوديعة إلى مالكها، إما أن يعقد عقداً جديداً، أو أنه يبادر إلى رد الوديعة إلى مالكها, ولو تلفت فإنه يكون ضامناً. والعلة في ذلك: أنه زال ائتمانه لما تصرف هذا التصرف.الرأي الثاني: رأي أبي حنيفة وكذلك أيضاً هو قول المالكية أنه لا يضمن، فإذا ردها إلى حرزها وتاب من هذا التعدي ثم بعد ذلك تلفت فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه لما ردها إلى حرزها فقد زال التعدي، وحينئذ يزول الضمان.
 

خلط الوديعة بغيرها
قال رحمه الله تعالى: (أو خلطها بغير متميز فضاع الكل ضمن). إذا خلط الوديعة بغيرها فإن هذا لا يخلو من أمرين:الأمر الأول: أن يخلطها بشيء غير متميز، كما لو خلط الزيت بزيت مثله، أو خلط الدراهم بدراهم مثلها، يعني: خلطها بشيء لا تتميز معه، قال المؤلف رحمه الله: (فضاع الكل ضمن) أي: الوديعة؛ لأنه تعدى بالخلط. فلو خلط الزيت بزيت مثله مثلاً أو خلط البر ببر مثله أو الشعير بشعير أو الأرز بأرز أو نحو ذلك، وضاع الجميع فإنه يضمن، وإن ضاع البعض فإنه يضمن ما ضاع؛ لأنه تعدى بالخلط، لكن لو لم يضع خلط الزيت الآن بزيت مثله فهل يكونان شريكان أي المودِع والمودَع, أو نقول: بأن المودع يضمن هذا الزيت؟ أكثر أهل العلم أنه إذا خلط الوديعة بشيء لا تتميز به كزيت بزيت فإن المودع يضمن للمودع وديعته، وتكون الوديعة وما خلط معها للمودع، فمثلاً إذا خلط زيتاً بزيت، والزيت الذي هو الوديعة يساوي صاعاً فيضمن المودع للمودع صاعاً من زيت، ويكون الجميع له, أي: الوديعة وما خلط معها للمودع, هذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى.والرأي الثاني: أنه إذا خلطه بجنس مثله فإنهما يكونان شريكان, مثلاً إذا خلط البر ببر فيكونان شريكان بقدر ملكيهما، فهذا مثلاً له صاع وهذا له صاع، يكون هذا له النصف وهذا له النصف، أو هذا له صاعان وهذا له صاع، فهذا يكون له الثلثان، وهذا يكون له ثلث، والأقرب في مثل هذا: أن يقال: ينظر إلى المصلحة، أي: مصلحة المودع؛ لأن المودع تعدى بهذا الخلط. هذا القسم الأول، وهو إذا خلط الوديعة بجنسها.القسم الثاني: إذا خلط الوديعة بغير الجنس، كما لو خلط ثياباً بدراهم، ففي هذه الحالة لا يضمن المودع، وإنما يجب عليه أن يرد الوديعة إلى صاحبها، وذلك بأن يميز الوديعة من الشيء الذي خلطت به، ويرد ذلك إلى صاحبها، يقولون: لا ضمان عليه، لكن يجب عليه أن يرد الوديعة إلى صاحبها، وإن حصل نقص في الوديعة بسبب الخلط فإنه يردها.
 

رد الوديعة

 ذكر من له المطالبة بالوديعة عند غصبها
قال رحمه الله: (وللمستودع والمضارب والمرتهن والمستأجر مطالبة غاصب العين). هؤلاء الذين ذكرهم المؤلف رحمهم الله هم أمناء، وهم نواب عن المالك، فالمستودع نائب عن المودع، والمضارب نائب عن المالك، والمرتهن نائب عن الراهن، والمستأجر نائب عن المؤجر، فإذا غصبت منهم العين فإنهم يملكون المطالبة؛ لأمرين:الأمر الأول: أنهم نواب عن المالك، فكما أن المالك يملك المطالبة، فكذلك أيضاً نائبه يملك المطالبة.والأمر الثاني: أنهم أمناء مأمورون بالحفظ، وهذا من الحفظ، فمثلاً المودع لو أنه أودع الكتاب وجاء شخص وغصب هذا الكتاب فالمودع له أن يطالبه؛ لأنه نائب عن المالك في الحفظ، ومادام أنه نائب عن المالك وهو مأمور بالحفظ فيقوم مقامه، ولا يملك أن يعترض عليه الغاصب بأنه ليس مالكاً.وكذلك أيضاً المستأجر لو استأجر السيارة ثم جاء شخص وغصب السيارة أو سرق السيارة أو نهبها ونحو ذلك فإنه يملك أن يطالب.ومثله أيضاً المرتهن، فإنه يملك أن يطالب بالعين، ومثل ذلك لو حصل عليها حادث مثلاً, فلو أنه استأجر السيارة وجاء شخص وضرب السيارة، فالمستأجر له أن يطالب؛ لأنه مأمور بالحفظ، وهذا من تمام الحفظ، ولأنه نائب عن المالك، كذلك المودع لو أنه أودع سيارة ثم جاء شخص وضربها فنقول: بأنه يملك المطالبة.
إحياء الموات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( باب إحياء الموات:وهي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم).
 ضابط إحياء الموات
قال المؤلف رحمه الله: (ومن أحاط مواتاً). هذا الشرط السادس من شروط صحة الإحياء، وهو: أن يحيي هذه الأرض بما دل العرف على أنه إحياء، فلا بد أن يحييها بما يدل العرف على أنه إحياء.وهنا ذكر المؤلف رحمه الله ضابط الإحياء, والشارع أطلق ذلك, فقال: ( من أحيا أرضاً ميتة فهي له ). وما جاء مطلقاً على لسان الشارع يرجع في ذلك إلى العرف في تقييده وضبطه. فنقول: نرجع إلى العرف، فما دل العرف على أنه إحياء فهو إحياء.وذكر المؤلف رحمه الله تعالى أمثلة فقال: (ومن أحاط مواتاً), أي: أنه أدار حول هذه الأرض حائطاً منيعاً بما جرت به العادة فقد أحياها (أو حفر فيه بئراً فوصل إلى الماء) فقد أحياها أي أحيا هذه البئر، (أو أجراه إليه من عين أو نحوها). أي أجرى الماء إلى هذا الموات (أو حبسه عنه ليزرع)، أي: هذه الأرض يأتيها الماء فحبس الماء عنها ليزرع (فقد أحياه). والضابط في ذلك العرف، فإذا أجرى الماء إليها أو حفر لها البئر ووصل إلى الماء أو أنه غرس الأشجار أو بنى الحائط المنيع ونحو ذلك فإنه يملك، ويكون حينئذ أحياها.قال رحمه الله: (ويملك حريم البئر العادية خمسين ذراعاً من كل جانب، وحريم البدية نصفها). العادية بمعنى: القديمة، نسبة إلى عاد، والبدية بمعنى: الجديدة المبتدئة، فإذا حفر بئراً فإنه لا يخلو من أمرين:الأمر الأول: أن يحفر البئر لكي يزرع، فنقول: ما وصل إليه الماء فإنه يملكه، فما مد الماء إليه وزرع فهذا كله له، هذا إذا كان ليزرع.القسم الثاني: أن يحفر لكي يشرب أو لكي يسقي بهائمه ونحو ذلك، فهنا لا بد للبئر من حريم، يعني: مكان يحيط بها؛ لأنه لا يمكن أن ينتفع إلا إذا ملك ما حول البئر، وهذا الذي حول البئر يسمى حريم البئر، فهو لا يمكن أن ينتفع إلا إذا ملك ما حول البئر. فهنا يملك كما قال المؤلف: إذا كانت قديمة يملك خمسين ذراعاً له؛ لأنها حفرت مرتين، فله خمسة وعشرون ذراعاً بالمرة الأولى، وخمسة وعشرون ذراعاً بالمرة الثانية. وإن كانت البئر ليست قديمة بل جديدة فيملك خمسة وعشرين ذراعاً، وقد جاء في الحديث وهو ضعيف لا يثبت: ( السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعاً، والبدي خمسة وعشرون ذراعاً ). لكن من حيث المعنى: البئر إذا كانت قديمة يملك خمسين؛ لأنها حفرت مرتين، وإن كانت جديدة فإنه يملك خمسة وعشرين؛ لأنها حفرت مرة واحدة. وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.والرأي الثاني: أنه يملك ما دام أنه حفر بقدر حاجته, فقد يحتاج خمسين ذراعاً, وقد يحتاج أقل، وقد يحتاج أكثر.وهذا القول يظهر أنه الصواب: أن يملك بقدر حاجته ما دام أنه حفر لكي يشرب، أما إذا كان حفر لكي يزرع ويغرس فيملك مقدار ما يصل إليه الماء ويزرع.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [44] للشيخ : خالد بن علي المشيقح

http://audio.islamweb.net