اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح متن الورقات [18] للشيخ : خالد بن علي المشيقح


شرح متن الورقات [18] - (للشيخ : خالد بن علي المشيقح)
من القواعد المسلم بها أن كتاب الله سالم من الاضطراب والاختلاف، وكذلك سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، كما أنه لا تعارض بين الشرع الصحيح والعقل الصريح، فإذا ظهر تعارض بين دليلين فإننا نقدم الجمع على الترجيح على أصح أقوال أهل العلم، وإن لم يمكن الجمع فيتوقف فيه
أحكام التعارض بين الأدلة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:قال المؤلف رحمه الله تعالى في أحكام التعارض: [إذا تعارض نطقان فلا يخلو إما أن يكونا عامين أو خاصين، أو أحدهما عاماً والآخر خاصاً، أو كل واحد منهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه آخر]... إلى آخره. التعارض والترجيح من المباحث المهمة التي يتكلم عنها الأصوليون رحمهم الله، وكذلك هي من المباحث المهمة التي يحتاج إليها الفقيه عموماً، وحتى غير الفقيه! كل طالب علم يحتاج إلى معرفة ما يتعلق بالتعارض، وما هو الطريق إذا وردت لديه الأدلة متعارضة، أو في ظاهرها أنها متعارضة؟ ويعلم أن التعارض في الحقيقة بين النصوص هذا ليس موجوداً، وإنما هو في الظاهر بالنسبة للمكلف فقط، فالتعارض هذا إنما هو في الظاهر بالنسبة للمكلف، فلا يمكن أن يوجد تعارض بين النصوص لا نتمكن فيه من الجمع أو الترجيح أو النسخ! هذا لا يمكن وجوده.
 شروط تحقق التعارض
التعارض يشترط له شروط: الشرط الأول: أن يكون الدليلان متضادين تماماً؛ فهذا يكون بالحرمة, وهذا يكون بالحل.الشرط الثاني: أن يتساوى الدليلان في الثبوت، والدلالة، وفي عدد الأدلة.الشرط الثالث: تقابل الدليلين في وقت واحد، إذ إن اختلاف الزمن ينفي التعارض، مثال ذلك: ما جاء في الحديث: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصبح جنباً وهو صائم )، وأيضاً: ما جاء في حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( من أصبح جنباً فلا صوم له ).الشرط الرابع: أن يكون التعارض في محل واحد، فإذا اختلف المحل فلا تعارض، ومثال ذلك قول الله عز وجل: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223] ، وقول الله عز وجل: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [النساء:23] إلى أن قال الله عز وجل: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23]، ففي الآية الأولى إباحة النساء، وفي الآية الثانية تحريم أم المرأة، فالمحل هنا مختلف, فلا يقع التعارض.
تقديم الجمع أو الترجيح عند التعارض بين الدليلين
إذا وقع التعارض بين الدليلين, فهل نقدم الجمع أو نقدم الترجيح؟ جمهور الأصوليين على أننا إذا وجدنا دليلين وأمكن أن نجمع بينهما فإننا نقدم الجمع؛ واستدلوا على ذلك بأدلة, منها:ما ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قول الله عز وجل: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ [الرحمن:39] ، مع قول الله عز وجل: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:92]. هنا وقع التعارض، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يسألون في موضع ولا يسألون في موضع آخر، جمع ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بين الدليلين. وهذا الدليل الأول.وأيضاً الدليل الثاني: أن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما؛ لأننا إذا قلنا بالجمع فإننا نعمل الدليلين جميعاً، وإذا قلنا بالترجيح رجحنا أحدهما على الآخر, فإننا نهمل أحد الدليلين، ولا شك أن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. وهذا رأي الجمهور -كما تقدم- وهو الرأي الأول.الرأي الثاني: رأي الحنفية فقالوا: إن علمنا التاريخ فإننا نصير إلى النسخ، وإن لم نعلم التاريخ فإننا نرجح أحدهما على الآخر، وإذا لم نتمكن من الترجيح نصير إلى الجمع؛ يعني هم يقولون: إن كان هناك تاريخ فنسخ، وإن لم يكن هناك تاريخ نقدم الترجيح، وإذا ما تمكنا من الترجيح نصير إلى الجمع، واستدلوا على ذلك بأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم إذا أشكل عليهم شيء صاروا إلى الترجيح.فمثلاً: في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل )، مع قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إنما الماء من الماء )، فرجحوا حديث عائشة : ( إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل )، وقالوا بأنه مرجح، هكذا استدلوا. لكن الصحيح في حالة لم نتمكن من الجمع أن نقول: هذا استدلال في غير محل النزاع، فإننا لم نتمكن من الجمع مع معرفتنا للمتأخر، فعرفنا المتأخر فقلنا بالنسخ، فالصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم, وأنه إذا أمكن الجمع فإننا نصير إلى الجمع، بخلاف ما ذهب إليه الحنفية رحمهم الله، وهذا الخلاف خلاف معنوي وليس خلافاً لفظياً، ولذلك إذا ذهبت إلى كتب فروع الحنفية تجد أنهم يقولون بالنسخ إن عرفوا التاريخ، فإذا لم يعرفوا التاريخ قالوا: يرجح هذا الدليل على الدليل الآخر، ثم يذكرون مسوغات الترجيح مع أنه يمكن أن يجمع بين الدليلين.
 شروط الترجيح
الترجيح يشترط له شروط:الشرط الأول: أن يكون ذلك بين ظنيين، فلا يمكن أن يكون التعارض بين قطعيين؛ لأن القطعي هذا لا يحتاج إلى زيادة علم، فلا يطلب له ترجيح غير قابل للزيادة، فلا يطلب له ترجيح. وكذلك أيضاً: لا يكون بين قطعي وظني؛ لأن الظني هذا لا يرفع القطعي، فالقطعي مقدم عليه.الشرط الثاني: تعذر الجمع، فإننا نصير أولاً إلى الجمع، فإذا تعذر الجمع فإننا نصير إلى الترجيح.الشرط الثالث: تساوي الدليلين في القوة.والشرط الرابع: أن يكون المرجح قوياً يغلب على الظن فترجح به أحد الدليلين.
أقسام الترجيحات عند تعارض الأدلة
بالنسبة للمرجحات فالمرجحات كثيرة، وسنذكر على سبيل الإجمال المرجحات بالنسبة لعلماء الأصول, وعلماء الحديث يتكلمون عليها ويضربون لها أمثلة ويطيلون فيها، والضابط في ذلك أنه متى اقترن بأحد الدليلين ما يقويه ويغلب جانبه حصل بذلك الاقتران زيادة ظن فأفاد ترجيحه على الآخر.من حيث الجملة التعارض إما أن يكون بين دليلين نقليين وإما أن يكون بين دليلين قياسيين.
 أقسام الترجيح بين دليلين قياسيين
إذا كان التعارض بين دليلين قياسيين، هذا أيضاً ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: ما يرجع إلى الأصل، يعني الأصل المقيس عليه، وأركان القياس: الأصل, والفرع, والحكم, والعلة، فمن الترجيحات فيما يتعلق بالأصل: أن يكون الأصل في أحد القياسين قطعياً والآخر ظنياً.وكذلك أيضاً من المرجحات: أن يكون أحد القياسين موافقاً للشريعة والآخر ليس كذلك. أيضاً أحدهما يقتضي التحريم والآخر ليس كذلك، أو أحدهما أيضاً يدرأ الحد، والآخر ليس كذلك، أحدهما يفيد الحظر والآخر ليس كذلك.القسم الثاني: ما يرجع إلى الفرع المقيس، فمن المرجحات أن يكون هذا الفرع يقطع بوجود العلة فيه والآخر مظنوناً؛ يعني: وجود العلة في مظنون.وكذلك أيضاً من المرجحات: ورود الفرع متأخراً عن أصله، يعني: أن يرد الفرع متأخراً عن أصله والآخر يكون متقدماً على أصله.القسم الثالث: ما يرجع إلى العلة الجامعة بين القياسين، وهناك أيضاً مرجحات ترجع إلى العلة، منها أن تكون العلة في أحدهما متعدية، وفي الآخر قاصرة.وكذلك أيضاً: أن يكون وجود العلة في أحدهما قطعية، وفي الآخر ظنية فإنه يرجح.وكذلك أيضاً: أن يكون أحد القياسين جلياً والآخر خفياً، وأيضاً أن تكون العلة في أحدهما تقتضي الاحتياط, وفي الآخر ليس كذلك، وأيضاً أن تكون العلة في أحدهما عامة في جميع الأفراد، وفي الآخر ليس كذلك.القسم الرابع: ما يرجع إلى أمر خارجي؛ فيكون أحد الدليلين العقليين القياسين أحدهما يوافق عمل أهل المدينة، هذا من المرجحات.وأيضاً من المرجحات: أن يكون أحدهما موافقاً لظاهر الكتاب أو السنة.ومن المرجحات: أن يكون أحدهما موافقاً لعمل الخلفاء الراشدين.ومن المرجحات أيضاً: أن يكون أحدهما موافقاً لقياس آخر.
أقسام التعارض بين الأدلة العامة والأدلة الخاصة
وقول المؤلف رحمه الله: (إذا تعارض نطقان)، المراد بالنطقان الكتاب والسنة، (فلا يخلو إما أن يكونا عامين أو خاصين، أو أحدهما عاماً والآخر خاصاً، أو كل واحد منهما عاماً من وجه، وخاصاً من وجه آخر. فإن كان عامين؛ فإن أمكن الجمع بينهما جمع، وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ، فإن علم التاريخ ينسخ المتقدم بالمتأخر، وكذا إن كانا خاصين).ذكر المؤلف رحمه الله تعارض العامين، وتعارض الخاصين. وهذان قسمان.والقسم الثالث: أن يكون أحدهما عاماً والآخر خاصاً. القسم الرابع: أن يكون كل منهما عاماً من وجه، وخاصاً من وجه آخر. ‏
 القسم الرابع: التعارض بين دليلين أحدهما عام من وجه والآخر خاص من وجه
القسم الرابع: أن يكون أحدهما عاماً من وجه, خاصاً من وجه آخر، فيخصص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر، إذا دل على ذلك دليل.ومن أمثلته: قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234] ، وقول الله عز وجل: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4]، فالآية الأولى عامة في كل متوفى عنها أن تتربص أربعة أشهر وعشراً، وتشمل الحامل وغير الحامل، وهي خاصة أيضاً في المتوفى عنها: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ [البقرة:234].وقول الله عز وجل: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4] هذه خاصة في الحامل، عامة في المتوفى عنها وغيره، فنخصص عموم أحدهما بخصوص الآخر؛ فنقول: بالنسبة للآية الأولى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234] نخصص من ذلك الحامل، فعدتها بوضع الحمل، وأيضاً قول الله عز وجل: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4]، هذه خاصة في الحامل، عامة في المتوفى عنها وفي غيرها، فكل معتدة وهي حامل سواء كانت معتدة من طلاق أو وفاة عدتها وضع الحمل، فنخصها بالمتوفى عنها. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح متن الورقات [18] للشيخ : خالد بن علي المشيقح

http://audio.islamweb.net