اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , المسائل الطبية والمعاملات المعاصرة [1] الإجهاض للشيخ : خالد بن علي المشيقح


المسائل الطبية والمعاملات المعاصرة [1] الإجهاض - (للشيخ : خالد بن علي المشيقح)
الإجهاض ثمرة من ثمرات الدعوة إلى الحد من نمو السكان، ويكثر سؤال الناس عنه بسبب انتشاره وسهولته، ويجهل كثير من الناس خطورته وأحكامه وأقسامه وحكم كل قسم، وقد تكلم أهل العلم المعاصرين في ذلك بما يزيل الالتباس وينير الطريق للناس.
أهمية معرفة أحكام الإجهاض
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونتسهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، وبعد:أيها الأحبة! فإن عنوان هذه الدروس: مسائل تتعلق بالأمور المالية والطبية، وبحث هذه المسائل كان الأصل أن يكون لأكثر من أسبوع، لكن بسبب تعارض الدروس في الأسبوع القادم مع دروس أخرى اقتصرنا على هذا الأسبوع فقط، وسننتقي إن شاء الله أهم المسائل الطبية والمالية التي يحتاج إليها الناس اليوم، ويكثر السؤال عنها. هناك مسائل كثيرة يحتاج الناس إلى تبيينها وإيضاحها، ويكثر سؤال الناس عنها، مثل ما يتعلق بالبطاقات المصرفية، مثل ما يتعلق بالتورق المصرفي الذي يوجد الآن على قدم الوثائق في البنوك، ومثل أيضاً ما يتعلق بالتأمين التجاري. وأيضاً من الناحية الطبية هناك مسائل يحتاجها الناس مثل ما يتعلق بمسائل الإجهاض، وكثرة سؤال الناس عن الإجهاض وما هي أحواله، ومتى يكون جائزاً ومتى يكون محرماً إلى آخره. ومثل ما يتعلق بتضمين الطبيب، إذا أخطأ الطبيب كما يوجد اليوم، ومتى يضمن الطبيب ومتى لا يضمن إلى آخره. ومثل ما يتعلق بالموت الدماغي، وما يتعلق بنزع أجهزة الإنعاش عمن مات دماغياً إلى آخره. ومثل ما يتعلق أيضاً بعمليات التجميل، ومتى تكون هذه العمليات جائزة، ومتى تكون غير جائزة إلى آخره.فسنستعد إن شاء الله في طرق هذه المسائل حسب ما يسمح به الوقت.ستكون المسألة التي ستطرق في هذا الدرس هو ما يتعلق بالإجهاض، إجهاض الحمل، وسنوضح ما يتعلق بتعريف الإجهاض في اللغة والاصطلاح، ثم بعد ذلك نذكر شيئاً من تاريخ الإجهاض وخطورته، ثم بعد ذلك نعرج على أحوال الإجهاض وأقسامه وحكم كل قسم. إنما اخترنا طرق هذا الموضوع وما يتعلق بالإجهاض لسببين: السبب الأول: كثرة سؤال الناس عن حكم الإجهاض. والسبب الثاني: ترقي الطب، فإنه بسبب ترقي الطب أصبح أمر الإجهاض سهلاً جداً، فبإمكان الزوج أن يذهب بزوجته أو بإمكان المرأة أن تذهب بنفسها إلى الطبيب أو الطبيبة وخلال دقائق تكون قد أنزلت ما في بطنها. فلهذين السببين كثر سؤال الناس لسبب وآخر عن الإجهاض، وأيضاً بسبب ترقي الطب واتساعه وتمكن الطب الآن في الوقت الحاضر من إنزال الحمل في خلال دقائق، كان من المناسب طرق هذه المسألة وبيان ما ذكره العلماء رحمهم الله حول حكمها.
 

الإجهاض.. تعريفه وسبب انتشاره
هذه المسألة تحتها أمور: الأمر الأول: تعريف الإجهاض في اللغة والاصطلاح. أما في اللغة: فهو إسقاط الجنين، أو نقول: إسقاط الولد بحيث لا يعيش. وأما في الاصطلاح: فهو إلقاء المرأة جنينها بفعل منها أو من غيرها.الأمر الثاني: أن الإجهاض هو من نتائج وثمار الدعوة إلى الحد من تعداد السكان، وزيادة النمو البشري، وهذه الدعوة إلى تعداد السكان والنمو البشري وجدت قديماً في أواخر القرن الثامن عشر، وكان أول من دعا إلى فكرة الحد من تعداد السكان والنمو البشري القسيس النصراني الإنجليزي مالتوس . وسبب قيام فكرته هذه أنه دعا إلى الحد من تعداد السكان بزعم أن كثرة السكان يؤدي خطراً على الموارد البشرية، وقال: بأن السكان يتزايدون بطريقة هندسية متوالية: اثنان أربعة ثمانية ستة عشر اثنان وثلاثون.. إلى آخره، أما بالنسبة لموارد الأرض فإنها تزيد بطريقة حسابية: اثنين ثلاثة أربعة.. إلى آخره. فدعا هذا الإنجليزي النصراني إلى الحد من تعداد السكان لزعمه أن زيادة البشر خطر على موارد الأرض، وهذا مما سيسبب مجاعة في سكان الكرة الأرضية إلى آخره. وقد لاقت هذه الدعوة رواجاً فانتشرت هذه الدعوة في أمريكا، ولاقت في أول انتشارها معارضة قوية من المجتمع ومن الدولة، ثم بعد ذلك في عام 1942 تكون في أمريكا أول اتحاد تنظيم الوالدية، وهو يدعو لاستخدام موانع الحمل، ومن موانع الحمل ما يتعلق بالإجهاض، وذلك حداً للنمو البشري. ثم بعد ذلك أصبح اتحاد تنظيم الوالدية في أمريكا عضواً في منظمة الأمم المتحدة عام 1964، وصار لهذه المنظمة تنظيم الوالدية في أمريكا فروع في كثير من بلدان العالم، ومن ذلك البلاد الإسلامية.
 

حكم الإجهاض في الديانات السابقة
الإجهاض في الديانات قبل الإسلام يعتبر محرماً، ففي الديانة اليهودية يعتبر محرماً ولا يجوز، وعليه عقوبة، لكن هذه العقوبة غير مقدرة. وكذلك أيضاً في الديانة النصرانية يعتبر الإجهاض محرماً وعقوبته القتل، يعني: أن المرأة أو الزوج إذا أجهض الجنين، أو أن أحدهما أجهض الجنين، أو أن غيرهما تعمد إجهاض هذا الجنين فإن عقوبته القتل، هذا في الديانة النصرانية، ولهذا في بريطانيا كان إلى عام 1524م عقوبة الإجهاض هي الإعدام، فإذا ثبت أن الزوج أو أن الزوجة أو أن أجنبياً غيرهما قام بإجهاض هذا الجنين فإن عقوبته القتل، واستمرت هذه العقوبة كما أسلفت إلى عام 1524م، ثم خففت هذه العقوبة إلى السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة، ثم بعد ذلك خففت هذه العقوبة حتى أبيح الإجهاض في كثير من دول العالم، كما سيأتي الإشارة إلى ذلك.ومثل ذلك أيضاً كان في أمريكا، لقد كان الإجهاض في أول الأمر في أمريكا عقوبته الإعدام، ثم بعد ذلك خفف إلى السجن المؤبد، ثم خفف ذلك إلى أن أصبح مباحاً. ويعتبر الاتحاد السوفيتي هو أول من أباح الإجهاض، وذلك في عام 1920م ثم بعد ذلك منعه في عام 1935م بسبب كثرة الوفيات للأمهات بسبب الإجهاض، فإن الإجهاض يعود ضرره إلى الأم المجهضة، ويسبب لها ضرراً، وقد يسبب الوفاة، فيعتبر الاتحاد السوفيتي السابق هو أول من أباح الإجهاض كما أسلفنا عام 1920م ثم بعد ذلك منعه عام 1935م، ثم بعد ذلك تبعته اليابان فأباحت الإجهاض عام 1942م وهكذا بقية دول العالم. وأول الدول الإسلامية أباحت الإجهاض هي دولة تونس، فأباحت الإجهاض لمن كان معه خمسة من الولد، ثم بعد ذلك خفف ذلك فأباحت الإجهاض في الثلاثة الأشهر الأول.
 

انتشار الإجهاض في العصر الحاضر
حسب تقرير اتحاد منظمة الصحة العالمية عام 1984م بلغ عدد الأجنة الذين أجهضوا ما يقرب من خمسين مليوناً، وبلغ عدد الأمهات اللاتي توفين بسبب الإجهاض ما بين مائة وسبعين ألفاً إلى مائتي ألف أم، وفي أمريكا بلغ عدد الأجنة الذين أجهضوا خمسة عشر مليون جنين خلال عشر سنوات ما بين عام 1973-1983، وفي مدينة نيويورك أكثر من ثلاثمائة عيادة إجهاض بعد أن أبيح الإجهاض في أمريكا كما سبق، وكان في أول الأمر عقوبته الإعدام ثم خفف ذلك إلى السجن، ثم بعد ذلك أبيح إباحة مطلقة، وهذه الأعداد التي ذكرنا تبين خطورة الإجهاض، وأنه سبب لإهلاك الأنفس.
 

حكم الإجهاض في الشريعة الإسلامية
مما لا شك فيه أن الشرائع اتفقت على حفظ الأنفس، الشرائع جاءت بالمحافظة على الضروريات الخمس: حفظ الدين والنفس والعرض والعقل والمال، والإجهاض هذا سبب للإخلال بهذه المصالح الضرورية التي اتفقت الشرائع على الإتيان بها، وأيضاً موقف الشريعة الإسلامية من حيث الجملة هو تحريم الإجهاض، وأنه لا يجوز، إذ إن الشريعة أولاً جاءت بحفظ الضروريات الخمس، ومن ذلك حفظ النفس. وثانياً أنه يصادم مقصداً مهماً من مقاصد النكاح، فإن من مقاصد النكاح هو تكثير النسل، ولهذا امتن الله عز وجل على بني إسرائيل بأن كثرهم، قال: وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا [الإسراء:6]، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بكثرة النكاح الذي من مقاصده كثرة النسل، فقال عليه الصلاة والسلام: ( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ).الأمر الثالث: أن الإجهاض هذا فيه سوء ظن بالله عز وجل؛ لأنك تجد بعض الناس يلجأ إلى الإجهاض، إما خوفاً من تكاليف النفقة، أو تكاليف التربية، أو خوفاً مما يتعلق بالرعاية وملاحظة الطفل إلى آخره، وهذا كله من سوء الظن بالله عز وجل، والله عز وجل يقول: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6]، فموقف الشريعة الإسلامية من هذا الإجهاض هو التحريم، إلا أنه يستثنى من ذلك مسائل معدودة كما سيأتي إن شاء الله بحثه، فالأصل في الإجهاض أنه محرم، أولاً لأن الشريعة جاءت بالمصالح الضرورية، ومن المصالح الضرورية حفظ النفس، والأدلة على حفظ النفس كثيرة جداً، ونشير إلى شيء منها كما سيأتي في ثنايا البحث.والمسألة الثانية: أنه مصادم لمقصد مهم من مقاصد النكاح، والأمر الثالث: أن فيه سوء ظن بالله عز وجل.
 إجهاض الجنين لضرورة شرعية
القسم الثالث من أقسام الإجهاض: إذا كان بقاء الجنين يسبب خطراً على حياة الأم، كأن تكون الأم مريضة بمرض من الأمراض، وبقاء مثل هذا الجنين يسبب خطراً على حياتها بتزايد هذا المرض، كأن تكون مريضة بمرض القلب، أو الكلى، أو يكون عندها أمراض خبيثة كمرض سرطان الثدي، أو مرض سرطان عنق الرحم، أو أمراض الدم.. إلى آخره، المهم أن بقاء الجنين هذا يؤدي إلى خطر على سلامة الأم، هل يجوز إجهاض الجنين في مثل هذه الحالة من أجل سلامة الأم أو أن هذا غير جائز؟هذه الحالة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول ما كان قبل نفخ الروح، والقسم الثاني: ما كان بعد نفخ الروح. أما إن كان قبل نفخ الروح فأكثر الفقهاء المعاصرين ذهبوا إلى جواز إجهاض الجنين إذا كان في إجهاضه سلامة الأم، وبقاؤه يؤدي خطراً على سلامة الأم، ومن ذلك فتوى اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية عام 1416 للهجرة، فقد جاء فيها: ولا يجوز إسقاط الحمل، أي: ما بعد نفخ الروح حتى تقرر لجنة طبية موثوقة أن استمراره خطر على سلامة أمه بعد استنفاذ كافة الوسائل لتلافي الأخطار.نقول: الحالة الأولى ما كان قبل نفخ الروح، فالفقهاء في الوقت الحاضر يقررون، وقد أشار الفقهاء في القديم إلى شيء من ذلك، بعض الشافعية لأن الشافعية يتوسعون في الإجهاض، فبعض الشافعية أشاروا إلى شيء من ذلك، لكن بالنسبة للفقهاء في الوقت الحاضر يقررون أنه إذا كان بقاؤه فيه خطر على الأم، وإجهاضه يؤدي إلى سلامة الأم من هذا الخطر، فإن هذا جائز ولا بأس به، واستدلوا على ذلك بأن الضرر الأشد يزال بالأخف، وقالوا: بأنه يرتكب أهون الشرين، فقالوا: بأن إجهاض الجنين هذا فيه ضرر، وموت الأم هذا فيه ضرر، فيرتكب أخف الضررين، فإجهاض الجنين أهون من هلاك الأم، لكن تقدم أن الأصل في الإجهاض التحريم، وأنه لا يجوز، لكن القاعدة أن الضرر الأشد يزال بالأخف، وأيضاً لقاعدة أن الضرورات تبيح المحظورات اشترط المعاصرون لهذا الإجهاض شروطاً:الشرط الأول: أن يوجد مرض حقيقي يعرض حياة الأم للخطر. الشرط الثاني: أن يتعذر علاج هذا المرض إلا بالإجهاض. الشرط الثالث: أن يقرر من يوثق بقوله من الأطباء أن الإجهاض هو السبيل الوحيد لاستنقاذ الأم، أن يقرر من يوثق بقوله لأمانته وخبرته أو لتعدده من الأطباء أن السبيل الوحيد لسلامة الأم هو الإجهاض. فإذا توفرت مثل هذه الشروط توجه الجواز بإجهاض هذا الجنين، ولا بد من تحقق هذه الشروط؛ لأن الأطباء الآن في الوقت الحاضر يقرون بأنه لا يكاد يوجد مرض واحد يوجب الإجهاض، يقولون: بأن أمراض الأم يمكن أن تعالج بغير الإجهاض، فيقولون: لا يكاد يوجد مرض واحد يوجب الإجهاض من أجل إنقاذ حياة الأم وذلك بسبب تقدم الطب؛ ولهذا ذكر الدكتور محمد علي البار بأنه لا يوجد إلا مرض واحد قد يسبب عدم الإجهاض الخطر على حياة الأم وهو تسمم الحمل. وبهذا نعرف أن قول بعض الأطباء وتهاونهم أن الأم مريضة وأن هذا المرض يكون خطراً عليها وعلى سلامتها فلا بد من إجهاضه هذا القول فيه نظر، وذكرت أنا كلام الأطباء أنه لا يكاد يوجد مرض في الأم يوجب الإجهاض ويؤدي إلى إنقاذ حياتها إلا ما يتعلق بتسمم الحمل كما ذكره الدكتور محمد البار ، وأما ما عدا ذلك من الأمراض فلا حاجة فيها للإجهاض؛ لأنه بسبب تقدم الطب يمكن أن تعالج مثل هذه الأمراض، فنفهم أن الأصل هو تحريم الإجهاض، اللهم إلا إذا توفرت هذه الشروط الشرعية مع الاحتياط والحذر؛ لأنه كما أسلفنا أن الأطباء الآن يقررون أنه لا يكاد يوجد مرض في الأم يوجب إجهاض الجنين لكي يؤدي إلى إنقاذ حياتها.القسم الثاني: أن يكون ذلك بعد نفخ الروح، يعني: هذا الجنين نفخت فيه الروح، يعني: له أربعة أشهر فما فوق، وبقاء الجنين هذا يسبب خطراً على أمه، إما أن نجهض الجنين ونقتله، وإما أن يبقى الجنين فتموت الأم، فالعلماء رحمهم الله لهم في ذلك قولان، العلماء في السابق يكادون يجمعون على تحريم الإجهاض، حتى لو أدى ذلك إلى وفاة الجنين، الحنابلة والشافعية والمالكية يكادون يتفقون على أنه لا يجوز إجهاض الجنين في مثل هذه الحالة حتى ولو أدى ذلك إلى وفاة الأم، وممن ذهب إليه في الوقت الحاضر الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى، وأنه لا يجوز قتل هذا الجنين. والقول الثاني: العلماء أو الفقهاء في الوقت الحاضر يقولون: إذا ثبت وفاة الأم ثبوتاً محققاً إن لم نجهض هذا الجنين جاز الإجهاض. فعندنا رأيان: رأي المتقدمين ورأي المتأخرين. المتقدمون من العلماء يكادون يتفقون على أنه لا يجوز الإجهاض ولو أدى ذلك إلى موت الأم. الرأي الثاني: أنه يجوز الإجهاض إذا كان عدم إجهاض الجنين يؤدي إلى موت محقق بالنسبة للأم. ولكل منهم دليل، أما الذين قالوا بالمنع، وهم جماهير أهل العلم من المتقدمين، فاستدلوا على ذلك بأدلة، من ذلك الأدلة الناهية عن قتل النفس المعصومة، كما في قول الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29]، وأيضاً قول الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الأنعام:151]، وكما تقدم أيضاً حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يحل دم امرئ مسلم ... ). الدليل الثاني: قالوا: بأنه مما لا خلاف فيه بين العلماء أنه لا يجوز للشخص أن يقتل شخصاً إذا أكره على القتل، حتى ولو أدى ذلك إلى إزهاق نفسه، يعني: لو أن شخصاً أكره شخصاً على أن يقتل زيداً من الناس، إما أن تقتله وإلا قتلتك، قالوا: بأنه لا يجوز له أن يقدم على قتله، ولو أدى ذلك إلى قتل هذا المكره، فقالوا: هذا مثل أيضاً المرأة لا يجوز أن نقتل هذا الجنين لأجل استبقاء نفس الأم.الدليل الثالث: قالوا: الإجماع منعقد على أن الإنسان إذا كان مضطراً وكان في مخمصة فإنه لا يجوز له أن يقتل نفساً معصومة من أجل أن يأكلها ويستبقي نفسه، فإذا كان كذلك أيضاً لا يجوز أن نقتل هذا الجنين لأجل أن نبقي نفس الأم. وأيضاً استدلوا بما ذكره ابن نجيم رحمه الله تعالى قالوا: بأن إحياء نفس بنفس هذا لم يرد في الشريعة باستقراء الأدلة، قالوا: إحياء نفس بنفس لم يرد في الشرع. أكثر المعاصرين قالوا بالجواز إذا كان هلاك الأم محققاً إذا لم نقم بإجهاض الجنين، واستدلوا على ذلك بأدلة، من أهم أدلتهم قالوا بأن الجنين لا يسلم غالباً فإذا هلكت الأم هلك الجنين، فنحن إما أن نجهض الجنين وتسلم الأم، وإلا فإن الجنين الغالب أنه لا يسلم؛ لأننا إذا تركنا الجنين ولم يجهض وهلكت الأم هلك الجنين معها؛ لأنه كجزء من أجزائها، وإن أجهضناه هلك هو، قالوا: الغالب في الحالتين أنه لا يسلم الجنين، إما أن نجهضه فهذا يهلك، هذا أمره ظاهر، وإما أن لا نجهضه ونترك الأم، حتى ولو هلكت الأم، قالوا: بأن هلاك الأم يؤدي إلى هلاك الجنين. وهذا القول فيه نظر بسبب تقدم الطب، العلماء إذا كانوا في السابق يتكلمون عما إذا ماتت المرأة، وأنه يمكن السطو على نفس المرأة الميتة وشق بطنها، واستنقاذ الجنين، فما بالك اليوم فيما يتعلق بتقدم الطب، فإنه بالإمكان أن يشق بطن الأم حتى وإن لم يكتمل له ستة أشهر، هذا الجنين بالإمكان أن يرعى حتى ينمو.كذلك أيضاً استدلوا على ذلك قالوا: بأن الجنين تابع لأمه، وجزء من أجزائها، وباتفاق العلماء على أنه يجوز أن يقطع جزء من أجزاء الإنسان لكي يسلم باقيه، فمثلاً لو كان في الإنسان يد متآكلة أو رجل متآكلة، ولا يسلم إلا بقطع هذا الجزء المتآكل فإننا نقطع هذا الجزء لكي يسلم الباقي، ومثله أيضاً الجنين، فهو كالجزء المتآكل يقطع لكي تسلم الأم.وكذلك أيضاً قالوا: المشقة تجلب التخفيف. وكذلك أيضاً قالوا: يرتكب أهون الشرين.. إلى آخره، يستدلون بمثل هذه القواعد. بقي عندنا قسمان، وهي إجهاض الجنين لدوافع أخلاقية كما لو حصل الزنا فهل يجوز إجهاض هذه النطفة المحرمة، أو لا يجوز إجهاضها؟وكذلك أيضاً القسم الأخير إجهاض الجنين المشوه، يعني: إذا ثبت أن هذا الجنين لحقه عيوب خلقية هل يجوز إجهاضه أو لا يجوز إجهاضه؟ هذه إن شاء الله نتكلم عليها غداً بإذن الله. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الأسئلة

 مدى صحة قياس الإجهاض على قطع الجزء المتآكل
السؤال: قالوا: بأن الولد جزء من الأم، ويقطع الجزء لسلامتها؟الجواب: يقال بأنه قياس مع الفارق، فكل منهما نفس معصومة مستقلة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , المسائل الطبية والمعاملات المعاصرة [1] الإجهاض للشيخ : خالد بن علي المشيقح

http://audio.islamweb.net