اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , آداب الزيارة في الله [3] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


آداب الزيارة في الله [3] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
مما يشرع لمن زار أحداً من إخوانه: أن يتخير أنسب الأوقات للزيارة، فلا يزوره في الأوقات التي اعتاد الناس على الانشغال فيها أو النوم أو غيره، كما يشرع له ألا تطول زيارته، فيقتصر فيها على ما يقضي به حاجته، وإذا تكلم اختار موضوعاً محدداً، واجتنب الجدال والغيبة والنميمة.
آداب الزيارة العامة
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنةً وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3]. وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد: إخوتي الكرام! الأدب الثاني: ينبغي للإنسان إذا زار أخاه في الله أن يتأدب بأدب عام في زيارته، وهذا الأدب العام يدور على ثلاثة أمور: الأمر الأول: من ناحية وقت الزيارة، ومن ناحية الجلوس في الزيارة، وزمن الزيارة. والأمر الثاني: من ناحية الكلام والحديث الذي في الزيارة. أذن لك ودخلت فينبغي أن تتحين وقتاً مناسباً فنتكلم عليه، ثم بعد ذلك تجلس جلوساً مناسباً. الأمر الثالث: الحديث يكون أيضاً في أمر مناسب ينفع أن نتكلم عليه إن شاء الله، وبذلك تكون آداب الزيارة عشرة.
 الأدب الثالث: اختيار الكلام المناسب وعدم الخوض فيما يزعج ويضجر
الأمر الثالث: الذي ينبغي أن نحرص عليه في أدب الزيارة: أننا إذا حضرنا نتكلم بما ينفع، ولا داعي لإيذاء المزور وإضجاره بكلام يزعجه به، فإذا وجدنا خيراً تكلمنا فغنمنا وإلا سكتنا فسلمنا، والسكوت هذا من خلق الأبرار. إن كان يعجبك السكوت فإنهقد كان يعجب قبلك الأبرارولئن ندمت على سكوتك مرةفلتندمنّ على الكلام مراراإن السكوت سلامة ولربما زرع الكلام عداوة وضرارافإذا دخلت تكلم بعلم أو اسكت بحلم، ولا داعي للهذيان ولا للثرثرة. والمجالس التي تقام على المجادلة في هذا الوقت مجالس ضلال، لا ينتج عنها إلا أذىً ووبال، وقد ثبت في سنن الترمذي وابن ماجه بسند صحيح عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل )، ثم قرأ: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58]، الجدال لا داعي له، فأنت حضرت لتؤانس أخيك ولتؤنسه وتؤنس نفسك فلا داعي للوحشة ولا للجدال، وهذا الخلق صار فاشياً في هذا الوقت، بل وفاشياً من أوقات، جدال وقيل وقال، وأخذ ورد في المجالس، فيجتمعون لأجل التحابب على زعمهم، فتمتلئ القلوب من الضغائن. يذكر الإمام أبو سليمان الخطابي في كتابه العزلة عن الزجاج قال: كنا مع أستاذنا الإمام المبرد عليهم جميعاً رحمة الله، فجاءه رجل فقال: يا إمام! أسألك عن مسألة في النحو؟ فقال: لا، لا تسأل. يقول: فقال له: أخطأت. فقال: المبرد : وكيف أخطأت وأنا ما أجبتك لا بنعم ولا بلا، ما عرضت عليّ المسألة؟! يقول: فتعرض له أصحاب المبرد . أي: الزجاج ومن معه، تعرضوا لهذا الرجل وبدءوا يؤنبونه ويوبخونه ويلومونه كيف تقلل أدبك مع هذا الأستاذ؟ فقال: دعوه، هذا رجل يريد الخلاف، خرج من بيته ليسألني عن مسألة، فبأي شيء أجبته سيخالفني، فلما لم أجبه خرج ما في قلبه على لسانه. وهذا حال كثير من الناس، أي حكم تصدره سيقول لك: أخطأت. أوليس كذلك؟ وقال فلان. إذاً: إذا كان كذلك فلا نريد هذه المجالسات. زار مرّة بعض طلبة العلم والله لا يتقنون أحكام الطهارة، فضلاً عن غيرها، فجادل في بعض المسائل ثم قال لهم، وذاك يقنعهم بحكمة وروية وأدلة، قال له: تباً لك ولأمثالك فالطريق قد عرفناه. يا عبد الله! إذا عرفت الطريق من الذي دعاك لزيارة هذا ولمجادلته؟ هلا سلكته دون خصومة؟ إذا عرفت الطريق لم هذه الخصومة؟ لما هذه البذاءة؟ لما هذا الجفاء؟ ولذلك إذا حضرت مجلس علم فيجب عليك أن تحضره بنية الاستفادة والعبادة والتعلم، وهذا الأمر قرره الإمام ابن حزم عليه رحمة الله في كتاب له عظيم سماه: (تهذيب النفوس), والكتاب صغير الحجم في قرابة مائة وعشرين صفحة.إذا حضرت مجلس علم ومجلس عالم فليكن غرضك العبادة والاستفادة، لا أنك تريد أن تعثر على زلة لتشنع بها، ولا غريبة لتشيعها، لا، بل عبادة واستفادة، ثم ليكن حالك لا يخرج عن ثلاثة أحوال لا رابع لها، هذا إذا جئت للعبادة والاستفادة، إما أن تسكت سكوت الجاهل فلا تتكلم بكلمة، فتحصل أجر نيتك، وتوصف بالوقار وعدم الفضول، ويكون أدعى للمحبة بينك وبين شيخك، وإما أن تجلس جلوس المتعلم فتسأل عم تجهل، أما السؤال عما تعلم فهذا من الفضول، وهو نقص في العقل وقلة في الدين، وضياع للوقت دون فائدة، ولذلك في هذا الوقت يأتيك طالب علم سأل عن مسألة مائة شيخ، ويأتي بعد ذلك ليسألك لم؟ تعني أنه سأل فلان وفلان ويريد أن يجادل هذا وذاك. يا عبد الله! إذا سألت فلم تضيع الوقت بما لا ينفع؟ ما عندك سؤال قل: لا إله إلا الله، وانتهى، تكسب بها حسنات، ولا داعي أن تضيع الوقت فيما لا ينفع، إنما هذه الحال. فإذا سألت عما تجهل، أما السؤال عما تعلم، وعندك علم تريد فقط أن تستخدم وتستكشف وتجادل، هذا من الفضول، ونقص في العقل وقلة في الدين، وإما أن تقف موقف العالم فيجوز أن تتكلم، يقول: بشرط أن تنقض دليل من كلمك نقضاً بيناً، بحيث تذكر حجة لا كلاماً تدور حوله، وهذه الحجة يسلم بها الشيخ، أما أن تذكر له دليلاً لا يسلم به فرجع الأمر للمجادلة. إذا كنت عالماً وحضرت مجلس علم وزل الشيخ، فلك أن تنصحه إذا كان الدليل هو يسلم به وثابت ومقبول، أما أن تذكر له شيئاً هو لا يعتبره دليلاً، وأما أنت فتراه دليلاً، فهذا الأمر سيجر إلى جدال وينبغي تركه. إذاً: إذا حضرت فحذار أن تتكلم فيما يؤذي المزور، وحذاري أن تنقل للمزور ما يقال عنه من غيبة فيه وفي زوجته وفي أهل بيته وأولاده، وتقول: الناس يتكلمون عليك. لأنه لن ينتفع بهذا وبهذا مضرة عليك، وهذا فعل الأراذل، وهذا ليس فعل المحبين، أن تنقل إلى محبوبك كلام الناس عليه لا يفعل هذا إلا الرديء السفيه، فإذا صدر كلام نحو محبوبك تدفع عنه في الغيبة وترد، أما أن تأتي وتقول: قيل عنك كذا وكذا فهذا صنيعة الأنذال وليس صنيعة الرجال؛ لأنك ستوغر قلبه بلا مصلحة تحصل له من ذلك، فحذاري حذاري أن تنقل للمزور ما يقال عنه؛ لأن في ذلك غمٌّ له دون حصول منفعة، وهذا فعل الأراذل فينبغي للإنسان أن يتنزه عن هذا. قال رجل للحسن البصري : يا أبا سعيد! يحضر بعض الناس مجلسك لأجل أن يتتبعوا سقطاتك ولأجل أن يعنتوك في السؤال، فتبسم الحسن البصري عليه رحمة الله وقال: يا هذا! والله إني حدثت نفسي بالجنان وبمجاورة الرحمن فطمعت في ذلك، وما حدثتها بالسلامة من ألسنة بني الإنسان. أسلم من ألسنة الناس؟ هذه ما حدثت نفسي بها. قال: لعلمي أن الله خلقهم ولم يسلم منهم فمن أنا؟! أنا أحدث نفسي بالجنان ومجاورة الرحمن، فنفسي تعمل هذا وترجوه وتتعلق به، ولكني ما حدثت نفسي في يوم من الأيام بأن أسلم من كلام الغوغاء والسفهاء، فمن أنا إذا تكلم على رب الأرض والسماء، فالله يخلق ويعبد غيره، يرزق ويشكر غيره سبحانه وتعالى. فهذا الأمر ينبغي أن نعيه، إياك أن تحدث المزور بما يتكلم عليه، فإذا حدثته فأنت الذي آذيته وليس ذلك السفيه، فاتركه في راحة قلبية ومراقبة لرب البرية، ولا داعي لإيذائه بما هو فضول لا ينتج منه فضيلة. عباد الله! وفي الختام ينبغي أن نحرص على هذه الآداب التي فرطنا فيها في هذه الأيام، وينبغي أن نعلق قلوبنا لربنا جل وعلا، وأشير إلى ما ذكرته في المحاضرة السابقة وأن الإنسان ينبغي أن يمقت الناس في جنب الله، ثم ينبغي أن يمقت نفسه أيضاً أعظم من مقته لغيره، وينبغي أن يعول على ربه جل وعلا، ونسأل الله جل وعلا أن يجعل سرنا خيراً من علانيتنا، ونسأله أن يحسن ختامنا، وأن يجعل خير أيامنا يوم لقاه؛ إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , آداب الزيارة في الله [3] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net