اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مرض الشبهات [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مرض الشبهات [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
مرض الشبهات أخطر الأمراض التي تصيب القلب فتصده عن دين الله تعالى، وبسببه يسير الإنسان متبعاً هواه وأهواء المضلين، تاركاً شرع ربه وراء ظهره، ومن أخطر الشبهات على الإنسان شبهات البدع في الدين، إما بالزيادة فيه أو النقصان منه بقصد التقرب إلى الله تعالى بذلك، والبدعة معصية لكنها أحب إلى إبليس من المعاصي الأخرى؛ لأن صاحبها يتقرب بها إلى الله بزعمه على خلاف المعصية، ومنها ما هو كفر مخرج من الملة، ومنها دون ذلك.. بحسب مخالفتها وبعدها عن الدين.
المقصود بمرض الشبهات
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.النقطة الثانية هي مرض الشبهات يقصد بمرض الشبهات: أن يسير الإنسان على هواه دون السير على شرع ربه جل وعلا، وقد ذكرت أن في القلب قوتين: قوةٌ علميةٌ، وقوةٌ إرادية، إذا فسدت القوة العلمية وقع في الشبه، وإذا فسدت القوة الإرادية وقع في الشهوات، فصاحب الشبهات على هواه دون شرع مولاه، فلا يميز بين الحق والباطل، بل يميل إلى الباطل، وأبرز ما يوضح هذا أمران اثنان: النفاق، وهذا من أمراض الشبهات الخبيثة. والثاني: البدع، وهذا من الشبه الخبيثة، وقد مضى الكلام على النفاق في محاضرةٍ سابقة، وسأتكلم الآن على البدع المحدثة في هذه المحاضرة إن شاء الله. ‏
 علاقة مرض الشبهات بأول ذنب عصي الله به
مرض الشبهات هو أول مرضٍ وجد في ملك الله جل وعلا، أول معصيةٍ وقعت معصية إبليس، وهي عن طريق الشبهات عندما أمره ربنا جل وعلا أن يسجد لآدم: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12]، دخل من باب الشبهات للاعتراض على أوامر رب الأرض والسموات، وأن معدن النار أفضل من معدن الطين، فكيف يسجد إذاً لهذا المخلوق؟! فأول معصيةٍ وقعت في ملك الله وفي خلق الله عن طريق الشبهات، وهي معصية إبليس، وهي معصية الكبر التي تنشأ عن الاعتقاد الباطل، وهذا الكلام من إبليس كما قال أئمتنا عليهم رحمة الله: مردودٌ من جهاتٍ كثيرةٍ: أبرزها: أن هذا القياس فاسد الاعتبار لا ينظر في مضمونه؛ لأنه صادم النص، وإذا صادم القياس النص فهو فاسد الاعتبار، وإذا أعطى الإنسان رأياً يخالف به نصاً شرعياً من آياتٍ أو حديث فيسلك مسلك اللعين إبليس، ولذلك قال الشعبي وغيره: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، فهو قياسٌ فاسد.الأمر الثاني: مع أنه قياسٌ فاسدٌ، فهو قياسٌ باطلٌ أيضاً، فلا يسلم أن جوهر النار أفضل من جوهر الطين، فجوهر الطين أفضل من جوهر النار، وإذا أردت أن تعرف مقدار كلٍ من النار والطين فانظر لوصف كل واحدٍ منهما، أما الطين فمنه يخرج أقوات الآدميين، ومنه تكون الحدائق والبساتين، وتضع فيه بذرة فيعطيك شجرة، وأما النار فطبيعتها الطياشة والتفريق، وكيف يكون معدن الطين كمعدن النار!الأمر الثالث: سلمنا أن معدن النار أفضل من معدن الطين، فهل يقتضي هذا كون الفرع الذي خلق من النار أفضل من الفرع الذي خلق من الطين؟! لا ثم لا.إذا افتخرت بآباءٍ لهم نسبٌقلنا صدقت ولكن بئسما ولدوا فأنت وإن كنت من معدن النار، وهو أفضل من معدن الطين، فلا يلزم أن تكون أفضل من آدم الذي خلق من معدنٍ أقل من معدنك، والإنسان يتفاضل بكسبه لا بما ليس في وسعه، سواءٌ خلق من معدنٍ فاضلٍ أو من معدنٍ مفضول، والناس يتفاضلون عند الله جل وعلا بالعمل الصالح.ومن أخبار بني إسرائيل، وهو من الملح والطرائف: أن إبليس عليه لعنة الله أراد أن يتوب بعد أن غضب الله عليه ولعنه وطرده، وقال: يا رب! تب علي، ومرض الشبهات مستحكمٌ فيه لا يمكن أن يزول عنه، فقال الله: أتوب عليك، ولكن بشرطٍ واحد -وهو العليم بحاله، وأن لعنته ستصاحبه إلى يوم القيامة- قال: وما هو؟ قال: تذهب إلى قبر آدم فتسجد له، قال: يا رب! ما سجدت له حياً أأسجد له ميتاً؟! فمرض الشبهات لا يزول عنه بحال من الأحوال، أنت ينبغي أن تعظم الآمر، فإذا أمرك فقل سمعاً وطاعةً، وهذا هو الحق، ولكن من ابتلي بالشبهات فهذا هو حاله.
تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من مرض الشبهات
النقطة الثالثة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذرنا من هذا المرض، ويشدد علينا غاية التشديد، ففي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي ، وقال: حسنٌ صحيح، والحديث في سنن ابن ماجه ، ورواه الحاكم في المستدرك على شرط الشيخين، قال: لا أعرف له علة، وقد صحّ هذا الحديث والحمد لله، وأقره الذهبي على ذلك، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أنه قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! كأنها موعظة مودع -وأن الأجل قد اقترب، وسترحل عن هذه الدنيا- فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبدٌ حبشي -لولاة الأمور إذا كانوا يحكمون بشرع العزيز الغفور- فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ- وهي آخر الأضراس، وحذار من التفريط بها وتفليتها- عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، ألا وكل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة)، زاد النسائي وابن أبي عاصم في روايتهما: (وكل ضلالةٍ في النار)، فحذرنا النبي عليه الصلاة والسلام من مرض الشبهات، وأخبرنا أن البدع ضلالات، والضلالات مآلها إلى النار. وقد كان -فداه أبي وأمي- عليه صلوات الله وسلامه يحذر الصحابة من هذا في كل يوم جمعة عندما يقوم فيهم خطيباً في ذلك الاجتماع العظيم، يحذرهم من مرض الشبهات، ومن التلبس بالبدع المحدثات، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، يقول: صبحكم ومساكم، ثم يقول بعد ذلك: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم)، أو (وخير الهدى هدى محمد)، كل من الضبطين ضبط في كتب الحديث: (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة). وكان النبي عليه الصلاة والسلام يبين لنا الخط المستقيم ويخبرنا أن من انحرف عنه فهو في الجحيم، وعمله لا يقبل عند رب العالمين، ففي الصحيحين عن أمنا عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ)، وفي رواية للإمام مسلم عليه رحمة الله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ). وقد أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام: أن الإنسان لا يكون مؤمناً حتى يترك البدع والمحدثات ويكون هواه تبعاً لما جاء به، قال عنه النووي : إنه بإسنادٍ صحيح، ورواه أبو نعيم في أربعينه، وقد اشترط ألا يورد فيها إلا الأحاديث الصحيحة، ورواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، رأيه تبعاً لما جئت به، فليس عنده شبهةٌ يضاد بها ما أحل الله، وما شرع الله، وما أنزل الله، والحديث كما قلت: صحيحٌ صححه النووي ، وأقره عليه الإمام علي القاري عليه رحمة الله، وأقره عليه الشيخ المعلمي عليهم جميعاً رحمة الله تعالى.
 علاقة مرض الشبهات بأول ذنب عصي الله به
مرض الشبهات هو أول مرضٍ وجد في ملك الله جل وعلا، أول معصيةٍ وقعت معصية إبليس، وهي عن طريق الشبهات عندما أمره ربنا جل وعلا أن يسجد لآدم: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12]، دخل من باب الشبهات للاعتراض على أوامر رب الأرض والسموات، وأن معدن النار أفضل من معدن الطين، فكيف يسجد إذاً لهذا المخلوق؟! فأول معصيةٍ وقعت في ملك الله وفي خلق الله عن طريق الشبهات، وهي معصية إبليس، وهي معصية الكبر التي تنشأ عن الاعتقاد الباطل، وهذا الكلام من إبليس كما قال أئمتنا عليهم رحمة الله: مردودٌ من جهاتٍ كثيرةٍ: أبرزها: أن هذا القياس فاسد الاعتبار لا ينظر في مضمونه؛ لأنه صادم النص، وإذا صادم القياس النص فهو فاسد الاعتبار، وإذا أعطى الإنسان رأياً يخالف به نصاً شرعياً من آياتٍ أو حديث فيسلك مسلك اللعين إبليس، ولذلك قال الشعبي وغيره: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، فهو قياسٌ فاسد.الأمر الثاني: مع أنه قياسٌ فاسدٌ، فهو قياسٌ باطلٌ أيضاً، فلا يسلم أن جوهر النار أفضل من جوهر الطين، فجوهر الطين أفضل من جوهر النار، وإذا أردت أن تعرف مقدار كلٍ من النار والطين فانظر لوصف كل واحدٍ منهما، أما الطين فمنه يخرج أقوات الآدميين، ومنه تكون الحدائق والبساتين، وتضع فيه بذرة فيعطيك شجرة، وأما النار فطبيعتها الطياشة والتفريق، وكيف يكون معدن الطين كمعدن النار!الأمر الثالث: سلمنا أن معدن النار أفضل من معدن الطين، فهل يقتضي هذا كون الفرع الذي خلق من النار أفضل من الفرع الذي خلق من الطين؟! لا ثم لا.إذا افتخرت بآباءٍ لهم نسبٌقلنا صدقت ولكن بئسما ولدوا فأنت وإن كنت من معدن النار، وهو أفضل من معدن الطين، فلا يلزم أن تكون أفضل من آدم الذي خلق من معدنٍ أقل من معدنك، والإنسان يتفاضل بكسبه لا بما ليس في وسعه، سواءٌ خلق من معدنٍ فاضلٍ أو من معدنٍ مفضول، والناس يتفاضلون عند الله جل وعلا بالعمل الصالح.ومن أخبار بني إسرائيل، وهو من الملح والطرائف: أن إبليس عليه لعنة الله أراد أن يتوب بعد أن غضب الله عليه ولعنه وطرده، وقال: يا رب! تب علي، ومرض الشبهات مستحكمٌ فيه لا يمكن أن يزول عنه، فقال الله: أتوب عليك، ولكن بشرطٍ واحد -وهو العليم بحاله، وأن لعنته ستصاحبه إلى يوم القيامة- قال: وما هو؟ قال: تذهب إلى قبر آدم فتسجد له، قال: يا رب! ما سجدت له حياً أأسجد له ميتاً؟! فمرض الشبهات لا يزول عنه بحال من الأحوال، أنت ينبغي أن تعظم الآمر، فإذا أمرك فقل سمعاً وطاعةً، وهذا هو الحق، ولكن من ابتلي بالشبهات فهذا هو حاله.
تحذير السلف الصالح من مرض الشبهات وبيان خطره
لقد تتابع سلفنا في التحذير من البدع، وساروا على مسلك النبي صلى الله عليه وسلم، ففي كتاب شرح السنة للبغوي ، وكتاب الباعث لإنكار البدع والحوادث للإمام أبي شامة بالسند إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم). وفي صحيح البخاري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما أنه قال: يا معشر القراء! استقيموا فقد سبقتم سبقاً بعيداً، فإن أخذتم يميناً وشمالاً فقد ضللتم ضلالاً بعيداً. استقيموا فقد سبقتم، وضبطت (سُبقتم) بالبناء للمجهول وللمعلوم، أي: إن اتقيتم فقد سبقتم سبقاً بعيداً وحصلتم رضوان الله، استقيموا فقد سبقتم سبقاً بعيداً، أي: أن السلف الأول لم يتركوا لنا خيراً إلا دلونا عليه، فلا داعي للمحدثات والبدع، استقيموا فقد سَبقتم، فقد سُبقتم سبقاً بعيداً؛ فإن أخذتم يميناً وشمالاً فقد ضللتم ضلالاً بعيداً.
 علاقة مرض الشبهات بأول ذنب عصي الله به
مرض الشبهات هو أول مرضٍ وجد في ملك الله جل وعلا، أول معصيةٍ وقعت معصية إبليس، وهي عن طريق الشبهات عندما أمره ربنا جل وعلا أن يسجد لآدم: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12]، دخل من باب الشبهات للاعتراض على أوامر رب الأرض والسموات، وأن معدن النار أفضل من معدن الطين، فكيف يسجد إذاً لهذا المخلوق؟! فأول معصيةٍ وقعت في ملك الله وفي خلق الله عن طريق الشبهات، وهي معصية إبليس، وهي معصية الكبر التي تنشأ عن الاعتقاد الباطل، وهذا الكلام من إبليس كما قال أئمتنا عليهم رحمة الله: مردودٌ من جهاتٍ كثيرةٍ: أبرزها: أن هذا القياس فاسد الاعتبار لا ينظر في مضمونه؛ لأنه صادم النص، وإذا صادم القياس النص فهو فاسد الاعتبار، وإذا أعطى الإنسان رأياً يخالف به نصاً شرعياً من آياتٍ أو حديث فيسلك مسلك اللعين إبليس، ولذلك قال الشعبي وغيره: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، فهو قياسٌ فاسد.الأمر الثاني: مع أنه قياسٌ فاسدٌ، فهو قياسٌ باطلٌ أيضاً، فلا يسلم أن جوهر النار أفضل من جوهر الطين، فجوهر الطين أفضل من جوهر النار، وإذا أردت أن تعرف مقدار كلٍ من النار والطين فانظر لوصف كل واحدٍ منهما، أما الطين فمنه يخرج أقوات الآدميين، ومنه تكون الحدائق والبساتين، وتضع فيه بذرة فيعطيك شجرة، وأما النار فطبيعتها الطياشة والتفريق، وكيف يكون معدن الطين كمعدن النار!الأمر الثالث: سلمنا أن معدن النار أفضل من معدن الطين، فهل يقتضي هذا كون الفرع الذي خلق من النار أفضل من الفرع الذي خلق من الطين؟! لا ثم لا.إذا افتخرت بآباءٍ لهم نسبٌقلنا صدقت ولكن بئسما ولدوا فأنت وإن كنت من معدن النار، وهو أفضل من معدن الطين، فلا يلزم أن تكون أفضل من آدم الذي خلق من معدنٍ أقل من معدنك، والإنسان يتفاضل بكسبه لا بما ليس في وسعه، سواءٌ خلق من معدنٍ فاضلٍ أو من معدنٍ مفضول، والناس يتفاضلون عند الله جل وعلا بالعمل الصالح.ومن أخبار بني إسرائيل، وهو من الملح والطرائف: أن إبليس عليه لعنة الله أراد أن يتوب بعد أن غضب الله عليه ولعنه وطرده، وقال: يا رب! تب علي، ومرض الشبهات مستحكمٌ فيه لا يمكن أن يزول عنه، فقال الله: أتوب عليك، ولكن بشرطٍ واحد -وهو العليم بحاله، وأن لعنته ستصاحبه إلى يوم القيامة- قال: وما هو؟ قال: تذهب إلى قبر آدم فتسجد له، قال: يا رب! ما سجدت له حياً أأسجد له ميتاً؟! فمرض الشبهات لا يزول عنه بحال من الأحوال، أنت ينبغي أن تعظم الآمر، فإذا أمرك فقل سمعاً وطاعةً، وهذا هو الحق، ولكن من ابتلي بالشبهات فهذا هو حاله.
انتشار مرض الشبهات بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم
هذا الأمر الذي أوصانا به النبي عليه الصلاة والسلام، وتتابع عليه سلفنا الكرم، حصل بعد ذلك فيه ما حصل من الخلل، وكلما امتدت الحياة حصلت الزيادة في الخلل حتى يوم القيامة، فنسأل الله أن يلطف بحالنا، فتغيرت الأمور بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنها ستتغير كما الحديث السابق: ( فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ). ثبت في سنن الترمذي والحديث أيضاً في صحيح البخاري عن الزبير بن عدي رضي الله عنه قال: أتينا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه نشكو إليه ما نجد من الحجاج ، ولا زال العصر في القرن الأول، فقال أنس بن مالك رضي الله عنه: اصبروا، اصبروا، ( لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله، حتى تلقوا ربكم )، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم، فالأمور ستتغير، ويحصل فيها ما يحصل، وكلما امتد زمن ازداد التغير والحدث في دين الإسلام. وفي سنن الدارمي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر مما قبله، أما أني لست أقول: إن عاماً أخصب من عام، وأميراً خير من أمير، ولكن علماؤكم وخياركم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون عنهم خلفاً، ويأتي أناس يقيسون الأمور برأيهم، ويحدثون في دين الله جل وعلا ما ليس منه. لا أقول: كما هو حالنا، إنما كما هو حال العصور المتقدمة، وأما حالنا فسيأتينا عما قريب وصف موجز له إن شاء الله.وفي معجم الطبراني الكبير بسند رجاله جال الصحيح، عن عبد الله بن مسعود أيضاً أنه قال يوماً لامرأته: اليوم خير أم أمس؟ قالت: لا أدري، قال: لكني أدري، أمس خير من اليوم، واليوم خير من غد، وهكذا حتى تقوم الساعة.وكلما امتد الأجل أحدث الناس في دين الله جل وعلا ما ليس منه، ففي معجم الطبراني الكبير أيضاً بسند رجاله موثقون، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما أتى على الناس زمان إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة.
 استحكام مرض الشبهات وضياع السنن في زماننا
وأما حالنا إخوتي الكرام! فنسأل الله أن يلطف بحالنا، نحن الآن لسنا بين بدع وسنن، نفعل البدع ونترك السنن، لا والله، فمن يفعل فينا البدع ولا يتلبس بالردة فهو صديق صالح في أعرافنا، إذا كان يفعل البدع ويخوض بها فهو في عرفنا مسلم وصالح، ونحن الآن بين بدع وبين ردة، استماع الغناء على أنه من المباحات، هذا من البدع الخبيثة كما سيأتينا، وما أعلم كم عدد البيوت التي سلمت منه، ومع هذا إذا لم يصل به الحال للردة فهو على خير، لأن الأمر قد ازداد، وتطاول الناس بحيث إذا لم يسمع الإنسان الغناء رموه بما رموه به بأنه متحجر متعجرف متنطع لا زال في العصر الحجري! حال اللحية وما يتعلق بها، مضت القرون الثلاثة ولم يحصل أن واحداً من المسلمين حلق اللحية أو قصرها، وباتفاق فقهائنا يحرم حلق اللحية أو أخذ شيء منها إذا كانت دون القبضة، وما زاد عن القبضة ففيه خلاف، يضع يده في نهاية ذقنه وما زاد له أن يأخذه أم لا؟ أما إذا كانت اللحية دون هذا فالأخذ منها لا يجوز، ليت من يحلق لحيته أو يقصر يقول: أنا عاص وأنا فاسق؟ لكنه يقول: إن هذا مباح، وليس فيه غضاضة ولا حرج. يخوض في البدعة وهو من الدعاة إلى الله الكبار، ومع هذا فالأمر يسير، إذا لم يستهزئ بهذه الشعيرة ولم يرتد فالأمر يسير، فكم هم الذين يستهزئون بهذه الشعيرة لا أقول في بلاد الغرب بل في أبها! كمن يقول: إن اللحية كالمكنسة! كم هم! وكما يقول الزنادقة في بلاد المسلمين في كل مكان، وقد سألني هذا السؤال بعض الناس في هذا اليوم علم ربي الرحمن في الكلية، يقول: ما حكم من يقول: لو كان في الشعر خير ما نبت على ذنب العير! أي: الحمار، فهذه وساخة وقذارة، ينبغي أن ترفع من الوجه! وحين ذكرت هذا الكلام في بعض الفصول أخبرني بعض الصالحين أن بعض السفهاء يزيدون في الكلام، يقولون: لو كان في الشعر خير ما نبت على كذا، أي: على عضو الرجل! سبحان الله! نحن الآن لسنا بين سنة وبدعة، بل بين بدعة وردة، نسأل الله أن لا نكون من المرتدين. وأما البدعة فنغوص فيها من عصور طويلة، أما الآن فالناس يخرجون من دين الله أفواجاً، ونسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا، لا يتحركون ولا يسكنون إلا حسب الأعراف والعادات والتقاليد، فهذا أعظم طاغوت عودي به الرسل، وأخبث بدعة حدثت على وجه الأرض، ومع هذا إذا لم يستهزئ بشعائر الإسلام فلا زال الأمر فيه خيراً، إنما البلية عمت وطمت، وصار استهزاء بشعائر الإسلام، والذي يستهزئ بشعائر الإسلام هذا مرتد، فنحن الآن بين فعل بدعة وفعل ردة، وحصر المرتدون في بلاد المسلمين لا يحصون، ولا يوجد أبو بكر رضي الله عنه ليردع هؤلاء المرتدين ويعيدهم إلى حضيرة الدين، ردة ولا أبو بكر لها، فهذا حالنا الآن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أقسام البدعة وامثلتها

 تقديس القبور ودعاء الموتى
البدعة الأخرى من غير الأصناف الأربعة المتقدمة، وهي بدعة شركية أو فيها إزراء بالشريعة الإسلامية، وهي تقديس القبور، والاستغاثة بالموتى من دون العزيز الغفور، يعظم القبور، ويستغيث بها، وهذا عمّ في سائر بلدان المسلمين، عكفوا حول القبور، وعبدوها من دون العزيز الغفور، من العار الذي يندى له الجبين وجود هذه المقابر والمشاهد في بلاد المسلمين. ومن أعظم العار وأشنعه أن المشهد الحسيني في بلدة القاهرة وهي من أوسع وأعظم بلدان المسلمين، المشهد الحسيني الذي يطوف حول القبر فيه أكثر من الطواف حول الكعبة، ويقال: إنه قبر رجل نصراني! سبحان الله! تعبدون القبور حتى وصل بكم الحال إلى عبادة قبور النصارى! ولا أقول: إنه لو كان الحسين فيجوز عبادته، إنما زيادة ضلال، وباتفاق أئمة التاريخ أن ذلك المشهد الباطل بني سنة خمسين وخمسمائة للهجرة، أي: بعد مقتل الحسين بخمسمائة سنة، بنته الدولة الملحدة الفاطمية التي حكمت في بلاد المغرب ثم مصر، من سنة سبعين ومائتين إلى سنة سبع وستين وخمسمائة عندما قضي عليها في عهد الخليفة المرتضى على يد صلاح الدين الأيوبي ، وألف الإمام ابن الجوزي كتابه الشهير: النصر على مصر، وعادت بلاد مصر إلى حظيرة الإسلام بعد أن عاشت ثلاثة قرون في عهد الفاطميين، في دولة مرتدة عن الإسلام، والفاطميون بنوه في آخر عهدهم سنة خمسين وخمسمائة، أي: قبل زوال ملكهم بقرابة عشرين سنة، بنو المشهد الحسيني ليتقرب بزعمهم إلى آل البيت، كانوا يدعون هذا، وكان ظاهرهم الرفض، أي: الانتساب إلى أهل البيت، وحقيقتهم الكفر المحض، والله إن القبر الموجود هناك لا أقول: إن العامة تعظمه، فالعامة تبع للعلماء، إنما المشايخ الكبار الذين يعظمون ذلك الطاغوت، ففيه نصراني أقيم على مسجد في عهد الدولة الفاطمية الملحدة، ثم جاء المسلمون على مر العصور يتمسحون بذلك القبر، ويستغيثون به وينادونه، وأقول ما رأته عيناي وسمعته أذناي، يطوفون حول ذلك القبر ويقولون: يا سيدي الحسين ! زوج بنتي سمية، يا سيدي الحسين ارزقني ولداً، ومن هذا الكلام، سبحان الله! سبحان الله! والطاغوت الذي عنده يقول: اسعَ يا حاج، ثم بعد ذلك إذا أكثر الناس في الوقوف يقول: كفاية ما خلاص سمعكم الحسين ! سبحان الله! من يفعل هذا؟ إنهم الذين يقودون الأمة وهم مشايخ كبار، والموجود نصراني أقيم عليه ذلك المشهد سنة خمسين وخمسمائة، والله من فعل هذا إنه خارج من حظيرة الإسلام، هذه البدع التي عمت بلاد المسلمين وعكفوا عليها، وعكفوا عليها في كل حين، بدعة شركية الاستغاثة بغير رب العالمين، وتعظيم هذه القبور والطواف حولها، إنها بدعة ضالة، ومن العجيب الذي يفري الأكباد أنهم يزعمون أنهم بعملهم هذا يتقربون إلى الله جل وعلا! وأذكر أيام إقامتي هناك، وكم في بلاد مصر من صالحين! نسأل الله جل وعلا أن يزيد في عددهم، وأن يجعل فتح الإسلام وتفريج كروب المسلمين على أيديهم وأيدينا إنه على كل شيء قدير، وأرجو إذا كان بعض الإخوة يسمع كلامي أن لا يخطر بباله أنني أعرض بالصالحين بأهل تلك البلدة، لا ثم لا، فبلادنا واحدة، ومن دعا إلى وطنية فهو من جثو جهنم، وأنا على يقين بأن الصالحين هم أغير مني على التحذير، من البدع التي تجري هناك من أهل تلك البلاد، إنما أقول ما أقول من باب ما يجري في بلاد المسلمين، وما يجري هناك يجري مثله في بلاد الشام، من تعظيم القبور والعكوف حولها. عندما كنت في بلاد مصر قال لي بعض الإخوة من إخواننا من بلاد الشام: إن أكثر أهل مصر اعتقادهم طيب، ليسوا كبلاد الشام، قلت: وما هو؟ قال: يعظمون الأولياء غاية التعظيم، قلت: وما الذي لاح لك من تعظيمهم؟ قال: انظر ماذا يفعلون بقبر الحسين وغيره! قلت: هذا تعظيم الأولياء؟ عبادتهم من دون رب الأرض والسماء صار تعظيماً؟!وأذكر أنه قال لي.. وهو من حملة الشهادات العليا، عندما تعثرت معي الأمور الروتينية الإدارية في إدارة الأزهر، قال: إن أردت أن يفرج كربك فاذهب وطف واحداً وعشرين شوطاً، سبحان الله! ثلاثة أضعاف الطواف على الكعبة، وقل: من أمكم في حاجة فكم جبرومن تكونوا ناصريه ينتصرطف حول القبر، حول قبر النصراني، وادع بهذا، وإذا دعوت بهذا يفرج كربك وتقضى حاجتك، قلت: سبحان الله! وصل بك الانحطاط إلى هذا، وطمعت بي أن أكون مشركاً أيضاً لأجل عرض دنيوي، إلى هذا الأمر وصل بك الانحطاط؟! ثم قلت: يا رب! اللهم لا تشمت بي الأعداء، ولا يمكن أن تذل هذه اللحية وهذه الجبهة لغير رب الأرض والسماء، وجاء الفرج والله على كل شيء قدير. إنما هذه البدع انتشرت في سائر بلاد المسلمين، وأعرف في بلاد الشام من رأيته بعيني يستدبر القبلة ويستقبل القبر ثم يسجد له، ويظن أنه يتقرب بذلك إلى الله جل وعلا! بدع عمت الأرض، وهي بدع مكفرة، وهناك بدع قالها الناس باسم الدين، وفيها إزراء بشريعة رب العالمين، ومن دعا إلى شيء منها فهو من الملحدين، ومن المارقين من دين الله.
تحريف الدين
هذه البدع التي فيها إزراء بالشريعة الإسلامية، انتشر أصحابها في هذا الوقت تحت ستار علم النفس، والذي أحب أن يرسخ في أذهان المسلمين، وفي ذهن كل مسلم أن غاية علم النفس منذ أن نشأ إلى هذا الوقت وإلى الأوقات الآتية تسفيه الفضائل، وتبرير الجرائم، علم النفس غايته أنه يسفه الفضائل وأن يستهزئ بها، وأن يبرر الجرائم، وأن يظهر الرذيلة بمظهر مقبول للناس، هذا هو مظهر علم النفس الذي عكف عليه الناس وأقبلوا، وفتحت كليات في بلاد المسلمين تتحدث عن الفلسفة وعلم النفس، وإذا حمل الإنسان شهادة من ذلك المكان لا يتنزل لمخاطبة فرد من أفراد بني الإنسان، فهو صاحب فلسفة وعلم نفس، علم نفس أم علم عفن؟ إذا كانت النفس لا يعلم أحد حقيقتها: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، تبحثون في وهم إلى وهم بوهم، لا نتيجة له إلا الوهم. لنر ماذا يقرره علماء النفس في هذا الوقت تحت مسمى دراسات في علم النفس، أو دراسات فسيولوجية، يقول الضال المضل الدكتور عبد العزيز القوصي المستشار الفني في وزارة التربية في مصر في كتابه دراسات فسيولوجية، (دكتور) وهذه الدال التي حصلت في هذا الوقت هذا طاغوت جديد، ولو دق أصحابها دقاً بدل الدال التي يضعونها أمام الاسم، وهذا الشخص (دكتور) في الفلسفة وعلم النفس، مستشار فني، يقول في كتابه: إن الخلط بين الذكور والإناث في المدارس ضروري، والشريعة الإسلامية لا تمنع من هذا. وهذا هو البلاء، لو قال: إنه فسق لا مانع، يقول: وليست القبلة والغزل والتلميحات الجنسية شيء من العار، فليهدأ الطلاب بالاً، فليس كل ما يقال عن الجنس معيب، ثم يقول بعد ذلك: هذا الركام الذي في أذهان الناس بواسطة التربية القديمة، والآراء العفنة التي نسقوها، وأدخلوها في أذهان النشء باسم الإسلام. خلط بين الذكور والإناث، وقد خلطوا، ثم بعد ذلك قبلة وغزل وتلميحات، ليس في هذا حرج، فليهدأ الشباب بالاً. ثم يأتي بعد ذلك الشيطان الأزهري رفاعة الطهطاوي الذي أرسل مبعوثاً من الأزهر إلى باريس، فعاد وهو سعيد ليقرر بعد أن كان شيخاً صعيدياً يلبس جبة لو أردت أن أدخل في كمها لدخلت، عاد بعد ذلك في صورة في منتهى النكارة ليقول: إن الفصل بين الذكور والإناث في المدارس وغيرها هذا نوع من التخلف والدناسة، وهذا هو الذي يقال له: إنه رائد النهضة في بلاد مصر المتوفى سنة تسعين ومائتين وألف للهجرة، قبل مائة وخمس عشرة سنة.ثم يأتي بعد ذلك ضال مضل يقذف بالكفر في أرجاء الأرض في هذا الوقت، فوسائل الإعلام تتناقل كلامه هنا وهناك، وله شأن، ونسأل الله أن يلطف بحالنا، وهو مصطفى محمود ، يقول في كتابه القرآن محاولة لفهم عصري، أي: سنفهم القرآن على حسب العصر، لا على حسب ما فهمه النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة. هاتِ ما عندك من الجيف لنرى، القرآن محاولة لفهم عصري تفسير للقرآن، يا عبد الله! إذا كنت أنت لا تتقن قراءة الفاتحة ولا تتلمذت ولا تخرجت في مدارس شرعية لتعرف بها أحكام الوضوء والطهارة، ثم تريد أن تفسر القرآن تفسيراً عصرياً، ماذا يقول؟ يقول بالحرف الواحد عند تفسير آية النور: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30]، يقول: كان يمكن غض البصر عندما كانت العباءة والجلباب والبرقع، وأما الآن فالأفخاذ مكشوفة، والصدر المكشوف، والصدر العريان، والشعر المسترسل، فماذا يفعل الإنسان؟ يقول -اسمعوا-: وأقول: إذا نظر الإنسان للأفخاذ المكشوفة والصدر العريان والشعر المسترسل ليرى الجمال، فيقول: الله، فالنظر في هذه الحالة ليس مباحاً فقط، إنما هو قربة إلى الله يحصل به حسنات! إلى هذا الحد، قربة إلى الله! ووالله إن هذه بداية وبعد ذلك سيقولون: إن الزنا قربة إلى الله، فهي بدع باسم الإسلام، ينظر للأفخاذ المكشوفة ويقول: الله فله حسنات، سبحان الله! أين من يغار على حرمات الله؟ أين من يوقف هذا السفيه وأمثاله عند حده.روى الحاكم وصححه وأقره عليه الذهبي والطبراني في الكبير بسند رجاله رجال الصحيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن من أشراط الساعة أن ترفع الأشرار، وأن توضع الأخيار، وأن يفتح القول، وأن يخزن العمل، وأن يقرأ في القوم بالمثناة ليس فيهم من ينكرها أو يغيرها. قالوا: وما المثناة؟ قال: كتب غير كتاب الله )، فالمثناة كتب غير كتاب الله، كتب الفلسفة وعلم النفس، والقرآن محاولة لفهم عصري، (وأن يقرأ في القوم بالمثناة ليس فيهم من ينكرها أو يغيرها)، اللهم إنا أنكرناها فاشهد، ليس فيهم من ينكرها، اللهم إنا أنكرناها فلا يحل سخطك علينا يا رب العالمين. قال الإمام ابن منظور في اللسان: وكأن النبي عليه الصلاة والسلام اعتبر القرآن كتاباً أولاً، وما يحدث من الكتب كتاباً ثانياً فهي مثناة، وقال الجوهري في الصحاح: المثناة هي الغناء، أي: أن ينتصر الغناء والبلاء في الرعية ليس فيهم من ينكره أو يغيره. هذا فيما يتعلق ببدعة الاعتقاد المكفرة، ومن تلبس بشيء من ذلك فهو كافر، وسيختم له بما يسود وجهه عند ربه جل وعلا. وأما البدعة الثانية فهي المفسقة: وهي التي ليس فيها إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وما هو متواتر من دين الإسلام، فأردت أن أتكلم عليه، والكلام عليه أخشى أن يطول، لذلك أرى أن أقف عند هذا المقدار عند البدعة المفسقة، وإن يسر الله لنا اجتماعاً آخر تكلمت عليها، وتكلمت على مرض الشبهات، وأسأل الله حسن الخاتمة عند الممات. اللهم إنا نسألك ونتوجه إليك بعظمتك ورحمتك التي وسعت كل شيء أن تجعل حركاتنا وسكناتنا حسبما أنزلت وحسبما شرعت وحسبما جاء به نبيك صلى الله عليه وسلم، اللهم اجعل حبك وحب رسولك صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من كل شيء، أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا، وأحب إلينا من الماء البارد في اليوم القائض، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث فأصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم ارزقنا الشوق إلى لقائك، ولذة النظر إلى وجهك الكريم في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة يا رحيم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
 تقديس القبور ودعاء الموتى
البدعة الأخرى من غير الأصناف الأربعة المتقدمة، وهي بدعة شركية أو فيها إزراء بالشريعة الإسلامية، وهي تقديس القبور، والاستغاثة بالموتى من دون العزيز الغفور، يعظم القبور، ويستغيث بها، وهذا عمّ في سائر بلدان المسلمين، عكفوا حول القبور، وعبدوها من دون العزيز الغفور، من العار الذي يندى له الجبين وجود هذه المقابر والمشاهد في بلاد المسلمين. ومن أعظم العار وأشنعه أن المشهد الحسيني في بلدة القاهرة وهي من أوسع وأعظم بلدان المسلمين، المشهد الحسيني الذي يطوف حول القبر فيه أكثر من الطواف حول الكعبة، ويقال: إنه قبر رجل نصراني! سبحان الله! تعبدون القبور حتى وصل بكم الحال إلى عبادة قبور النصارى! ولا أقول: إنه لو كان الحسين فيجوز عبادته، إنما زيادة ضلال، وباتفاق أئمة التاريخ أن ذلك المشهد الباطل بني سنة خمسين وخمسمائة للهجرة، أي: بعد مقتل الحسين بخمسمائة سنة، بنته الدولة الملحدة الفاطمية التي حكمت في بلاد المغرب ثم مصر، من سنة سبعين ومائتين إلى سنة سبع وستين وخمسمائة عندما قضي عليها في عهد الخليفة المرتضى على يد صلاح الدين الأيوبي ، وألف الإمام ابن الجوزي كتابه الشهير: النصر على مصر، وعادت بلاد مصر إلى حظيرة الإسلام بعد أن عاشت ثلاثة قرون في عهد الفاطميين، في دولة مرتدة عن الإسلام، والفاطميون بنوه في آخر عهدهم سنة خمسين وخمسمائة، أي: قبل زوال ملكهم بقرابة عشرين سنة، بنو المشهد الحسيني ليتقرب بزعمهم إلى آل البيت، كانوا يدعون هذا، وكان ظاهرهم الرفض، أي: الانتساب إلى أهل البيت، وحقيقتهم الكفر المحض، والله إن القبر الموجود هناك لا أقول: إن العامة تعظمه، فالعامة تبع للعلماء، إنما المشايخ الكبار الذين يعظمون ذلك الطاغوت، ففيه نصراني أقيم على مسجد في عهد الدولة الفاطمية الملحدة، ثم جاء المسلمون على مر العصور يتمسحون بذلك القبر، ويستغيثون به وينادونه، وأقول ما رأته عيناي وسمعته أذناي، يطوفون حول ذلك القبر ويقولون: يا سيدي الحسين ! زوج بنتي سمية، يا سيدي الحسين ارزقني ولداً، ومن هذا الكلام، سبحان الله! سبحان الله! والطاغوت الذي عنده يقول: اسعَ يا حاج، ثم بعد ذلك إذا أكثر الناس في الوقوف يقول: كفاية ما خلاص سمعكم الحسين ! سبحان الله! من يفعل هذا؟ إنهم الذين يقودون الأمة وهم مشايخ كبار، والموجود نصراني أقيم عليه ذلك المشهد سنة خمسين وخمسمائة، والله من فعل هذا إنه خارج من حظيرة الإسلام، هذه البدع التي عمت بلاد المسلمين وعكفوا عليها، وعكفوا عليها في كل حين، بدعة شركية الاستغاثة بغير رب العالمين، وتعظيم هذه القبور والطواف حولها، إنها بدعة ضالة، ومن العجيب الذي يفري الأكباد أنهم يزعمون أنهم بعملهم هذا يتقربون إلى الله جل وعلا! وأذكر أيام إقامتي هناك، وكم في بلاد مصر من صالحين! نسأل الله جل وعلا أن يزيد في عددهم، وأن يجعل فتح الإسلام وتفريج كروب المسلمين على أيديهم وأيدينا إنه على كل شيء قدير، وأرجو إذا كان بعض الإخوة يسمع كلامي أن لا يخطر بباله أنني أعرض بالصالحين بأهل تلك البلدة، لا ثم لا، فبلادنا واحدة، ومن دعا إلى وطنية فهو من جثو جهنم، وأنا على يقين بأن الصالحين هم أغير مني على التحذير، من البدع التي تجري هناك من أهل تلك البلاد، إنما أقول ما أقول من باب ما يجري في بلاد المسلمين، وما يجري هناك يجري مثله في بلاد الشام، من تعظيم القبور والعكوف حولها. عندما كنت في بلاد مصر قال لي بعض الإخوة من إخواننا من بلاد الشام: إن أكثر أهل مصر اعتقادهم طيب، ليسوا كبلاد الشام، قلت: وما هو؟ قال: يعظمون الأولياء غاية التعظيم، قلت: وما الذي لاح لك من تعظيمهم؟ قال: انظر ماذا يفعلون بقبر الحسين وغيره! قلت: هذا تعظيم الأولياء؟ عبادتهم من دون رب الأرض والسماء صار تعظيماً؟!وأذكر أنه قال لي.. وهو من حملة الشهادات العليا، عندما تعثرت معي الأمور الروتينية الإدارية في إدارة الأزهر، قال: إن أردت أن يفرج كربك فاذهب وطف واحداً وعشرين شوطاً، سبحان الله! ثلاثة أضعاف الطواف على الكعبة، وقل: من أمكم في حاجة فكم جبرومن تكونوا ناصريه ينتصرطف حول القبر، حول قبر النصراني، وادع بهذا، وإذا دعوت بهذا يفرج كربك وتقضى حاجتك، قلت: سبحان الله! وصل بك الانحطاط إلى هذا، وطمعت بي أن أكون مشركاً أيضاً لأجل عرض دنيوي، إلى هذا الأمر وصل بك الانحطاط؟! ثم قلت: يا رب! اللهم لا تشمت بي الأعداء، ولا يمكن أن تذل هذه اللحية وهذه الجبهة لغير رب الأرض والسماء، وجاء الفرج والله على كل شيء قدير. إنما هذه البدع انتشرت في سائر بلاد المسلمين، وأعرف في بلاد الشام من رأيته بعيني يستدبر القبلة ويستقبل القبر ثم يسجد له، ويظن أنه يتقرب بذلك إلى الله جل وعلا! بدع عمت الأرض، وهي بدع مكفرة، وهناك بدع قالها الناس باسم الدين، وفيها إزراء بشريعة رب العالمين، ومن دعا إلى شيء منها فهو من الملحدين، ومن المارقين من دين الله.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مرض الشبهات [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net