اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حكم الغناء والموسيقى [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


حكم الغناء والموسيقى [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
الغناء هو نوع من أنواع الشعر، لكنه شعر محرم مذموم؛ فإن الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، والغناء هو من قبيح الشعر، وقد دلّ على تحريم الغناء أدلة كثيرة من كتاب الله تعالى، قال السلف والمفسرون: إنها أدلة صريحة في تحريم الغناء، ولم يبق بعد ذلك أدنى شبهة لمن يقول بحله وجوازه بعد كتاب الله تعالى.
الشعر المحرم وأنواعه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، سبحانك ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.وأما أنواع الشعر المحرمة المذمومة فهي خمسة أيضاً:وقد ذكرنا أن ضابط الشعر الجائز المباح ألا يكون فيه فحش ولا بذاءة ولا خنا ولا منكر، وعليه فالشعر المحرم ضابطه: ما كان في موضوعه بذاءة وفحش وقبح وخنا ودعوة إلى الفجور وإلى الأمور المرذولة، هذا الشعر الذي هذا موضوعه له خمسة أنواع، كل نوع له صيغة خاصة، إذا سمعها الإنسان يعلم أن هذا الشعر من أحد الأنواع الخمسة:
 ورود النهي والتحذير من الشعر المذموم
وقد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من الشعر المذموم المحرم، فينبغي أن ينصرف التحذير إلى هذا النوع، فقد أخبرنا أنه إذا امتلأ جوف أحدنا قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً وصديداً حتى يرِيه، خير له من أن يمتلئ شعراً)، حتى يريه من الوَرْي، أي: حتى يصيبه بداء الوري، وهو داء يعتري الإنسان في جوفه، فلأن يمتلئ جوف أحدنا قيحاً وصديداً، حتى يصاب بداء في جوفه، خير له من أن يمتلئ شعراً، أي: الشعر المحرم من غناء وغيره.وهذا الحديث متواتر عن نبينا صلى الله عليه وسلم، رُوي عما يزيد عن أحد عشر صحابياً رضي الله عنهم.وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا قال بيتاً من الشعر المنكر المذموم بعد صلاة العشاء، لا يقبل الله منه صلاة تلك الليلة، كما روى هذا الإمام أحمد في مسنده، والبزار في مسنده، والطبراني في معجمه الكبير، عن شداد بن أوس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرض بيتاً من الشعر بعد صلاة العشاء الآخرة، لم تُقبل له صلاة تلك الليلة)، أي: من الشعر المحرم من شعر النوح والهجاء والمدح والشرك والغناء، فإذا استمعت أغنية بعد صلاة العشاء لن يقبل الله منك صلاة تلك الليلة, هذا إذا تيسر لك القيام، (إن اللئيم عن المكارم يُشغل). فلما حاربنا الله في أول الليل كره انبعاثنا في آخر الليل، فثبطنا وقال: اقعدوا مع القاعدين، ناموا مع النائمين. والحديث زعم ابن الجوزي أنه موضوع، وكلامه ممنوع، والحديث فيه قزعة بن سويد وغاية ما قيل فيه إنه ضعيف، وقد اختلف كلام الحافظ في هذا الرجل، فحكم عليه في التقريب بأنه ضعيف، وحكم عليه في القول المسدد في الذب عن المسند أن حاصل كلام الأئمة في هذا الرجل: أن حديثه في درجة الحسن، والإمام الذهبي أورده في الكاشف، فقال: مختلف فيه، والحديث ذكره الإمام ابن أبي حاتم في كتاب العلل، وقال: سألت أبي عن حديث شداد بن أوس عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من قرض بيتاً من الشعر بعد صلاة العشاء الآخرة، لم تقبل له صلاة تلك الليلة)، فقال أبي -أي أبو حاتم -: هذا من كلام عبد الله بن عمرو ، أي موقوف عليه، وليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رُوي -كما قلت- مرفوعاً، وليس فيه غرابة، وما تقدم يشهد له، فإذا قال الإنسان بيتاً من الشعر بعد صلاة العشاء الآخرة من الشعر المحرم لم تقبل له صلاة تلك الليلة.إخوتي الكرام! ولأجل كون الشعر يستعمل أكثر ما يستعمل في النوع الثاني المحرم, نص أئمتنا على أنه لا يُكتب في بداية دواوين الشعر (بسم الله الرحمن الرحيم)، بعد أن اتفقوا على أن البسملة تُكتب في بداية كل كتاب، لكن في دواوين الشعر لا تُكتب، لما في الشعر من مجازفات ومبالغات وكذب وتخرصات. قال الإمام الشعبي : أجمعوا أنه لا تُكتب البسملة في دواوين الشعر. وقال الإمام الزهري : مضت السنة ألا تكتب البسملة أمام الشعر.لكنني أقول: هذا لعله محمول على الشعر المحرم المذموم، وقد ذهب سعيد بن جبير إلى جواز كتابة البسملة أمام الشعر الجائز، قال الإمام الخطيب البغدادي : وهو الذي نختاره ونستحبه. أقول: وإذا كان الشعر كالكلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح، وثبت هذا عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وقال هذا الإمام الشافعي وغيره، فينبغي أن نعطي للشعر حكم الكلام الآخر، فإذا كان موضوع الشعر مباحاً فلا مانع من كتابة البسملة في بدايته، وإذا كان موضوعه مذموماً قبيحاً فيحرم أن نكتب بسم الله الرحمن الرحيم في بدايته؛ لأن هذا فيه استهانة باسم الله سبحانه وتعالى.
الأدلة من القرآن الكريم على تحريم الغناء
إخوتي الكرام! هذا هو الشعر، والغناء نوع من الشعر فهو من النوع الثاني الشعر المحرم. هذا الشعر المحرم ما الدليل على تحريمه من كتاب ربنا؟إخوتي الكرام! الآيات كثيرة، وهذا الموضوع لو أردنا أن نتكلم على عيون مسائله على وجه الإحاطة، فلن تكفي عدد من المحاضرات للكلام على هذا الموضوع، لذلك لن أستعرض سائر الأدلة التي تدل على تحريم الغناء، إنما سآخذ من كتاب الله ثلاث آيات فقط تحرم الغناء، وأبيِّن وجه تحريمها، وسوف نأخذ حديثين فقط من السنة تدل على التحريم، لئلا يحصل بنا توسع كبير في هذا الموضوع والوقت لا يسع لهذا، لذلك سأقتصر على سرد ثلاث آيات تدل على تحريم الغناء:
 أقوال السلف في المراد بقوله: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك)
ثبت عن مجاهد أنه قال: صوت الشيطان الغناء والمزامير. وسيأتينا -إخوتي الكرام- كلام النبي عليه الصلاة والسلام بأن الغناء هو قرآن الشيطان، أي: اذهب واستنهض الناس وادعهم إليك بالغناء فهو قرآنك. فالقرآن هو كلام الله، وأنت عندك قرآن وهو الغناء والمزامير.وقال الحسن : هو الدف. أي إذا لم يكن مرخصاً فيه في العرس.وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كل داع إلى معصية الله. قال الإمام ابن القيم : والغناء من أعظم الدواعي إلى معصية الله.إذاً: قوله: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ [الإسراء:64] أي: استنهض من استطعت منهم لطاعتك بقرآنك، (وأجلب عليهم) أي: صُحْ ونادِ عليهم، مأخوذ من الجلبة بالسوق، وهي الضجيج والصياح، صح فيهم بما تستطيع بخيلك ورجلك، بكل راكب وماشٍ في معصية الله، قرأ حفص عن عاصم (ورَجِلِك)، وقرأ شعبة عن عاصم ومعه سائر التسعة: (بخيلك ورجْلِك) والرجْل: جمع راجل، كالصحب جمع صاحب، وقراءة حفص بمعنى قراءة الجمهور؛ لأن الرجِل لغة في الرجْل، وه جمع راجل، وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [الإسراء:64-65].فكل من استمع إلى الغناء فليعلم أنه قد استحوذ عليه الشيطان، وليس له من الله الحفظ والرعاية.ثم قال تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الإسراء:65]، فصوتك لا يؤثر فيهم، فهم يعرضون عنه ويحتقرونه، وجيوشك التي ترسلها وتحرض الناس على معاصي الله من مشاة وراكبين لا يأبهون بهم ويقارعونهم، فمن عادى الغناء وأولياء الشيطان فهو من أولياء الرحمن، ومن استمع إلى الغناء فهو من حزب الشيطان، وقد دعاه الشيطان فقال له: لبيك. قال الإمام القرطبي في تفسيره: في الآية دليل على تحريم المزامير والغناء واللهو -مثل كلام القرطبي بالحرف- فما كان من صوت الشيطان أو فعله أو ما يستحسنه فواجب التنزه عنه. لأن الغناء والمزامير إذا كانت من صوت الشيطان، ودعاء الشيطان، فيجب أن تتنزه عنه، ثم أيَّد الإمام ما استنبطه من الآية بحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم. والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، وهو في درجة الحسن، عن نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين، قال: (كنت أسير مع ابن عمر رضي الله عنهما فسمع صوت راع يزمر بزَمارة، وكنت صغيراً، -أي: نافع - فوضع ابن عمر أُصبعه في أذنيه، وقال: يا نافع ! أتسمع؟ فقلت: نعم، ثم سار، فقال: أتسمع؟ فقلت: نعم، ثم سار فقال: أتسمع؟ فقلت: لا، فأخرج أصبعيه من أذنيه، ثم قال له: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع صوت يراع، -آلة يزمر ويُغنى بها- ففعل مثل ما فعلت)، وضع النبي صلى الله عليه وسلم أصبعيه في أذنيه، فهذا دليل على أن الغناء محرم. قال القرطبي عليه رحمة الله: قال علماؤنا: وهذا في غناء ذلك الزمان، أي: في الزمن الأول، عندما كان لا يخرج عن حد الاعتدال، أي: غناء ليس فيه فحش وتشبيب وبذاءة وسفاهة، ما فيه (أنا عاشق يا بنات النيل)، هذا لا يوجد، ومع ذلك وضع ابن عمر أصبعه في أذنيه والنبي عليه الصلاة والسلام وضع أصبعه في أذنيه، هذا كان في غناء زمانهم وليس فيه هذا الفحش، فكيف بغناء زماننا! والقرطبي كان في القرن السادس للهجرة عليه رحمة الله، لقد مضى على زمنك ثمانية قرون، فكيف لو رأيت زماننا، والله لاستحيت من المشي في شوارعنا وفي أسواقنا، لو رأيت زماننا، إذا كنت تقول في القرن السادس: قال علماؤنا: فكيف بغناء زماننا! وأنا أقول: فكيف بغناء زماننا! ونسأل الله أن يلطف بأحوالنا.عباد الله! هذه آيات ثلاثة من آيات كثيرة اقتصرت عليها تدل على تحريم الغناء. وبهذا نكتف في هذه الوعظة، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حكم الغناء والموسيقى [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net