اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حكم الغناء والموسيقى [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


حكم الغناء والموسيقى [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
الغناء مفسدة كبيرة تجر إلى مفاسد كثيرة، فهو سبب السفور والتبرج والانحلال، وذهاب الحياء، وانتشار الفاحشة؛ بل إنه رقية الزنا، وما انتشر بين قوم إلا ابتلوا بالفتن وكثرة المعاصي والموبقات، وهو ينبت النفاق في القلب، ويجعله بعيداً عن الله تعالى، قريباً من الشيطان الرجيم؛ لأنه صوته وقرآنه، لذلك كان لابد من التحذير منه، وبيان خطره للناس على دينهم ودنياهم.
أسباب الكلام عن موضوع حكم الغناء والموسيقى
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، سبحانك ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.إخوتي الكرام! إن الموعظة التي سنتدارسها في هذه الليلة تدور حول مسألة عظيمة، هدتنا شريعتنا القويمة فيها إلى الطريقة المحكمة المستقيمة، وقد أعرض الناس عن توجيه الشرع المطهر وهديه في هذه المسألة منذ أزمنة قديمة، فكيف بالناس في هذه العصور الوخيمة، لذلك أحببت أن نتذاكر هذه المسألة لنحيي تلك السنة القديمة، ونسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهل القلوب الأمينة، والألسن الصادقة السليمة، إنه أرحم الراحمين.إخوتي الكرام! الموعظة تدور حول مسألة عظيمة كما قلت وهي: حكم الغناء في شريعة الله الغراء، وهذا السؤال قد وُجه إلى طلبة العلم كثيراً وكثيراً، فلابد من إعطاء الجواب الكافي عليه، وموضوعنا سيدور حول هذه المسألة، فأذكر في أول الأمر الأسباب التي دعتني للكلام على هذه المسألة، ثم سأفصل الكلام على المسألة ضمن خمسة أمور. الأمر الأول: حول تعريف الغناء وبيان ماهيته.الأمر الثاني: استعراض آيات القرآن الكريم التي تحدثت عن الغناء وبينت حكمه. الأمر الثالث: استعراض بعض أحاديث نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه، التي تحدثت عن هذه المسألة وبينت حكمها.والأمر الرابع: يدور حول بيان أئمة ديننا وفقهاء شريعتنا، في بيان حكم الله في هذه المسألة، على ضوء ما تقدم من نصوص الكتاب والسنة.والأمر الخامس: وهو آخر الأمور يدور حول المفاسد التي من أجلها حرم علينا ربنا الغناء.إخوتي الكرام! أما سبب اختيار الكلام على هذا الموضوع في هذه الموعظة سيدور على ثلاثة أمور: ‏
 انتشار الغناء بين أوساط المسلمين
الأمر الثالث الذي دعاني لاختيار هذا الموضوع ومدارسته في هذا الوقت: أن هذه البلية مع شناعتها وبشاعتها وقبحها ودناءتها، أقبل عليها الكافة إلا ما رحم ربك، وقد فشت آلات الملاهي والبلاء في بيوت الخاصة، وبدأ بعض الغواة ممن يعد نفسه من الدعاة يتبجح بأن الغناء حلال، وأنه عندما يسمع صوت المطربة الخبيثة: (خذني لحناك خذني) يعتريه من الخشوع والوجل ما لا يعتريه عند سماع القرآن، هذا يقوله بعض الخاصة في هذا الوقت، يقولون: الغناء هو غذاء الروح، وهو بهجة النفس، وهو نور القلب، يقوله من يُعتبرون في صفوف الدعاة، لكنهم على الإسلام بغاة -سبحان ربي العظيم!- بدأت القلوب الخبيثة يعتريها خشوع عند سماع الغناء.رضي الله عن عثمان بن عفان عندما يقول: والله لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا. لكنها قلوب نجسة تريد ما يناسبها من غناء وبلاء.إخوتي الكرام! والأمة مع ما أصابها فيها خير، وأمة نبينا صلى الله عليه وسلم معدنها ذهب، مهما تراكم عليها من غبار وأوضار، إذا جليت هذا الغبار يتلألأ المعدن بهجة ونوراً وصفاء وإشراقاً.وهذا الأمر كنت ذكَّرت به أخواتي الطالبات من ثلاث سنوات، عندما كنت أدرسهن توحيد رب الأرض والسموات، وأغرس في قلوبهن الفضيلة، وأغار عليهن كما أغار على بناتي وزوجي، وقد حصل منهن من الاستجابة ما حصل والحمد لله، وعدد من الطالبات يكتبن لي بأنهن كن يسمعن ويسمعن، وقطعن الأشرطة وصالحن الله جل وعلا.وبلغ الحال ببعض الطالبات في هذه البلدة المباركة، أنها عندما أراد والدها أن يزوجها توقفت، فلما سألها عن السبب قالت: أقبل الزواج بشرط أن يكتب في العقد أنه لا يدخل لبيت الزوجية شيء من آلات الملاهي! هذا حال الأمة الإسلامية، ويخبرني عن هذا -علم الله- والد المرأة، وأخبر بهذا وكيل كلية الشريعة أمامي، وحدثنا بهذا الأمر كيف زوج ابنته، يقول: فبيَّنا للزوج هذا وكان مبتلى بما ابتُلي به كثير من الناس، فقال: هذا أمر يسير، وعسى الله أن يجعل هدايتي على يد زوجي، يقول: فغاب قليلاً فكسر ما عنده من أجهزة الملاهي ثم أحضر شريطاً من أشرطة الفيديو، وقال: يشهد الله ما بقي في بيتي إلا هذا الشريط، فلتقطعه خطيبتي ولتوافق على زواجي.هذا حال الأمة الإسلامية، إذا وُجد من يبصرها ففيها خير كثير، وإذا كانت هذه هي همة النساء يشترطن ألا يدخل لبيوت الزوجية شيء من البلاء، فاتقوا الله يا معشر القوامين على النساء، اتقوا الله في زوجاتكم وفي بناتكم، اتقوا الله، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.إخوتي الكرام! وتحدُثاً بنعمة الرحيم الرحمن، نشأت في بيت لا يعرف شيئاً من مزامير الشيطان، ومن آلات الملاهي، وقد توفي والدي نوَّر الله مرقده وفي غرف الجنان أرقده، وجزاه الله عني وعن المسلمين خيراً، وغفر له ولجميع موتى المسلمين، وقد زاد على تسعين سنة، ووالله ما مسك بيده جهاز المذياع، ولا يعرف كيف يستعمله، وهذا من فضل الله علينا وعليه، ونسأل الله أن يحفظنا مما انتشر في بيوت الناس، ومن سلم من هذه البلية فليحمد الله، ومن ابتُلي بها فليتدارك أمره ورحمة الله واسعة.وأحدثكم قبل أن أتكلم عن الأمور الخمسة التي تبحث في موضوع الغناء عن رجل صالح سمع موعظة فيما يتعلق بالمزامير وغيرها، فأراد الرجل أن يتوب إلى العزيز الغفور سبحانه وتعالى، لكنه نشَّأ أسرته على الفساد، ولم يطاوعوه بسهولة، والرجل كان جزاراً، وأعرفه معرفة شخصية، فترك جزارته وقعد في بيته يبكي، فاجتمع عليه زوجه وبناته: مالك يا فلان؟ ندعو لك الطبيب؟ قال: لا، فيكم علتي وفيكم دوائي. قالوا: سبحان الله! نحن سبب علتك ومرضك؟ قال: نعم، وكيف نداويك، قال: اعلموا أننا نسير في طريق يوصلنا إلى جهنم، والدنيا منتهية مهما طالت، وأنا أغضبت الله في بيتي، وأسسته على حرب الله على قرآن الشيطان، وأسستكم بهذه الآلات والبليات التي عمت في كل حجرة، وقد ألقى الله في قلبي الهداية، وأنا إليه تائب، ومن هذه الأعمال بريء، فإن كنتم توافقونني على مسلكي فأنا كالجمل صحة وقوة ونشاطاً، وإلا فوالله لن أزال أبكي حتى تأتي منيتي، ويحكم الله بيني وبينكم وهو خير الحاكمين، قالوا: سبحان الله! إلى هذا الحد لعله بك جنون، أصابك مس، عندك نوع من الهيستيريا، خفِف على نفسك، الناس كلهم هكذا، قال: هذا الحل، هذه المزامير تُرفع، أنا طبيعي، والأمور بيننا كما كانت، ونلتزم بشرع الله، ونسير على هدى من الله، أما أن تظلوا عاكفين عليها فوالله لا ينقطع دمعي حتى أدخل قبري. ولما رأوا منه الجِد، قالوا: أرواحنا فداؤك، وكسروا تلك الآلات وأنابوا إلى رب الأرض والسموات، فعاش الرجل بعد ذلك شهراً ثم لقي ربه، أعرفه معرفة حقيقية -علم الله-، وأسأل الله أن يختم لنا بخير، إنه أرحم الراحمين.
الشعر المباح وأنواعه
الأمر الأول من المباحث الخمسة في تعريف ماهية الغناء، في تعريف حقيقة الغناء ما هو الغناء، الذي حرمه علينا رب الأرض والسماء؟ هذه المسألة ضرورية جداً لابد من وعيها لبيان حكم الله فيها؛ لأن أكثر الناس يهرفون بما لا يعلمون في هذه المسألة، ويستدلون بما نُقل عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وعن صحابته الكرام من أشعار ظنوا أنها من قبيل الغناء، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يسمع الغناء وأباح سماعه، فلابد من تحديد الغناء ما هو ليتميز لنا الغناء من غيره.إخوتي الكرام! الغناء نوع من الشعر، والشعر حده في كتب اللغة: كلام موزون مقفى. كلام موزون له أوزان عروضية معروفة، مقفى له قافية ينتهي بها، هذا هو الشعر، وهو ينقسم إلى قسمين لا ثالث لهما: قسم مباح وقسم حرام.أما النوع المباح: وهو الشعر المباح، فهو ما خلا موضوعه عن فُحش ومنكر وبذاءة وخنا، ولم يُحرك الشهوات الكامنة، والغرائز الموجودة في الصنفين، من تطلع الرجال إلى النساء، أو النساء إلى الرجال، ولم يكن هذا الكلام المباح، والذي موضوعه ليس فيه فحش ولا بذاءة، لم يكن من رجل في حق امرأة، ولا من امرأة في حق رجل، ولا من أمرد في حق الصنفين، هذا هو المباح، كلام موزون مقفى ليس في موضوعه شيء من النكارة والقبح والفساد، ما قاله رجل لنساء، ولا قالته امرأة لرجال، ولا قاله أمرد لرجال أو لنساء؛ لأنه لا يجوز للرجل أن ينشد الشعر المباح أمام النساء لئلا يترتب على ذلك البلاء، ولا يجوز للمرأة أن تنشد شيئاً من الأشعار المباحة أمام الرجال، لئلا يحصل أيضاً فساد وإفساد، ولا يجوز للأمرد أن ينشد شيئاً من الشعر أمام أحد الصنفين؛ لأن الأمرد يُعطى حكم المرأة مع الرجال، ويُعطى حكم الرجال مع النساء، فهو إذا اتصل بالنساء كأنه رجل، وإذا اتصل بالرجال كأنه امرأة، فالأمرد ينبغي ألا يقول هذا الشعر المباح الذي ليس فيه فحش ولا خنا، لئلا يحصل بذلك التذاذ بهذا الصوت الذي يقوله، فتتطلع النفوس بعد ذلك إلى المفاسد والرذائل.
 أشعار الجهاد في سبيل الله
آخر الأقسام الخمسة وهو من أنواع الشعر المباح: أشعار الجهاد والغزاة الذين يجاهدون، فيقولون أشعاراً ليقووا أنفسهم على لقاء عدوهم، ويرفهوا أنفسهم بهذه الأشعار التي يقولونها، فلا حرج في ذلك أيضاً.ثبت في سنن الترمذي والنسائي بسند صحيح، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل في عمرة القضاء في العام السابع للهجرة عليه صلوات الله وسلامه، بعد صلح الحديبية الذي كان في العام السادس، كان عبد الله بن رواحة يمشي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وينشد:خلوا بني الكفار عن سبيلهاليوم نضربكم على تنزيلهضرباً يزيل الهام عن مقيلهويذهل الخليل عن خليلهفقال عمر بن الخطاب : يا ابن رواحة ! في حرم الله، وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول الشعر؟! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: دعه يا ابن الخطاب ! والله إن هذا أسرع فيهم من نضح النبل)، أي: أعظم من النبال التي تقع في صدورهم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حكم الغناء والموسيقى [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net