اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , البكاء من خشية الله [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


البكاء من خشية الله [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
لقد كان من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم البكاء من خشية الله سواء في صلاته أو تلاوته للقرآن أو عند سماع تلاوة غيره، ولهذا فقد حرض أمته على هذه العبادة العظيمة، والتي تميز بها عباد الله المخلصين من النبيين والصديقين والصالحين.
حال النبي صلى الله عليه وسلم مع البكاء من خشية الله
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عميا، وأذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد: معشر الإخوة الكرام! فما زلنا في الحديث عن البكاء من خشية الله.الأمر الثالث إخوتي الكرام في هذا الموضوع هو: حال نبينا عليه الصلاة والسلام نحو البكاء من خشية الرحمن، فينبغي أن يكون لنا به أسوة حسنة: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].
 حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع البكاء من خشية الله
وقد اشتد حزن أبينا آدم -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه- بعد أن أخرج من الدنيا؛ لأنه عاين بعينه ما عاين، ووالله! لو مات أسفاً وحسرة لما كان ذلك كثيراً.ولذلك روي في معجم الطبراني الأوسط، والحلية، وتاريخ دمشق لـابن عساكر عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لو كان يعدل بكاء داود وبكاء أهل الأرض ببكاء آدم لما عدله ).والأثر قال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله ثقات. ولكن في الإسناد أحمد بن بشر الهمداني وهو مجهول، والأثر رجح الإمام السيوطي في كتابه جمع الجوامع نقلاً عن ابن عدي وغيره من المحدثين أنه موقوف على سليمان بن بريدة ، وليس هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والعلم عند الله، فإذا كان هذا الكلام هو من كلام العبد الصالح سليمان بن بريدة التابعي، يقول: لو أن بكاء داود ، وبكاء أهل الأرض يعدل ببكاء آدم لما عدله، هذا حزن الأنبياء وبكاؤهم عليهم صلوات الله وسلامه.
تحريض النبي عليه الصلاة والسلام لأمته على البكاء من خشية الله
إخوتي الكرام! لقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يحرضنا على البكاء من خشية الرحمن، ويحثنا على ذلك، ففي مسند الإمام أحمد ، وسنن الترمذي ، وابن ماجه ، والمستدرك بسند صحيح على شرط الشيخين عن أبي ذر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها أربع أصابع إلا وفيها ملك واضع جبهته ساجداً لله، والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون ) تصيحون وتبكون وتصرخون ( ولوددت أني كنت شجرة تعضد )، وهنا من كلام نبينا عليه الصلاة والسلام حسبما رجحه الإمام أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي، وهذا هو الوارد في الروايات المتقدمة باستثناء رواية الإمام أحمد ، فذكر أن هذا الكلام: ( ولوددت أني كنت شجرة تعضد ) من كلام أبي ذر رضي الله عنه، ولعل الجملة صدرت من نبينا عليه صلوات الله وسلامه ومن أبي ذر : (ولوددت أني كنت شجرة تعضد)، ليخبرنا عن عظيم خوفه وإشفاقه من ربه عليه صلوات الله وسلامه.( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ) وهذه الجملة متواترة عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه، ثبتت في الصحيحين من حديث أمنا عائشة ، وثبتت في الصحيحين من حديث أنس ، وثبتت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ، وثبتت في المستدرك من حديث أبي الدرداء ، وثبتت في معجم الطبراني الكبير والأوسط من حديث ابن مسعود ، وثبتت فيهما أيضاً من حديث عبد الله بن أم مكتوم ، وثبتت في معجم الطبراني والبزار من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً).وكان عليه صلوات الله وسلامه يحثنا على البكاء من خشية الله، ويخبرنا عن عظيم الأجر الذي نحصله من جراء ذلك، فقد ثبت في سنن الترمذي وغيره بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( عينان لا تمسهما النار: عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله ).وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي والمستدرك بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يلج النار أحدٌ بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ).وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه قال: ( قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك ).وورد في معجم الطبراني الأوسط والصغير بسند حسن عن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته ).
 حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع البكاء من خشية الله
وقد اشتد حزن أبينا آدم -على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه- بعد أن أخرج من الدنيا؛ لأنه عاين بعينه ما عاين، ووالله! لو مات أسفاً وحسرة لما كان ذلك كثيراً.ولذلك روي في معجم الطبراني الأوسط، والحلية، وتاريخ دمشق لـابن عساكر عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لو كان يعدل بكاء داود وبكاء أهل الأرض ببكاء آدم لما عدله ).والأثر قال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله ثقات. ولكن في الإسناد أحمد بن بشر الهمداني وهو مجهول، والأثر رجح الإمام السيوطي في كتابه جمع الجوامع نقلاً عن ابن عدي وغيره من المحدثين أنه موقوف على سليمان بن بريدة ، وليس هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والعلم عند الله، فإذا كان هذا الكلام هو من كلام العبد الصالح سليمان بن بريدة التابعي، يقول: لو أن بكاء داود ، وبكاء أهل الأرض يعدل ببكاء آدم لما عدله، هذا حزن الأنبياء وبكاؤهم عليهم صلوات الله وسلامه.
نماذج من أحوال السلف مع البكاء من خشية الله
إخوتي الكرام! وأما الأمر الأخير -وهو خامس الأمور- حول حال سلفنا الكرام نحو البكاء من خشية الرحمن، وسأستعرض بعض نماذج من أحوال الصحابة الكرام، ومن أحوال التابعين لهم بإحسان.
 نماذج من أحوال التابعين مع البكاء من خشية الله
ولو أردنا بعد ذلك أن ننظر لحال التابعين، نرى أن هذا الوصف كان فيهم أيضاً رضي الله عنهم أجمعين، فالثابت في ترجمة العبد الصالح محمد بن سيرين ونعته الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء بـشيخ الإسلام ، وأخرج حديثه أهل الكتب الستة.يقول الإمام النووي في التبيان: كان جيرانه يسمعون بكاءه في جوف الليل. محمد بن سيرين الجيران يسمعون بكاءه في جوف الليل، لا يسمعون من تلك الدار مزامير، ولا لهواً، ولا ضحكاً، ولا بلاءً، إذا قام في جوف الليل ليصلي يبكي حتى يسمع جيرانه بكاءه.محمد بن سيرين كان إذا رؤي وجهه ذكر الله رب العالمين سبحانه وتعالى.ولو انتقلنا إلى رجل آخر الخليفة بحق كما قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة العبد الصالح الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز .تقول زوجه فاطمة رضي الله عنه وعن زوجه: قد يوجد في الرعية من هو أكثر صلاة وصياماً من عمر ، ولكن لا يوجد في الرعية من هو أكثر خوفاً وبكاءً منه، خليفة المسلمين وإمامهم كان إذا صلى العشاء الآخرة، وجاء إلى بيته ألقى بنفسه في محرابه، فلا يزال يبكي حتى يطلع الفجر.عمر بن عبد العزيز والثابت في ترجمته رضي الله عنه: أنه في بعض الليالي اشتد عليه البكاء، وهو خليفة، فبكى أهل البيت لبكائه، ولا يعلمون ما الذي حدث؟ فسمع الجيران ذلك فبكوا لبكاء أهل عمر بن عبد العزيز ، وصار الصياح من بيته ومن بيوت جيرانه في ظلام الليل -هذا كان حال سلفنا- فلما سري عنهم، وعادوا إلى صحوهم، قالوا لـعمر : ما الذي أبكاك يا خليفة المسلمين؟ قال: ذكرت انصراف الناس يوم القيامة إلى فريق في الجنة وفريق في السعير.إمام المسلمين يفكر في ليله إلى أي مقعد سيكون؟ وإلى أي دار سيصير؟ إلى جنة أو إلى السعير؟لا خير في الأمة إذا لم يكن فيها أمثال هذا العبد الصالح، يبكي فيبكي أهله لبكائه، فيبكي الجيران لبكاء أهل عمر بن عبد العزيز .وهذا الخلق كان أيضاً في أئمتنا في زمن التابعين، فهذا محمد بن المنكدر أخرج حديثه أهل الكتب الستة، ونعته الذهبي أيضاً بأنه شيخ الإسلام، اشتد عليه البكاء في ليلة من الليالي فسأله أهله عن سبب ذلك وألحوا عليه فاستعجم لسانه من كثرة البكاء، فذهبوا إلى صاحبه وخليله أبي حازم سلمة بن دينار وقالوا: انظر ما الذي اعترى أخاك محمد بن المنكدر ؟ فجاء إليه وقد خف عن محمد بن المنكدر البكاء، فقال: ما الذي أبكاك يا أخي؟! قال: قرأت قول الله تعالى: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47]، نسألك العافية يا أرحم الراحمين، وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].. يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:9]، فاشتد البكاء على أبي حازم ، وعاد محمد بن المنكدر إلى بكائه، فقال له أهله: أتينا بك لتخفف عنه فزدته بكاءً: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].ولما احتضر هذا العبد الصالح بدأ يكرر هذه الآية ويبكي: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].وممن كان فيه هذا الوصف وهو عابد صالح رضي الله عنه: الربيع بن خثيم .يقول نصير بن زعلوق -ونصير بن زعلوق صدوق من رجال ابن ماجه في سننه- قال: بت ليلة عند الربيع بن خثيم ، فأحيا ليلته بالبكاء، وما علمت لأي شيء يبكي، ففي الصباح قلت له: ما الذي أبكاك؟ قال: تلوت قول الله جل وعلا: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:21]، فكان يقرأ هذه الآية ويبكي رضي الله عنه وأرضاه.والربيع بن خثيم قال له عبد الله بن مسعود : والله! لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسر بك ولأحبك، وكان إذا رآه يقرأ قول الله: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [الحج:34]. قال الإمام الذهبي : وهذه منقبة عظيمة لهذا الإمام أنه يقول له: لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسر بك وأحبك. وقد قالت ابنة الربيع بن خثيم يوماً لوالدها: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26]، قالت له: يا أبت! الناس ينامون فمالك لا تنام؟ فقال: يا بنيتي! إن ذكرت جهنم طار نومي. واعجباً للجنة نام طالبها، واعجباً للنار نام هاربها!!وكان من كثرة بكائه تقول له أمه: يا بني! لعلك قتلت نفساً حتى أنك تبكي هذا البكاء، فإذا قتلت نفساً فأخبرنا حتى نسترضي أهل القتيل وأهل المقتول، فإذا علموا بحزنك وبكائك عفوا عنك، قال: نعم. يا والدتي! قتلت نفسي، وينبغي أن أبكي حتى يرضى ربي عني: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا [التوبة:82].إخوتي الكرام! والبكاء من صفاء القلوب، وليس البكاء من كثرة الذنوب والعيوب، ورحمة الله على الإمام الشاطبي عندما يقول:وهذا زمان الصبر من لك بالتي كقبض على جمر فتنجو من البلاولو أن عيناً ساعدت لتوكستسحائبها بالدمع ديماً وهطلاولكنها عن قسوة القلب قحطها فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللايقول الإمام الأعمش كما في الحلية: مر الربيع بن خثيم بالحدادين، فلما رآهم ينفخون النار بالكير بكى، فمررت بالحدادين لأبكي فما استطعت أن أبكي.البكاء من صفاء القلوب لا من كثرة الذنوب والعيوب، وإذا طهرت القلوب بكت الأعين من خشية علام الغيوب.الربيع بن خثيم رضي الله عنه أرسل الناس في زمنه إليه امرأة، وقالوا لها: إذا راودتيه وأوقعتيه فيما حرم الله لك ألف دينار، فلما جاءت إليه وكشفت عن وجهها قال: يا أمة الله! كيف بك إذا نزلت الحمى بجسمك فغيرت لونك وبهجتك؟ يا أمة الله! كيف بك إذا جاءك ملك الموت من رب العالمين فقطع منك الوتين؟ يا أمة الله! كيف بك إذا وضعت في قبرك، فجاءك منكر ونكير يسألانك؟! فولت رضي الله عنها باكية وتابت مما عزمت عليه، وما لقيت ربها إلا وكأنها جذع محترق من كثرة البكاء وخشية الله سبحانه وتعالى.إخوتي الكرام! هذا الوصف ينبغي أن نحافظ عليه، واعلم أخي المؤمن! أنه لك وصفان في هذه الحياة الدنيا، هنيئاً لك إذا اتصفت بهما:الأول: البكاء عند ولادتك، وفي حال حياتك، كل مولود إذا ولد يبكي؛ لأنه خرج من المكان الذي ألفه إلى مكان لم يألفه، ولأنه طعن الشيطان في جنبه، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل بني آدم يطعنه الشيطان بجنبه )، وفي رواية: ( في جنبيه بأصبعه حين يولد إلا عيسى بن مريم)، على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه ( ذهب الشيطان ليطعن فطعن في الحجاب ) أي: طعن في الغشاء الذي يحيط بعيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، أو طعن فيما يلف به المولود من لباس وثياب، فأراد الشيطان أن يطعن في جنبي هذا النبي الصالح على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه فطعن في الحجاب في الغشاء الذي يحيط به عندما انفصل من بطن أمه، أو في الثياب الذي يلف بها المولود، وما عدا هذا فكل بني آدم طعنه الشيطان في جنبه أو في جنبيه.يا ابن آدم! خرجت من بطن أمك باكياً فلازم هذه الصفة حتى خروجك من الدنيا.والصفة الثانية: الضحك، هنيئاً لك إذا اتصفت بها عند موتك.. هنيئاً لك إذا بكيت عند ولادتك وفي حياتك، وضحكت عند مماتك، وشقاءً ثم شقاءً لك إذا ضحكت في حياتك وبكيت عند مماتك. يا ابن آدم! إذا ولدت أنت تبكي، ومن حولك يضحك، فاستعد اليوم لتضحك فيه وهم يبكون.ولدتك أمك يا ابن آدم باكياًوالناس حولك يضحكون سرورافاجهد لنفسك أن تكون إذا بكوافي يوم موتك ضاحكاً مسروراأسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء، وذكره الذي ملأ به عرشه أن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , البكاء من خشية الله [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net