اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أحكام الاستعاذة [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


أحكام الاستعاذة [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
شرع الله لنا الاستعاذة به سبحانه والالتجاء والتحرز والاستجارة به تعالى من شر الشيطان الرجيم والهروب إليه سبحانه مما نخاف، فمن استعاذ بالله فقد عاذ بمعاذ يحقق له مطلوبه، وقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يعيذون من تعوذ بالله ويؤمنونه، ويدفعون عنه الضر الذي استعاذ بالله منه، وقد حكى الله لنا في كتابه الكريم نماذج من استعاذة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام به تعالى وإعاذته سبحانه لهم.
معنى الاستعاذة
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحابه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:أخواتي الكريمات! وصلنا إلى آخر مباحث الاستعاذة، ألا وهو تفسير الاستعاذة، وقد بدأت في أول هذا المبحث، وهو المبحث السابع من أحكام الاستعاذة، بدأت في أوله وقلت: أكمله إن شاء الله في هذه الموعظة وفيما بعدها بعون الله جل وعلا.(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، معنى هذه الجملة المباركة:أعوذ فعل مضارع من العوذ، والعوذ معناه الاعتصام والالتجاء والتحصن والتحرز والاستجارة، وعليه فمعنى أعوذ بالله، أي: ألتجئ إلى الله وأعتصم به وأتحصن وأتحرز وأستجير به سبحانه وتعالى من شر هذا الشيطان اللعين الذي يرانا ولا نراه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وحقيقة الاستعاذة هي الهروب من شيء يخافه الإنسان إلى من يعصمه منه، فإذا هرب الإنسان من شيء يخافه واحتمى بمن يعصمه من ذلك الشيء الذي يخاف منه يقال لفعله هذا: استعاذة، ولذلك سمي من يهرب إليه الإنسان ويستجير به ويستعيذ به ويحتمي به ويلتجئ إليه سمي معاذاً وملجأً وحرزاً وحصناً. والأم في أيام ولادتها الأولى يقال لها: عائذ؛ لأن مولودها يعوذ بها ويحتمي بها ويلتجئ إليها، ولا غنى له عنها، فهي عائذ بصيغة اسم الفاعل، لكنها بمعنى اسم المفعول، فرضيعها يعوذ بها ويحتمي بها ويلتجئ إليها، فهي حصنه وهي حرزه وهي معتصمه، ويمكن أن تكون تلك الصيغة وهي عائذ من صيغ النسب، وصيغ النسب إما أن تكون بالحروف، وهي ما لحق آخره ياء مشددة مكسور ما قبلها، فالنسبة مثلاً إلى مكة مكي، والنسبة مثلاً إلى حلب مثلاً حلبي، وإلى مصر مصري.. وهكذا النسبة إلى شيء آخر بزيادة ياء في آخره مشددة مكسور ما قبلها، هذه صيغة نسب، وهناك صيغة نسب لا تكون بإضافة ياء مشددة ومكسور ما قبلها، إنما تكون على وزن فاعل، فتلك الصيغة هي صيغة نسب، وهناك عائذ ولابن وتامر، لابن نسبة إلى اللبن وبيع اللبن، تامر إلى بيع التمر، عائذ أيضاً لأن طفلها يعوذ بها ويحتمي بها، فهي صيغة نسب دون أن يلحقها ياء مشددة مكسور ما قبلها، فإما أن تكون اسم فاعل والمراد اسم المفعول، أو أن تكون صيغة نسب، وعلى الأمرين سميت بذلك لأن ولدها يعوذ ويحتمي بها، ولذلك من يلجأ إليه الإنسان يقال له: معاذ، يقال له ملجأ، يقال له حرز، يقال له: حصن، فمعاذنا وحرزنا وحصننا ومأوانا من شر عدونا هو ربنا جل وعلا، الذي يدفع عنا كل شر ويجلب لنا كل خير، وبيده مقاليد الأمور وهو على كل شيء قدير. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.إذاً: من يعاذ به يقال له: معاذ، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد في المسند والترمذي في السنن، وابن حبان في صحيحه وأبو يعلى في مسنده عندما قال ابن عمر لسيدنا عثمان رضي الله عنهم أجمعين: ( أما سمعت يا عثمان أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ. فقال له عثمان : سمعت هذا من النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين: أنا أعوذ بالله أن تستعملني )، أي: أن تجعلني قاضياً، أن تستعملني في مهنة القضاء، وأن توظفني في هذا العمل؛ فأعفاه عثمان ؛ لأن من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ، أي: لجأ إلى حصن قوي، وما ينبغي أن نضيع ذلك الحصن، وما ينبغي أن نهمله وأن لا نبالي به، وينبغي أن نقدر تلك الاستعاذة إذا صدرت من إنسان وأن نعطي المستعيذ ما طلب إذا استعاذ بالله جل وعلا.ولذلك ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري من رواية أبي أسيد والحديث رواه الإمام أحمد أيضاً والبخاري في صحيحه، ورواه الإمام النسائي في سننه وهكذا ابن ماجه في السنن من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها، وهو في الصحيحين من رواية سهل بن سعد رضي الله عنهم أجمعين، فهو من رواية ثلاثة من الصحابة الكرام: أبي أسيد وأمنا عائشة وسهل بن سعد رضي الله عنهم أجمعين: ( أنه لما أدخلت ابنة الجون على النبي صلى الله عليه وسلم )، واسمها أميمة بنت النعمان ، وقيل: إنها أسماء بنت النعمان ، وذهب بعض علمائنا الكرام إلى أنها تسمى بهذين الاسمين، وقيل إنها تسمى بـأسماء ، وأما أميمة فهذا من باب اللقب لها، والعلم عند الله جل وعلا، ووالدها هو النعمان على جميع الروايات، وقد عرض على نبينا عليه الصلاة والسلام أن يتزوج منها، أي: من ابنته، كما في طبقات ابن سعد ، وقال: ألا أزوجك أجمل أيم في العرب؟ النعمان يريد أن يزوج نبينا عليه الصلاة والسلام ابنته التي يقال لها: أسماء بنت النعمان الكندية ، وهي ابنة الجون ، فرضي النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فلما أدخلت عليه لصغر سنها وعدم وعيها قالت لنبينا عليه الصلاة والسلام: ( أعوذ بالله منك لما اقترب منها عليه صلوات الله وسلامه، فابتعد عنها عليه صلوات الله وسلامه وقال: قد عذتِ بمعاذ ).وفي رواية: ( لقد عذتِ بعظيم الحقي بأهلك )، وفي بعض الروايات: ( غطى النبي صلى الله عليه وسلم وجهه بكمه ثم قال: عذتِ معاذاً، عذتِ معاذاً، عذتِ معاذاً )، وهذه رواية الإمام ابن سعد في الطبقات، ثم قال لها: ( أمن عائذ الله، أمن عائذ الله، أمن عائذ الله )، أي: من استعاذ بالله فقد عاذ بمعاذ عظيم، وينبغي أن نؤمنه، ولذلك سرحها وفارقها وألحقها بأهلها، ثم ندمت بعد ذلك عندما علمت بما حصل منها، فكانت تقول عندما قيل لها: هذا رسول الله عليه الصلاة والسلام فكيف رغبتِ عنه، فكانت تقول: أنا كنت أشقى من ذلك، وكانت بعد ذلك تلتقط البعر وتقول: أنا الشقية، ونسأل الله أن يغفر لها وللمسلمين أجمعين، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.كما قلت: لصغر سنها وعدم علمها، ولما أتي بها من قومها إلى النبي عليه الصلاة والسلام تصرفت ثم ندمت، لكن عندما استعاذت بالله فقد عاذت بمعاذ، عاذت بعظيم، فينبغي إذاً أن نؤمنها، ( أمن عائذ الله، أمن عائذ الله، أمن عائذ الله ).إذاً: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أمرنا الله جل وعلا أن نستعيذ به، وأمرنا أن نؤمن وأن نجير من استعاذ به، فهو من باب أولى سيجيرنا من عدونا إذا استجرنا به. وقلنا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فمعنى أعوذ إذاً كما تقدم معنا: أعتصم وألتجئ وأستجير وأتحصن وأحترز وأتحرز بالله جل وعلا من الشيطان الرجيم.أخواتي الكريمات! والاستعاذة تكون لدفع ضر ودفع شر، وقلت: إن حقيقتها الهروب من شيء نخافه إلى من يعصمنا منه، وعليه فهي ضد اللياذة، فاللياذة تكون لجلب نفع ممن نلوذ به، وأما العياذة فتكون لدفع ضر ممن نعوذ به، فاللياذة لتحصيل منفعة، والعياذة لدفع مضرة، فمن أردنا أن نحصل منه منفعة نلوذ به لياذة، ومن أردنا أن نلجأ إليه ليدفع عنا ضراً وبلية نعوذ به عياذة، وهذا الذي حققه الإمام ابن كثير عليه وعلى أئمتنا رحمات ربنا الجليل في أول تفسيره (1/15) عند تفسيره للاستعاذة، ونقل ما يقرر هذا المعنى من كلام الشاعر أبي الطيب المتنبي وهو أحمد بن حسين المتنبي الذي توفي سنة (354هـ)، وكان من فحول الشعراء، وقد زل وضل فترة في حياته فادعى النبوة في بعض القرى، ثم قبض عليه وحبس وافتضح، ثم تاب وأناب فأفرج عنه، وشعره كما يقول أئمتنا في الذروة، وهو القائل:لولا المشقة ساد الناس كلهمُالجود يفقر والإقدام قتالُقال الإمام الذهبي رحمة الله في ترجمته في (6/200) وما بعدها: وله عدة أبيات سابقة يضرب بها المثل -أي: قالها ويتمثل بها في المناسبات- منها هذا البيت:لولا المشقة ساد الناس كلهمُالجود يفقر والإقدام قتالأي: لابد من مشقة في تحصيل السيادة، والمشقة حقيقة لا تستسهلها أكثر النفوس، فالسيادة لابد لها من كرم، ولابد لها من شجاعة، والكرم لا يفعله البخلاء، والشجاعة لا يقترب منها الجبناء، ولولا المشقة لساد كل الناس، أي: صاروا رؤساء، لكن الرئيس لابد من أن يكون كريماً، ولابد من أن يكون مقداماً شجاعاً لا يخاف:لولا المشقة ساد الناس كلهمُالجود يفقر والإقدام قتالُوهذا الشاعر تاب وأناب وأمره إلى الله، ونسأل الله أن يتوب علينا أجمعين، إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين، يقول هذا الشاعر مفرقاً بين العياذة واللياذة كما قرر الإمام ابن كثير عليه وعلى المسلمين أجمعين رحمات رب العالمين، يقول المتنبي :يا من ألوذ به فيما أؤملهومن أعوذ به مما أحاذرهإذاً: إجابة المأمول وتحصيل المنفعة أتى بفعل ألوذ: (يا من ألوذ به فيما أؤمله). وفي جانب المحذور ودفع المضرة أتى بفعل أعوذ:(ومن أعوذ به مما أحاذره)لا يجبر الناس عظماً أنت كاسرهولا يهيضون عظماً أنت جابرهأي: لا يكسرون عظماً أنت جابره.وهذان بيتان حقيقة محكمان نافعانفما قدرته لابد من وقوعه، فمن جبرته لا يستطيع أحدٌ أن يكسره، ومن كسرته وقدرت عليه الضر فلا يستطيع أحدٌ أن يجبره: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [فاطر:2]، إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:160]، وهنا كذلك:يا من ألوذ به فيما أؤملهومن أعوذ به مما أحاذرهلا يجبر الناس عظماً أنت كاسرهولا يهيضون عظماً أنت جابرهإذاً: حقيقة الاستعاذة هي الهروب من شيء نخافه إلى من يعصمنا منه، وأما اللياذة فهي الالتجاء إلى من يجلب لنا نفعاً، والعياذة فهي الالتجاء إلى من يدفع عنا ضراً، فهي في جانب تحصيل النفع لياذة بالله، وفي جانب دفع الضر عياذة فنلوذ بمن يحصل لنا الخير، ونعوذ بمن يدفع عنا الشر، ونحن نلوذ بالله ونعوذ به من شر كل ذي شر، فهو أرحم الراحمين ورب العالمين، وهو على كل شيء قدير.وكما قلت أخواتي الكريمات: من استعاذ بالله فقد عاذ بمعاذ، وينبغي أن يحقق له مطلوبه وأن نعيذه، وما ينبغي أن نخفر ذمة الله عندما يستعيذ بالله، وقد أمرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد كان هو أيضاً يحقق هذا، فمن استعاذ بالله جل وعلا أعاذه وأمنه، وهكذا كان سلفنا الكرام يعيذون من استعاذ بالله ويؤمنونه ويدفعون عنه الضر الذي استعاذ بالله منه، وهكذا نحن أمرنا بذلك إلى قيام الساعة، وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وكتاب الأدب المفرد للإمام البخاري ، والحديث رواه أبو داود والنسائي في السنن، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، والبيهقي في السنن الكبرى وأبو نعيم في حلية الأولياء، وإسناد الحديث صحيح كالشمس من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه )، زاد الإمام أحمد في روايته في المسند والإمام النسائي في السنن: ( ومن استجار بالله فأجيروه ). وعليه يصبح معنا خمس جمل: ( من استعاذ بالله فأعيذوه، من سأل بالله فأعطوه، من دعاكم فأجيبوه، من استجار بالله فأجيروه، من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه ).(من استعاذ بالله)، أي: قال: أعوذ بالله أن تصيبوني بضر أو تنالوني بأذى، وأنا في جوار الله، وأنا في ذمة الله، وأنا في حصن الله، وأنا في حفظ الله، نقول له: أنت في مأمن، وقد عذت بمعاذ، فلا يجوز أن نتعرض له بعد ذلك بسوء، فمن استعاذ بالله فأعيذوه. (ومن سأل بالله فأعطوه) إذا سألنا شيئاً وتوسل إلى ذلك بالله، فقال: أسألكم بالله أن تعلموني، أن ترشدوني، أن تغيثوني فيما حصل له من كرب وبيدنا أن نساعده وأن ندفع الضر عنه، فوجب علينا أن نساعده.وهكذا من دعانا نجيبه، وهكذا من استجار بالله نجيره، وهكذا من صنع إلينا معروفاً نكافئه، فإذا لم يكن عندنا ما نكافئه به ندعو له حتى نعلم أننا قد كافأناه بدعائنا، بواسطة ما يصل إليه من خير بذلك الدعاء، فقد ثبت في سنن الترمذي والنسائي والحديث رواه ابن حبان في صحيحه من رواية أسامة بن زيد حب رسول الله وابن حبه، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء )، إنسان أحسن إليك وصنع إليك معروفاً، وما عندك ما تكافئه ولا ترد صنيعه إليه، فقلت له: جزاك الله خيراً فقد أبلغت في الثناء، أي: أثنيت عليه ثناء عظيماً وكافأته بذلك إذا لم تجد ما ترد له هديته وما تكافئه به على هديته.إذاً: من استجار بالله فأجيروه، من استعاذ بالله فأعيذوه؛ لأنه استعاذ بمعاذ، والذي يفرط في ذلك ولا يعيذ من استعاذ بالله، ولا يجير من استجار بالله، فهو شر خلق الله، كما ثبت ذلك عن رسول الله عليه صلوات الله وسلامه، ففي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي ، وقال الترمذي في سننه: هذا حديث حسن غريب، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه، وهو حديث حسن كما قرر أئمتنا الكرام، من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( ألا أنبئكم بخير الناس منزلاً )، أي: بخير الناس مكانة ودرجة وقدراً عند الله جل وعلا، ( قلنا: بلى يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير الناس منزلاً رجل آخذ برأس فرسه في سبيل الله حتى يموت أو يقتل )، يعني: أن يجاهد في سبيل الله هذا خير الناس منزلة عند الله جل وعلا، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ( وأخبركم بالذي يليه؟ قلنا: نعم يا رسول الله! أخبرنا من الذي يلي ذاك الصنف؟ فقال عليه الصلاة والسلام: رجل معتزل في شعب من الشعاب، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور الناس )، يعني: هو متجنب شرور الناس، وقد اعتزل فلا يشهد مواسم الناس إلا في خير، يقيم الصلاة يؤتي الزكاة، ثم بعد ذلك مجالس اللغط والقيل والقال والاجتماعات التي ليس لها وزن ولا اعتبار قد تجنبها وابتعد عنها، فهذا خير الناس بعد ذلك، فالإنسان ينبغي أن يكون نفاعاً يجاهد عن دين الله، ويمنع عن حرمات الله فهو في خير المنازل، وإذا لم يستطع هذا فلا أقل من الحالة الثانية: أن يعتزل الشرور، وأن لا يشارك في عمل مرذول، بل يعتزل شرور الناس، وليقم بعد ذلك الصلاة وليؤتِ الزكاة، فهذا خير الناس بعد ذلك.ثم قال عليه الصلاة والسلام: ( وأخبركم بشر الناس؟ قلنا: نعم يا رسول الله! قال: شر الناس الذي يسأل بالله ولا يعطي به ).أخواتي الكريمات! باب الناس طبق يسأل يُسأل، والصحيح أنه مبني للمعلوم لا للمجهول؛ ليدل على أن هذا الإنسان وهذا الموصوف وهذا الشخص جمع بين أمرين اثنين:الأول: أنه سأل بالله جل وعلا، وما ينبغي للإنسان أن يسأل بالله شيئاً من عرض الدنيا ومتاع الدنيا كما سيأتينا موسعاً مفصلاً إن شاء الله عند أركان الاستعاذة الثلاثة، فما ينبغي للإنسان أن يسأل بالله ولا بوجه الله شيئاً من الأمور الدنيئة ولا من حطام الدنيا الدنية، إنما لو سأل بالله شيئاً نافعاً، سأل مثلاً أن يعلمه حديثاً عن النبي عليه الصلاة والسلام وتوسل إلى ذلك بالله، قال: أسألك بالله أن تعلمني حديثاً عن النبي عليه الصلاة والسلام، أسألك بالله أن تعلمني كيف أصلي، أسألك بالله أن تعلمني سورة من القرآن فأنا جاهل، فإذا توسل بسؤاله إلى الله جل وعلا بتحصيل منفعة تنفعه في آخرته فلا حرج، وإذا جعل سؤاله بالله وسيلة لتحصيل عرض دنيوي زائل، فهذا في الحقيقة منقصة في الإنسان أن يجعل هذا الأمر العظيم طريقاً لذلك الأمر الحقير المهين، ولذلك هذا الإنسان جمع بين قبيحين: الأول: أنه هو يسأل بالله إذا أراد شيئاً من عرض الدنيا، يضجر الناس ويسألهم بالله؛ لأنهم لا يستطيعون أن يردوه عندما يسألهم بالله جل وعلا.والثاني: أنه إذا سئل بالله لا يعطي، فهو يسأل غيره بالله ويأخذ منه، وإذا هو سئل بالله لا يعطي، هذا شر الناس الذي يسأل بالله ولا يعطي به، إذا سئل هو بالله لا يعطي، وهو إذا سأل غيره سأله بالله ليعطى، هذا شر الناس، وفي بعض روايات المسند للإمام أحمد من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا أخبركم بخير البرية؟ قلنا: بلى )، ثم ذكر الصنفين المتقدمين: ( خير البرية من يجاهد في سبيل الله، وخير البرية من يعتزل -بعد الصنف الأول- شرور الناس، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ألا أخبركم بشر البرية؟ شر البرية الذي يسأل بالله، ولا يعطي إذا سئل به ).وخلاصة الكلام أخواتي الكريمات! أن معنى أعوذ أي: أحتمي وألتجئ وأستجير بالله جل وعلا، وأتحصن به وأحترس به من الشيطان الرجيم، فأنا أهرب مما أخافه إلى من يعصمني منه، هذه هي حقيقة الاستعاذة، ومن سأل بالله واستعاذ بالله واستجار بالله فينبغي أن نحقق مراده، وإذا كان الله جل وعلا قد أمرنا بذلك فهو أكرم الأكرمين وأرحم الرحمين، فإذا استجرنا به واستعذنا به سيحقق لنا مرادنا، ويدفع عنا ضر عدونا، فهو رب العالمين، وهو على كل شيء قدير.
 

أركان الاستعاذة
أخواتي الكريمات! بعد هذا يحسن بنا أن نتدارس عند هذا المبحث أركان الاستعاذة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.هذه العياذة التي هي الهروب من شيء نخافه إلى من يعصمنا منه لها ثلاثة أركان لا تتحقق الاستعاذة إلا بهذه الأركان الثلاثة:أولها: مستعيذ، وثانيها: مستعاذ به، وثالث الأركان: مستعاذ منه.أما المستعيذ وهو الركن الأول من أركان الاستعاذة: فهو كل مخلوق؛ لأن كل مخلوق مفتقر إلى الله جل وعلا، فهو مفتقر إلى الاستعاذة بخالقه ليدفع ربه جل وعلا عنه ضر عدوه، والاستعاذة تخلية وتحلية، وفيها تحقيق الصلة بين العبد وربه، وبها تظهر عزة الربوبية وذلة العبودية، فنحن عندما نستعيذ بالله جل وعلا نعلم أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وهو أكرم الأكرمين، ولا يستطيع أحد في الوجود أن يحصل لنا مرادنا إلا ربنا سبحانه وتعالى، وبذلك نستعيذ به ونلجأ إليه جل وعلا.إذاً: كل مخلوق مفتقر إلى الاستعاذة بخالقه جل وعلا؛ من أجل تحقيق الصلة بين العبد والرب جل وعلا، وقد استعاذ أنبياء الله ورسله على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، استعاذ أنبياء الله ورسوله والصالحون من عباده بالله جل وعلا، وأخبرنا الله عن ذلك في كتابه.
 

نماذج من استعاذة الأنبياء والصالحين بالله رب العالمين
وإليكن أخواتي نماذج ممن استعاذ بالله جل وعلا من الأمم السابقة، وكيف أمرنا الله أيضاً نحن بعد أن وجه الأمر إلى نبينا عليه الصلاة والسلام ونحن له في ذلك تبع، وكيف أيضاً أمرنا بأن نستعيذ بربنا جل وعلا من شر كل شر يضرنا من الشيطان وغيره، فلا يدفع الضر عنا إلا الذي خلقنا سبحانه وتعالى.
 استعاذة مريم بنت عمران بربها الرحمن
وكما استعاذت امرأة عمران وهي والدة مريم بذي الجلال والإكرام فقد استعاذت أيضاً مريم وهي الصديقة الثانية بربها الرحمن، فدفع الله عنها الضر وجلب لها الخيرات الحسان، يقول الله جل وعلا مشيراً إلى هذا المعنى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا [مريم:16-19]، فماذا كانت نتيجة تلك الاستعاذة؟كانت النتيجة أن رزقها الله جل وعلا ولداً من غير زوج، وأن نزهها الله جل وعلا بلسان ذلك الولد، وهو نبي الله عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه عندما أتت به قومها تحمله: قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم:27-33].هذه نماذج أخواتي الكريمات ممن استعاذوا برب الأرض والسماوات من القرون الخالية السالفة؛ نوح وموسى ويوسف من أنبياء الله ورسله استعاذوا بالله فأعاذهم، امرأة عمران ومريم استعاذتا بالله فأعاذهما الله ودفع الضر عنهما وهو على كل شيء قدير، وهكذا أمرنا الله أيضاً في كتابه جل وعلا بأن نستعيذ به، وأخبرنا أننا إذا فعلنا ذلك يدفع الله عنا الضر، ونحصل الخير والفلاح والنجاح في هذه الحياة.
الاستعاذة بالله من عدو الإنس والجن
يقول الله جل وعلا آمراً نبيه عليه الصلاة والسلام، وذلك أمرٌ لنا ولكل مؤمن إلى يوم لقاء الرحمن، يقول الله جل وعلا في سورة الأعراف: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف:199-200]، هذا في معاملة العدو الظاهر من البشر إذاً: تعامله بالعفو والإحسان والمصانعة والمداراة، وتعرض عن جهله وسفهه وطياشته، وأما العدو الباطني الجني: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ [الأعراف:200]، يوسوس لك بشيء من معاصي الرحمن فاستعذ بالله إنه سميع عليم، فلنا عدوان: عدو من البشر، وعدو من الجن، عدو البشر ندفعه بالمغفرة بالعفو بالصفح بالإعراض عنه بالمصانعة والإحسان والهدية، وعدو الجن لا يقبل مصانعة ولا مداراة، فلابد من أن نستعيذ بالله منه، فنقول: ربنا سلطت علينا عدواً يرانا ولا نراه، فنسلطك عليه، فأنت تراه ولا يراك، فاكفنا شره، فأنت على كل شيء قدير، وادفع عنا ضره فأنت بالإجابة جدير: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف:199-200].وهذا المعنى أخواتي الكريمات! الذي ذكره الله جل وعلا في سورة الأعراف أشار إليه أيضاً جل وعلا في سورة المؤمنون في آية: (96) أيضاً فما بعدها، أشار إلى معاملة هذين العدوين جل وعلا، فقال في كتابه: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ [المؤمنون:96]، وهذا كما قلت في معاملة العدو الظاهري من الإنس: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ [المؤمنون:96-97]؛ من وساوسه وإغوائه: وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون:98] في جميع شئوني، ولاسيما عند احتضاري وموتي وفراقي هذه الحياة: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون:97-98].وهذا المعنى أيضاً أشار الله جل وعلا إليه في سورة: (حم) فصلت في آية: (36) فما بعدها، فأشار إلى معاملة هذين العدوين أيضاً، فقال جل وعلا: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:34-35]، وهذا كله في معاملة العدو الظاهر من البشر، ثم أخبرنا الله كيف نعامل العدو الجني فقال جل وعلا: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت:36].يقول الإمام ابن كثير عليه وعلى أئمتنا رحمات ربنا الجليل في تفسيره (1/15) عند بيان أحكام الاستعاذة، يقول: لا حيلة في التخلص من العدو الباطني إلا بالاستعاذة منه بمن خلقه، فكما أن الشيطان يرانا ولا نراه، فنسلط الله عليه فالله يراه والشيطان لا يرى الرحمن جل وعلا، أما العدو الإنسي فنرد عداوته بالمداراة والمصانعة، وهذا المعنى أشارت إليه ثلاث آيات من القرآن في ثلاث سورة، أشار الله إليه في ثلاث مواضع من كتابه في سورة الأعراف وفي سورة المؤمنون وفي سورة (حم) فصلت كيف نعامل هذين العدوين؟ أما العدو الجني فكما قلت لا يقبل مصانعة ولا مداراة، فلابد من أن نستعيذ بالله منه، فالله جل وعلا يكيفنا شره، ويدفع عنا ضره، والله بيده مقاليد الأمور، وهو على كل شيء قدير.ويذكر أئمتنا الكرام كما ذكر هذا الإمام القرطبي في تفسيره عند الموضع الأول الذي ذكره في معاملة العدوين من تفسيره في تفسير سورة الأعراف في (7/348) أن بعض الشيوخ قال لتلاميذه: إذا عرض لك الشيطان يوماً فماذا تفعل؟ قال: أجاهده، قال: إن عرض لك؟ قال: أجاهده، قال: إن عرض لك؟ قال: أجاهده، قال له: هذا يطول، قال: فماذا أفعل أيضاً؟ قال: إذا كنت تمشي في طريق واعترضك كلب من بستان فنبح عليك فماذا تفعل؟ قال: أضربه بالحجارة، قال: إن نبح، قال: أضربه بالحجارة، قال: إن نبح؟ قال: أضربه بالحجارة، قال: هذا يطول، قال: فماذا أفعل؟ قال: تستعين بصاحب البستان ليدفع عنك شر كلبه، وأنت هنا تستعين بالله ليدفع عنك شر عدوك.فإذا شعرت بوسوسة كما قال الله: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف:200]، فالله يسمع ويرى، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فيدفع عنك شر هذا العدو اللعين، وهو على كل شيء قدير، وأما أنك تجاهد وتجاهد وتحترس وتعارك، هذا أمر يطول، فالجأ إلى الله ليكفيك شر هذا العدو والله جل وعلا على كل شيء قدير.قال الإمام ابن كثير عليه رحمة الله: ومن قتله العدو الظاهري البشري مات شهيداً، ومن غلبه العدو من البشر كان مأجوراً حميداً. إذا قتلني العدو من الإنس أموت على شهادة، وإذا غلبني هذه مصيبة نزلت علي يثاب عليها المؤمن، أما من قتله العدو الجني الباطني فقد مات طريداً، ومن قهره العدو الشيطاني فقد صار مفتوناً موزوراً، فشتان شتان بين العدوين العدو الإنسي إذا تمكن من مؤمن وقطع رقبته يموت شهيداً، إذا غلبه وقهره يؤجر ويثاب، وأما العدو الجني إذا تمكن من إنسان وأغواه وأضله فالإنسان يكون طريداً مأزوراً في هذه الحال.إذاً: لنا عدوان ينبغي أن نعامل كلاً منهما بما أرشد ربنا الرحمن، أما الإنسي فنصانعه ونداريه ونعرض عنه، وندفع بالتي هي أحس، وأما الجني فنستعيذ بالله منه فيكفينا الله شره وهو على كل شيء قدير.وهذا المعنى -كما قلت- أشار الله إليه في ثلاثة مواضع من كتابه: في سورة الأعراف وفي سورة المؤمنون وفي (حم) فصلت، وقد نظم الإمام ابن الجزري عليه رحمة الله هذا المعنى في كيفية معاملة العدو الإنسي والعدو الجني في بيتين من الشعر ذكرهما في كتاب النشر في القراءات العشر (1/56) فقال عليه رحمة الله بعد أن ذكر الآيات الثلاث المتقدمة في المواضع الثلاثة المتقدمة، قال:وقلت في ذلك وفيه أحسن الاكتفاء وأملح الاقتفاء:شيطاننا المغوي عدو فاعتصمبالله منه والتجئ وتعوذِوعدوك الإنسي دار ودادهتملكه وادفع بالتي فإذا الذي(شيطاننا المغوي)، وهو العدو الجني الباطني، (عدو فاعتصم بالله منه والتجئ وتعوذِ)، أي: عامل العدو الجني الباطني بأن تلتجئ إلى الله، وأن تستعيذ بالله من شره، ولا تستطيع أن تتخلص منه إلا بهذا الطريق، وأما عدوك الإنسي (وعدوك الإنسي دار وداده)، أي: دار صلتك به، كما قال الله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34].وعدوك الإنسي دار ودادهتملكه ... أي: ينقلب من العداوة إلى الصداقة، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34].وعدوك الإنسي دار ودادهتملكه وادفع بالتي فإذا الذيأي: ادفع بالتي هي أحسن؛ ليصبح الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم.أخواتي الكريمات! إذاً: أمرنا الله أن نستعيذ به من شر الشيطان الرجيم، وقرن أيضاً هذه الاستعاذة بمعاملة أخرى للعدو الظاهري من الإنس، كما قلت في ثلاثة مواضع من كتابه، وهكذا أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام، ونحن له في ذلك تبع أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم إذا قرأنا القرآن، كما تقدم معنا في آية النحل فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98]، وهكذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ بالله، وأن يلجأ إليه، وأخبره أنه إذا فعل ذلك فسيدفع عنه ضر أعدائه من شياطين الإنس والجن.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
 استعاذة مريم بنت عمران بربها الرحمن
وكما استعاذت امرأة عمران وهي والدة مريم بذي الجلال والإكرام فقد استعاذت أيضاً مريم وهي الصديقة الثانية بربها الرحمن، فدفع الله عنها الضر وجلب لها الخيرات الحسان، يقول الله جل وعلا مشيراً إلى هذا المعنى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا [مريم:16-19]، فماذا كانت نتيجة تلك الاستعاذة؟كانت النتيجة أن رزقها الله جل وعلا ولداً من غير زوج، وأن نزهها الله جل وعلا بلسان ذلك الولد، وهو نبي الله عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه عندما أتت به قومها تحمله: قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم:27-33].هذه نماذج أخواتي الكريمات ممن استعاذوا برب الأرض والسماوات من القرون الخالية السالفة؛ نوح وموسى ويوسف من أنبياء الله ورسله استعاذوا بالله فأعاذهم، امرأة عمران ومريم استعاذتا بالله فأعاذهما الله ودفع الضر عنهما وهو على كل شيء قدير، وهكذا أمرنا الله أيضاً في كتابه جل وعلا بأن نستعيذ به، وأخبرنا أننا إذا فعلنا ذلك يدفع الله عنا الضر، ونحصل الخير والفلاح والنجاح في هذه الحياة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أحكام الاستعاذة [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net