اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أحكام الاستعاذة [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


أحكام الاستعاذة [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
شرع للإنسان الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند قراءته للقرآن سواء في الصلاة أو خارجها، والمتأمل في هدي النبي صلى الله عليه وسلم وآثاره يجد للاستعاذة صوراً متعددة وردت عنه عليه الصلاة والسلام تبين أحوالها مع القراءة، وصيغها، وكيفية النطق بها، ومواطنها.
صيغ الاستعاذة الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام قبل قراءة القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحابه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:أخواتي الكريمات! انتهينا من مقدمة تفسير سورة الفاتحة، وقد دارت تلك المقدمة على ستة أمور مر الكلام عليها مفصلاً موضحاً بأدلته، وشرعنا في آخر الموعظة الماضية في أحكام الاستعاذة، وبينت أن الاستعاذة ليست من القرآن بإجماع علمائنا الكرام، وبينت بعد ذلك حكم الإتيان بها قبل قراءة القرآن، سواء كانت تلك القراءة في الصلاة أو في غير الصلاة، ثم انتهينا من ذلك، ثم تدارسنا بعد ذلك المبحث الثالث، ثم نتدارس الآن ما يتعلق بصيغة الاستعاذة، وذكرت في أول المبحث أن الصيغة المختارة عند القراء الكرام: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وهذه الصيغة تقدم معنا أن الإنسان يأتي بها إذا قرأ القرآن في أول قراءته، سواء كانت قراءته لأول السورة أو في وسطها، وسواء كانت تلك القراءة لسورة التوبة أو غيرها أيضاً، فإذا قرأ القرآن ينبغي أن يستعيذ بالله من الشيطان كما قال ذو الجلال والإكرام: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98].وصيغة الاستعاذة المختارة كما قلت: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، ولو زاد أو نقص في هذه الصيغة فلا بأس، فالمقصود أن يستعيذ بالله من الشيطان، فلو قال: أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، أو قال غير ذلك من الصيغ كل هذا يجزئه إن شاء الله بأنه أتى بالمطلوب، ألا وهو الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، ولذلك قال أئمتنا: كيفما استعاذ فهو حسن، وهذا كله وارد، فلو زاد في صفة الله جل وعلا: (أعوذ بالله المجيد)، (أعوذ بالله الكريم)، (أعوذ بالله القوي).. وهكذا لو جاء إلى الشيطان: (من الشيطان المريد)، (من الشيطان الغوي)، (من الشيطان الحقير).. كل هذا يجزئه، ولو أتى بالصيغة المتقدمة فهذا أحسن، وقد ورد عن نبينا عليه الصلاة والسلام أيضاً صيغ متعددة للاستعاذة، فلو أتى بها القارئ أيضاً لكان أكمل وأحسن، ولو كما قلت غيَّر أو بدل في الصيغة بزيادة في وصف الله، أو في وصف الشيطان الرجيم فذلك يجزئه، ولا حرج عليه إن شاء الله.وسأذكر في بداية هذه الموعظة بعض الأحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام في استعاذته قبل قراءة القرآن، مما يدل على أن الأمر فيه سعة، وأن نبينا عليه صلوات الله وسلامه كان ينوع الاستعاذة ولا يقتصر على صيغة واحدة، والأمر كما قلت فيه سعة، وكيفما استعاذ فهو حسن.
 الصيغة السابعة: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
وآخر الصيغ التي سأذكرها عن النبي عليه الصلاة والسلام من صيغ الاستعاذة: رواها الإمام أبو داود في سننه عن عروة بن الزبير عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: وذكر عندها حديث الإفك، وحديث الإفك وهو ما اتهمت به رضي الله عنها وأرضاها، وهي الحصان الطاهرة المطهرة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله على نبينا وآله صلوات الله وسلامه، ذكر عند أمنا عائشة رضي الله عنها حديث الإفك فقالت: ( جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكشف عن وجهه وقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:11] ). إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ [النور:11]، أي: بالقول المأفوك، والكذب البين الواضح، والافتراء المكشوف، وهو قذف أمنا عائشة الطاهرة المطهرة رضي الله عنها وأرضاها: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور:11]، فهي تقول: كان النبي عليه الصلاة والسلام مضطجعاً وقد ستر نفسه، والغطاء واللحاف عليه عليه صلوات الله وسلامه، فلما نزل عليه الوحي كشف عن وجهه وقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور:11].والحديث في سنن أبي داود : ( أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم... ) قال الإمام أبو داود عقيب إخراج هذا الحديث: إنه حديث منكر، وقد روى هذا الحديث جماعة عن الزهري لم يذكروا هذا الكلام على هذا الشرح، وأخاف أن يكون أمر الاستعاذة من كلام حميد .والحديث صحيح، وتعوذ نبينا عليه الصلاة والسلام قبل القراءة وارد، وتلاوته لآيات تبرئة أمنا عائشة رضي الله عنها ثابتة متواترة، لكن الإمام أبا داود يقول: أخشى أن تكون هذه الصيغة من كلام حميد ، وهو حميد بن قيس أحد الثقات من الرواة، حديثه مخرج في الكتب الستة، توفي سنة: (130 هـ)، لكن أئمتنا قالوا: لا داعي للحط على حميد بن قيس واتهامه بأنه ربما وهم، وأن لفظ الاستعاذة منه وليست من النبي عليه الصلاة والسلام، قال أئمتنا: لا داعي لذلك، فالذي روى عنه في الأصل قطن بن نسير عن جعفر بن سليمان عن حميد بن قيس ، وإذا كان هناك كلام حول إسناد الحديث، فالكلام على قطن وعلى جعفر بن سليمان أولى من أن يكون في حميد بن قيس ، ذكر ذلك الإمام ابن القيم في تهذيب السنن (1/379)، فقال: قال ابن القطان : حميد بن قيس أحد الثقات، وكما قلت: حديثه مخرج في الكتب الستة، وإنما علته أنه من رواية قطن بن نسير عن جعفر بن سليمان ، وقطن بن نسير وإن روى له مسلم فقد كان أبو زرعة يحمل عليه ويقول: روى عن جعفر عن ثابت عن أنس أحاديث مما أنكر عليه. وقطن بن نسير المعتمد في أمره أنه صدوق أيضاً، وحديثه في درجة الحسن، وهو من رجال مسلم وأبي داود والترمذي . وأما جعفر بن سليمان فقال الإمام القطان : مختلف فيه، وحقيقة أمره أيضاً أنه صدوق، وحديثه في درجة الحسن، وتوفي سنة: (178هـ)، وقد أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد والإمام مسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة. وعليه؛ فلا ينبغي أن نحمل الطعن على واحد من هؤلاء، لا على حميد بن قيس ولا على قطن بن نسير ولا على جعفر بن سليمان ، ولا داعي للحكم على واحد منهم بالوهم في صيغة الاستعاذة، وحديث الواحد من هؤلاء الثلاثة لا ينزل عن درجة الحسن، والعلم عند الله جل وعلا.والشاهد أخواتي الكريمات! أن هذه صيغة أيضاً من صيغ الاستعاذة: ( أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور:11].. ) إلى آخر الآية الكريمة. هذه كما قلت صيغ متعددة جمعتها وردت عن نبينا عليه الصلاة والسلام في الاستعاذة قبل التلاوة، إذا أتى الإنسان بواحد منها، أو غير وأتى بغيرها -كما قلت- فالأمر إن شاء الله فيه سعة، والأمر واسع، وكيفما استعاذ فهو حسن، والمقصود: أن يستعيذ الإنسان بربه الرحمن من الشيطان قبل قراءة القرآن.
تنبيهان حول صيغ الاستعاذة
قبل أن ننتقل أخواتي الكريمات إلى المبحث الرابع في كيفية النطق وكيفية قراءة، وكيفية ذكر وتلاوة الاستعاذة، قبل هذا عندنا تنبيهان ينبغي أن نتكلم عليهما عند المبحث الثالث الذي دار حول صيغة الاستعاذة ولفظها.
 التنبيه الثاني: عدم صحة حديث: (.. قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أخذته عن جبريل ...)
التنبيه الثاني أيضاً يتعلق بصيغة الاستعاذة: ما روي في الحديث المسلسل الذي رواه الواحدي والإمام الثعلبي وأبو الفضل الخزاعي بسند مسلسل بهذه الكيفية -والتسلسل صفة من صفة الإسناد يتفق الرواة فيها على كيفية معينة- والكيفية هي: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ( قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم )، وفي رواية: ( فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال: يا ابن أم عبد قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أخذته عن جبريل عن ميكائيل عن اللوح المحفوظ )، والرواة عن عبد الله بن مسعود كلهم فيهم هذه الصفة، كل واحد يقول: قرأتُ على شيخي، فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أو أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال له: لا تقل هذا فإنني قرأت على شيخي فقال لي: لا تقل هذا، قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. إلى أن وصلوا إلى عبد الله بن مسعود أنه قرأ على النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، أنه قرأ على النبي عليه الصلاة والسلام، فلما قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال له نبينا عليه الصلاة والسلام: ( يا ابن أم عبد -أي: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه- قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أخذته عن جبريل عن ميكائيل عن اللوح المحفوظ ).هذا الأثر لا يثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ولذلك قال عنه الإمام ابن الجزري في النشر في صفحة: (445) هذا غريب جداً من هذا الوجه، وقال عنه الإمام أبو شامة : هذا الحديث لا أصل له عن النبي عليه الصلاة والسلام. وعليه لا يثبت هذا، فإذا قال الإنسان: أعوذ بالله السميع العليم، أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، أو صيغ أخرى كما تقدمت معنا فهي مشروعة وقد قالها نبينا صلى الله عليه وسلم، فكيف ينكرها على عبد الله بن مسعود ، وهو كان يقولها عليه الصلاة والسلام وعلمنا إياها، لا يمكن أن يصدر هذا منه عليه الصلاة والسلام.ثم في الحديث غرابة منكرة، وهو أنه أخذ القرآن عن جبريل عن ميكائيل، وما عرف أن جبريل كان يتلقى القرآن عن ميكائيل عن اللوح المحفوظ عن الله جل وعلا، والأصل جبريل ينزل بالقرآن من ربنا الرحمن على نبينا عليه الصلاة والسلام، ولذلك قال أئمتنا: هذا الحديث لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا أصل له. ولو قال في استعاذته: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أو قال: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، أو قال صيغاً أخرى -كما تقدم معنا- كل هذا جائز، والأمر واسع، وفيه سعة، وكيفما استعاذ فهو حسن.وخلاصة الكلام على التنبيهين المتعلقين بصيغة الاستعاذة: إذا استعذنا نقول: أعوذ بالله، ولا نقول: أستعيذ بالله، ومن قال: أستعيذ فهو طالب العوذ والعياذ بالله، والمطلوب منه أن يستعيذ لا أن يطلب العوذ، ولا تتحقق الاستعاذة إلا أن يقول: أعوذ بالله، فإذا قال: أستعيذ بالله، فهذا ما استعاذ بالله، وإنما طلب العوذ من الله، وهذا خلاف المطلوب منه.الأمر الثاني: يجوز أن يقول صيغة من صيغ الاستعاذة المتقدمة أو غيرها، وما ورد من النهي عن ذلك في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لا أصل لذلك الحديث، ولا يثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، والعلم عند ذي الجلال والإكرام.
كيفية النطق بالاستعاذة وأحوال قراءتها
ننتقل أخواتي الكريمات إلى المبحث الرابع في كيفية النطق بالاستعاذة قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كيف سننطق بها عند القراءة؟ لا أريد أن أتكلم على صيغتها، فقد تقدم معنا الكلام على صيغتها في المبحث الثالث، ولا على حكمها، إنما هل نجهر بها أو نسر القول بها عند تلاوتها؟ هل نأتي بها جهراً أو سراً؟ هذا الذي سأتكلم عليه، كيفية النطق بها هل يكون بشكل جهري، والصوت مرفوع بها، أو سري نكتمها في صدورنا وأنفسنا؟
 الحالة الثانية: القراءة في الصلاة
الحالة الثانية: إذا تلا الإنسان القرآن للصلاة، فهل يسر بالاستعاذة في صلاته قبل قراءته أو يجهر بها؟نقول أيضاً: ما قرره أئمتنا الكرام أن الصلاة لها حالتان: إما أن تكون القراءة فيها سرية، كما هو الحال مثلاً في صلاة الظهر والعصر، وهكذا في الركعتين الأخيرتين من العشاء، وهكذا في الركعة الأخيرة من المغرب.. فإذا كان يقرأ في صلاة سرية فهنا لا يجهر بالاستعاذة بالاتفاق، ولا خلاف بين أئمتنا أنه لا يجهر بالاستعاذة فيها.والجمهور أبو حنيفة والشافعي وأحمد على أن المصلي ينبغي له أن يأتي بالاستعاذة في صلاته قبل قراءته، اتفقوا على أن الاستعاذة يأتي بها الإنسان في الركعة الأولى، لكن اختلفوا في الركعة الثانية والثالثة وما بعدها، والشافعية على أنه أيضاً يأتي بها في الثانية والثالثة والرابعة، لكن يستحب له ذلك استحباباً مؤكداً أن يأتي بها في الركعة الأولى عند القراءة، ثم يأتي بها أيضاً في الركعة الثانية قبل القراءة والثالثة والرابعة، لكن استحبابها في الركعة الثانية وما بعدها أقل من استحبابها في الركعة الأولى.وعليه.. إذا كانت القراءة سرية في الصلاة فلا يجهر الإنسان بالاستعاذة بالاتفاق، وإذا كان يسر بالقراءة فلا يجهر، سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية وهو أسر فيها، يعني: لو قلنا: المرأة صلت صلاة الفجر في بيتها وما جهرت بالقراءة فلا تجهر بالتعوذ، إذاً: إذا كان يسر بالقراءة فليسر بالتعوذ.الحالة الثانية: إذا كانت القراءة يجهر بها في الصلاة كما هو الحال في صلاة الفجر وفي الركعتين الأوليين من صلاة المغرب والعشاء، فهنا يجهر بالقراءة وفي الركعة الأولى يستحب الإتيان بالاستعاذة قبل القراءة بالاتفاق، وهو مذهب الجمهور والمالكية المتأخرون أيضاً قالوا به.إذاً: هذه الاستعاذة هل يجهر بها كما يجهر بالتلاوة أو يسر؟ لعلمائنا في ذلك قولان معتبران:القول الأول: ذهب إليه الجمهور: أبو حنيفة والإمام أحمد ، وهكذا من قال بهذا القول من المالكية، أن الاستعاذة ينبغي الإتيان بها قبل التلاوة في الصلاة، سواء في قيام رمضان أو في غيره، وعليه قول الحنفية والحنابلة والإمام مالك عليهم جميعاً رحمة الله، أن الإنسان يسر الاستعاذة في الصلاة وإن كانت القراءة جهرية، هذا قول الحنفية والحنابلة والمالكية على القول بأن الاستعاذة عندهم مشروعة في كل صلاة، أو في قيام رمضان فقط، يأتي بالاستعاذة سراً ولا يجهر بها، بل يستعيذ في صدره، ثم بعد ذلك يقرأ كلام الله جل وعلا جهراً.قال الإمام ابن قدامة في المغني (1/519): لا أعلم في ذلك خلافاً، وهذا -كما قلت- هو أيضاً قول الحنفية كما هو في اللباب في شرح الكتاب في (1/68).والقول الثاني: ذهب إليه الإمام الشافعي عليه رحمة الله، فقال يجهر المصلي بالاستعاذة قبل القراءة إذا كانت القراءة جهراً، يسن له الجهر، فكما يجهر خارج الصلاة يجهر في الصلاة ما دامت الصلاة جهرية، وإن أسر فلا يضر. إذاً: الأصل الجهر، وإن أسر فلا يضر.وقال الإمام الشافعي قولاً آخر في كتابه الأم، قال: المصلي يتخير إذا جهر في صلاته، فإن شاء أسر وإن شاء جهر، يعني: بالاستعاذة. قال الإمام الشافعي في الأم: لأنه ثبت أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يسر بالتعوذ في صلاته، وثبت أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يجهر بالتعوذ في صلاته قبل قراءته.وعليه للإمام الشافعي قولان: القول الأول: أنه يجهر إذا كانت القراءة جهرية في الصلاة، وإن أسر فلا يضر.والقول الثاني: يتخير المصلي بين الأمرين، إن شاء أن يجهر، وإن شاء أن يسر إذا كان سيجهر بالتلاوة في صلاته.وهذان القولان نقلهما الإمام ابن كثير في تفسيره (1/14)، وهكذا الإمام ابن الجزري في النشر، والذي رجحه الإمام النووي في المنهاج صفحة (43) فقال: يسر المصلي بالتعوذ قبل القراءة في صلاته وإن كانت القراءة جهرية، وهكذا رجح هذا القول في المجموع أيضاً في (3/326) فقال: الراجح من مذهبنا -يعني مذهب الإمام الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله- أنه لا يجهر بالتعوذ في صلاته.وعليه إذا رجح هذا المذهب عند الشافعية فيمكن أن نقول إذاً: عند المذاهب الأربعة أنه لا يجهر بالتعوذ في صلاته قبل القراءة إذا كانت القراءة جهرية في الصلاة، وأما إذا كانت سرية فلا يجهر بالاتفاق، وإن كانت جهرية فعند الشافعي في ذلك تفصيل، والمرجح في مذهب الشافعي أنه لا يجهر أيضاً، بل يستحب للإنسان أن يجهر بالتعوذ أحياناً قبل القراءة في صلاته من أجل أن يعلم الناس مشروعية التعوذ في الصلاة قبل التلاوة، لاسيما إذا كان الإنسان إماماً، نص على ذلك الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (2/425)، عندما سئل عن إمام يكبر ويقرأ دعاء الاستفتاح، ثم يتعوذ جهراً ويبسمل جهراً، ثم يقرأ جهراً، ويفعل ذلك في كل ركعة ما حكمه؟ فقال الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله: إذا فعل ذلك أحياناً للتعليم ونحوه فلا بأس بذلك، فقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يجهر أحياناً بدعاء الاستفتاح: سبحانك اللهم وبحمدك، أو وجهت وجهي، من أجل أن يعلم المسلمين مشروعية الإتيان بهذا الذكر في هذا الموضع، قال الإمام ابن تيمية : وكان أحياناً يجهر ابن عمر وأبو هريرة بالتعوذ أيضاً.إذاً: ابن عمر أحياناً يجهر بدعاء الاستفتاح، وأحياناً هو وأبو هريرة يجهران بالتعوذ قبل التلاوة في الصلاة؛ من أجل إعلام الناس بمشروعية التعوذ في الصلاة قبل القراءة، والعلم عند الله جل وعلا.إذاً: خلاصة المبحث الرابع: كيفية النطق بالاستعاذة قبل التلاوة، هل يسر بها أو يأتي بها جهراً؟ذكرت أخواتي الكريمات أن للقراءة حالتان: الحالة الأولى: أن يقرأ الإنسان القرآن خارج الصلاة، فإذا كان كذلك فيسن للإنسان أن يجهر بالتعوذ بشرط أن تكون القراءة بحضرة من يسمعه؛ لأن الجهر -كما قلت- من شعائر التلاوة، وفيه تنبيه للسامع ليتفرغ للاستماع، وإذا لم تكن القراءة بحضرة من يسمع كأن قرأ سراً أو خالياً فيسن له في هذه الأحوال أن يأتي بالاستعاذة سراً.وأما إذا كانت القراءة في الصلاة فالصلاة أيضاً تكون القراءة فيها على حالتين:الحالة الأولى: تكون القراءة فيها سرية لا يجهر فيها؛ لأنه يصلي صلاة سرية فلا يجهر بالتعوذ بالاتفاق.والثاني: أن القراءة جهرية في صلاة جهرية، فعند الجمهور لا يجهر أيضاً بل يأتي بها سراً، وللإمام الشافعي تفصيل، والذي رجحه الإمام النووي من مذهب الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله: أنه لا يجهر بالتعوذ قبل القراءة في الصلاة الجهرية.وختام الكلام: يستحب للإنسان لاسيما إذا كان إماماً أن يجهر بالتعوذ أحياناً قبل التلاوة قبل القراءة في صلاته من أجل أن يعلم الناس، وأن يُعلمهم أن التعوذ مشروع قبل التلاوة في الصلاة، والعلم عند الله جل وعلا.
موطن الاستعاذة
المبحث الخامس: محل الاستعاذة. متى يأتي الإنسان بالاستعاذة عندما يريد أن يقرأ كلام الله جل وعلا؟ وإنما ذكرت هذا مع أنه معلوم وما أظن أنه يخفى على مسلم؛ لوجود نقل في كتب قد يشوش أذهان بعض القارئين.أخواتي الكريمات! الاستعاذة محلها قبل القراءة: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98]، ومعنى: (فإذا قرأت) أي: إذا أردت أن تقرأ، كما قال الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون، وهكذا نقول للإنسان: إذا أكلت فسم الله، أي: إذا أردت أن تأكل فسم الله، ليس يبدأ بالأكل ثم يسمي، وهنا: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل:98]، أي: إذا أردت أن تقرأ فقدم بين يدي قراءتك الاستعاذة بالله من الشيطان، وأما إذا شرعت في القراءة عندما تشرع، فقل الاستعاذة وبعدها التلاوة مباشرة.إذاً: محل التعوذ قبل القراءة، وهذا لا خلاف فيه عند أئمتنا، وقد حكى عليه الإجماع الإمام ابن الجزري في النشر في القراءات العشر (1/255)، فقال: محل التعوذ قبل القراءة إجماعاً. ولا يصح قول بخلاف ذلك عن أحد ممن يعتبر قوله، وآفة العلم التقليد. وقد نسب إلى بعض العلماء: أن الاستعاذة تكون في آخر التلاوة، يعني: إذا انتهى من القراءة يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لكن لم تثبت هذه النسبة عن إمام من أئمة المسلمين، ونسبت إلى بعض الصحابة الطيبين لكن لا حقيقة لذلك، وقد أراد بعض المفسرين أن يؤيد هذا كالإمام الرازي في تفسيره، وأن يلتمس لذلك تقريراً وتوجيهاً، فقال: لأن ظاهر القرآن: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98]، قال: شرط وجوابه، فإذا قرأتَ فاستعذ، قرأتَ فعلٌ ماضٍ، يعني: إذا قرأت وانتهيت استعذ بالله من الشيطان الرجيم، هذا من جملة توجيههم لذلك، قالوا: ظاهر الآية يدل على أن الاستعاذة بعد التلاوة! وليس كذلك؛ لأن ظاهر الآية كما قلت معناه: فإذا قرأت القرآن، أي: إذا أردت أن تقرأ، أو إذا شرعت، وهذا كقول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا [المائدة:6]، يعني: هو داخل الصلاة يغسل، أو بعد أن ينتهي من صلاته يتوضأ؟ لا ثم لا، إذا أردتم القيام وأنتم محدثون: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6]، وهنا كذلك: فَإِذَا قَرَأْتَ [النحل:98]، أي: إذا أردت أن تقرأ.ولم يصح هذا القول عن إمام ولا عن أحد من العلماء الكرام رحمة الله عليهم أجمعين، وآفة العلم التقليد كما قال الإمام ابن الجزري . إذاً: محل التعوذ قبل القراءة.. قبل التلاوة، وهناك قولان مردودان نقلا سأذكرهما بعد تقرير هذا القول إن شاء الله.وهذا القول أخواتي الكريمات يدل عليه قول الله: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98]، ومعناها كما قلت: إذا شرعت أو إذا أردت ويدل على ذلك أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد تقدمت معنا ما يزيد على سبعة أحاديث، وفيها أن الاستعاذة قبل التلاوة، فكيف نقول: إن الاستعاذة بعد التلاوة وبعد الانتهاء من القراءة؟ إن هذا لقول باطل.والدليل الذي يحتم ويعين ويقرر أن الاستعاذة قبل التلاوة: فعل السلف الكرام الطيبين، فما نقل عن أحد أن الاستعاذة بعد التلاوة، والعلم عند الله جل وعلا.وعليه فمحل التعوذ يكون قبل القراءة إجماعاً، ولم يصح قول بخلاف ذلك عن أحدٍ ممن يعتد بقوله من علمائنا الكرام.وقد نسب في هذه المسألة قولان لبعض أئمة الإسلام ولا تصح النسبة إليهم.القول الأول: قيل: إن الاستعاذة تكون في آخر التلاوة عقيب التلاوة.. في نهاية التلاوة، إذا فرغ من القراءة، ونسب الإمام الرازي في تفسيره (1/60)، والإمام النووي في المجموع شرح المهذب (3/325)، والإمام ابن كثير في تفسيره (1/13)، نسبوا القول بذلك -أي: أن الاستعاذة بعد القراءة- إلى عدد من علماء هذه الأمة، منهم: الإمام النخعي ، وداود بن علي الظاهري ، والإمام ابن سيرين ، وبعضهم قال في إحدى الروايتين عن محمد بن سيرين ، ونسبوه إلى أبي هريرة من الصحابة الطيبين الطاهرين، ونسبوه إلى حمزة بن حبيب الزيات من القراء المتقنين، ونسبوه إلى أبي حاتم من أئمتنا الصالحين المجتهدين. نسبوا إذاً القول بذلك إلى ستة من علماء هذه الأمة: النخعي وداود وابن سيرين وأبي هريرة وحمزة وأبي حاتم .قال الإمام ابن الجزري : ولا تثبت تلك النسبة ولا تصح، أي: لا يصح هذا القول عن واحد من هؤلاء ولا عن غيرهم أيضاً، ومحل الاستعاذة يكون قبل التلاوة، وأما هذا القول فقد علله الإمام الرازي بأمرين على حسب قوله:الأمر الأول: قال: إن ظاهر القرآن يدل على ذلك؛ لأن قرأت فعل ماضٍ، وعليه إذا انتهيت من القراءة تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.والأمر الثاني: قال: إن ذلك موافقاً أيضاً للعقل؛ لأن الإنسان إذا قرأ القرآن قد يأتيه الشيطان يفسد عليه أجر قراءته، فيدخل عليه العجب والغرور، فينبغي أن يستعيذ بالله العزيز الغفور من الشيطان الخبيث الغرور بعد قراءته ليقطع عنه وساوس الشيطان، وليدفع عنه ضر الشيطان؛ لئلا يضيع الإنسان قراءته عندما يعجب أو عندما يرائي، فـالرازي يقول: أيضاً الاستعاذة بعد القراءة ظاهر القرآن يدل عليها والعقل أيضاً يوافقها.أخواتي الكريمات! حول هذا وحول القول الثاني أيضاً الذي قيل في هذه المسألة شيء من التفصيل أذكره بعون ربنا الجليل في أول الموعظة الآتية إن أحيانا الله، وأقتصر في هذه الموعظة على هذا المقدار، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب الأرض والسماوات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، والحمد لله رب العالمين.
 الحالة الثانية: القراءة في الصلاة
الحالة الثانية: إذا تلا الإنسان القرآن للصلاة، فهل يسر بالاستعاذة في صلاته قبل قراءته أو يجهر بها؟نقول أيضاً: ما قرره أئمتنا الكرام أن الصلاة لها حالتان: إما أن تكون القراءة فيها سرية، كما هو الحال مثلاً في صلاة الظهر والعصر، وهكذا في الركعتين الأخيرتين من العشاء، وهكذا في الركعة الأخيرة من المغرب.. فإذا كان يقرأ في صلاة سرية فهنا لا يجهر بالاستعاذة بالاتفاق، ولا خلاف بين أئمتنا أنه لا يجهر بالاستعاذة فيها.والجمهور أبو حنيفة والشافعي وأحمد على أن المصلي ينبغي له أن يأتي بالاستعاذة في صلاته قبل قراءته، اتفقوا على أن الاستعاذة يأتي بها الإنسان في الركعة الأولى، لكن اختلفوا في الركعة الثانية والثالثة وما بعدها، والشافعية على أنه أيضاً يأتي بها في الثانية والثالثة والرابعة، لكن يستحب له ذلك استحباباً مؤكداً أن يأتي بها في الركعة الأولى عند القراءة، ثم يأتي بها أيضاً في الركعة الثانية قبل القراءة والثالثة والرابعة، لكن استحبابها في الركعة الثانية وما بعدها أقل من استحبابها في الركعة الأولى.وعليه.. إذا كانت القراءة سرية في الصلاة فلا يجهر الإنسان بالاستعاذة بالاتفاق، وإذا كان يسر بالقراءة فلا يجهر، سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية وهو أسر فيها، يعني: لو قلنا: المرأة صلت صلاة الفجر في بيتها وما جهرت بالقراءة فلا تجهر بالتعوذ، إذاً: إذا كان يسر بالقراءة فليسر بالتعوذ.الحالة الثانية: إذا كانت القراءة يجهر بها في الصلاة كما هو الحال في صلاة الفجر وفي الركعتين الأوليين من صلاة المغرب والعشاء، فهنا يجهر بالقراءة وفي الركعة الأولى يستحب الإتيان بالاستعاذة قبل القراءة بالاتفاق، وهو مذهب الجمهور والمالكية المتأخرون أيضاً قالوا به.إذاً: هذه الاستعاذة هل يجهر بها كما يجهر بالتلاوة أو يسر؟ لعلمائنا في ذلك قولان معتبران:القول الأول: ذهب إليه الجمهور: أبو حنيفة والإمام أحمد ، وهكذا من قال بهذا القول من المالكية، أن الاستعاذة ينبغي الإتيان بها قبل التلاوة في الصلاة، سواء في قيام رمضان أو في غيره، وعليه قول الحنفية والحنابلة والإمام مالك عليهم جميعاً رحمة الله، أن الإنسان يسر الاستعاذة في الصلاة وإن كانت القراءة جهرية، هذا قول الحنفية والحنابلة والمالكية على القول بأن الاستعاذة عندهم مشروعة في كل صلاة، أو في قيام رمضان فقط، يأتي بالاستعاذة سراً ولا يجهر بها، بل يستعيذ في صدره، ثم بعد ذلك يقرأ كلام الله جل وعلا جهراً.قال الإمام ابن قدامة في المغني (1/519): لا أعلم في ذلك خلافاً، وهذا -كما قلت- هو أيضاً قول الحنفية كما هو في اللباب في شرح الكتاب في (1/68).والقول الثاني: ذهب إليه الإمام الشافعي عليه رحمة الله، فقال يجهر المصلي بالاستعاذة قبل القراءة إذا كانت القراءة جهراً، يسن له الجهر، فكما يجهر خارج الصلاة يجهر في الصلاة ما دامت الصلاة جهرية، وإن أسر فلا يضر. إذاً: الأصل الجهر، وإن أسر فلا يضر.وقال الإمام الشافعي قولاً آخر في كتابه الأم، قال: المصلي يتخير إذا جهر في صلاته، فإن شاء أسر وإن شاء جهر، يعني: بالاستعاذة. قال الإمام الشافعي في الأم: لأنه ثبت أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يسر بالتعوذ في صلاته، وثبت أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يجهر بالتعوذ في صلاته قبل قراءته.وعليه للإمام الشافعي قولان: القول الأول: أنه يجهر إذا كانت القراءة جهرية في الصلاة، وإن أسر فلا يضر.والقول الثاني: يتخير المصلي بين الأمرين، إن شاء أن يجهر، وإن شاء أن يسر إذا كان سيجهر بالتلاوة في صلاته.وهذان القولان نقلهما الإمام ابن كثير في تفسيره (1/14)، وهكذا الإمام ابن الجزري في النشر، والذي رجحه الإمام النووي في المنهاج صفحة (43) فقال: يسر المصلي بالتعوذ قبل القراءة في صلاته وإن كانت القراءة جهرية، وهكذا رجح هذا القول في المجموع أيضاً في (3/326) فقال: الراجح من مذهبنا -يعني مذهب الإمام الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله- أنه لا يجهر بالتعوذ في صلاته.وعليه إذا رجح هذا المذهب عند الشافعية فيمكن أن نقول إذاً: عند المذاهب الأربعة أنه لا يجهر بالتعوذ في صلاته قبل القراءة إذا كانت القراءة جهرية في الصلاة، وأما إذا كانت سرية فلا يجهر بالاتفاق، وإن كانت جهرية فعند الشافعي في ذلك تفصيل، والمرجح في مذهب الشافعي أنه لا يجهر أيضاً، بل يستحب للإنسان أن يجهر بالتعوذ أحياناً قبل القراءة في صلاته من أجل أن يعلم الناس مشروعية التعوذ في الصلاة قبل التلاوة، لاسيما إذا كان الإنسان إماماً، نص على ذلك الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (2/425)، عندما سئل عن إمام يكبر ويقرأ دعاء الاستفتاح، ثم يتعوذ جهراً ويبسمل جهراً، ثم يقرأ جهراً، ويفعل ذلك في كل ركعة ما حكمه؟ فقال الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله: إذا فعل ذلك أحياناً للتعليم ونحوه فلا بأس بذلك، فقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يجهر أحياناً بدعاء الاستفتاح: سبحانك اللهم وبحمدك، أو وجهت وجهي، من أجل أن يعلم المسلمين مشروعية الإتيان بهذا الذكر في هذا الموضع، قال الإمام ابن تيمية : وكان أحياناً يجهر ابن عمر وأبو هريرة بالتعوذ أيضاً.إذاً: ابن عمر أحياناً يجهر بدعاء الاستفتاح، وأحياناً هو وأبو هريرة يجهران بالتعوذ قبل التلاوة في الصلاة؛ من أجل إعلام الناس بمشروعية التعوذ في الصلاة قبل القراءة، والعلم عند الله جل وعلا.إذاً: خلاصة المبحث الرابع: كيفية النطق بالاستعاذة قبل التلاوة، هل يسر بها أو يأتي بها جهراً؟ذكرت أخواتي الكريمات أن للقراءة حالتان: الحالة الأولى: أن يقرأ الإنسان القرآن خارج الصلاة، فإذا كان كذلك فيسن للإنسان أن يجهر بالتعوذ بشرط أن تكون القراءة بحضرة من يسمعه؛ لأن الجهر -كما قلت- من شعائر التلاوة، وفيه تنبيه للسامع ليتفرغ للاستماع، وإذا لم تكن القراءة بحضرة من يسمع كأن قرأ سراً أو خالياً فيسن له في هذه الأحوال أن يأتي بالاستعاذة سراً.وأما إذا كانت القراءة في الصلاة فالصلاة أيضاً تكون القراءة فيها على حالتين:الحالة الأولى: تكون القراءة فيها سرية لا يجهر فيها؛ لأنه يصلي صلاة سرية فلا يجهر بالتعوذ بالاتفاق.والثاني: أن القراءة جهرية في صلاة جهرية، فعند الجمهور لا يجهر أيضاً بل يأتي بها سراً، وللإمام الشافعي تفصيل، والذي رجحه الإمام النووي من مذهب الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله: أنه لا يجهر بالتعوذ قبل القراءة في الصلاة الجهرية.وختام الكلام: يستحب للإنسان لاسيما إذا كان إماماً أن يجهر بالتعوذ أحياناً قبل التلاوة قبل القراءة في صلاته من أجل أن يعلم الناس، وأن يُعلمهم أن التعوذ مشروع قبل التلاوة في الصلاة، والعلم عند الله جل وعلا.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أحكام الاستعاذة [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net