اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , البدعة - معالم في الاجتهاد والتمذهب للشيخ : عبد الرحيم الطحان


البدعة - معالم في الاجتهاد والتمذهب - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
قيض الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة أناساً يحفظون عليها دينها ومنهم الفقهاء، وعلى الأمة أن تلتزم بفهم علمائها السابقين؛ فهم أعلم بمراد الله أكثر ممن بعدهم، ولا يتابع إمام على خطئه، بل يبين مع التزام الأدب في ذلك، وقد ظهرت في هذه الأيام فرقتان تتنكر للأئمة، إحداهما تتستر بدعوى العودة إلى الكتاب والسنة، والأخرى بدعوى التجديد، وكل منهما مبطلة في دعواها، متنكبة طريق هداها.
الفقهاء أطباء الأمة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً، وهو اللطيف الخبير.اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3] .وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمةً للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزا به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد: معشر الإخوة الكرام! تقدم معنا أن البدعة من أسباب سوء خاتمة الإنسان، وكنا نتدارس تعريف البدعة، وتقدم معنا أن البدعة هي: الحدث في الإسلام عن طريق الزيادة أو النقصان، مع زعم التقرب بذلك إلى الرحمن، وذلك الحدث لا تشهد له نصوص الشرع الحسان.وتقدم معنا عند هذا المبحث أن هذا الأمر ضل فيه فريقان من الأنام، ففريق وسع مفهوم البدعة وأفرط في ذلك، فأدخل فيها ما ليس منها، وحكم بالبدعة والتضليل على ما احتمله الدليل وقال به إمام جليل، وفريق آخر قصر وفرط في البدعة، فألغاها كلها أو بعض صورها، والفريقان على ضلال، ودين الله بين الغالي والجافي.إخوتي الكرام! ينبغي أن نتدارس ثلاثة معالم تنفعنا في هذا المبحث، وهذه المعالم الثلاثة شرعت في مدارستها في المواعظ الماضية وهي:أولها: تشريع الأحكام من خصائص ذي الجلال والإكرام.ثانيها: لهداية الإنسان ركنان ركينان: شرع قويم، وعقل سليم، ولن يتعارض العقل الصريح مع النقل الصحيح.والمعلم الثالث: منزلة الاجتهاد في الإسلام.وتقدم معنا أن فقهاء هذه الأمة المباركة هم بحق وصدق ورثة نبينا عليه الصلاة والسلام، وبينت منزلة الفقهاء في الإسلام، ثم تكلمت في الموعظة الماضية على أمرين اثنين ينبغي أن نعيهما نحو فقه أئمتنا:أولهما: إن أقوال الفقهاء تشريع، ومع ذلك ليسوا بمشرعين، فالتشريع من خصائص رب العالمين، وجمعت بين هذين الأمرين، فهم يظهرون الأحكام التي دلت عليها نصوص الشرع الحسان، ولا يمكن لهم ولا لغيرهم أن يقولوا في دين الله برأيهم.والأمر الثاني الذي تقدمت معنا مدارسته في آخر الموعظة الماضية، قلت: إن الثروة الفقهية هي من أعظم معجزات نبينا خير البرية عليه صلوات الله وسلامه، فأئمتنا الفقهاء رضوان الله عليهم أجمعين كشفوا عن صلاحية هذا الشرع لكل زمان ومكان، وذلك عن طريق ما استنبطوه من أحكام من آيات القرآن وأحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام.وسأكمل هذا الموضوع في هذه الموعظة بإذن ربنا الرحمن لأنتقل في الموعظة الثانية إلى بيان ضلال الفرقة الثانية التي ألغت البدعة من الإسلام.فأقول: الفقهاء بمنزلة الأطباء، وحاجة الأمة إليهم كاحتياج السمك إلى الماء، كما أن المحدثين بمنزلة الصيادلة المؤتمنين، ولذلك كانت في العصور الأولى نسبة من يعنى بالحديث ويشتغل به تزيد على من يعنى بالفقه ويمهر فيه، كما يروي هذا الإمام الرامهرمزي في كتابه المحدث الفاصل بين الراوي والواعظ في صفحة ستين وخمسمائة، عن أنس بن سيرين الذي توفي سنة عشرين ومائة للهجرة وقيل: ثمان عشرة ومائة للهجرة، وهو من شيوخ الإسلام، وحديثه مخرج في الكتب الستة، يقول هذا العبد الصالح: قدمت الكوفة -وكان قدومه في السنة التي ولد فيها فقيه الملة وإمام الفقهاء الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه وعن أئمة الإسلام، وذلك سنة ثمانين للهجرة- يقول: فوجدت فيها أربعة آلاف طالب يطلبون الحديث، ووجدت فيها أربعمائة فقهوا.فالفقهاء لعلو منزلتهم ولصعوبة عملهم عددهم قليل في كل وقت، ففي العصور المتقدمة في بلدة الكوفة أربعمائة يعنون بالفقه ويشتغلون فيه، وأربعة آلاف يدرسون الحديث ويتخصصون فيه، وهذا كان في عصور النور، في القرن الأول من هجرة نبينا المبرور عليه صلوات الله وسلامه سنة ثمانين، وأما في زماننا فالمشتكى إلى ربنا، تقاصرت الهمم وضعفت نحو الأمرين، فبضاعة من يقال عنهم: إنهم محدثون في هذه الأيام بضاعة قليلة قليلة، وأكثر من يدعي التحديث في هذه الأيام قد اشتغل بلهو الحديث، وأما فقهاء هذا الزمان فأكثر اجتهاداتهم ما أنزل الله بها من سلطان.ومع هذه الحالة المزرية التي تعيشها هذه الأمة المباركة في هذه الأيام، نشهد حملات منكرة ماكرة نحو فقه أئمتنا البررة، ففريق يطالب بنبذ المذاهب ويدعي أنه يريد أن يعيد الأمة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكأن الأمة فيما يزيد على عشرة قرون كانت على ضلال وليست على كتاب الله ولا على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء لا يريدون للأمة إلا ضياعاً مع ضياعهم، وفريق آخر يدعي الصلاح والرشاد والاجتهاد، ويريد أشنع وأخبث أنواع الفساد، يريد أن يلغي مذاهب أئمتنا الكرام من أجل أن يتصرف في دين الرحمن كما يريد، فيوفق ويطوع الإسلام لمفاهيم الحياة الغربية في هذه الأيام، فأناس يدعون العودة إلى الكتاب والسنة، وأناس يدعون الاجتهاد وأنهم زادوا رتبةً على أئمتنا الكرام المتقدمين، ثم آل اجتهادهم إلى التوفيق والترقيع بين دين الله وبين قوانين الشياطين.وسأذكر نموذجاً لهؤلاء وهؤلاء بعد المعالم التي كنت وعدت بذكرها وبيانها في آخر الموعظة الماضية.
 

معالم في الاجتهاد والتمذهب تهم المسلم
إخوتي الكرام! وهنا أذكر معالم عشرة ينبغي أن يعيها أهل الإسلام في هذه الأيام، وأن يحفظها الصغار، ويعتني بها الكبار، وأن يحذروا التضليل الذي ينتشر هنا وهناك.
 عدم استحداث أقوال لم يقل بها أحد من الأئمة
المعلم العاشر وهو آخر المعالم العشرة: إياك أن تقول قولاً لم تسبق إليه مهما كانت قوته عندك، قول ما قيل في هذه الأمة وما عرف فيها، فإياك أن تقول قولاً لم تسبق إليه كما كان أئمتنا يوصون بذلك وفي مقدمتهم الإمام المبجل أحمد بن حنبل رضوان الله عليهم أجمعين. إخوتي الكرام! وهنا أعرض عليكم فتويين أفتى بهما بعض الناس في هذه الأيام:الفتيا الأولى: بعض الدعاة في الدنمارك أفتى بطريقة الذبح التي تحصل هناك، ويكون عن طريق الطلقة المسترجعة، بحيث يؤتى بمسدس فيه حديدة طويلة، إذا أطلق تخرج هذه الحديدة بمقدار عشرة سنتي فتدخل في رأس البهيمة بحيث تلقى على الأرض، ثم بعد فترة يجهز عليها وتذبح، أو عن طريق الصعق الكهربائي في الدجاج من أجل أن تخدر بتيار مخفض ثم بعد ذلك تذبح، وهو أقر أن نسبة كبيرة من هذه الحيوانات تموت قبل أن تذكى تذكيةً شرعية، هذا الداعية أفتى بحل هذه الطرق التي يذبح بها هناك لكن قيد الفتيا بشهرين، فقال يباح لكم ذلك لمدة شهرين، إن التزمتم بذلك وغيرتم طريقة الذبح فأنا أفتي بأن الذبح الآن حلال ويصدر إلى بلاد المسلمين، وإلا فلا، فلما نوقش ونوظر من قبل الإخوة هناك، قال: إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه وكما كره أن تؤتى معصيته، وهذه رخصة لمدة شهرين. من المرخص؟ أنت صرت مشرعاً؟ من الذي رخص لك بهذه الكيفية في الذبح؟ ومن الذي حددها بشهرين؟ إن هذه الطريقة إن كانت جائزة فهي جائزة جوازاً مطلقاً ولا تحدد بشهرين ولا بسنتين، وإذا كانت محرمة فهي محرمة وإن ذبحت ذبيحة واحدة بسببها، أما التحديد بشهرين فهذا من اختصاص الله الذي له التشريع الذي له الحكم والأمر سبحانه وتعالى، سبحان ربي العظيم! وما أشذ المجتهدين في هذا الحين!وضال آخر من بلاد الشام أيضاً ألف كتاباً سماه الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، وخلاصة كلام هذا الإنسان في هذا الكتاب الذي زاد عن ثمانمائة صفحة يقول: إنه في كتابه لن يأخذ بالفقه الموروث، وسيذكر شيئاً لا يوجد في كتب السلف والأئمة المتقدمين، ثم يقول للقارئ: لا تعجل علي بالحكم على حسب العاطفة؛ لأنني سأخرج عما هو موروث، إنما أنا سأقرأ القرآن قراءة معاصرة، وأستنبط منه الأحكام، جاء ليستنبط بعض الأحكام المتعلقة بحجاب النساء في سورة النور وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31]، فقال: الجيوب: جمع جيب، والجيب -يقول-: طبقتان بينهما خرق، وعليه يجب على المرأة أن تستر الطبقتين اللتين بينهما خرق، يقول: وهذا في الفرج، وفي الإليتين، وفي الدبر، وتحت الإبطين، وبين الثديين، هذا الذي يجب على المرأة أن تستره أمام الأجانب، ثم تقوم عارية بعد ذلك، كاشفة الأفخاذ، كاشفة الصدر، كاشفة الرأس، كاشفة الظهر، يقول: لا يوجد دليل يلزمها بالحجاب؛ لأن الله يقول: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31]، والجيوب: جمع جيب، طبقتان بينهما خرق، فأينما وجدت طبقتان بينهما خرق في جسم المرأة فإنها تستره وما عدا هذا تكشفه، قال: وهذا أمام الأجانب.وأما أمام المحارم من أب وابن يجوز للمرأة أن تظهر عاريةً كما ولدت، قال: ولا يجوز للأب أن يقول لها: إن هذا حرام، قال: وإذا ما اعتاد العرف هذا فليقل لها: إن هذا عيب؛ لأنه يفتري على الرحمن عندما يحرم هذا، فالله قد استثنى الزوجة والمحارم من هذا الأمر، ويجوز أن يطلعوا على الزينة الباطنة، وأما الأجانب فالمرأة تستر أمامهم الجيوب فقط.فإياك ثم إياك أن تقول شيئاً لم تسبق إليه، هذه المعالم العشرة إخوتي الكرام لا بد من وعيها:الأول: ديننا -كما قلت- يقوم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حسبما فهم سلف الأمة.الثاني: اجتهادات أئمتنا تشريع.الثالث: الالتزام بمذهب من مذاهب أئمتنا هدى وفضيلة.الرابع: لا يلزم المسلم بالتزام مذهب بعينه.المعلم الخامس: التعصب المذموم أن ينتسب الإنسان إلى مذهب وأن يقول: إن المذاهب الأخرى ضالة باطلة.المعلم السادس: ينبغي أن نتعلم الأدلة لنكون على بصيرة وبينة من أمرنا؛ لئلا نغزى من قبل من يتسفهون على أئمتنا.المعلم السابع: نرد الخطأ على من صدر منه أياً كان، ونلتمس لأئمتنا الأعذار الحسان.المعلم الثامن: لا نتسرع في تخطئة من سلفنا، وينبغي أن نعرف قدرنا.المعلم التاسع: الفتيا لا ينبغي أن تخرج عن المذاهب الأربعة، بل ينبغي أن تتقيد بالمذهب الذي يوجد في ذلك المصر من مذاهب أئمة الهدى.المعلم العاشر: إياك ثم إياك أن تقول شيئاً لم يسبق إليه.
موقف محاربي التمذهب تحت مسمى العودة إلى الكتاب والسنة
فالفرقة الأولى: تطالب بنبذ المذاهب، وتزعم أنها تريد أن تعيد الأمة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.وفرقة ثانية: أرخت لنفسها العنان، وادعت الاجتهاد في الإسلام، وقربت بين تشريع الرحمن ونظام الشيطان.أما الفرقة الأولى: فأناس في ظاهرهم خير، ويدعون الالتزام -كما قلت- بالكتاب والسنة، لكن وقعوا في فخ وشراك ومصيدة أعداء المسلمين، فصاروا يخدمونهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون، فهذا قائل منهم يقول: إن الأمة الإسلامية في هذه الأيام في صحوة، حيث بدأت تعود إلى الكتاب والسنة، ونبذت مذاهب الأئمة ولم تتقيد بها. يقول: من قرابة خمس عشرة سنة والأمصار الإسلامية تلتزم بالمذاهب الأربعة فضلاً عما قبلها، أما الآن فكتاب وسنة وخروج على مذاهب الأئمة، وأنا أقول لهذا الجاهل الذي لا يدري ما يقول: والله ما مر على الأمة الإسلامية زمان انحطت في علمها وفي فكرها، وضعفت في عزيمتها، وقصرت في عملها، وتشتتت في ذهنها، ووقعت البغضاء بينها كحال الأيام التي نعيش فيها، هذه صحوة ضلال ليس بعده ضلال، وأشنع ضلال تعيشه الأمة في هذه الأيام الخروج عن مذاهب أئمتنا الكرام باسم العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكأن الأمة الإسلامية كانت على ضلال وردى، يعبدون الله بآرائهم التي ما أنزل الله بها من سلطان، على رسلك أيها الإنسان! والله ما المجتهد فينا إلا كاللاعب فيمن سبقنا، والله ما المحقق عندنا إلا كطويلب علم بين يدي أئمتنا، إذا كان الخطيب البغدادي وهو من علماء القرن الخامس للهجرة، وتوفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة للهجرة يقول: إذا ذكر السلف فما نحن بجنبهم إلا كالبقل في أصل نخل طوال، فماذا نقول؟ والله إذا ذكرنا من تقدمنا فما نحن بجنبهم إلا بمثابة الشياطين مع المهتدين، فأي صحوة مزعومة في هذا الحين؟ ‏
 تحذير أئمة السلف من الخروج على المذاهب الأربعة في زمنهم
إخوتي الكرام! لا بد من أن نعي وضعنا في هذه الأيام، وكثير ممن يدعي في هذا الوقت الرجوع إلى الكتاب والسنة وهو أخطر على السنة ممن يحارب السنة، وقد أشار أئمتنا إلى هذا، حيث يذكر الإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه فضل علم السلف على الخلف في صفحة ثلاث عشرة، والإمام ابن رجب الإمام التقي الورع العابد البحر الذي توفي سنة خمس وتسعين وسبعمائة للهجرة، يقول هذا العبد الصالح: وفي زماننا -يعني في القرن الثامن- يتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم، فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة، وحدث من انتسب إلى متابعة السنة والحديث من الظاهرية ونحوهم، وهو أشد مخالفةً لها لشذوذه عن الأئمة وانفراده عنهم بفهم يفهمه، أو يأخذ ما لم يأخذ به الأئمة من قبل. قلت عند المعلم التاسع من المعالم المتقدمة: سأنقل كلام الإمام الذهبي بأن الإنسان لا يخرج في الفتيا عن المذاهب الأربعة، بل يلتزم بالمذهب الذي ينتشر في ذلك المصر من أمصار المسلمين.يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء الثامن من صفحة تسعين إلى خمس وتسعين في ترجمة الإمام المبارك الإمام مالك بن أنس عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا يقول: بعد أن ذكر من كان يقلد من أئمة الإسلام بدءاً من الصحابة الكرام إلى زمنه قال: ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الأربعة، وقل من ينهض بمعرفتها كما ينبغي فضلاً عن أن يكون مجتهداً، ولا ريب أن كل من أنس من نفسه فقهاً وسعة علم وحسن قصد فلا يسعه الالتزام بمذهب واحد في كل أقواله؛ لأنه قد تبرهن له مذهب غيره في مسائل ولاح له الدليل وقامت عليه الحجة، فلا يقلد فيها إمامه، بل يعمل بما تبرهن، ويقلد الإمام الآخر بالبرهان، لكنه لا يفتي العامة إلا بمذهب إمامه أو ليصمت بما خفي عليه دليله.
موقف أدعياء الإصلاح والتجديد من الفقه الإسلامي
وأما الفريق الثاني وهم بلا شك أخطر من الأول، وراج كلامهم عند رواج كلام الأول، فهم فريق ادعوا الصلاح والاجتهاد، وأرادوا من وراء ذلك أن يطوعوا الإسلام للمفاهيم الغربية الجاهلية التي يعيشها البشر في هذه الأيام، ادعوا الإصلاح وحالهم كما قال الله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة:11-12] .الدعوة الإصلاحية الردية التي دعا إليها محمد عبده، وقد هلك سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة بعد الألف وما خرج وما حصل بتلك الدعوة وما أوحي إليه بتلك الدعوة إلا من قبل الإنجليزي اللعين كرومر، وقد زين له أن يخرج على مذاهب المسلمين وأن يقول بالاجتهاد؛ ليقول بعد ذلك: كل واحد في دين الله ما شاء. ووصل الشطط تحت ستار دعوة الإصلاح أن يفتي محمد عبده بأنه لا مانع من لبس البرانيط، ولا مانع من الاستعانة بالكفار في أمور الحياة فيما ينفعهم في الدنيا، ولم يذكر لذلك ضابطاً ولا شرطاً ولا قيداً، ولا مانع بعد ذلك من حل الذبح بالبلطة أو بالشرارة الكهربائية، بل لا مانع من الحكم بالقوانين الإنجليزية لأنها أقرب إلى الإسلام من غيرها، فهي دعوة إصلاح يراد منها الإفساد، ونشهدها أيضاً في هذا الوقت بعد وفاة هذا الإنسان بتسعين سنة، سبحان ربي العظيم! تلبس برانيط الكفار، ويوضع الصليب في الصدور، ثم تقول: هذا لا مانع منه لأن نصوص الإسلام تتسع لذلك، وقد وصل به الأمر أنه كان يلي رتبة الإفتاء، ومع ذلك يلي رتبة الاستشارية في محكمة الاستئناف التي تحكم بالقوانين الفرنسية، نعم.. إن صدورهم اتسعت لأن توفق بين شرع الرحمن ونظام الشيطان، فهنا يفتي على حسب الإسلام، وهناك يقضي على حسب القوانين الفرنسية. إخوتي الكرام! دعوة الإصلاح كلها قامت على نبذ المذاهب الأربعة، وأن هذا جمود ينبغي أن تتخلص الأمة منه، وتراهم يتململون في كل ساعة من المذاهب الأربعة، ثم بعد ذلك يرتمون في أحضان الكفار، ويقدمون طاعتهم على طاعة العزيز الغفار.وخلاصة الكلام إخوتي الكرام! هذه المعالم الثلاثة ينبغي أن نعيها تمام الوعي:التشريع من خصائص الله جل وعلا.لهداية الإنسان ركنان: شرع قويم، وعقل سليم.منزلة الاجتهاد في الإسلام منزلة عظيمة، وهذه الاجتهادات أحكام شرعية وأصحابها ليسوا بمشرعين، والثروة الفقهية هي من أعظم معجزات نبينا خير البرية، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.أقول هذا القول وأستغفر الله.
 تحذير أئمة السلف من الخروج على المذاهب الأربعة في زمنهم
إخوتي الكرام! لا بد من أن نعي وضعنا في هذه الأيام، وكثير ممن يدعي في هذا الوقت الرجوع إلى الكتاب والسنة وهو أخطر على السنة ممن يحارب السنة، وقد أشار أئمتنا إلى هذا، حيث يذكر الإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه فضل علم السلف على الخلف في صفحة ثلاث عشرة، والإمام ابن رجب الإمام التقي الورع العابد البحر الذي توفي سنة خمس وتسعين وسبعمائة للهجرة، يقول هذا العبد الصالح: وفي زماننا -يعني في القرن الثامن- يتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم، فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة، وحدث من انتسب إلى متابعة السنة والحديث من الظاهرية ونحوهم، وهو أشد مخالفةً لها لشذوذه عن الأئمة وانفراده عنهم بفهم يفهمه، أو يأخذ ما لم يأخذ به الأئمة من قبل. قلت عند المعلم التاسع من المعالم المتقدمة: سأنقل كلام الإمام الذهبي بأن الإنسان لا يخرج في الفتيا عن المذاهب الأربعة، بل يلتزم بالمذهب الذي ينتشر في ذلك المصر من أمصار المسلمين.يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء الثامن من صفحة تسعين إلى خمس وتسعين في ترجمة الإمام المبارك الإمام مالك بن أنس عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا يقول: بعد أن ذكر من كان يقلد من أئمة الإسلام بدءاً من الصحابة الكرام إلى زمنه قال: ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الأربعة، وقل من ينهض بمعرفتها كما ينبغي فضلاً عن أن يكون مجتهداً، ولا ريب أن كل من أنس من نفسه فقهاً وسعة علم وحسن قصد فلا يسعه الالتزام بمذهب واحد في كل أقواله؛ لأنه قد تبرهن له مذهب غيره في مسائل ولاح له الدليل وقامت عليه الحجة، فلا يقلد فيها إمامه، بل يعمل بما تبرهن، ويقلد الإمام الآخر بالبرهان، لكنه لا يفتي العامة إلا بمذهب إمامه أو ليصمت بما خفي عليه دليله.
بطلان دعوى أن فقه الأئمة مبني على سياسة حكامهم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.إخوتي الكرام! كل هذه الدعوات الضالة الباطلة ينبغي أن نحذرها، فمن زعم أن الفقهاء مشرعون فهو ضال كما تقدم معنا، ومن زعم أن كلام الفقهاء أقوال رجال لنا أن نقول كما قالوا فهو ضال ينبغي أن نحذر قوله، ومن زعم أن مذاهب الأئمة الأربعة بنيت على السياسة وعلى أهواء الحكام فهو ضال يهرف بما لا يعرف، وقد ذكرت بعض أحوال أئمتنا فيما تقدم. وأختم هذا الأمر بحال الإمام المبارك إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وقد توفي سنة تسع وسبعين ومائة للهجرة رحمة الله ورضوانه عليه، عندما أفتى بأن طلاق المكره لا يقع، وقد ثبت هذا عن عدة من الصحابة الكرام.ففي مصنف ابن أبي شيبة وسنن سعيد بن منصور عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: ليس على المستكره والمضطهد طلاق. والأثر علقه الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ونقل هذا المعنى الإمام ابن أبي شيبة عن عدة من الصحابة الكرام؛ عن عمر وعن ابنه عبد الله، وعن عدة من التابعين، عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، والضحاك، وقتادة رضوان الله عليهم أجمعين، فقالوا: أن طلاق المكره لا يقع. وقد وصل الأمر بحكام بني العباس أنهم كانوا يأخذون أيمان البيعة ويؤكدونها بالطلاق، فيقال لهم: نساؤه طوالق، وعبيده أحرار، وماله صدقة إذا نكث البيعة، فقال الإمام مالك : طلاق المكره لا يقع، فما استحسن هذا الحكام، فاستدعاه جعفر بن سليمان الوالي على المدينة من قبل أبي جعفر في زمن الخلافة الإسلامية العباسية، ونهاه عن هذا القول فلم ينته، فما كان من هذا الحاكم إلا أن اشتط فسخم وجه الإمام مالك نور الله وجهه ونور قبره ورحمه ورضي عنه، وما حصل له من ذلك التسخيم إلا رفعة قدر في الدنيا وفي الآخر، وكساه بالسواد ثم أركبه على حمار وجهه إلى مؤخرة الحمار، وطيف به في مدينة نبينا المختار عليه الصلاة والسلام، وقيل للإمام مالك : ناد على نفسك، فكان ينادي: أنا مالك بن أنس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فليعرفني، طلاق المكره لا يقع، أفمثل هؤلاء الأئمة يبنى فقههم على سياسة؟ حاشاهم من ذلك، رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين.اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].
 تحذير أئمة السلف من الخروج على المذاهب الأربعة في زمنهم
إخوتي الكرام! لا بد من أن نعي وضعنا في هذه الأيام، وكثير ممن يدعي في هذا الوقت الرجوع إلى الكتاب والسنة وهو أخطر على السنة ممن يحارب السنة، وقد أشار أئمتنا إلى هذا، حيث يذكر الإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه فضل علم السلف على الخلف في صفحة ثلاث عشرة، والإمام ابن رجب الإمام التقي الورع العابد البحر الذي توفي سنة خمس وتسعين وسبعمائة للهجرة، يقول هذا العبد الصالح: وفي زماننا -يعني في القرن الثامن- يتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم، فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة، وحدث من انتسب إلى متابعة السنة والحديث من الظاهرية ونحوهم، وهو أشد مخالفةً لها لشذوذه عن الأئمة وانفراده عنهم بفهم يفهمه، أو يأخذ ما لم يأخذ به الأئمة من قبل. قلت عند المعلم التاسع من المعالم المتقدمة: سأنقل كلام الإمام الذهبي بأن الإنسان لا يخرج في الفتيا عن المذاهب الأربعة، بل يلتزم بالمذهب الذي ينتشر في ذلك المصر من أمصار المسلمين.يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء الثامن من صفحة تسعين إلى خمس وتسعين في ترجمة الإمام المبارك الإمام مالك بن أنس عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا يقول: بعد أن ذكر من كان يقلد من أئمة الإسلام بدءاً من الصحابة الكرام إلى زمنه قال: ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الأربعة، وقل من ينهض بمعرفتها كما ينبغي فضلاً عن أن يكون مجتهداً، ولا ريب أن كل من أنس من نفسه فقهاً وسعة علم وحسن قصد فلا يسعه الالتزام بمذهب واحد في كل أقواله؛ لأنه قد تبرهن له مذهب غيره في مسائل ولاح له الدليل وقامت عليه الحجة، فلا يقلد فيها إمامه، بل يعمل بما تبرهن، ويقلد الإمام الآخر بالبرهان، لكنه لا يفتي العامة إلا بمذهب إمامه أو ليصمت بما خفي عليه دليله.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , البدعة - معالم في الاجتهاد والتمذهب للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net