اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - العدد المباح من الزوجات للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مباحث النبوة - العدد المباح من الزوجات - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
لقد أباح الله تعالى للرجل أن يتزوج من النساء مثنى وثلاث ورباع، وهذا الأمر مرتبط بالعدل بينهن، فإن خاف ألا يعدل بينهن فليكتف بواحدة، ثم بين أن الاقتصار على الواحدة أبعد من الظلم والجور والحيف بإحدى الزوجات عند الجمع بينهن، ومن لم يقدر على الواحدة استمتع بما ملكت يمينه من الإماء والذي ليس له حد في الشرع كالزوجات.
سبب نزول قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ...) وذكر الخلاف في ذلك
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس مبحثاً مستطرداً ضمن مباحث النبوة على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وهذا البحث المستطرد يدور أصالةً حول ترجمة أمهاتنا أزواج نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فبعد أن انتهينا من مدارسة خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع أهله الكرام، قلت: لا بد من الوقوف على أحوال أمهاتنا وأسرة نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وهذا الأمر قلت: من أن أمهد له ببعض الأمور: أولها: في بيان الحكمة من مشروعية النكاح ومقاصد النكاح، وانتهينا من هذا، وبينت مقاصده الخمسة في مواعظ متعددة. والأمر الثاني: الحكمة من التعدد في حق الأمة، فقد أباح الله لهم أن ينكحوا مثنى وثلاث ورباع، فإن خشي الواحد منهم على نفسه من الجور وعدم العدل فليقتصر على زوجة أو ليتخذ سرية.ثم المبحث الثالث وهو: الحكمة من تعدد أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام زيادةً عما أبيح لأمته.وآخر المباحث: ترجمة أمهاتنا أزواج نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.انتهينا من المبحث الأول من هذه المباحث، وشرعنا في آخر الموعظة الماضية في المبحث الثاني ألا وهو: التعدد، وقلت: مبحثنا سيدور حول الآية التي تضمنت هذا الحكم، وهي قول الله جل وعلا في سورة النساء: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3] .وقلت: مبحثنا الثاني سيدور حول هذه الآية الكريمة ضمن أربعة أمور: أولها: في بيان سبب نزول الآية الكريمة.وثانيها: في بيان معنى الآية الكريمة.وثالثها: في بيان الحد المقدر لنا في العدد من الأزواج، بحيث لا يجوز للإنسان أن يتجاوزه.ورابعها: حكم التعدد وحكمه.
 القول الخامس في سبب نزول قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ...)
السبب الخامس: وهو آخر الأسباب في نزول الآية، وهو منقول عن الحسن البصري ، والتابعي إذا قال قولاً لا يعرف بالرأي فله حكم الرفع، وهذا الأثر عن الحسن ثابت في تفسير الطبري في المكان الذي أشرت إليه في الجزء السابع صفحة أربع وخمسمائة في تفسير هذه الآية من تفسير الإمام الطبري ، وذكره الإمام ابن الجوزي في زاد المسير، ونسبه إلى الإمام الطبري .وخلاصة هذا القول: أن الله جل وعلا عندما أنزل في شأن اليتامى ما أنزل، وهي الآية التي تقدمت معنا: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2]، تحرج الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم من معاملة اليتيم غاية التحرج، فتحرجوا من أخذ شيء من ماله، ومن خلط مال اليتيم بمالهم، فتحرجوا نحو المال، ثم ذلك التحرج توسعت دائرته وامتدت، فإذا كان الإنسان يلي يتيمةً أو هو وصي عليها، ويرغب في نكاحها، وسيتقي ربه في زواجها، ويقسط في صداقها، ويحسن عشرتها، لكن عندما أنزل الله في شأن اليتامى ما أنزل، كان يتحرج من نكاح اليتيمة، يقول: بما أنني وعظت في مالها، وإن كان لي رغبة في الزواج فلا أتزوجها، بل أبتعد عنها، وقد لا يرغب فيها غيره فتتضرر من أجل تحرجه، وهذا التحرج من أجل ورع في نفسه، يقول: أخشى أن أتزوج اليتيمة وأن أظلمها، فكما احتطت في مالها أحتاط أيضاً في معاشرتها وزواجها، فرخص الله لهم في هذه الآية في الزواج باليتيمات بشرط العدل وعدم الجور: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3]، فقصرهم على عدد يمكن وقوع العدل فيه غايته أربع زوجات كما تقدم معنا.هذا -إخوتي الكرام- ملخص ما قيل في سبب نزول الآية من أسباب خمسة مذكورة في كتب أئمتنا الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
تفسير قول الله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء...)

 ذكر من قال بأن معنى قوله: (ألا تعولوا): ألا يكثر عيالكم
الجصاص -إخوتي الكرام- من أئمة الحنفية الكرام، وهو الإمام أحمد بن علي الذي توفي سنة سبعين وثلاثمائة للهجرة، وكان مع براعته في العلم على جانب عظيم من الزهد والورع والتعبد، وقد عرض عليه القضاء فأبى، وانظروا ترجمته الطيبة في سير أعلام النبلاء في الجزء السادس عشر صفحة أربعين وثلاثمائة، وكان مع مكانته وجلالة قدره عنده لوثة الاعتزال، وكان يذهب إلى أن الله لا يرى في الآخرة من قبل المؤمنين في جنات النعيم، وهذه ضلالة اعتزالية نسأل الله أن يغفر له وللمسلمين أجمعين، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، قال الإمام الذهبي بعد أن ترجمه: وفي كتبه شواهد لهذه المحنة، وهي لوثة الاعتزال، وكل إنسان يعطى ما يستحقه، فهذه اللوثة ترد عليه، وهو بعد ذلك إمام من أئمة الخير والصلاح والهدى، فقال: إن الناس خطئوا الإمام الشافعي من ثلاثة أوجه في تفسيره: ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا أي: ألا تكثر عيالكم.الأمر الأول: يقول: أن هذا القول ما قاله أحد من السلف، فـالشافعي كأنه اخترع هذا القول، وهذا الكلام مردود، وقد قلت: إنه سبق الشافعي إلى ذلك زيد بن أسلم الذي توفي سنة ست وثلاثين ومائة للهجرة، وأبو محمد سفيان بن عيينة ، وهؤلاء من السلف رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، فقوله: إن الإمام الشافعي ما سبق إلى ذلك، هذا كلام غير مسلَّم، ولذلك علق الإمام الرازي في تفسيره، وهو فخر الدين الرازي الذي يقال له: ابن الخطيب عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، صاحب كتاب مفاتيح الغيب والتفسير الكبير، في الجزء التاسع صفحة سبع وسبعين ومائة، يقول: قول الجصاص في غاية الركاكة، أولاً: قال بهذا زيد بن أسلم ، وقال به أبو محمد سفيان بن عيينة ، ثم زاد الرازي فقال: وقال به طاوس وطلحة بن مطرف ، وقرآ قول الله جل وعلا: (ذلك أدنى ألا تعيلوا)، أي: ألا تكثر عيالكم، وهذه القراءة -إخوتي الكرام- شاذة، (ألا تعيلوا) من أعال إذا كثر عياله، أما طاوس فهو العبد الصالح طاوس بن كيسان ، ويقال: اسمه ذكوان ، وطاوس لقب له، أبو عبد الرحمن ، ثقة فاضل فقيه، توفي سنة ست ومائة، حديثه في الكتب الستة، وهو قبل زيد بن أسلم ، فقد قرأ بذلك وفسر الآية بذلك، أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3]، أي: ألا تعيلوا، وهو من التابعين، روى عن أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وعن أبي هريرة ، وعن زيد بن ثابت ، وروى عن شيخه عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، ولازمه فترةً طويلة.و طلحة بن مطرف أيضاً قرأ الآية: (أدنى ألا تُعيلوا)، وقلت: إنها قراءة شاذة، لكنها توجه من حيث اللغة، والقراءات الشاذة تنزل منزلة خبر الآحاد، من حيث الاستدلال بها على الأحكام الشرعية، وتوجه بعد ذلك ويؤخذ منها الفوائد اللغوية، وطلحة بن مطرف هو ثقة قارئ فاضل، حديثه في الكتب الستة، توفي سنة اثنتي عشرة ومائة، قبل زيد بن أسلم ، وقبل ابن عيينة ، وقبل الإمام الشافعي .إذاً: هنا خمسة قالوا بهذا القول: أولهم: طاوس وهو أسبقهم، وبعده طلحة بن مطرف ، وزيد بن أسلم ، وابن عيينة ، والإمام الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله، فسروا ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3] أي: ألا تكثر عيالكم، وطاوس وطلحة بن مطرف قرءوا: أَلَّا تَعُولُوا (ألا تعيلوا): من أعال الرجل إذا كثر عياله وقام بنفقتهم، وطلحة بن مطرف كما قلت: حديثه في الكتب الستة، وانظروا ترجمته الطيبة في سير أعلام النبلاء في الجزء الخامس صفحة إحدى وتسعين ومائة، وقال: هو الإمام الحافظ المقرئ المجود، ونعته بأنه شيخ الإسلام.إذاً: قول: الجصاص : لم يقل بذلك أحد قبل الشافعي ، مردود غير مسلَّم بأنه لم يقل هذا القول أحد قبل الشافعي ، وعليه فلا مانع من أن يستنبط الإمام الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا معنىً آخر يوافق قواعد اللغة ونصوص الشرع دون طعن في تفسير المتقدمين، فهو ما أنكر تفسير المتقدمين، وما قال: إن هذا قول باطل، وإذا استنبط المتقدمون معنىً دلت عليه الدلائل الشرعية، فلا مانع أن يستنبط المتأخرون معنىً تدل عليه الدلائل الشرعية، فـالشافعي ما طعن في تفسير المتقدمين، إنما قال قولاً آخر تشهد له الأدلة المعتبرة كما سيأتينا في توجيه قوله إن شاء الله. ولذلك قال الإمام الرازي في رد كلام الجصاص : إن الشافعي ما طعن في كلام المتقدمين، إنما استنبط معنىً آخر، دلت الأدلة الشرعية على اعتباره فقال به، ولا حرج عليه ولا على غيره إذا قال قولاً تشهد له الأدلة المعتبرة، وعليه فالمطعن الأول الذي وجهه الجصاص إلى قول الإمام الشافعي لا قيمة له، وهو مردود.الاعتراض الثاني أذكره وأقف عنده إن شاء الله: قال الجصاص : إن تفسير الشافعي خطأ من حيث اللغة، وهذا سيأتينا الكلام عليه في الموعظة الآتية إن شاء الله، لكن من باب الرد الإجمالي أقول: إن قول الشافعي حجة في اللغة، وعليه فلا يمكن للجصاص الذي جاء بعد الإمام الشافعي بقرابة قرنين أن يرد كلام الإمام الشافعي من جهة اللغة، فـالشافعي أعلم باللغة من الجصاص ، وممن كان في زمان الجصاص وبعد الجصاص عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة ربنا، وسوف أكمل هذا في الموعظة الآتية إن شاء الله.وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا، ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - العدد المباح من الزوجات للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net