اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - تمتع المؤمنين بزوجاتهم في جنات النعيم [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مباحث النبوة - تمتع المؤمنين بزوجاتهم في جنات النعيم [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
مما ينعم الله به على أهل الجنة الأزواج من الحور العين، ومن تمام نعيم الجنة أن المؤمن كلما جامعهن عدن أبكاراً، وسواء في ذلك أزواجه من نساء الدنيا المؤمنات، أو من أنشأ الله له من الحور العين اللاتي ربين له في الجنات.
رؤية الصالحين للحور العين بشارة في الدنيا
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.سبحانك الله وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس مقاصد النكاح العامة وحكمه الأساسية، وقد تقدم معنا أن الحكمة من مشروعيته تدور على أمور كثيرة، أبرزها خمسة أمور: أولها: تحصين النفس البشرية من كل آفة ردية، سواء كانت حسية أو معنوية. وثانيها: إنجاب الذرية التي تعبد وتوحد رب البرية. وثالثها: تحصيل الأجر للزوجين عن طريقين اثنين: حسن عشرة كل منهما لصاحبه، ومساعدته في نفقته. رابع هذه الحكم ورابع المقاصد كما تقدم معنا: تذكر لذة الآخرة. وما قبلها مر الكلام عليه موضحاً مفصلاً، وكنا نتدارس هذه الحكمة، ولعلنا ننتهي منها في هذه الليلة المباركة إن شاء الله. والحكمة الخامسة كما تقدم معنا: ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه وبأهل صاحبه وعشيرته.إخوتي الكرام! الحكمة الرابعة أخذنا فيها وقتاً غير قليل في مدارستها، ألا وهي أن لذة النكاح في هذه الحياة تذكر بلذة النكاح التي تكون في نعيم الجنات، عند تمتع المؤمنين بالمؤمنات والحوريات، وتقدم معنا أن هذه الشهوة هي أعظم المشتهيات عند المخلوقات، وهي ألذ اللذائذ الحسية، مع ما فيها من آفات ردية، وإذا تعلقت النفس البشرية بهذه الشهوة في هذه الحياة مع ما فيها من آفات، فحري بها أن تتعلق بها في الدار الآخرة حيث لا يوجد فيها آفة من الآفات.ولذلك ما ذكر الله في الجنة من نعيم عظيم، ينبغي أن يحث ذلك التذكير والذكر هممنا إلى ما رغبنا فيه ربنا، ورحمة الله ورضوانه على سيد المسلمين وإمامهم الإمام الحسن البصري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، عندما كان يقول: ما حلى الله الجنة ولا جلاها لأحد من الأمم السابقة كما حلاها وجلاها لهذه الأمة.يعني: ما نعت الله الجنة بالأوصاف التي فيها بحيث كأنهم يرونها أمام أعينهم، ما نعت الله هذه الدار لأحد من الأمم السابقة كما نعتها لهذه الأمة، والسبب في ذلك أنها آخر الأمم، وهي أحب الأمم إلى الله جل وعلا، ومن أجل ذلك نعت الله ما في الجنة لعباده المؤمنين، لأتباع نبينا الأمين عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه، من أجل أن يشتاقوا ويتطلعوا إلى هذه الجنة، وإلى ما أعد الله لهم فيها. ثم قال الحسن البصري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: وليس فينا عاشق لها، يعني: مع أن الله جل وعلا حلاها لنا وجلاها لنا ورغبنا فيها، فليس فينا من يعشقها، ويتعلق بها، ويرغب فيها، وحقيقة عجيب أمر الجنة نام طالبها، وعجيب أمر النار نام هاربها.إخوتي الكرام! تقدم معنا أن عدداً من الصالحين عليهم جميعاً رحمات رب العالمين كانوا يرون في منامهم ما رغبوا فيه في آخرتهم، وتقدم معنا أن عدداً من الصالحين رأوا الحور العين، تقدم معنا هذا في أخبار من تقدم من التابعين، وحُكي هذا عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وأفتتح هذه الموعظة بعبد صالح أيضاً رأى حورية جميلة، وأنشدته بعض الأبيات الشعرية فحفظها وضبطها لنا، ألا وهو مالك بن دينار عليه وعلى أئمتنا رحمة العزيز الغفار. وتقدم معنا هذا عن بعض أصحاب منصور بن عمار سابقاً وعن غيره، وهنا عن مالك بن دينار عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وتقدم معنا هذا عن أبي سليمان الداراني ، وتقدم معنا عن تابعي أو صحابي كما في كتاب الزهد لـهناد بن السري ، وهنا هذه القصة عن مالك بن دينار ويرويها الإمام القرطبي في التذكرة في بيان أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص:576) عن هذا العبد الصالح، وهو مالك بن دينار ، وهو من أئمتنا الأخيار الأبرار، نعته الإمام ابن حجر في التقريب فقال: صدوق عابد، توفي سنة (130هـ)، وقد أخرج حديثه الإمام البخاري في صحيحه معلقاً وأهل السنن الأربعة. والإمام الذهبي في السير ترجمه (5/362) فقال: علم العلماء الأبرار مالك بن دينار ، ثم قال: حديثه في درجة الحسن، رحمة الله ورضوانه عليه. ومن مناقبه وأخباره الطيبة: أنه دخل عليه مرة بعض اللصوص فلم يجد في بيته شيئاً يسرقه، فقال: يا هذا! هل وجدت شيئاً؟ قال: لا، قال: إن دللتك على شيء تفعله؟ قال: نعم، قال: توضأ وصل ركعتين، فتوضأ وصلى ركعتين ثم تعلق بهذا العبد الصالح مالك بن دينار ، وصار من تلاميذه الأخيار، فقال: جاء ليسرق فسرقناه، أي: سرقناه من الشيطان وصار من جند الرحمن. يقول هذا العبد الصالح: قرأت مرة وردي ثم نمت، فرأيت جارية أضوأ من الشمس، وأبهى من القمر، فقلت لها: من أنت؟ فقالت: ألا تعلم من أنا؟! أنا أُربى لك في الخدر منذ كذا وكذا، نحن نربى لك في خيام الجنة وأنت نائم، ثم أنشدته أبياتاً من الشعر حفظها وضبطها ونقلها لنا رحمة الله ورضوانه عليه، قال: فقالت له:لهاك النوم عن طلب الأمانيوعن تلك الأوانس في الجنانتعيش مخلداً لا موت فيهاوتلهو في الخيام مع الحسانوإذا كنت الحوراء تخاطب مالك بن دينار بهذا فماذا تقول عنا:لهاك النوم عن طلب الأماني وعن تلك الأوانس في الجنانوقولها: (تعيش مخلدا لا موت فيها) أي: لا تموت في الجنة إذا دخلت فيها، حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72] .. فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ [الرحمن:70] وتلهو في الخيام مع الحسانتنبه من منامك إن خيراًمن النوم التهجد بالقرانفقام وواصل ورده رحمة الله ورضوانه عليه.إخوتي الكرام! من استقرأ أخبار الصالحين وجد هذا مبثوثاً في سيرهم بكثرة، إذا نام الواحد منهم يكون نومه مطية له إلى الآخرة، ولذلك قد يحصل من الفوائد والفرائد في نومه ما لا يحصله في يقظته، فإذا نام اجتمع بالنبي عليه الصلاة والسلام، إذا نام التقى بالحور الحسان، إذا نام كلمه ذو الجلال والإكرام، وهذه لا تحصل في اليقظة، يعني: رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لا تحصل لواحد منا في اليقظة بعد انتقال نبينا عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه إلى الرفيق الأعلى، لا تحصل لنا رؤيته في اليقظة، لكن إذا نمنا نراه، وهكذا الحور الحسان، وهكذا ذو الجلال والإكرام لا نراه في هذه الحياة في اليقظة، ونسأل الله أن يكرمنا بلذة النظر إلى وجهه الكريم، في جنات النعيم، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. لكن رؤية الله في المنام جائزة بإجماع أهل السنة، فإذا نام الإنسان يرى ربه، يرى نبيه على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، يرى الحور الحسان تخاطبه، تقول: أنت ما تعلم من أنا؟ فتسألني: من أنت؟ أربى لك في الخدر في الخيام منذ كذا وكذا، يا مالك بن دينار ، فشد العزم في طاعة العزيز القهار سبحانه وتعالى.كما قلت إخوتي الكرام: أخبار الصالحين في ذلك كثيرة كثيرة.
 

تعليق الشيخ أبو غدة على كلام ابن القيم في حديث لقيط بن عامر في وصف الجنة
وكنا نستقرئ ونتدارس في المواعظ السابقة ما ورد في وصف الحور الحسان من أخبار عن نبينا المختار عليه الصلاة والسلام، وبعد أن تدارسنا وصفهن في كتاب الله، انتقلت إلى وصفهن في أحاديث نبينا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكما قلت في الموعظة الماضية: سأختم الحديث عنهن بأمرين اثنين: الأمر الأول: في لذة التمتع بهن، والأمر الثاني: أن الواحدة منهن تعود بكراً كلما قام زوجها عنها. آخر ما تكلمت عليه في الموعظة الماضية، وقلت سأكمله في أول هذه الموعظة، حديث لقيط بن عامر رضي الله عنه وأرضاه، لقيط من بني المنتفق كما تقدم معنا، وقلت: إن الحديث في زيادات سيدنا عبد الله بن أحمد ولد سيدنا الإمام المبجل أحمد بن حنبل عليهم جميعاً رحمة الله، في زياداته على المسند، ورواه أيضاً في السنة، ومروي في غير ذلك من دواوين الإسلام، ونقلت كلام الإمام ابن قيم الجوزية عليه وعلى أئمتنا رحمات رب البرية، في تصحيح هذا الحديث وتقويته من كتابين من كتبه: كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، وكتاب زاد المعاد في هدي نبينا خير العباد، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.كما نقلت في بداية الكلام عن هذا الحديث توثيق الإمام الهيثمي لجميع رجال إسناد الحديث، وقال: إسناده متصل، ورجاله ثقات، فأذكر لفظه لأتكلم على ما قيل من اعتراض على الإمام ابن قيم الجوزية في تصحيحه لهذا الحديث.تقدم معنا إخوتي الكرام! أن الحديث طويل، وأخذ قرابة صفحتين من المسند كما قلت، وقلت إنه في مسند الإمام أحمد (4/13) فما بعدها، ومحل الشاهد منه: (وإن الجنة لها ثمانية أبواب) بعد أن قال: (لعمر إلهك إن النار لها سبعة أبواب، ما منها بابان يسير الراكب بينهما سبعين عاماً، وإن الجنة لها ثمانية أبواب، ما منها بابان يسير الراكب بينهما سبعين عاماً، قلت: يا رسول الله! فعلام نطلع من الجنة؟ قال: على أنهار من عسل مصفى، وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لا يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة، ولعمرك إلهك ما تعلمون) يعني: يوجد أشياء لا تعلمونها، (ولعمر إلهك ما تعلمون، وخير من مثله معه وأزواج مطهرة، قلت: يا رسول الله! أولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات؟)، هذا موجود في القرآن الكريم وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ [البقرة:25] كما تقدم معنا، (فقال عليه الصلاة والسلام: المصلحات للصالحين)، وفي لفظ: (الصالحات للصالحين، تلذونهن ويلذونكم مثل لذاتكم في الدنيا)، وقلنا: المثلية من وجه دون وجوه متعددة، فاللذة حاصلة، لكن شتان شتان ما بينهما من حقيقة اللذة، فالبون بينهما كالبون بين دار الآخرة ودار الدنيا.إخوتي الكرام! هذا الحديث تقدم معنا أن الإمام الهيثمي قال إنه متصل، ورجال إسناده ثقات، والإمام ابن القيم أطال في تصحيح هذا الحديث وتقويته، وقلت: إن بعض المعلقين في هذه الأيام على بعض الكتب ما ارتضى مسلك الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، ورد عليه، ثم بعد ذلك قال: ينبغي أن نحتاط نحو كلام الإمام ابن القيم إذا وافق كلامه مشربه، أي: إذا صحح أحاديث توافق مشربه ينبغي أن نحتاط فيها، فأحياناً يتساهل، فقد يكون الحديث مردوداً ضعيفاً متروكاً منكراً، ويأتي الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا فيصححه.
 الكلام على ما ورد في الحديث من صفات الله
وأما الصفات التي وردت فيه كصفة الضحك وغيرها، فنقول فيها ما نقوله في سائر صفات ربنا سبحانه وتعالى: يضحك بكيفية يعلمها ولا نعلمها، كما ينزل بكيفية يعلمها ولا نعلمها، وكما يتكلم بكيفية يعلمها ولا نعلمها، وكما له يدان سبحانه وتعالى يعلمهما ويعرف حقيقتهما ولا نعلمها ولا نعرف حقيقتهما، وغاية ما عندنا في صفات ربنا إقرار وإمرار، ومن أقر ولم يمر فهو ممثل، ومن لم يقر فهو معطل، فانتبه لذلك.نقر بالصفة كما وردت، ثم لا نبحث في كنهها ولا في كيفيتها، ونقول ما قاله سيدنا الإمام الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله عز وجل، وآمنت برسولنا عليه الصلاة والسلام، بما جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك إذا نحن أخرجنا العقول من هذه المتاهة لا نستغرب شيئاً مما ورد في هذا الحديث.وقلت: لكل صفة وردت نظائر، ولها مثيل ومشابه، ولذلك لا داعي لأن نقول: إن هذا الحديث وافق مشرب الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، ولذلك جمع جراميزه لتصحيحه وتقويته، والعلم عند الله جل وعلا. الكلام حقيقة طال، لكن الحديث فيما يبدو ويظهر لي والعلم عند الله: أنه ثابت محتج به، وجرى حوله هذا الكلام، وأردت أبين هذا الأمر حتى إذا وقف الإنسان على هذه التعليقة يكون على علم بها.ولا يقولن قائل: إنك استدللت بهذا الحديث وقلت: خرجه فلان وفلان، لكن الإمام ابن القيم هول حول هذا الحديث وأنت ما بينت لنا، فاستمع هذا، عندي علم بما قيل من اعتراض، لكن ذلك الاعتراض لا قيمة له، والعلم عند الله جل وعلا.
ذكر بعض الأحاديث في تمتع المؤمنين بالحور في الجنة
إخوتي الكرام! نتابع بعد ذلك خطوات البحث فيما تقدم معنا من وصف الحوريات والنساء المؤمنات في نعيم الجنات.تقدم معنا إخوتي الكرام! أنه بعد وطئهن يعدن أبكاراً، وقلت: أشار الله جل وعلا إلى هذا في كتابه جل وعلا كما تقدم معنا في وصفهن: إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة:35-38].
 حديث آخر لأبي هريرة في عودة الحور العين أبكاراً بعد الوطء
رواية رابعة إخوتي الكرام فيها أيضاً شيء من الضعف، وأئمتنا احتجوا بها، واستشهدوا بها لوجود شواهد لها، مروية أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، رواها الإمام البيهقي في البعث والنشور (ص:344)، وهو آخر حديث في كتاب البعث، ونسبها الإمام السيوطي في الدر (5/339) إلى عبد بن حميد وعلي بن سعيد في كتاب الطاعة والمعصية، وإلى مسند أبي يعلى ، وهي في تفسير الطبري، ورواها ابن المنذر في تفسيره، وابن أبي حاتم في تفسيره، وأبو موسى المديني، كما رواها الإمام الطبراني في معجمه الكبير، وأبو الحسن القطان في كتابه المطولات، ورواها أبو الشيخ في كتاب العظمة. والحديث كما قلت إخوتي الكرام! من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وفي إسناد الحديث إسماعيل بن رافع ، قال عنه الحافظ في التقريب: ضعيف الحفظ، توفي في حدود سنة (150هـ)، وهي السنة التي مات فيها فقيه هذه الأمة المباركة سيدنا أبو حنيفة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وإسماعيل بن رافع رمز له الإمام ابن حجر في التقريب بأنه من رجال البخاري في الأدب المفرد (بخ)، والترمذي وابن ماجة القزويني ، وذكر الإمام ابن حجر في ترجمته في التهذيب (1/295)، فقال: قال شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: لم يكن به بأس، ولكنه كان يحمل عن هذا وهذا، وقال الإمام الفسوي صاحب كتاب المعرفة والتاريخ: ليس بمتروك، ولا يقوم حديثه مقام الحجة، يعني: لا يحتج به على انفراده، ولا يترك، إنما يكتب حديثه ويستشهد به، فإذا وجد له شاهد اعتضد وتقوى. وقال الإمام الترمذي : ضعفه بعض أهل العلم، يقول: وسمعت محمداً -وهو الإمام البخاري شيخ الإمام الترمذي عليهم جميعاً رحمة الله- يقول: إنه ثقة مقارب الحديث.(مقارِب) كما تقدم معنا، أي يقارب غيره في الحفظ والضبط والإتقان، أو (مقارَب) يقاربه غيره في الحفظ والضبط والإتقان، وعلى اصطلاح سيدنا الإمام البخاري الحديث لا ينزل عن درجة الحسن من طريق إسماعيل بن رافع ، مع أنه ضعيف الحفظ وليس في ديانته وعدالته خدش، هذا ينقله الإمام الترمذي يقول: ضعفه بعض أهل العلم، وسمعت محمداً يقول إنه ثقة مقارب الحديث. والإمام الذهبي في المغني يقول: ضعفوه جداً، ثم روى عن الإمام الدارقطني والنسائي أنهما قالا: إنه متروك، وقال في الكاشف أيضاً: ضعيف واهن، وأما في الميزان (1/227) فذكر عبارة خشنة ما أعلم سببها قال: ومن تلبيس الإمام الترمذي -وأي تلبيس يا عبد الله! والإمام الذهبي ومن هو في منزلته لا يزنون شعرة من الإمام الترمذي، وكل واحد ينبغي أن يقف عند حده وأن يعرف مقداره- يقول: ومن تلبيس الإمام الترمذي قال: ضعفه بعض أهل العلم، وقال الإمام البخاري : ثقة مقارب الحديث، يعني: على من تتكلم؟ على البخاري أو على الإمام الترمذي . إن كنت تتهم الإمام الترمذي في النقل فلن يوثق بشيء بعد ذلك من السنة، وإذا كان كلام الإمام البخاري لا يقبل، فالأمر أشنع وأشنع، فغاية ما يقال: إن هذا الراوي مما اختلفت أنظار العلماء فيه، أما أن يقال من تلبيس الإمام الترمذي فهذه عبارة خشنة.وقلت لكم مراراً إخوتي الكرام! أئمتنا ينبغي أن نتأدب معهم، وغفر الله للإمام الذهبي ورحمه ورضي عنه وغفر لأئمتنا أجمعين، وهذه العبارة ما ينبغي أن تقال في حق الإمام أبي عيسى الترمذي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، يقول: ومن تلبيس الإمام الترمذي ..، ثم نقل هذا، وحقيقة لا أعلم ماذا يقصد، وما علق الذهبي على هذا بشيء، والعبارة خشنة تطرح ممن صدرت منه، وليس هذا من تلبيسه، إنما هذا من نصحه وديانته أنه ينقل لنا ما قاله أئمتنا في رواة حديث نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه. ولذلك إخوتي الكرام! هذا الحديث جميع رجال إسناده ثقات أثبات، وما فيهم من تكلم فيه إلا إسماعيل بن رافع ، وقد اختلف أئمتنا بناء على ذلك في تصحيح هذا الحديث وتضعيفه، قال الإمام السيوطي في البدور السافرة في أمور الآخرة (ص:20): اختلف الناس في تصحيح هذا الحديث وتضعيفه، ثم قال: صححه الإمام أبو بكر بن العربي ، وسيأتينا نقل التصحيح عنه الإمام ابن حجر في فتح الباري، وأما أبو بكر بن العربي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، فصحح هذا الحديث في كتابه سراج المريدين، وما عندي هذا الكتاب لأنظر تصحيحه وأتحقق منه.قال: وصححه الإمام القرطبي في التذكرة في أمور الآخرة، وصححه مغلطاي بن قليج وهو علاء الدين من أئمة الحنفية الكبار، توفي سنة (762هـ)، من علماء القرن الثامن للهجرة، وشرح البخاري في عشرين مجلداً، والإمام ابن حجر ينقل عنه، وهو من الأتراك ويسمون بهذه الأسماء: مُغَلطاي، وبعض الناس عندما ينطق به يقرؤه: مَغْلَطاي، مُغَلْطاي بن قليج علاء الدين الحنفي شرح البخاري في عشرين مجلداً، انظروا ترجمته العطرة في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لحذام المحدثين الإمام ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، في الجزء الرابع صفحة اثنتين وخمسين وثلاثمائة. إذاً: صححه أبو بكر بن العربي والقرطبي ومغلطاي ، يقول: وضعفه البيهقي وعبد الحق ، وصوبهما ابن حجر .إذاً أئمة ضعفوه وأئمة حسنوه وصححوه، ولفظ الحديث تسمعونه وتعلمون أن الشواهد التي تقدمت معنا تشهد له قطعاً وجزماً، وهو في الترغيب والترهيب (4/534).أقرأ لفظ الحديث، وأما كلام الحافظ ابن حجر عليه في فتح الباري فأنقله إن شاء الله في أول الموعظة الآتية حول هذا الحديث، والإمام ابن كثير عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا يقول: لا يوجد لهذا الحديث جملة إلا ولها شواهد ثابتة، ثم فصل الكلام على هذا الحديث جملة جملة في كتابه النهاية، وذكر الشواهد على هذا الحديث، وهو المعروف بحديث الصور الطويل. سأذكر هنا الرواية التي تدل على بحثنا، ألا وهي: أن نساء أهل الجنة إذا وطئن يعدن أبكاراً:وعن محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وهنا محمد بن كعب القرظي تارة يروي الحديث عن أبي هريرة مباشرة، وتارة يرويه بواسطة رجل مبهم، وهو رجل من الأنصار، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طائفة من أصحابه، فذكر حديث الصور بطوله، وقلت لكم: ختم به الإمام البيهقي كتابه البعث والنشور، وأخذ قرابة خمس صفحات في كتاب الإمام البيهقي ، وهو أول حديث في كتاب البدور السافرة، وآخر حديث في البعث والنشور. يقول هنا: قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طائفة من أصحابه، فذكر حديث الصور بطوله إلى أن قال: (فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة، فيقول الله جل وعلا: قد شفعتك وأذنت لهم في دخول الجنة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة لأزواجهم ومساكنهم، فيدخل رجل منهم على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله وثنتين من ولد آدم)، وتقدم معنا الاختلاف في العدد وقلت: لا تعارض بين الروايات في ذلك ولا معارضة بين ذكر القليل والكثير، يقول: (وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله لعبادتهما الله في الدنيا، يدخل على الأولى منهما في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ، عليه سبعون زوجاً من سندس وإستبرق، ثم يضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها من وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت، كبده لها مرآة، وكبدها له مرآة، فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله، ولا يأتيها مرة إلا وجدها عذراء)، كما تقدم معنا في رواية أبي هريرة الأولى ورجال الإسناد ثقات، وهكذا الرواية الثانية رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين (ولا يأتيها مرة إلا وجدها عذراء، ما يفتر ذكره، ولا يشتكي قبلها، فبينا هو كذلك إذ نودي: إنا قد عرفناك أنك لا تَمل ولا تُمل)، أي: أنت لا تتعب ولا تكرهك زوجتك الطيبة الطاهرة، (إلا أنه لا مني ولا منية، إلا أن لك أزواجاً غيرها، فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة بعد، كلما جاء واحدة قالت: والله ما في الجنة شيء أحسن منك، وما في الجنة شيء أحب إلي منك) إلى آخره. يقول الإمام المنذري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: رواه أبو يعلى والبيهقي في آخر كتابه من رواية إسماعيل بن رافع بن أبي رافع ، انفرد به عن محمد بن يزيد بن أبي زياد عن محمد بن كعب . كما قلت إخوتي الكرام أنقل كلام الحافظ حول هذا الحديث في الفتح (11/368)، وأكمل بقية المبحث إن شاء الله. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - تمتع المؤمنين بزوجاتهم في جنات النعيم [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net