اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - وصف الحور العين في الكتاب والسنة [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مباحث النبوة - وصف الحور العين في الكتاب والسنة [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
لقد جاء وصف الحور العين في السنة المطهرة عن النبي صلى الله عليه وسلم خير وصف وأبلغه وأتمه، مما يجعل المؤمن يسارع ويشمر وينافس حتى يكون ممن يتمتعون بهن في جنات النعيم، ومما ورد في وصفهن: أنه يُرى مخ سوقهن من وراء اللحم، ومن وراء الحلل العظيمة التي يلبسنها، كما قررت السنة المطهرة من كلام خير البرية أن للمؤمن في الجنة أكثر من حورية وحوريتين؛ بل له منهن ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
ذكر أثر ثابت البناني في رؤية أحد المجاهدين لزوجته من الحور العين في المنام
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك الله وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: إخوتي الكرام! لازلنا نتدارس الحكمة من مشروعية النكاح ومقاصده الأساسية، وتقدم معنا أن الحكمة من مشروعيته تدور على خمسة أمور:أولها: تحصين النفس البشرية من كل آفة ردية، حسية كانت أو معنوية.وثانيها: إنجاب الذرية التي تعبد رب البرية.وثالثها: تحصيل الأجر للزوجين عن طريق حسن عشرة كل منها لصاحبه، ومساعدته عليه في نفقته، ومساعدته في نفقته.والحكمة الرابعة: تذكر لذة الآخرة.وآخر الحكم وخاتمتها: ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه وبأهل زوجه وأقاربه.وكنا نتدارس الحكمة الرابعة من هذه الحكم ألا وهي: تذكر لذة الآخرة، وتقدم معنا أن أعظم لذائذ بني آدم في هذه الحياة من المشتهيات المحسوسات لذة النكاح، وهذه اللذة التي هي أعظم اللذات الحسية تقدم معنا أن فيها آفات ونقصاً كثيراً في هذه الحياة، ومع ذلك تتعلق بها النفس وترغب فيها، فإذا كان الإنسان عاقلاً ينبغي أن يتعلق بهذه اللذة وأن يرغب فيها في الدار الآخرة، فهناك لا نقص فيها بوجه من الوجوه، والكمال هناك فيها وفي سائر الشهوات التي يتمتع بها الإنسان، نسأل الله أن يمن علينا برضوانه وبدار كرامته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.تقدم معنا أن الله شوقنا في كتابه إلى نساء أهل الجنة، كما شوقنا نبينا صلى الله عليه وسلم في حديثه إليهن، فوصف نساء أهل الجنة في الكتاب والسنة بأوصاف تتعلق بها نفوس العقلاء، تتعلق بها النفوس الكريمة الطاهرة، وتقدم معنا أن كثيراً من الصالحين كانوا يرون أزواجهم من الحور العين في المنام من كثرة تعلقهم بهن، تقدم معنا أنه حصل هذا لـأبي سليمان الداراني ، وحصل لعبد صالح من تلاميذ الشيخ منصور بن عمار ، وحصل هذا لعدد من الصالحين منهم صحابي أو تابعي، العلم عند الله لم يسم، لكن خبره ثابت بإسناد حسن في كتاب الزهد للإمام هناد بن السري ، وانظروه في الجزء الأول صفحة تسع وخمسين، ورواه شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك في كتاب الجهاد، ورواه أبو بكر الشافعي في فوائده، وهو -كما قلت- إسناده حسن.وخلاصة الأثر: عن شيخ الإسلام ثابت بن أسلم البناني، وهو ألصق الناس بسيدنا أنس بن مالك خادم نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، يقول ثابت بن أسلم البناني :كنت مع أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين، فجاء ولده أبو بكر من الغزو، فحدث والده بقصة غريبة فقال: إن صاحبنا -وهذا هو الذي لم يسم، هل هو صحابي أو من التابعين؟ العلم عند الله- إن صاحبنا -أي الذي تعرفه ولم يذكر اسمه- بينا نحن في الغزو صاح: وا أهلاه! وا أهلاه! قال: فاجتمعنا عليه وظننا أنه طرأ عليه طارئ، فقلنا: ما لك؟ قال: كنت أعزم في نفسي ألا أتزوج في هذه الحياة، وأطلب من ربي أن يزوجني من الحور الحسان في نعيم الجنات، وكنت أتمنى أن أستشهد وأتعجل الشهادة ليعطيني الله أمنيتي، فدخلت معارك وغزوات كثيرة، وما قدر الله لي الشهادة، ففي هذه الغزوة التي أنا معكم فيها لما طال علي الوقت ولم أرزق الشهادة، عزمت أنني إذا رجعت إلى بلدي أن أتزوج، فنمت القيلولة وإذا بإنسان يوقظني في النوم ويقول: أنت الذي عزمت أن تتزوج إذا قفلت ورجعت من الغزو؟ قلت: نعم، قال: قم حتى نزوجك العيناء الجميلة الحسناء، قال: فذهبت معه، فمررت على روضة معشبة فيها عشر جوار من النساء الحسان، يقول: ما رأيت مثلهن في الحسن والجمال، فقلت لهن: فيكن العيناء؟ قالوا: نحن من خدمها، والعيناء أمامك، تقدم، يقول: فأتيت على روضة أخرى معشبة أكثر من الأولى، وفيها عشرون جارية، ما حسن العشر إليهن بشيء إذا قيس حسن أولئك إلى العشرين الجواري الأخريات، فقلت: فيكن العيناء؟ قالوا: نحن من خدمها، والعيناء أمامك، تقدم، يقول: فإذا بروضة معشبة فيها من الخضرة والجمال ما ليس في الروضة الأولى والثانية، وفيها أربعون جارية، ما حسن العشر والعشرين إليهن بشيء، فقلت: فيكن العيناء؟ قالوا: نحن من خدمها، والعيناء أمامك، يقول: فتقدمت وإذا بحجرة من ياقوتة مجوفة عليها امرأة ما رأيت مثل حسنها، قد فضل جنباها عن السرير من حسنها وسمنها، قال: فمددت يدي إليها، فقالت: أوه، لا زال فيك روح، تمد يدك إلي وفيك روح، أنت سوف تمد يدك إلي بعد أن تنتقل إلى الآخرة، ثم قالت له: يا عبد الله! فطورك الليلة عندنا، ستفطر هذه الليلة عندنا، يقول: فاستيقظ الرجل فبدأ يقول: وا أهلاه! وا أهلاه! قال: فبينا هو يحدثنا بحديثه نادى أمير الجيش: يا خيل الله اركبي، لمقابلة الأعداء، قال: فركبنا وبدأنا نتسابق على خيولنا في مقاتلة أعداء الله جل وعلا، يقول: فلما غربت الشمس، وأنا أنظر إليه وإلى غروب الشمس أيهما سيذهب قبل صاحبه؟ لأنها قالت له: سيفطر عندها، قال: فندر رأسه وقتل في سبيل الله قبل أن تغرب الشمس، فقال أنس لولده أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين: رحمه الله، رحمه الله. حقيقة إذا كان الإنسان يتعلق بهذه اللذة المحفوفة بالأكدار والأخطار والشوائب والنواقص والنقائص، فينبغي أن يتعلق بتلك الشهوة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، والأثر -كما قلت إخوتي الكرام- مروي في هذه الكتب وإسناده حسن عن شيخ الإسلام ثابت بن أسلم البناني ، عن ولد سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين.
 

تابع وصف الحور العين في سنة سيد المرسلين
إخوتي الكرام! تقدم معنا وصف نساء أهل الجنة الحسان في آيات القرآن، وأنه مطهرات في خلقهن وأخلاقهن، كما استعرضنا بعد ذلك شيئاً من أواصفهن في أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام، وآخر ما ذكرته في الموعظة الماضية حديث سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وتقدم معنا تخريجه، وقلت: إنه روي مرفوعاً وموقوفاً، وبعد أن ذكرت لفظه أعيده الآن، وأما تخريجه فقد تقدم في المواعظ الماضية، لكن سأذكر أيضاً شواهد لهاتين الروايتين المرفوعة والموقوفة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه.
 ذكر روايات أبي هريرة في أن الحور العين يرى مخ سوقهن من وراء اللحم
وهذه الرواية أيضاً ثبتت عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعة إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، ورويت عن أبي هريرة في مسند الإمام أحمد وفي الصحيحين وسنن الترمذي وابن ماجه ، ورواها الإمام الدارمي في سننه أيضاً، ورواها هناد بن السري في كتاب الزهد، وهي أيضاً في المصنف في المكان المتقدم في الجزء الثالث عشر صفحة عشر ومائة، ورواها شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد والرقائق، ورواها أبو نعيم في كتاب صفة الجنة وفي أخبار أصبهان، انظروها في أخبار أصبهان في الجزء الأول صفحة ثلاثمائة، ورواها عبد الرزاق في المصنف في الجزء الحادي عشر صفحة أربع عشرة وأربعمائة، وهي في شرح السنة للإمام البغوي في الجزء الخامس عشر صفحة سبع ومائتين، وفي كتاب العظمة لأبي الشيخ صفحة ست وستين ومائتين. ولفظ حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة )، وهي العود، المجامر التي يتطيبون بها رائحة العود، لكنها من عود الجنة لا من عود الأرض، هذه مجامرهم التي يتجمرون بها، ويتبخرون بها، قال: ( أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد )، يعني صورتهم واحدة، وسيأتينا أن طول الواحد منهم ستون ذراعاً في عرض سبعة أذرع على خلق أبيهم آدم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، كما أن النساء أيضاً على خلقة واحدة، إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا [الواقعة:35-37]، أي: أمثالاً متساويات كما تقدم معنا، ( على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعاً في السماء ) ، هذا الطول، والعرض سبعة أذرع، هذا طول الرجل، والمرأة فيها من الحسن ما تقدم معنا. وفي رواية: قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد )، فكما أن خلقهم على صورة رجل واحد، فقلوبهم على قلب رجل واحد، تساووا في الخلق وفي الخلق، في المظهر وفي المخبر، ولذلك لا تتطلع المرأة إلى رجل آخر، والرجل لا يتطلع إلى غير ما عنده، ( قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً )، وهذه الروايات كما قلت في الصحيحين وغيرهما.وفي رواية أخرى في الصحيحين: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على آثارهم كأحسن كوكب دري في السماء إضاءة، قلوبهم على قلب واحد، لا تباغض بينهم ولا تحاسد، لكل امرئ زوجتان من الحور العين، يرى مخ سوقهن من وراء العظم واللحم )، وفي رواية لـمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل )، وفيه قال ابن أبي شيبة : ( على خلْق رجل واحد )، وقال أبو كريب : ( على خلُق رجل واحد )، واجمع بين الأمرين، فهم على خلْق رجل واحد في الصورة، وهم على خلُق رجل واحد في المعنى، ولذلك الرواية الأولى: على خلُق رجل واحد، وعلى قلب رجل واحد، وإذا كانوا على قلب رجل واحد، فهم على خلْق رجل واحد، فالخلق استووا فيه، والخلق أيضاً تماثلوا فيه واستووا فيه.وفي رواية أخرى من رواية شيخ الإسلام محمد بن سيرين قال: إما تفاخروا وأما تذاكروا عند أبي هريرة رضي الله عنه: الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ وسيأتينا الكلام على هذه الرواية عند الكلام على الحكمة من التعدد، وسيأتينا هناك أن نسبة النساء أكثر من الرجال في الدنيا وفي الآخرة، في الجنة وفي النار، عدد المؤمنات في الجنة أكثر من عدد المؤمنين، وعدد الكافرات في النار أكثر من عدد الكافرين، ونسبة النساء في كل عصر تزيد على نسبة الرجال في الحياة الدنيا، فهن أكثر أهل الدنيا، وهن أكثر أهل الجنة، وهن أكثر أهل النار، كما سيأتينا هذا إن شاء الله.قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا عند أبي هريرة رضي الله عنه: الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أولم يقل أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ( إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوء كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان )، إذن النساء أكثر من الرجال، فإنه لكل امرئ منهم زوجتان، هذا أقل ما يحصل، وهذا بعدما يضم إليه من الحور العين ما لا يعلمه إلا رب العالمين.وهاتان الزوجتان ذهب الحافظ إلى أنهما من أهل الدنيا، أي: كل واحد له زوجتان من نساء أهل الدنيا، ومن أخذ أكثر لا ينقص نصيبه، من كان عنده أربع لا يفرق بينه وبين زوجتين من أزواجه في الجنة، لكن لكل واحد زوجتان اثنتان من نساء أهل الدنيا، قال: ( يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب )، فكل واحد له زوجتان، وسيأتينا أن الحافظ ابن حجر يقول: لكل واحد زوجتان من نساء أهل الدنيا، وله بعد ذلك ما شاء من الحور الحسان، وعليه فما ورد: له اثنتان وسبعون، له سبعون.. ونحو ذلك، يقول: اثنتان من نساء أهل الدنيا، والزائد من الحور، وللإمام ابن القيم رأي آخر أذكره إن شاء الله وألقي الضوء عليهما بعون الله عند مجيء ذكر هذا العدد.إذاً: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه الذي تقدم معنا له شواهد متعددة بمعناه من رواية عدة من الصحابة، من رواية أبي سعيد رضي الله عنه وأرضاه، ومن رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وروي أيضاً موقوفاً على عمرو بن ميمون الأودي رضي الله عنهم أجمعين.
ما جاء عن النبي في بيان عدد ما للمؤمن في الجنة من الحور العين
إخوتي الكرام! هذا المقدار الذي يكرم الله به الأبرار في دار القرار لا ينافي حصول ما هو أكثر منه في تلك الدار، فقوله: (لكل واحد زوجتان) لا يعني أنه لا يمكن أن يأخذ أكثر، وذلك لدخول القليل في الكثير، وذلك مقرر عند أئمتنا في مثل هذا المبحث الشهير، وقد تقدم معنا أنه إذا وردت أعداد مختلفة فنقول: لا تعارض بينها، فالقليل يدخل في الكثير، فالثنتان تدخلان في السبعين، وتدخلان في المائة، وتدخلان بعد ذلك في قول الله: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35] ، فإذا أخذ ألفاً دخلت الثنتان في الألف، وإذا أخذ ألفين دخلت الثنتان في الألفين، فلا تعارض بين الأعداد لدخول القليل في الكثير. وتقدم معنا أن هذا الرأي هو الذي مال إليه شيخ الإسلام الإمام النووي عليه رحمة الله وقرره في مواطن متعددة في شرحه لصحيح مسلم ، منها ما تقدم معنا في مباحث سنن الترمذي في الجزء الحادي عشر صفحة عشرين ومائة في مبحث تعدد نساء نبي الله سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام في هذه الحياة، عند الكلام على فتنته التي حصلت له، وهي أنه أراد أن يطوف على نسائه ولم يقل: إن شاء الله، والروايات كلها صحيحة كما تقدم معنا: ستون، وسبعون، وتسعون، وتسع وتسعون، ومائة، وهذه الروايات قال الإمام النووي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: هذا كله لا تعارض فيه؛ لأنه ليس في ذكر القليل نفي للكثير، وقد سبق بيان هذا مرات.وهنا كذلك الاثنتان تدخل في السبعين وما هو أكثر من ذلك، وسيأتينا أن له في الحجرة الواحدة من اللؤلؤ المجوف أهلون، وطول هذه الحجرة ستون ميلاً، يعني قرابة مائة كيلو متر، له فيها أهلون يطوف عليهم فلا يرى بعضهم بعضاً، والحديث في الصحيحين، وهذا كله لا يتعارض مع الإخبار بأنه لكل واحد زوجتان أو سبعون أو أعداد لا نهاية لها حسبما يطلب ويريد، وذلك لدخول القليل في الكثير، فلا تعارض بين هذه الأعداد، والذي يقرر أنه يحصل لرجال أهل الجنة أكثر من زوجتين أحاديث كثيرة متعددة، استمعوا لبعضها إخوتي الكرام:
 حديث أبي موسى الأشعري: (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة.. للمؤمن فيها أهلون..)
بعد هذين الأثرين أذكر خبراً في الصحيحين، وهو في أعلى درجات الصحة، وفيه دلالة واضحة ظاهرة على أن المؤمن يتمتع بأكثر من زوجتين، ولذلك قلت: لا منافاة بين الأعداد، ولا منافاة بين القليل والكثير لدخول القليل في الكثير والعلم عند الله الجليل.ثبت في المسند والصحيحين، والحديث في سنن الترمذي ، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه، ورواه عبد بن حميد في مسنده، وابن مردويه في تفسيره، وابن حبان في صحيحه، وأبو الشيخ في كتاب العظمة في صفحة ست وستين ومائتين، ولفظ الحديث: من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه، عن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: ( إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها في السماء ستون ميلاً )، وفي رواية: ( عرضها ستون ميلاً )، وإذا كان عرضها ستون ميلاً فالغالب أن يكون الطول أكثر، والستون ميلاً قرابة مائة كيلو متر، قال: ( للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضاً ). أخرجه البخاري ومسلم ، وفي رواية الترمذي : ( إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً، في كل زاوية منها للمؤمن أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم )، وفي رواية ذكرها رزين : ( إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً، ما فيها وصم ولا فصم )، أما الوصم: فهو الصدع والعيب، أي: ما فيها عيب ولا فيها نقص، وأما الفصم: فهو الكسر من غير فصل، إذا كسر الشيء ولم يبن ولم ينفصل يقال له: فصم، يعني لا عيب فيها ولا كسر. ( في كل زاوية منها للمؤمن أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ).إخوتي الكرام! بعد هذه الأحاديث عندنا حديث طويل لعله سيأخذ صفحتين، وقد تأخذ قراءته ساعة مع شيء من التعليق عليه، وهو من رواية سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وإسناده صحيح، أتكلم عليه في أول الموعظة الآتية إن شاء الله، ففيه وصف لنساء أهل الجنة، وفيه بيان ما يغدق الله على عباده المؤمنين من الجود والفضل والكرم في جنات النعيم، وفيه أيضاً إظهار لعدل الله جل وعلا في عرصات الموقف وساحة الحساب. هذا الحديث بطوله، ومحل الشاهد منه الذي يتعلق بمبحثنا وهو وصف النساء الحسان في غرف الجنان، حقيقة مما ينبغي أن ينتبه له المؤمن؛ لأنه جمع هذه الأمور فيما يتعلق بما يقع في يوم الفصل، ثم بإكرام الله لأوليائه في دار كرامته، ومن جملة ذلك ما في الحور الحسان من صفات كريمة في غرف الجنان.والحديث سوف يأتينا الكلام عليه ونتدارسه -إن شاء الله- في الموعظة الآتية، إنما إن شئتم أن تراجعوه وأن تستحضروه قبل الموعظة الآتية فانظروه في المجمع في الجزء العاشر صفحة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وسيأتينا من رواه، وإسناده صحيح كما سنذكر هذا إن شاء الله في الموعظة الآتية إن أحياناً الله، ليبقى علينا بعد ذلك بيان عددهن حسبما نقل عن أئمتنا، ثم بيان غنائهن، ثم بيان لذة التمتع بهن، لعلني أنتهي من هذا -بإذن الله- في الموعظة الآتية لننتقل بعد ذلك إلى الحكمة الخامسة إن أحياناً الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشياخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لمن جاوره من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - وصف الحور العين في الكتاب والسنة [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net