اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - من مقاصد النكاح إنجاب الذرية [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مباحث النبوة - من مقاصد النكاح إنجاب الذرية [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
شرع الله النكاح وطلب الذرية؛ لما في ذلك من الفضل والأجر العظيم، والمقصود من خلق الإنسان عبادة ربه، وتعبيد الخلق لخالقه، فمن رزقه الله الذرية فجعلهم عبيداً لله حقاً، وأنفق عليهم في ذلك فإنه بأعظم المنازل، وأعلى درجات الرفعة، فخير المال ما ينفقه العبد على نفسه وعياله، ثم سائر وجوه الخير تأتي في المرتبة الثانية، ومن فقد شيئاً من ذريته فإنه يكون له فرطاً وذخراً وشفيعاً عند الله، حتى لو كان سقطاً لم يتم حمله.
المنافع التي يحصلها الأبوان من إنجاب الذرية
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:فلا زلنا نتدارس المبحث الثالث من مباحث النبوة وهو الأمور التي يعرف بها صدق النبي والرسول، على نبينا وعلى جئئميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وقلت إن العلامات التي يعرف بها صدق أنبياء الله ورسله كثيرات متعددات تجمع في أربع علامات:أولها: النظر إلى النبي في نفسه في خَلْقه وخُلُقه. وثانيها: النظر في دعوته التي بعث بها وبلغها. وثالثها: النظر في خوارق العادات والمعجزات التي أيده الله بها.ورابعها: النظر في حال أصحابه، فهم صورة لمعلمهم ونبيهم. وقد بدأنا بالأمر الأول منها ألا وهو النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه في خلقه وخلقه، وقلت مراراً: إن الله أعطى الكمال لأنبيائه ورسله في خلقهم وخلقهم، فمنحهم الجمال والجلال في أمرين الخَلْق والخُلُق، وتقدم معنا النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في خَلْقه، واستعرضت ما يوجد من علامات تدل على أنه رسول الله حقاً وصدقاً.ثم انتقلنا إلى الأمر الثاني ألا وهو النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في خُلقُه، وقلت: لا يمكن لبشر أن يحيط بخلق النبي عليه الصلاة والسلام على وجه التمام، كما لا يمكن لبشر أن يحيط بمعاني القرآن على وجه الكمال والتمام، فخُلُق نبينا عليه الصلاة والسلام القرآن، لكن إذا أردنا أن نعرف صورة موجزة واضحة لخلق نبينا عليه الصلاة والسلام، فينبغي أن نبحث في خلقه على وجه الاختصار حسب وسعنا مع الخَلْق ومع الحق كما تقدم معنا.أما خلقه عليه الصلاة والسلام مع الخلق فقلت: يدور حول سبعة أمور: خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع أهله الكرام، وخلقه مع أصحابه الكرام وأمته، وخلقه مع الملائكة الكرام، وخلقه مع أعدائه من شياطين الإنس، وخلقه مع أعدائه من شياطين الجن، وخلقه مع الحيوانات العجماوات، وخلقه مع الجمادات الصامتات.وأما الأمر الثاني: خلقه مع الحق جل وعلا، فيأتي الكلام عليه بعد الكلام على هذه الأمور السبعة إن شاء الله، وقد أخذنا الأمر الأول منها ألا وهو خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع أهله الكرام، وبينت ما فيه من علامات واضحات تدل على أنه رسول الله حقاً وصدقاً. وبعد أن انتهينا من هذا قلت: يحسن بنا بل يجب علينا أن نتدارس لمحة موجزة عن أسرة نبينا عليه الصلاة والسلام، عن أمهاتنا زوجاته، وعن ذريته الطيبة الطاهرة، وقلت: لابد من مقدمة في بيان الحكمة من اقتران نبينا عليه الصلاة والسلام بأكثر من أربع نسوة، وقلنا: لابد له من مقدمة أيضاً في بيان حكمة التعدد في الإسلام، ولابد لهذا من مقدمة أيضاً في بيان الحكمة من مشروعية النكاح، وقلت: إن الحكمة من مشروعية النكاح تدور على خمسة أمور، كما أن الحكمة من التعدد تدور على عشرة أمور، كما أن الحكمة من التعدد في حق نبينا عليه الصلاة والسلام زيادة على ما أبيح للأمة تدور على عشرة أمور، فهذه خمس وعشرون حكمة لابد من شرحها وبيانها. وبدأنا بالمقاصد العامة، والحكمة من مشروعية النكاح؛ لنعلم منزلة هذا الأمر في شريعة الله عز وجل، وقلت: إن النكاح شرعه الله، وأمر به، ورغب فيه، وندب إليه لأمور كثيرة أبرزها خمسة:أولها: تحصين النفس البشرية من الآفات الرذيلة، سواء كانت حسية أو معنوية كما تقدم معنا. ثانيها: إنجاب الذرية التي تعبد وتوحد رب البرية. ثالثها: تحصيل الأجر لكل من الزوجين عن طريق حسن عشرته مع صاحبه. رابعها كما تقدم معنا: تذكر لذة الآخرة. خامسها: التفاف كل واحد من الزوجين بصاحبه وبأهل زوجه في هذه الحياة. والحكمة الأولى قد مر الكلام عليها، وبدأنا في الحكمة الثانية ألا وهي: إنجاب الذرية، وقلت في إنجاب الذرية حكم كثيرة غزيرة يمكن أن نجملها أيضاً في خمس:الأولى: السعي في إبقاء جنس الإنسان لعبادة ذي الجلال والإكرام، وفي ذلك محافظة على إرادة الرحمن في إبقاء هذا الوجود إلى فترة شاءها سبحانه وتعالى. والثانية: تكثير أمة النبي عليه الصلاة والسلام عن طريق إنجاب الذرية التي توحد رب البرية.والثالثة: الانتفاع بالولد إن عاش. والحكمة الرابعة: الانتفاع بالولد إن مات، سواء مات صغيراً أو كبيراً.وخامس الحكم: تحصيل الأجر لتربية الولد والنفقة عليه. وقبل أن أتكلم عن هذه الحكمة الخامسة من إنجاب الذرية، أحب أن أشير إلى شيء يتعلق بالحكمة الرابعة ألا وهي الانتفاع بالولد إن مات. تقدم معنا أن الولد إذا مات صغيراً يشفع لأبويه، ويكون سبباً في دخولهم الجنة، وقلت: إن الأحاديث في ذلك متواترة ثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا في الحقيقة من مقاصد النكاح الأساسية، أن الإنسان ينجب الذرية ينتفع بهم في جميع أحوالهم، وهنيئاً له إذا ماتوا وهم صغار، هنيئاً له، فيكونون سبباً في دخوله الجنة وفي منعه من النار كما تقدم معنا، ولذلك يذكر أئمتنا كما في كتاب قوت القلوب لـأبي طالب المكي وإحياء علوم الدين في الجزء الثاني صفحة ثمان وعشرين: أن بعض الصالحين كان أهله يريدون منه أن يتزوج فيأبى، فيلحون عليه فيأبى ويقول: أنا مشتغل بأمر الآخرة عن الزواج، قال: فرأى مرة في الرؤيا كأن القيامة قامت، فجمع الله الأولين والآخرين في ذلك اليوم العظيم يقول: والناس في ذلك الاجتماع، وقد ألجمهم العرق، ودنت الشمس من رءوسهم، وهم في شدة لا يعلمها إلا الله، رأيت أولاداً صغاراً كالنور يتخللون أهل الموقف، وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب، فيتجاوزون بعض الناس ويذهبون إلى بعض الناس فيسقونهم، فمر بجواري واحد من هؤلاء فقلت: اسقني فإنني عطشان، كاد العطش أن يقطع عنقي، فقال: حتى أنظر، فتأمل ونظر في الناس ثم قال: لست ممن أمرنا بسقيه، قلت: ولم؟ قال: ما لك ولد بيننا، قلت: ومن أنت؟ قال: نحن أطفال المسلمين الذين ماتوا صغاراً نسقي آباءنا في عرصات الموقف، فأنت ما قدمت ولداً، فكيف ستسقى في هذا الموقف العظيم، إنما أمرك إلى الله جل وعلا.يقول: فانتبهت وقلت لأهلي: زوجوني زوجوني، قالوا: ما الخبر كنا نعرض عليك فتأبى؟ فقص عليهم ما رأى.والأمر كما رأى هذا الإنسان، وقد تقدم معنا تقرير هذا عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وقدمت أخباراً كثيرةً صحيحة وقلت: إنها متواترة، وسأسأل أمام الله عن ذلك، بأن الولد إذا مات صغيراً لا يدخل الجنة حتى يدخل أبواه الجنة.
 فضل النفقة على العيال
إذاً: من مقاصد النكاح تحصل أجر تربية الأولاد، ثم تحصيل الأجر على النفقة عليهم، وهو أجر يزيد على أجر المتصدق، ثبت في مسند أحمد وصحيح مسلم ، وعند البيهقي في السنن الكبرى من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة -يعني: في عتق رقبة مملوك-، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك )، هذه أربعة دنانير أنفقتها، الأول: في سبيل الله، في تجهيز الجيوش لإعلاء كلمة الله، والثاني: في عتق رقبة، والثالث: تصدق على مسكين، والدينار الرابع أنفقته على أهلك، قال عليه الصلاة والسلام: ( أعظمها أجراً الدينار الذي أنفقته على أهلك )، يعني هذا الطعام واللباس الذي تقدمه لذريتك، هذه النفقة، لا تظن أنها تضيع عند الله جل وعلا، والله إن الماء الذي تشربه زوجتك وأولادك تؤجر عليه فضلاً عن غيره، إذا كان عندك ذرية تنفق عليهم، فإنك تكتسب أجراً يزيد على أجر النفقة في الجهاد، وأجر التصدق على المساكين، وأجر عتق الرقاب وتحرير العبيد، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث كما تقدم معنا في صحيح مسلم وغيره، فالدنانير الأربعة كلها ستؤجر عليها، فما شاركت به في الجهاد، وفي العتق، وفي التصدق على المساكين، وفي النفقة على أهلك، كلها ستؤجر عليها، وكلها أعمال بر، ولكن أعظمها أجراً الدينار الذي أنفقته على أهلك. والحديث روي في صحيح ابن حبان أيضاً من رواية أبي هريرة ، وتقدم معنا أنه في السنن الكبرى للبيهقي ، وفي بعض روايات السنن الكبرى وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه: ( تصدقوا! فقال رجل: عندي دينار يا رسول الله قال: أنفقه على نفسك )، وفي رواية في صحيح ابن حبان : ( تصدق به على نفسك )، أي: على نفسك لك به أجر الصدقة، فقال: ( يا رسول الله! عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك، فقال: يا رسول الله! عندي آخر ثالث، قال: تصدق به على ولدك، الأقرب فالأقرب، فقال: يا رسول الله! عندي دينار رابع، قال: تصدق به على خادمك، فقال يا رسول الله! عندي آخر، أي: دينار خامس، قال: أنت أفطن به )، وقول نبينا عليه الصلاة والسلام: ( أنت أفطن به )، يعني: إذا كنت عاقلاً قدمه بين يديك ليكون ذخراً لك عند ربك، فما أنفقته على نفسك وعلى زوجتك وعلى أولادك وعلى خادمك.. على نفسك وعلى من يحيط بك كل هذا استثمر، وما زاد أنت أفطن به، إن شئت أن تكنزه فلن يكون لك، وإن شئت أن تقدمه بين يديك فستلقاه عند ربك، فانظر الآن إلى عقلك وإلى رشدك، فإذا كنت عاقلاً قدمه بين يديك؛ لأن المال إذا أنفقته كان لك، وإذا أمسكته فإنك تخدمه ثم تموت وتتركه.فانظر لهذا التوجيه من نبينا عليه صلوات الله وسلامه.أما ما يتعلق بأجر النفقة على الزوجة فسيأتينا في المبحث الثالث، وأشرت إليه في حسن عشرة كل من الزوجين لصاحبه عن طريق حسن معاملته، وعن طريق النفقة عليه، فهو يؤجر إذا أنفق عليها، وهي تؤجر إذا أنفقت عليه، كما أن كلاً منهما يؤجر عندما يسلك عشرة حسنة مع صاحبه، ويعاشر صاحبه عشرة حسنة. إذاً: أنت تؤجر على النفقة على أولادك، ووردت في ذلك أحاديث كثيرة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ومن هذه الأحاديث أيضاً ما في المسند وصحيح مسلم ، والسنن الأربعة إلا سنن أبي داود ، ورواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي في السنن الكبرى، من رواية ثوبان مولى نبينا عليه صلوات الله وسلامه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ثم دينار ينفقه على دابته في سبيل الله، ثم دينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله )، إذاً: عندنا هنا ثلاثة دنانير، ( أفضل هذه الدنانير دينار تنفقه على أهلك )، أليس كذلك؟ على عياله، ثم بعد ذلك تنفق على دابتك من أجل أن تقاتل عليها، وتنفق على أصحابك في الغزو عندما تقاتلون لإعلاء كلمة الله، هذه أفضل الدنانير، على العيال.. على الدابة من أجل أن تقاتل عليها، وهي وسيلة الجهاد، سواء الدابة المتقدمة أو الأسلحة المتطورة في أيامنا التي تركبها، فلو قدر أنك أنفقت من أجل صنع طائرة أو صنع كذا أو كذا لتركبه ولتقاتل عليه في سبيل الله، فكل هذا تثاب عليه، وهو من النفقة في سبيل الله، وتضاعف أضعافاً مضاعفة. ثم تنفق على أصحابك في الغزو، هذا من أفضل الدنانير التي تنفقها في هذه الحياة، ويمكن أن يكون معنى (في سبيل الله)، أي: أن تنفقه على أصحابك ابتغاء وجه الله، سواء كان في الجهاد والغزو لإعلاء الكلمة في سبيل الله، وإذا أطلقت تنصرف انصرافاً أولياً إلى الجهاد في سبيل الله، لكن لا مانع أن يعمم المعنى، فيقال: في سبيل الله كل ما أريد به وجه الله، وعليه ( من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً )، يعني: لا داعي لقصر هذا على أنه إذا صام في حال القتال، كما قال عدد من أئمتنا، فالأمر أوسع من ذلك، لكن أول ما يدخل في هذا هو صنع الإنسان ذلك في حال الغزو، فهو في حال غزو وفرض، فيضاعف الله له الأجور، وهكذا لو صام ابتغاء وجه الله في غير الغزو له، إن شاء الله يحصل هذا الأجر بفضل الله ورحمته. قال أبو قلابة راوي هذا الحديث عن ثوبان رضي الله عنه: بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعيال، وأي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيال له صغار يعفهم الله به، أو ينفعهم الله به ويهديهم، يقول: يغنيهم الله به، ويسد حاجتهم به، لا يوجد أعظم أجراً من هذا، ولذلك بدأ النبي عليه الصلاة والسلام بالنفقة على العيال.والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - من مقاصد النكاح إنجاب الذرية [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net