اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - كرم النبي صلى الله عليه وسلم وجوده للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مباحث النبوة - كرم النبي صلى الله عليه وسلم وجوده - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكرم الناس بما أعطاه الله تعالى، كان ينفق ماله في جميع وجوه الخير ولا يدخر منه شيئاً، وكان يؤثر غيره على نفسه، ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ثم يعيش في شظف من العيش، وقلة من المال، فما عرفت الدنيا أزهد منه فيها، ولا عرفت أكرم منه بما لديه منها، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنه نبي الله حقاً وصدقاً صلى الله عليه وسلم.
تواضع النبي صلى الله عليه وسلم في مسكنه وأثاثه
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس الأمور التي يعرف بها صدق النبي والرسول على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وكنا نتدارس الأمر الأول منها ألا وهو النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه في خَلقه وخُلقه عليه صلوات الله وسلامه، وقد مر الكلام على الشق الأول من هذا الأمر الأول ألا وهو النظر إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام في خلقه، وبينت أن الله جعل أنبياءه ورسله على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه أتم الخلق خلقاً، وأحسن الخلق خلقاً، فخلقهم أجمل خلقٍ، وأبهى خلق على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، وهكذا خُلقهم عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، فهم أحسن الناس أخلاقاً، ونبينا عليه الصلاة والسلام هو أفضلهم في ذلك عليه وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.وقلت: إخوتي الكرام! سنتدارس خلق نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا الخلق قلت: إما أن يكون مع الحق، وإما أن يكون مع الخلق، أما خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع ربه فقلت: سأختم به الكلام على خلقه عليه صلوات الله وسلامه، وأما خلقه مع الخلق فينقسم إلى عدة أقسامٍ: أولها: خلقه مع أهله في بيته عليه صلوات الله وسلامه، خلقه مع أصحابه وأمته، خلقه مع الملائكة الكرام عليه وعليهم جميعاً الصلاة والسلام، خلقه مع أعدائه من شياطين الإنس والجن، خلقه مع الحيوانات العجماوات ومع الجمادات، لا بد من بيان خلق نبينا عليه الصلاة والسلام، وكيفية معاملته مع هذه الأشياء حتى يظهر خلقه عليه الصلاة والسلام على وجه التمام بصورةٍ مصغرة، وإلا فإن الكلام على خلقه كما ينبغي لا يمكن الإحاطة به، فيكفي أن خلقه القرآن، وإذا كان البشر ليس في وسعهم أن يحيطوا بمعاني القرآن، فليس في وسع أحدٍ أن يحيط بأخلاق نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن بالكلام على هذه الأمور يصبح عندنا صورةٌ واضحةٌ عن خلق نبينا عليه صلوات الله وسلامه، ويستنبط الإنسان بعد ذلك منها دلالةً واضحةً على أنه رسول الله حقاً وصدقاً عليه صلوات الله وسلامه.أول هذه الأمور وهو ما بدأنا في مدارسته في الموعظة الماضية: خلقه مع أهله عليه صلوات الله وسلامه، وقلت: ينبغي أن يحدد عدة أمورٍ في هذا الأمر فيما يتعلق بمسكنه عليه صلوات الله وسلامه، وبأساس ذلك المسكن الذي كان يستعمله هو وأهله عليه صلوات الله وسلامه، وبالطعام الذي كان يتناول في ذلك المسكن على نبينا صلوات الله وسلامه، وفي معاملته بعد ذلك مع نسائه عليه وعليهن صلوات الله وسلامه، هذه الأمور الأربعة كلها تدخل تحت الأمر الأول ألا وهو معاملته وخلقه مع أهله عليه صلوات الله وسلامه، ولا بد -كما قلت- من الكلام على المسكن والأثاث والطعام؛ لأنها مقدماتٌ لخلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع زوجاته الكريمات عليه وعليهن صلوات الله وسلامه. وبينت -إخوتي الكرام- في الموعظة الماضية ما يتعلق بمسكن نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وكيف كان ذلك المسكن في منتهى التواضع، ولكل زوجةٍ من أمهاتنا أزواج نبينا عليه وعليهن صلوات الله وسلامه لكل واحدةٍ حجرة، لكن تلك الحجر تقدم معنا وصفها لو قام الإنسان لنال السقف بيده، ولو مد رجليه لنال الجدار من أي جهةٍ كانت، ثم هي من جريد نخلٍ كسي وطلي بطين، هذه هي حجر خاتم النبيين عليه صلوات الله وسلامه، ولذلك تقدم معنا أنه عندما ضمت الحجر إلى المسجد -وكان ذلك في سنة ثمانٍ وثمانين- حزن أهل البيت الطيبون الطاهرون، وهكذا من كان حاضراً من الصحابة، وهكذا التابعون، وقلت: حصل في المدينة ضجةٌ ورجةٌ وشدةٌ تشبه الضجة والرجة التي حصلت عند موت النبي عليه الصلاة والسلام، فبكوا بكاءً كثيراً عندما ضمت هذه الحجر إلى المسجد؛ لأن معالم بيوت النبي عليه الصلاة والسلام ذهبت، وكان يتمنى سلفنا أن يطلع المتأخرون على بيوت النبي عليه الصلاة والسلام، ليعلموا أنه ما كان كـفرعون وهامان وقارون ، على نبينا صلوات الله وسلامه.إخوتي الكرام! قلت: وذلك المسكن، وهكذا ما حصل فيه من أثاث كما سيأتينا وصفه، ومن طعامٍ جوع يومٍ وشبع يوم، ثم معاملةٌ طيبةٌ، ما حصل في ذلك المسكن بتلك الصفات، قلت: هذا من باب الاختيار من خير المخلوقات عليه الصلاة والسلام، فما كان الدافع له -كما تقدم معنا- قلةٌ وفقر، فقد أعطاه الله من الغنى وكان ينفقه على غيره عليه صلوات الله وسلامه، وما كان ذلك أيضاً من باب الضن والبخل، إنما تعامل مع الدنيا بما يليق بها، فهي دار ممر وليست بدار مقر. فأعقل الناس فيها العبادوأكيس الناس فيها هم الزهاد وأكيس الناس وأعقل الورىهم الذين زهدوا فيما ترى إذ نبذوا الدنيا لعلمهم بهاورغبوا في أختها لقربها.إخوتي الكرام! وهذا البناء الذي يبنيه الإنسان في هذه الحياة لا يؤجر على ما يضع فيه من نفقةٍ إذا زاد ذلك البناء عن مقدار الضرورة والحاجة، فالعبد يؤجر على نفقته كلها إلا ما يجعله في التراب، والبناء إذا زاد عن مقدار الحاجة فهو وبالٌ على الإنسان، وإذا أراد الله بالعبد شراً وهلاكاً خبر له باللبن والطين، أي: زين له أن يبني وأن يجمل بيته وأن يحسنه، وسيأتينا -إخوتي الكرام- تقرير هذا بأدلته إن شاء الله بعد الانتهاء من بيان ما يتعلق بالأمر الأول بمسكن النبي عليه الصلاة والسلام وأساسه وطعامه، ومعاملته لأهله في ذلك المسكن على نبينا وآل بيته صلوات الله وسلامه.أنتقل بعد ذلك إلى بيان هدي الإسلام في البناء، وأفرد لذلك موعظة لنعرف وضعنا في هذه الحياة، وإلى أين نسير، وأذكر ما يدل على هذه الأمور التي ذكرتها: أن العبد يؤجر في نفقته كلها إلا في التراب، وإذا زاد البناء عن مقدار الحاجة فهو وبالٌ على صاحبه، وإذا أراد الله بعبدٍ شراً خبر له في اللبن والطين، حتى يبني وحتى يشيد ويزخرف وينجد. سوف يأتينا تقرير هذا بأدلةٍ صحيحةٍ عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وأبين هدي الإسلام في البناء -إن شاء الله- بعد الانتهاء من هذا الأمر الأول بإذن الله، إنما أريد أن يرسخ في أذهاننا هنا أن نبينا عليه صلوات الله وسلامه عندما كان يقتصر على ذلك المسكن المتواضع، وعلى ما فيه من أثاث قليلٍ، وعلى طعامٍ يسير عليه صلوات الله وسلامه، كان يختار ذلك لا لأنه لا يملك، لا لأن الدافع له قلةٌ وفقر، ولا لأن الدافع ضن وبخل، فهو أكرم خلق الله، وما عرفت البشرية أكرم من نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وما شهدت الحياة أكرم من خير المخلوقات نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وكنت قررت هذا ببعض الأدلة في أول الموعظة الماضية.
 

كرم النبي صلى الله عليه وسلم وجوده وذكر بعض ما ورد في ذلك
بما أننا في شهر الجود والكرم أحب أن أذكر شيئاً من كرم النبي عليه الصلاة والسلام في بدء هذه الموعظة قبل أن ننتقل إلى بيان أثاثه؛ ليظهر لنا جلياً واضحاً أن الدافع لذلك ما كان بسبب قلةٍ وفقر، ولا بسبب ضنٍ وبخل على نبينا صلوات الله وسلامه، فاسمع لجوده عليه صلوات الله وسلامه.
 حديث سهل بن سعد في قصة الرجل الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم بردته فأعطاه إياها
واستمع لهذه القصة التي هي في صحيح البخاري وغيره: يجود بثوبه الذي يلبسه عليه صلوات الله وسلامه، ثوبه الذي يلبسه إن طلبه أحد نزعه وأعطاه إياه، وحقيقة الطلب محرج غاية الحرج، أن يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام ثوبه الذي يلبسه وما يملك غيره، ثم ذلك الثوب أهدي إليه ولا يملك غيره، لكن هناك علةٌ معتبرةٌ من الطالب، والأعمال بالنيات.ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري ، والحديث في سنن ابن ماجه ، ورواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية سهل بن سعد رضي الله عنه قال: ( جاءت امرأةٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام ببردةٍ منسوجةٍ فيها حاشيتها )، والحاشية هي طرف الثوب، وقيل: طرفه الذي فيه الهدب، يعني الخيوط المدلاة التي تكون للشيء عندما يكون جديداً، قبل أن تقطع ويلبس، لا زالت منسوجة جديدة، نسجتها هذه المرأة رضي الله عنها وأرضاها، فقالت: ( نسجتها بيدي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكسوكها فقال: نعم، فأخذها عليه الصلاة والسلام محتاجاً إليها )، في واقع الأمر هو بحاجة إلى شيءٍ يلبسه في ذلك الوقت عليه صلوات الله وسلامه، قال: ( فخرج إلينا، وإنها إزاره )، لبسها وخرج إلى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ( فقال رجلٌ: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! ما أحسن هذه -يعني البردة- فاكسنيها )، يعني أعطني إياها من أجل أن ألبسها، ( فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم، سأكسوك إياها. فلما قام النبي عليه الصلاة والسلام قام إلى حجرته ونزعها وأعطاه إياها فلامه الصحابة الكرام، وقالوا له: ما أحسنت -أي: في كلامك وسؤالك وطلبك- لبسها النبي عليه الصلاة والسلام محتاجاً إليها، ثم سألته، وقد علمت أنه لا يرد سائلاً )، أنت تعلم أنه لا يرد، لو سألته إزاره أو قميصه يعطيك، ولا يرد سائلاً، أنت ما أحسنت في طلبك، وفي روايةٍ: (قد علمت أنه لا يسأل شيئاً فيمنعه)، فكيف تسأله هذه البردة التي هو محتاجٌ إليها؟! على نبينا صلوات الله وسلامه، فقال هذا الصحابي: (رجوت بركتها)، أحين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم، فما أريدها من أجل أنها بردة، أريد أن أتبرك فيها فقط، وبركة في أي وقت؟ قال: ( رجوت بركتها لعلي أكفن فيها، والله ما سألته لألبسها، بل لتكون كفني بعد وفاتي، قال سهل : فكانت كفنه )، فهنيئاً له، وقد بوب الإمام البخاري على هذا الحديث في كتاب الجنائز باباً فقال: من استعد للكفن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليه، فهذا استعد للكفن وقال: أريد أن أكفن فيها فما أنكر عليه، وعليه لو أن إنساناً اقتنى كفناً وقال: إذا مت فكفنوني في هذا، ثم هذا الكفن أخرجه ما بين الحين والحين يصلي فيه، يسجد عليه، يجلس عليه ويقرأ القرآن ليكون فيه هذه البركة، فلا حرج، كما هو ثابت في صحيح البخاري ، وبوب عليه البخاري أيضاً في كتاب الأدب فقال: باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل، وذكره في كتاب البيوع في باب ذكر النساج، أي: أن النساجة مشروعة استنباطاً من قول المرأة: هذه نسجتها لك، ويجوز للإنسان أن يبيع ما ينسجه بعد ذلك، وعليه فقد أورده في ثلاثة مواضع من كتابه. وهذا الرجل قال الحافظ ابن حجر : لم أقف على تسميته رضي الله عنه وأرضاه.
التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم وبآثاره وآثار الصالحين
إخوتي الكرام! هذه القصة أوردها كما قلت البخاري في صحيحه، وهي في المسند وسنن ابن ماجه ومعجم الطبراني الكبير، وأنا أنظر في شرحها من كتب السنة، فعندي ثلاثة شروح في بيتي لصحيح البخاري ، ولا أملك غيرها، ولو كان عندي غيرها لرجعت إليها، فأريد أن أذكر لكم ما في هذه القصة، ثم بعد ذلك أعلق تعليقاً وجيزاً على ما يتعلق بهذا الأمر إن شاء الله.يقول الإمام ابن حجر في الجزء الثالث صفحة أربعٍ وأربعين ومائة: في الحديث التبرك بآثار الصالحين، كأنه يرى أن ما حصل من الصحابي مع النبي عليه الصلاة والسلام ليس من خصوصيات نبينا عليه الصلاة والسلام، فتبرك هذا الصحابي المبارك بنبينا المبارك عليه صلوات الله وسلامه؛ لأن البركة في النبي أكثر منها في الصحابي، وعليه إذا أراد أن يتبرك مسلمٌ بصالحٍ فلا حرج، هذا كلام الحافظ ابن حجر ، والحافظ ابن حجر توفي سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة للهجرة، والإمام العيني صاحب عمدة القاري توفي سنة خمسٍ وخمسين وثمانمائة للهجرة، أي: بعد ابن حجر بثلاث سنين، وكلاهما كان يسكن في القاهرة في بلاد مصر، وهما مفخرةٌ لأهل مصر، الإمام العيني إمام الحنفية، والإمام ابن حجر إمام الشافعية، وهما في زمنٍ واحد، وكل منهما كان قاضياً، والإمام العيني أصله من بلاد الشام، وذهب واستوطن بلد الكرام بلد مصر، وتوفي فيها عليه رحمة الله سنة خمسٍ وخمسين وثمانمائة للهجرة، يقول في عمدة القاري في الجزء الثامن صفحة ثلاث وستين: في الحديث دلالةٌ على جواز التبرك بآثار الصالحين. الشرح الثالث الذي عندي من شروح البخاري وهو إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري للإمام القسطلاني ، المتوفى سنة ثلاثٍ وعشرين وتسعمائةٍ للهجرة، يقول في الجزء الثاني صفحة ست وتسعين وثلاثمائة: في الحديث: التبرك بآثار الصالحين، وإنما ذكرت هذا إخوتي الكرام لما سأبينه إن شاء الله قريباً.وكنت ذكرت في بعض المواعظ السابقة وقلت: إن التبرك بنبينا عليه الصلاة والسلام حياً وميتاً، به وبآثاره مشروعٌ بلا نزاعٍ عند أئمتنا، وقررت هذا بالأدلة، ومنها الحديث الذي ذكرته سابقاً وهو المسند وصحيح مسلم ، ورواه أهل السنن الثلاثة أيضاً أبو داود وابن ماجه والإمام النسائي مختصراً، من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أجمعين عندما أخرجت جبة النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: (هذه كان يلبسها النبي صلى الله عليه وسلم عند عائشة ، فلما قبضت عائشة رضي الله عنها قبضتها إليّ، فنحن نرسلها للمريض يستشفي بها)، تقدم معنا هذا الحديث، وهو في صحيح مسلم ، في أصح الكتب بعد صحيح البخاري ، وبعد كلام الباري جل وعلا، وهو في المسند أيضاً، فتلك الجبة جبة النبي عليه الصلاة والسلام كان يغسلها الصحابة الكرام ويطلبون الشفاء بمائها إذا أصيبوا بمرض، يقول الإمام النووي في شرح صحيح مسلم في الجزء الرابع عشر صفحة أربعٍ وأربعين: في هذا الحديث دليلٌ على استحباب التبرك بآثار الصالحين وثيابهم. هذا كلام شيخ الإسلام الإمام النووي المتوفى سنة ستٍ وسبعين وستمائةٍ للهجرة. إذاً صار معنا أربعة شيوخ من شيوخ أهل السنة الكرام، من شراح السنة: ابن حجر ، والعيني ، والقسطلاني ، وقبلهم الإمام النووي . ويقول القاضي عياض في شرح صحيح مسلم ، ونقل ذلك عنه الإمام الأبي في كتابه إكمال الإكمال في الجزء الخامس صفحة ثمانٍ وسبعين وثلاثمائة، وقد جمع بين شرح القاضي عياض والمازني وأبي العباس القرطبي والإمام النووي لصحيح مسلم ، هذه الشروح الأربعة جمعها الإمام الأبي في كتابه إكمال الإكمال، والكتاب مطبوع في سبع مجلداتٍ كبيرة، وكان ينقل كثيراً عن شيخه ابن عرفة ، والإمام الأبي عليه رحمة الله، توفي بعد المائة الثامنة، وهو محمد بن خلفة بإسكان اللام وكسر الخاء ، وقد ترجمه الإمام الشوكاني في البدر الطالع، ينقل في هذا الكتاب عن القاضي عياض الذي توفي سنة أربعٍ وأربعين وخمسمائة قبل الإمام النووي ، في الجبة التي كانت عند أسماء نغسلها للمريض ليستشفي بها، قال القاضي عياض : لبركة مسه إياها، وعادة السلف والخلف التبرك بذلك.
 حرص عمر رضي الله عنه على أن يدفن بجوار النبي صلى الله عليه وسلم طلباً للبركة والرحمة
أقول لمن يقول: إن الصحابة ما كانوا يتبركون بالنبي عليه الصلاة والسلام بعد موته: هذا عمر بن الخطاب عندما طعن رضي الله عنه وأرضاه كان أهم شيءٌ عنده هو أن يدفن بجوار النبي عليه الصلاة والسلام، رجاء للبركة، لكن أخشى أن يقال عنه الآن: هذا شرك! هذا في صحيح البخاري وغيره، بطنه مفتوحة، وجرحه يثعب دماً، وكانوا إذا سقوه شيئاً من فمه رضي الله عنه وأرضاه يخرج من جوفه مباشرةً، فعلموا أنه ميت، الأمعاء كلها تقطعت، ورأسه على الأرض، ولما وضعوه على وسادة قال: اتركوا رأسي على الأرض، ثم قال لولده عبد الله : اذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل لها: عمر يستأذن، ولا تقل لها: أمير المؤمنين فإني اليوم لست للمسلمين بأمير، قل لها: عمر يستأذن أن يدفن بجوار صاحبيه النبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكر ، فإن أذنت فادفنوني مع صحابي وإلا فأنا رجلٌ من المسلمين ادفنوني في البقيع، فذهب عبد الله بن عمر ، يقول: فدخلت على أمنا عائشة فقالت: كنت أريده لنفسي فلأوثرنه اليوم به، فذهب عبد الله يطير فرحاً إلى والده، فلما قيل له: جاء عبد الله ، قال: ارفعوا رأسي -ينتظر البشارة- فرفعوه، فلما جاء قال: ما وراءك؟ قال: أبشر يا أمير المؤمنين بما تحب، فقد أذنت لك أن تدفن بجوار صاحبيك، فقال: الحمد لله، ما كان شيءٌ أهم إليّ من ذلك المضجع، وهذا في صحيح البخاري ، خليفةٌ راشد يتبرك بالنبي عليه الصلاة والسلام، فإلى هذا المهووس الذي يقول: ما كان الصحابة والخلفاء الراشدون يتبركون بالنبي عليه الصلاة والسلام، اسمع إلى قصة عمر ، ما كان شيءٌ أهم إليه من ذلك المضجع، هذا أعظم شيء في حياته أن يدفن بجوار النبي عليه الصلاة والسلام. وقد استحب أئمتنا قاطبةً الدفن بجوار الرجل الصالح، لما ينزل عليه من الخيرات والبركات، وإذا كانت الدنيا تنفع إذا جاورت غنياً لما يأتيك من مائدته عندما يأكل، وذاك عندما يأتي من الخيرات من قبل رب الأرض والسموات، والله أمر بحسن الجوار، أما سيصلك شيء؟ يقول الحافظ في هذا الحديث: فيه حرص على مجاورة الصالحين في القبور طمعاً في إصابة الرحمة إذا نزلت عليهم، وفي دعاء من يزورهم من أهل الخير. هذا هو استنباط أئمتنا، وهذا بعد ذلك تعليق المتأخرين في حينه.إخوتي الكرام! هذا هو حال نبينا عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بمسكنه، وأما ما يتعلق بأثاثه عليه صلوات الله وسلامه فأرجئ الكلام عليه إلى أول الموعظة الآتية إن أحيانا الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.اللهم تقبل منا الصلاة والصيام والقيام، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، اللهم اجعلنا من عتقاء شهر رمضان، اللهم أدخلنا الجنة من باب الريان بسلام، اللهم اجعل لنا هذا الشهر الكريم أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتقاً لرقابنا من النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - كرم النبي صلى الله عليه وسلم وجوده للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net