اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - ميراث الأنبياء للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مباحث النبوة - ميراث الأنبياء - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم ميراث، لكنه ليس ميراثاً مالياً دنيوياً، بل إن ميراثهم هو الهدى والعلم والإيمان، فالأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وما تركوا بعدهم من مال فهو صدقة لا يورث، وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم وترك في بيت عائشة رضي الله عنها شيئاً قليلاً من الشعير، فظلت تأكل منه سنوات طويلة لبركته، فلما كالته فني سريعاً، وهذا يدل على أن العد والإحصاء ونحوه يذهب بركة المال.
الأنبياء لا يوصون وصية مالية ولا يورثون وراثة مالية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صلحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: إخوتي الكرام! كنا نتدارس المبحث الثالث من مباحث النبوة، وقد دار هذا المبحث حول بيان الأمور التي يعرف بها صدق النبي والرسول على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله جميعاً صلوات الله وسلامه، وهذه الأمور -إخوتي الكرام- قلت: إنها كثيرة وكثيرة، ويمكن أن نجملها في أربعة أمور: أولها: النظر إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه، في خَلقه وخُلقه، وثانيها: النظر إلى دعوة النبي عليه الصلاة والسلام ورسالته التي بعث بها وبلغها، وثالثها: النظر في المعجزات وخوارق العادات التي أيده الله بها, ورابعها: النظر إلى حال أصحابه الكرام، فهم صورة لمن اتبعوه على نبينا وآله وأصحابه صلوات الله وسلامه.إخوتي الكرام! كنا نتدارس الأمر الأول من هذه الأمور الأربعة، ألا وهو النظر إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه، في خَلقه وخُلقه، وتقدم معنا أن الله أعطى رسله على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه الكمال في الأمرين في الخلْق والخلُق، فهم في خَلقهم وخُلقهم جمال وجلال، ويتصفون بصفات الكمال كما تقدم معنا تقرير ذلك إخوتي الكرام.وقد تدارسنا ما يتعلق بالأمر الأول في بيان خَلق الرسول على نبينا صلوات الله وسلامه، ووجه دلالة ذلك على أنه رسول الله حقاً وصدقاً على نبينا صلوات الله وسلامه، وانتقلنا بعد ذلك إلى الجانب الثاني من الأمر الأول ألا وهو النظر إلى خلق النبي عليه الصلاة والسلام، وقلت -إخوتي الكرام!: إن خلق النبي عليه الصلاة والسلام إما أن يكون مع الحق جل وعلا، وإما أن يكون مع الخلق، وخلقه مع الخلق إذا أردنا أن نتدارسه ينبغي أن نوضحه ضمن سبعة أمور كما تقدم معنا أيضاً: خلقه عليه الصلاة والسلام مع أهله أزواجه وأهل بيته، خلقه عليه الصلاة والسلام مع أصحابه وأمته، خلقه عليه الصلاة والسلام مع الملائكة الكرام على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، خلقه عليه الصلاة والسلام مع أعدائه من شياطين الإنس، خلقه عليه الصلاة والسلام مع أعدائه من شياطين الجن، سادس هذه الأمور: خلقه عليه الصلاة والسلام مع الحيوانات، سابعها: خلقه عليه الصلاة والسلام مع الجمادات, وكيف كان يتعامل مع هذه المخلوقات بأسرها على نبينا صلوات الله وسلامه؟وأما ما يتعلق بالجانب الثاني من خلقه ألا وهو خلقه مع الحق جل وعلا، فسيأتينا بيان عبادته لربه عليه الصلاة والسلام ومعاملته مع ذي الجلال والإكرام.إخوتي الكرام! أما ما يتعلق بمعاملة النبي عليه الصلاة والسلام وخلقه مع أهله فذكرت أنه لإيضاحها ينبغي أن نتدارس أربعة أمور أيضاً: أولها: النظر إلى مسكن النبي عليه الصلاة والسلام، وتقدم معنا أن مسكن النبي عليه الصلاة والسلام هو مسكن من جعل الدنيا معبراً ولم يتخذها مقراً، وثاني هذه الأمور: النظر إلى أثاث ذلك المسكن الذي كان يستعمله نبينا وأهله عليه وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، وقلت: إن ذلك الأثاث أيضاً كحال زاد الراكب، كما تقدم معنا إيضاحه وبيانه، وثالث الأمور: طعام نبينا عليه الصلاة والسلام وأهله الكرام عليه وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، ماذا كان يقدم في ذلك السكن من طعام؟ وآخر الأمور: كيف كانت المعاملة بين نبينا عليه الصلاة والسلام وأهل بيته؟ وفي ذلك إيضاح تام في أنه رسول ذي الجلال والإكرام على نبينا صلوات الله وسلامه.إخوتي الكرام! تقدم معنا ما يتعلق بالأمرين الأول والثاني فيما يتعلق بمسكنه وأثاثه عليه الصلاة والسلام، وختمت الكلام في الموعظة الماضية ببيان تركة النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يخلف ديناراً ولا درهماً، ولا بعيراً ولا شاةً، ولا عبداً ولا أمةً عليه الصلاة والسلام، وإنما خلف سلاحه ودرعه عليه صلوات الله وسلامه، وبغلته التي كان يركب عليها، وأرضاً جعلها صدقة في وجوه البر على المسلمين، وبينت بعد ذلك ما يتعلق بهذا، بينت أمرين اثنين: الأول: الوصية، وهل الأنبياء يوصون أم لا؟ وقلت: إن الوصية المالية منفية عنهم؛ لأنهم لا يخلفون شيئاً، وإذا خلفوه فلا يورث عنهم على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، نعم، إنهم يوصون لكن بغير الوصية المالية كما تقدم معنا في سرد بعض وصايا نبينا عليه الصلاة والسلام. والأمر الثاني: قلت: كما أنهم لا يوصون لا يورثون، وقررت هذا بالأحاديث المتواترة: ( إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة) وقلت: إن الحديث متواتر ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام.إخوتي الكرام! أحب أن أختم الكلام في هذه الموعظة بأمرين اثنين يتعلقان بتركة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا كان لا يورث وراثة مالية، كما أنه لا يوصي وصية مالية، فهل يورث وراثة ليست مالية كما تقدم معنا؟ وهل يوصي وصية ليست مالية؟ والأمر الثاني: معجزة في تركة نبينا عليه الصلاة والسلام سنتدارسها وما فيها من عظات وعبر، ثم أختم الكلام بما وعدت أن أبينه ضمن وصية نبينا عليه الصلاة والسلام من إخراج المشركين النصارى واليهود الملعونين من جزيرة العرب.
 

ميراث الأنبياء
إخوتي الكرام! أما فيما يتعلق بالإرث من نبينا عليه الصلاة والسلام، فلا يورث هو ولا إخوانه الأنبياء عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه وراثة مالية، وما يخلفه النبي فهو صدقة في حكم الوقف تنتفع به أمته من بعده ويتساوون في ذلك، طلباً لبركة ذلك النبي على نبينا وأنبياء الله ورسله جميعاً صلوات الله وسلامه، لكن هل يورث الأنبياء وراثة ليست مالية؟ نعم، كما أنهم يوصون وصية ليست مالية، ووراثتهم تكون عن طريق اقتباس العلم منهم والهدى الذي أتوا به وبلغوه إلى الناس، ولذلك كان العلماء ورثة الأنبياء، فهذه وراثة تحصلها الأمة من النبي عليه الصلاة والسلام ليست وراثة مالية دنيوية، إنما هي وراثة دينية يتقربون بها إلى رب البرية.
 المراد بقوله تعالى: (وورث سليمان داود) وراثة النبوة والعلم والحكمة
وهكذا وراثة نبي الله سليمان لوالده داود في النبوة والعلم والحكمة والدعوة إلى الله جل وعلا، يقول الله جل وعلا في كتابه في سورة النمل: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ [النمل:15-16]، بأي شيء؟ في النبوة، وقد كان لداود أولاد كثيرون، فلم يرثه إلا سليمان؛ لأنه هو النبي، ورثه في النبوة، إذاً ليس المراد بالإرث الإرث المالي، ولو كان المراد منه الإرث المالي لما خص الله هذا الولد من بين سائر إخوته: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل:16-17]، إلى آخر الآيات. إذاً: منّ الله عليه بالنبوة، وأعطاه هذه الخوارق والمعجزات، وليس المراد من الإرث الإرث المالي، ولو كان كذلك لما خص الله هذا الولد من بين سائر إخوته، ولو كان المراد منه الإرث المالي لما كان هناك داع لذكره، فمن المعلوم أن تركة الوالد تنتقل إلى الولد، فلمَ يذكر الله تعالى هذا وهو معلوم؟ إذاً: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ [النمل:16]، وراثة خاصة لا تحصل إلا بعناية إلهية خاصة، وهي أن يكون نبياً بعده، وهذا الذي حصل، فقد ورثه في النبوة، أي: جعل الله الابن نبياً كالأب، وهذه أعظم وراثة تحصل وتنتقل من الأب إلى الابن بفضل الله عز وجل وتقديره ولطفه ومشيئته.إذاً إخوتي الكرام! الأنبياء لا يورثون إرثاً مالياً، لكن يورثون في العلم وفي النور وفي الهدى الذي بعثوا به وبلغوه إلى الناس، فمن جعله الله نبياً بعدهم فتكون الوراثة له كاملة، نبياً يرث نبياً في النبوة، وبعد نبينا عليه الصلاة والسلام انقطعت رتبة النبوة والرسالة، فغاية الوراثة أن يكون الإنسان عالماً عاملاً صالحاً صديقاً، فالعلماء ورثة الأنبياء، وهم خلفاء الرسل، نسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يجعلنا منهم إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.إخوتي الكرام! هذا ما يتعلق بهذا الأمر، كما بينت أنه لا يوصون وصية مالية، ثم قلت: يوصون بغير ذلك، ولا يورثون وراثة مالية، لكن يورثون بغير ذلك كما تقدم معنا الآن.
ذكر ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم في بيته من شعير قليل بعد موته وبيان البركة التي كانت فيه
الأمر الثاني: معجزة جلية في تركة خير البرية عليه الصلاة والسلام: تقدم معنا أنه ما ترك شيئاً، لكن خلف في بيت أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها شيئاً من الطعام، لننظر لمعجزة نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا الطعام بعد موته وانتقاله إلى جوار ربه، ثبت في المسند والصحيحين وسنن الترمذي وابن ماجه ، والحديث رواه البيهقي في دلائل النبوة عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: توفي النبي صلى الله عليه وسلم وليس عندي شيء يأكله ذو كبد. ليس في البيت طعام على الإطلاق، إلا شيئاً واحداً فقط، قالت: إلا شطر شعير في رف لي. والشطر هو النصف، لكن هل هو نصف صاع أو نصف مد؟ العلم عند الله، ما ذكرت هذا الشطر من أي شيء، تقول: ما ترك في بيتي شيئاً يأكله ذو كبد إلا شطر شعير، كأنها تقول: إلا شيئاً قليلاً من شعير، لكن هل هو شطر الصاع أو شطر المد؟ العلم عند الله، إلا شطر شعير في رف لي، تقول: فأكلت منه حتى طال عليّ، فكلته ففني، جاءت وصبته بعد ذلك وأرادت أن تكيله كم سيخرج وزنه وتقديره، ففني بعد ذلك، وفي رواية الترمذي : قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: فأكلنا منه ما شاء الله، أي: من السنوات الطويلة الكثيرة، ثم قلت للجارية: كيليه، فلم نلبث أن فني، قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: فلو تركناه لأكلنا منه أكثر من ذلك. وأنا أقول: والله الذي لا إله إلا هو! لو لم تكله لأكلت منه حتى تلقى ربها، لكن منعت نفسها وحرمتها من هذا الخير عندما كالت هذا الطعام، مع أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان أوصاها مراراً أن لا تحصي، وأن لا تضبط الشيء، عداً ووزناً، وأن تطلب من الله البركة.
 المراد بقوله تعالى: (وورث سليمان داود) وراثة النبوة والعلم والحكمة
وهكذا وراثة نبي الله سليمان لوالده داود في النبوة والعلم والحكمة والدعوة إلى الله جل وعلا، يقول الله جل وعلا في كتابه في سورة النمل: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ [النمل:15-16]، بأي شيء؟ في النبوة، وقد كان لداود أولاد كثيرون، فلم يرثه إلا سليمان؛ لأنه هو النبي، ورثه في النبوة، إذاً ليس المراد بالإرث الإرث المالي، ولو كان المراد منه الإرث المالي لما خص الله هذا الولد من بين سائر إخوته: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل:16-17]، إلى آخر الآيات. إذاً: منّ الله عليه بالنبوة، وأعطاه هذه الخوارق والمعجزات، وليس المراد من الإرث الإرث المالي، ولو كان كذلك لما خص الله هذا الولد من بين سائر إخوته، ولو كان المراد منه الإرث المالي لما كان هناك داع لذكره، فمن المعلوم أن تركة الوالد تنتقل إلى الولد، فلمَ يذكر الله تعالى هذا وهو معلوم؟ إذاً: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ [النمل:16]، وراثة خاصة لا تحصل إلا بعناية إلهية خاصة، وهي أن يكون نبياً بعده، وهذا الذي حصل، فقد ورثه في النبوة، أي: جعل الله الابن نبياً كالأب، وهذه أعظم وراثة تحصل وتنتقل من الأب إلى الابن بفضل الله عز وجل وتقديره ولطفه ومشيئته.إذاً إخوتي الكرام! الأنبياء لا يورثون إرثاً مالياً، لكن يورثون في العلم وفي النور وفي الهدى الذي بعثوا به وبلغوه إلى الناس، فمن جعله الله نبياً بعدهم فتكون الوراثة له كاملة، نبياً يرث نبياً في النبوة، وبعد نبينا عليه الصلاة والسلام انقطعت رتبة النبوة والرسالة، فغاية الوراثة أن يكون الإنسان عالماً عاملاً صالحاً صديقاً، فالعلماء ورثة الأنبياء، وهم خلفاء الرسل، نسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يجعلنا منهم إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.إخوتي الكرام! هذا ما يتعلق بهذا الأمر، كما بينت أنه لا يوصون وصية مالية، ثم قلت: يوصون بغير ذلك، ولا يورثون وراثة مالية، لكن يورثون بغير ذلك كما تقدم معنا الآن.
الأحاديث الواردة في النهي عن العد والإحصاء للمال وأن البركة تنزع بسبب ذلك
وهذا -إخوتي الكرام- مطلوب منا، فاسمعوا لبعض الآثار التي تدل على ذلك، الإنسان ينبغي أن يربط قلبه بربه جل وعلا، ولا يبالغ في الإحصاء والعد والضبط لما عنده، لا من فلوس ولا من طعام، الفلوس التي في جيبك ما تعدها صباحاً ومساء، وحقيقة إذا كنت ممن يعلقون قلوبهم بالله فلن تعلم كم في جيبك، وإذا أحصيت يحصى عليك، وإذا أوعيت يوعى عليك، وإذا أوكيت يوكى عليك، وإذا قلت: باسم الله، فحاشا لفضل الله أن تمد يدك وأن يخيبك، فنبينا عليه الصلاة والسلام كان يعرف هذا المعنى في نفس أمنا عائشة في حال حياتها، فلم تتذكر هذا قبل أن تكيل هذا الشطر من الشعير، وكان يغرس هذا المعنى في كثير من نفوس الصحابة، وفي ذلك تعليم لنا، فانتبهوا لهذه القضية إخوتي الكرام.
 حديث جابر: (... لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم...)
ومثل هذا -إخوتي الكرام- كثير، ثبت في المسند وصحيح مسلم ، والحديث رواه البيهقي في دلائل النبوة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير )، يعني نصف وسق بمقدار خمسين كيلو، مثل كيس الدقيق الآن، قال: ( فما زال يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله ففني، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وعرض عليه الأمر )، يقول: ما أعطيتني من الشعير شطر وسق أكلت منه أنا وامرأتي والضيوف الذين يأتون عندنا، ثم كلته ففني، فقال عليه الصلاة والسلام: ( لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم )، لو لم تكله لأكلتم منه ما دمتم أحياء، ولقام لكم، أي: سد حاجتكم وكفاكم، فلم كلت؟ ولم أحصيت؟ وعندما أحصيت أحصي عليك، وانتهى الشعير. ومثل هذا كان يتكرر بكثرة، ففي المسند أيضا وصحيح مسلم وكتاب دلائل النبوة للإمام البيهقي ، في الكتب المتقدمة الثلاثة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كانت امرأة تهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في عكة لها سمناً، فكان يأتيها بنوها فيسألونها الأدم، والعكة معروفة وهي الوعاء من الجلد من جلد الضأن بعد أن يدبغ يصنع منه وعاء يوضع فيه السمن، فيأتي بنوها فيسألونها الأدم وليس عندهم شيء، فكانت تعمد إلى تلك العكة التي تهدي فيها السمن إلى النبي عليه الصلاة والسلام فتجد فيها سمناً، تصب فيخرج السمن بإذن الله جل وعلا، فما زالت تقيم لها أدم بيتها حتى عصرتها، فانتهت، فبقي بعد ذلك إن صبت لا يخرج منها قطرة، فأتت النبي عليه الصلاة والسلام تشكو له الأمر، وأن أدم العكة انتهى، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: ( هل عصرتيها؟ قالت: نعم، قال: لو تركتيها ما زال قائماً )، والله عند ظن عبده به فليظن به ما شاء، فعود نفسك على هذا الخلق الكريم.وسيأتينا إخوتي الكرام ما يتعلق بهذه المعجزات وخوارق العادات عند الأمر الثاني الذي يعرف به صدق النبي على نبينا وأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، إنما هذا الأدب -كما قلت- ينبغي أن نعتني به، وهذه معجزة جلية في تركة خير البرية عليه الصلاة والسلام، ما ترك في بيته إلا شطر شعير، شطر شيء قليل، لعله شطر الصاع، فهو كيلو، أو شطر المد فهو ربع كيلو، ومع ذلك أكلت منه أمنا عائشة ما شاء الله، فلما كالته فني.والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - ميراث الأنبياء للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net