اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - قوت النبي صلى الله عليه وسلم [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مباحث النبوة - قوت النبي صلى الله عليه وسلم [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
لقد كان قوت النبي صلى الله عليه وسلم قوت من جعل الدنيا معبراً ولم يجعلها مستقراً، فكان عليه الصلاة والسلام يشبع يوماً ويجوع يوماً، وكان يأكل خبز الشعير؛ بل إنه مات وما شبع هو ولا أهله من خبز الشعير، ومات ولم يجد من رديء التمر ما يشبع بطنه، ولا أكل خبزاً مرققاً حتى لقي ربه، وكان يجوع أكثر مما يشبع، وبلغ به الأمر أنه كان يربط على بطنه الحجر من شدة الجوع عليه الصلاة والسلام، كل ذلك لأنه رسول الله حقاً وصدقاً، وما يدخر له عند ربه خير وأبقى.
الأحاديث الواردة في وصف قوت وطعام النبي صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبمحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس المبحث الثالث من مباحث النبوة في بيان الأمور التي يعرف بها صدق النبي والرسول على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.وتقدم معنا -إخوتي الكرام- أن الأمور التي يعرف بها صدق النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة وفيرة يمكن أن تجمع في أربعة أمور: أولها: النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه. وثانيها: النظر إلى دعوته وشريعته ورسالته. وثالثها: النظر إلى معجزاته وخوارق العادات التي أكرمه الله بها وأيده بها. ورابعها: النظر إلى حال أصحابه الكرام رضوان الله على الصحابة أجمعين.إخوتي الكرام! وكنا نتدارس الأمر الأول من هذه الأمور وهو النظر إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه، وقلت: تحت هذا الأمر الأول نوعان من النظر: النظر إلى خَلق النبي عليه الصلاة والسلام، والثاني: النظر إلى خُلق النبي عليه الصلاة والسلام، فالله أعطى رسله الكمال في الأمرين، ومنحهم الجمال والجلال في خلقهم وفي أخلاقهم على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه. وقد تقدم معنا -إخوتي الكرام- ما يتعلق بالأمر الأول وهو النظر إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام في خلقه، وشرعنا بعد ذلك في مدارسة الجانب الثاني في النظر إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام في خُلقه، وقلت عند هذا المبحث باختصار: لا يمكن لإنسان أن يقف على وجه التمام على خلق نبينا عليه الصلاة والسلام، كما لا يمكن له أن يحيط بمعاني القرآن، إنما نتدارس من أخلاق نبينا عليه الصلاة والسلام ما في وسعنا حسب الإمكان. ولذلك إخوتي الكرام! قلت: إذا أردنا أن نقف على صورة مجملة واضحة لأخلاق نبينا عليه الصلاة والسلام فينبغي أن نبحث في سبعة أمور: أولها: خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع أهله، ثانيها: خلقه عليه الصلاة والسلام مع أصحابه وأمته، ثالثها: خلقه عليه الصلاة والسلام مع الملائكة الكرام على نبينا وعليهم جميعاً أفضل الصلاة وأزكى السلام، ورابعها: خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع أعدائه من شياطين الإنس، وخامسها: خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع أعدائه من شياطين الجن، وسادسها: خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع الحيوانات العجماوات، وسابعها وهو آخر الأمور: خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع الجمادات الصامتات.هذه الأمور السبعة يظهر بها على وجه الإيجاز والإجمال صورة مختصرة واضحة لخلق نبينا عليه الصلاة والسلام، وقد بدأنا بالأمر الأول من هذه الأمور السبعة وهو النظر إلى خلق نبينا عليه الصلاة والسلام في بيته مع أهله، وقلت إن هذا الأمر إذا أردنا أن نحيط به بصورة مختصرة ينبغي أن نتدارسه ضمن أربع مراحل: المرحلة الأولى: في بناء مسكن نبينا عليه الصلاة والسلام وحال حجره، والثاني: في أثاث ذلك المسكن ومتاعه، والثالث: طعامه الذي يقدم في تلك الحجر والبيوت الطاهرة المطهرة، والرابع: في كيفية المعاملة التي تجري بين نبينا عليه الصلاة والسلام وبين أهله الكرام على نبينا وآله وأصحابه صلوات الله وسلامه.وحقيقة من وقف على هذا الأمر من الأمور السبعة في خلق نبينا عليه الصلاة والسلام، يظهر له أن نبينا محمد رسول الله حقاً وصدقاً على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.وقد تدارسنا إخوتي الكرام! ما يتعلق بمسكن نبينا عليه الصلاة والسلام، وقلت باختصار: كان سكنه في هذه الحياة سكن من جعل الدنيا معبراً ولم يتخذها مقراً، وهكذا متاعه في ذلك السكن عليه صلوات الله وسلامه فهو متاع قليل كمتاع المسافر، لا يأخذ في سفره إلا ما يحتاجه ويكفيه، وأما القوت والطعام الذي يقدم في تلك الحجر المباركة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، فتقدم معنا أنه طعام قليل يسير، اختار الدون عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر فيما يتعلق بكميته وكيفيته، فكان يأخذ الطعام القليل مع خشونته أيضاً، فلا يكثر من الكمية ولا يختار الألوان الطيبة الشهية على نبينا صلوات الله وسلامه. وقلت: فعل نبينا هذا اختياراً من أجل أن يعامل الدنيا بما تستحق، ومن أجل أن يكمل له أجره عند الله جل وعلا، فإنه لا ينال أحد من هذه الحياة نعيماً إلا نقص من درجته عند الله وإن كان عليه كريماً، كما تقدم معنا هذا إخوتي الكرام، وذكرت بعض الأحاديث في طعام نبينا عليه الصلاة والسلام وبدأتها بحديث أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وكيف كان يمر على حجر نبينا عليه الصلاة والسلام وبيوته ثلاثة أهلة في شهرين ولا يوقد في بيوته الطاهرة الكريمة الطيبة نار، لا لخبز ولا لطعام على نبينا وآله أفضل الصلاة وأزكى السلام.وقلت: هذا المعنى -إخوتي الكرام- ثابت عن عدد من الصحابة الكرام في وصف قوت وطعام نبينا عليه الصلاة والسلام، وقلت: إنه متواتر، أقطع بذلك وأسأل أمام الله عز وجل، وقلت: سأقرره بعشرة أحاديث كما تقدم معنا، ذكرت الحديث الأول في تقرير معنى حديث أمنا عائشة رضي الله عنها من رواية عبد الرحمن بن عوف ، وذكرت الحديث الثاني من رواية أبي أمامة ، والحديث الثالث من رواية أبي هريرة ، والحديث الرابع من رواية أنس عن سيدتنا فاطمة رضي الله عنهم أجمعين، ورواية هذا الحديث تقدم معنا أنها في المسند ومعجم الطبراني بسند صحيح، وفي هذا الأثر والحديث أن سيدتنا فاطمة رضي الله عنها وأرضاها عندما قدمت لأبيها على نبينا وآله وأصحابه صلوات الله وسلامه كسرة من خبز الشعير قال لها: ( هذا أول طعام يأكله أبوك منذ ثلاثة أيام )، والحديث الخامس تقدم معنا من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، وهو كما تقدم معنا في المسند وسنن الترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يبيت الليالي المتتابعة، وهكذا أهله الكرام على نبينا وعليهم جميعاً الصلاة والسلام، لا يجدون عشاء، وإنما كان أكثر خبزهم خبز الشعير.
 حديث سهل بن سعد: (ما رأى رسول الله النقي ولا رأى منخلاً حتى قبض...)
الحديث العاشر وهو آخر الأحاديث: رواه الإمام أحمد في المسند والبخاري في صحيحه عن سهل بن سعد وهو من الصحابة الكرام، أنه سئل: هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم النقي؟ فقال سهل : ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم النقي من حين ابتعثه الله حتى قبض. ما وقعت عيناه على نقي، دقيق بُر منخول هذا ما رآه مطلقاً عليه الصلاة والسلام، ودقيق الشعير لا ينخل عندهم ينفخ نفخاً، أما دقيق البُر فنخله في الحقيقة ترف، فقيل له: هل كانت عندكم مناخل تنخلون بها؟ فقال سهل بن سعد : ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم منخلاً قط من حين ابتعثه الله حتى قبض، فقيل له: وكيف كنتم تأكلون الشعير؟ ما عندكم من نفي وهو دقيق البر، ولا مناخل فكيف كنتم تأكلون الشعير؟ فقال: كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثريناه بالماء، يعني بللناه بالماء وعجناه ثم خبزناه. نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثريناه بالماء، والشعير -إخوتي الكرام- لعل من أكله يعرف حاله فقشره كالإبر، لو أخذت قشرة الشعير وغرزتها في جلدك فسيخرج الدم منها، فكيف ستدخل للجوف بدون نخل؟ هذا حال من آثر الآخرة على الدنيا، ينفخ فما طار منه طار من هذا القشر الخفيف، والباقي بعد ذلك يبل بالماء ويعجن ثم يخبز ويؤكل.إخوتي الكرام! قال علماء اللغة: المنخل بضم الميم والخاء مُنخُل، وهذا من النوادر لأنه اسم آلة، والأصل أن يقال: مِنخَل، مثل مِطرَقة، هذا هو الأصل، لكن خرج من الأصل فهو مُنخُل، واسم الآلة ينبغي أن يكسر أوله ويفتح ثالثه، فيقال: مِنخَل، لكن هذا من النوادر -كما قال علماء اللغة- في الاستعمال عند العرب، بضم الأول والثالث وهو اسم آلة مُنخُل، وهو ما ينخل به وهو معروف، فما رأى عليه الصلاة والسلام منخلاً منذ أن بعثه الله حتى قبضه عليه صلوات الله وسلامه، وهذا ثابت في أحاديث كثيرة، ففي مسند الإمام أحمد عن أمنا عائشة رضي الله عنها، ولا تعتبر روايتان لأنه تقدم معنا رواية عائشة في تقرير طعام نبينا عليه الصلاة والسلام، إنما أريد ما يتعلق بالمنخل فقط رواية أخرى. تقول أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: والذي بعث محمداً بالحق عليه صلوات الله وسلامه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم منخلاً، ولا أكل خبزاً منخولاً منذ بعثه الله إلى أن قبض. فقال لها عروة رضي الله عنه وأرضاه: كيف كنتم تأكلون الشعير؟ شعير لا ينخل كيف تأكلونه؟ وهذا دليل أنه في زمن التابعين وجدت المناخيل، بل صار ينخل البُر، ولذلك يقول أئمتنا: أول بدعة حدثت في هذه الأمة وتوسع في أمر الحياة نخل الدقيق، وأرادوا بعد ذلك ألوان الأطعمة، فقال عروة لأمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: كيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نطحنه ثم نقول: أُف. يعني: ننفخ عليه، والحديث كما قلت في مسند الإمام أحمد.
جوع النبي صلى الله عليه وسلم وشده الحجارة على بطنه وما جاء في ذلك من آثار
إخوتي الكرام! هذه الروايات كلها تقرر المعنى الذي تقدم معنا وهو أن نبينا عليه الصلاة والسلام اختار الدون في قوته وطعامه من حيث الكمية والكيفية عليه صلوات الله وسلامه، بعد هذا التقرير لهذه الروايات أذكر حالة لنبينا عليه الصلاة والسلام في جوعه وهي معجزة من معجزاته عليه صلوات الله وسلامه، جوع لكن انظر ما يترتب عليه من معجزة تدل على أنه رسول الله عليه الصلاة والسلام حقاً وصدقاً.إخوتي الكرام! بلغ من جوع نبينا عليه الصلاة والسلام عندما يطوي الأيام والليالي لا يأكل أنه كان يشد على بطنه الشريف -فداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا عليه صلوات الله وسلامه- يشد صفائح الحجارة، يأتي بالحجارة الرقيقة التي كحجم الكف، فيضعها على بطنه ثم يشد الإزار عليها من أجل أن يقيم صلبه وظهره؛ لأن البطن إذا خوي وضمر يسقط الإنسان على وجهه، فمن أجل أن يقوم الصلب يأتي بهذه الحجارة ويضعها على البطن ويشد عليها عليه صلوات الله وسلامه، وقد وجد في الصحابة من شد حجراً على بطنه، لكن ما وصل إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام، شدوا حجراً واحداً أما هو فكان يشد حجرين في كثير من الأحوال عليه صلوات الله وسلامه، فإن وقع بهم أحياناً شيء من الشدة لكن بمقدار، أما هو عليه صلوات الله وسلامه فيتحمل ما لا يتحمله غيره، وسأذكر لذلك ثلاثة أحاديث فقط فيما يتعلق بشد صفائح الحجارة على بطن نبينا الشريف عليه صلوات الله وسلامه؛ لنعلم مدى اعتنائه بطعامه عليه الصلاة والسلام.وكان بعض شيوخنا يقول -ونسأل الله أن يلطف بنا-: من كان همه ما يأكله فقيمته ما يخرج منه، وهذا هو حالنا إلا ما رحم ربك في هذه الأيام، ليس لنا هم ولا فكر ولا بحث إلا ماذا سنأكل وماذا سنطبخ وماذا سنضع من ألوان الأطعمة، ولو أن الإنسان قدم له لون واحد فكأنه فعل كبيرة حينما سيأكل لوناً واحداً! لو قيل لأحدنا مثلاً: كل حتى خبزاً ولحماً فقط يقول: لا، لازم يوجد سلطة ولازم يوجد لبن وعصيرات وفواكه، ولو قلت له: كل خبزاً وزيتاً، سيقول: وهل يوجد أحد يأكل خبزاً وزيتاً هذه الأيام؟ أو خبزاً وخلاً، أو خبزاً وبندورة فقط، يقول: هذا مضى زمنه. هذه أحوالنا حقيقة، ولذلك -إخوتي الكرام- نحن أمة لا تصلح لا لدين ولا لدنيا، والله نحن عار حتى على الأرض، الأرض التي نمشي عليها ستعير بنا، تقول: هذه الأمة التي وجدت وما تهتم إلا ببطونها كيف ابتليت الأرض بنا؟ وانظر لحال نبينا عليه الصلاة والسلام وسلفنا، لقد خلقوا لغاية، والغاية التي خلقوا من أجلها قاموا بها على وجه التمام، وأما بعد ذلك أكل أو لم يأكل، ماذا نقص منه إذا ما ملأ بطنه من أطايب الطعام؟ ماذا أصابه؟ لا شيء على الإطلاق، وكما كان أئمتنا يقولون: البطن زجاجة لا تشف، سواء وضعت فيه لحماً أو وضعت فيها خبزاً يابساً، لا أحد يعرف ما في بطنك، لكن إذا اعتاد الناس على الشهوات فهذه هي المهلكات، وكان أئمتنا يقولون: من قنع بالخبز لم يستعبده أحد، من يأكل الخبز لا يستعبده أحد من خلق الله، والخبز موجود في كل مكان: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:56]، وإذا حصلت الخبز فكل ورق الشجر، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كثيراً ما يقتاتون بورق الشجر ويضعون كما تضع الشاة، فهل نقص من قدرهم في الدنيا أو في الآخرة؟ لا والله، ونبي الله موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه لما هرب من بلاد مصر إلى بلاد مدين ما كان معه من طعام إلا ورق الشجر، ولذلك قال بعد ذلك: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24]، أيام متتابعة ما دخل جوفي إلا ورق الشجر، فهل نقص هذه من قدره عند ربه أو في هذه الحياة؟ لا ثم لا، ولذلك ما أوتينا إلا من قبل شهواتنا. ورحمة الله على أبي حازم سلمة بن دينار كان عندما يدخل السوق ويرى الفاكهة يقول لها: موعدك في الجنة، أما في هذه الحياة فبيني وبينك حواجز. كنت مرة في بعض البلاد الإسلامية في إندونيسيا وهناك فقر شديد، فقالوا لي مرة: يا شيخ! بعض الفواكه كالتفاح سعر الكيلو يزيد على عشرة ريالات بالريالات القطرية، وراتب الواحد هناك في الشهر مائة ريال قطري أو مائة وخمسون على أقصى حد، والكيلو التفاح سعره عشرة ريالات، فمرة ذكرت لهم التفاح فقال لي واحد منهم: يا شيخ! أنا في حياتي ما ذقت التفاح، أراه فقط في السوق، أما أنني ذقته والله ما أعرف طعمه، وهو طالب في كلية الشريعة، فذكرت لهم هذه القصة ففرحوا، قلت: قولوا له: موعدك الجنة، كما قال سلمة بن دينار . هذا حال الشهوات، فاستن بحال النبي عليه الصلاة والسلام، واعلم أن هذه الحالة اختارها مع أنه لو أراد أن تسير معه الجبال ذهباً لسارت، لتعلم ماذا في نفسه عليه الصلاة والسلام من معانٍ في تعظيم الله ومعاملة هذه الحياة بما تستحق.
 حديث أبي هريرة في رفع النبي عن حجرين مشدودين إلى بطنه
والحديث الثالث: رواه الإمام الترمذي في سننه وفي الشمائل وقال عنه غريب، وسبب غرابته واستغراب الإمام الترمذي له أنه من رواية سيار بن حاتم العنزي أبو سلمة البصري وهو صدوق له أوهام، توفي سنة مائتين أو قبلها، وحديثه في السنن الأربعة إلا سنن أبي داود ، وحديثه يشهد له شواهد كثيرة. وكما قلت هو في السنن والشمائل المحمدية على نبينا صلوات الله وسلامه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع، ورفعنا ثيابنا عن حجر حجر إلى بطوننا ) كل واحد يضع حجراً على بطنه، ( فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثيابه عن حجرين )، يعني إذا أصبتم بشدة فهو يتحمل ما هو أشد عليه صلوات الله وسلامه.إخوتي الكرام! ما يتعلق بهذه الأحاديث وبموضوع شد الحجر على البطن عند الجوع، سوف يأتينا الكلام عليه على وجه الاختصار إن شاء الله مع التنبيه على وهم بعض علمائنا في هذه الأحاديث. وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولم علمنا وتعلم منا، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - قوت النبي صلى الله عليه وسلم [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net