اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه المواريث - أدلة عدم توريث ذوي الأرحام للشيخ : عبد الرحيم الطحان


فقه المواريث - أدلة عدم توريث ذوي الأرحام - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
اختلف الفقهاء في توريث ذوي الأرحام، فذهب الحنفية والحنابلة إلى القول بتوريثهم إذا لم يوجد وارث من أهل الفروض أو العصبات سوى الزوجين، واستدلوا لذلك بأدلة، ومما استدلوا به ما ورد عن الصحابة والتابعين من القول بتوريثهم.وخالفهم الشافعية والمالكية فلم يجعلوا ذوي الأرحام من الوارثين إذا كان بيت المال منتظماً، واستدلوا لذلك بعمومات قرآنية وأحاديث نبوية؛ لكن أدلتهم ليست من القوة بمكان بحيث ترجح على أدلة القائلين بالتوريث، بل هي لا تسلم جميعاً من مقال.
ذكر بقية الآثار عن الصحابة والتابعين في توريث ذوي الأرحام
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: إخوتي الكرام! ذكرنا في المبحث الثاني من توريث ذوي الأرحام اختلاف علماءنا الكرام في توريثهم، وكنا نتدارس حجج القول الأول الذين قالوا بتوريث ذوي الأرحام عند وجود عاصب أو صاحب فرض من النسب، وقلت: والذين قالوا بذلك: هم السادة الحنفية والسادة الحنابلة بدون شرط ولا قيد، وأما المالكية والشافعية فاشترطوا ألا ينتظم بيت المال، وإلا فالأصل ألا يورث ذوو الأرحام عندهم.إخوتي الكرام! قلت: استدل هؤلاء من القرآن الكريم، وذكرت وجه استدلالهم لذلك، واستدلوا بما ثبت عن نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، وتقدم معنا أن الأحاديث لا تنزل عن درجة الصحة؛ بأن الخال وارث من لا وارث له، وقلت: ما ينسحب على الخال ينسحب على غيره من ذوي الأرحام.كنا نتدارس الدليل الثالث من أدلتهم ألا وهو آثار الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.
 ما ورد عن التابعين في توريث ذوي الأرحام
أما آثار التابعين: فممن قال بتوريث ذوي الأرحام: مسروق من أئمة التابعين الكرام، وتقدم معنا أنه مخضرم، وهو ثقة فقيه رضي الله عنه وأرضاه، توفي سنة اثنتين وستين للهجرة، ثبت قوله في سنن الدارمي ومصنف ابن أبي شيبة عن عامر الشعبي عن مسروق أنه كان ينزل العمة بمنزلة الأب والخالة بمنزلة الأم.وثبت في سنن سعيد بن منصور ومصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة عليهم جميعاً رحمة الله، عن أبي إسحاق السبيعي ، قال: شهد عامر على مسروق أنه قال: أنزلوهم منزلة آبائهم، يعني: منزلة من أدلوا به. والأثر رواه البيهقي في المكان (6/217) عن مسروق عن شيخه عبد الله بن مسعود ، يعني: هذا الذي يقول مسروق منقول عن شيخه في رواية البيهقي ، قال مسروق : قال عبد الله : أنزلوهم منازل آبائهم، يقول: يورث كل إنسان بمنزلة أبيه.وثبت في سنن الدارمي ومصنف ابن أبي شيبة عن مسروق أنه قال في رجل توفي وليس له وارث إلا ابنة أخيه: للخال نصيب أخته، ولابنة الأخ نصيب أبيها. وعليه الأم ستعطيها الثلث والأخ له الباقي، المسألة تصبح من ثلاثة: اثنان واحد، ابنة أخ وخالة، هذا قضاء مسروق ، وهو ثابت عنه رحمة الله ورضوانه عليه.وثبت هذا القضاء عن إبراهيم النخعي في سنن الدارمي ، قال: من أدلى برحم أعطي برحمه التي يدلي بها، يعني: ينزل منزلة قريبه الذي أدلى به، فالخالة تدلي بالأم فتنزل منزلة الأم، والعمة منزلة الأب، وبنت الأخ منزلة الأخ، والجد من قبل الأم منزلة الأم، وهكذا.ونقل النخعي هذا عمن قبله فقال كما في مصنف ابن أبي شيبة (11/261، 279) قال إبراهيم : كانوا يورثون بقدر أرحامهم، وممن قال بهذا القول الشعبي .وهو إذاً ثابت عن مسروق والنخعي والشعبي ، وسيأتينا قول الشعبي عند بيان كيفية توريث ذوي الأرحام إن شاء الله.انتهينا الآن من حجج القول الأول، كتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام وآثار عن الصحابة الأخيار والتابعين الأبرار رضي الله عنهم أجمعين في أن ذوي الأرحام يرثون، قلت: ثبت عن ثلاثة من الصحابة وعن ثلاثة من التابعين رضي الله عنهم أجمعين. والأحاديث الصحيحة الثابتة تقدمت معنا، ودلالة القرآن فيما يظهر من حيث الظاهر ظاهرة: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأنفال:75]، لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء:7]، فعلة الإرث القرابة، وتقدم معنا أن هذا هو أقوى أسباب الإرث، والعلم عند الله جل وعلا.
القول الثاني: عدم توريث ذوي الأرحام
القول الثاني: لا يورث ذوي الأرحام، فالوارث إذا لم يوجد عاصب أو صاحب فرض نسبي هو بيت المال، قال بهذا إمامان جليلان: سيدنا الإمام مالك وسيدنا الإمام الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله، الأستاذ وتلميذه، فالإمام مالك هو الأستاذ والشافعي هو التلميذ، وتلميذ التلميذ خالف وهو الإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه.والمعتمد عند المذهبين: أن بيت المال إذا لم ينتظم نورث ذوي الأرحام كما تقدم معنا في الرد. ‏
 شواهد حديث ابن عمر في عدم توريث ذوي الأرحام
قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (3/94): روى الإمام الحاكم شاهداً لحديث ابن عمر هذا الذي فيه عبد الله بن جعفر المديني ، والشاهد انظروه في المستدرك (4/343) يعني: بعد أن روى حديث عبد الله بن عمر أورد له شاهدين أيضاً، وليس شاهداً واحداً كما سيأتي.يقول: روى له شاهداً من حديث شريك بن أبي نمر ، وشريك صدوق ويخطئ، توفي سنة (140هـ)، أخرج له الشيخان والنسائي وابن ماجة والترمذي في الشمائل.قال: من حديث شريك بن أبي نمر : أن الحارث بن عبد الله أخبره (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ميراث العمة؟ فسكت، فنزل عليه الوحي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حدثني جبريل ألا ميراث لهما).وروى له الحاكم شاهداً آخر من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، قال: (ركب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء على حمارٍ له فقال: أستخير الله في ميراث العمة والخالة، فأوحى الله إليه أن لا ميراث لهما)، قال الحاكم : فقد صح حديث عبد الله بن جعفر المديني بهذه الشواهد، ولم يخرجاه، فتعقبه الذهبي فقال: الشاهد الأول -الذي من طريق شريك بن أبي نمر عن الحارث بن عبد الله - فيه الشاذكوني وهو مرسل، إذاً: علتان: إرسال، والشاذكوني ، أما الشاذكوني فما تكلم عليه الذهبي لأنه معروف، وقال عنه الحافظ في التلخيص: متروك، والشاذكوني هو سليمان بن داود متروك، لم يخرج له أحد من أهل الكتب الستة. إذاً: مرسل، وفيه متروك، كيف ستقوي به أثراً مجمعاً على ضعفه؟ هذا لا يصح.وهذا الأثر قبل أن ننتقل للشاهد الثاني، أعني: أثر الحارث بن عبد الله رواه البيهقي في السنن الكبرى (6/213)، قال الإمام ابن التركماني في الجوهر النقي: اختلف فيه، فرواه ابن أبي شيبة (11/263) عن شريك -أي فحذف الحارث بن عبد الله -: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمة والخالة؟)، قال الإمام ابن التركماني : وكذا ذكره الدارقطني في السنن (4/99) من طريقين. إذاً: كأنه يقول: فيه الشاذكوني وهو مرسل، واختلف في الإرسال فتارة يذكر الحارث بن عبد الله ، وتارة يحذف شريك بن أبي نمر يرفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ففي سنن الدارقطني والبيهقي لا وجود للحارث ، قال الإمام ابن التركماني : ثم إن الحارث هذا لم أعرف حاله، ولا ذكر له في شيء من الكتب التي بأيدينا سوى المستدرك، فإنه مذكور فيه في هذا الحديث مستشهداً به، يعني: جعله شاهداً لحديث عبد الله بن عمر .وحقيقة كتبت تراجم لم أقف على ترجمة للحارث بن عبد الله . أي أنه أولاً: فيه الشاذكوني متروك وهو مرسل، ثم روي بحذف الحارث بن عبد الله ، وعلى التسليم بذكره يقول: مجهول لا أعرف حاله، ولا وجود له في شيء من الكتب إلا في مستدرك الحاكم مستشهداً به في هذا الحديث، هذا كلام الإمام ابن التركماني ، وبعد بحث ما وقفت له على ترجمة، فابحثوا فإذا وجدتم فأخبروني وجزاكم الله خيراً.قال ابن التركماني : وشريك بن عبد الله بن أبي نمر فيه كلام يسير. وقد كنت ذكرت لكم حاله وقلت: إنه صدوق يخطئ، وهو من رجال الصحيحين فالكلام فيه لا يضر إن شاء الله، وحديثه لا ينزل عن درجة الحسن، لكن كما قلت: عندنا بلية من الشاذكوني ، وعندك بعد ذلك على التسليم بذكر الحارث بن عبد الله وهو مجهول الحال لا يعلم حاله، إذاً: هذا الشاهد الأول لا يثبت.والشاهد الثاني هو أثر أبي سعيد الخدري ، أو ليس كذلك؟ وعليه لو ثبت يصبح معنا حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر وحديث أبي سعيد مع هذا المرسل الذي هو من طريق الحارث بن عبد الله .لكن الثاني يقول عنه الذهبي في التلخيص: فيه ضرار بن صُرد ، وهو هالك، وقال الحافظ في التلخيص: في إسناده ضعف، وانظر لكلام الحافظ في التقريب؛ ولا أراه متمشياً مع الموازين في توثيق الرجال.الآن الذهبي يقول هالك، وابن حجر في التلخيص يجزم بأنه ضعيف، انظر لكلامه في التقريب حيث يقول: هو أبو نعيم الطحان الذي هو ضرار بن صُرد أبو نعيم الطحان الكوفي صدوق له أوهام وخطأ، ورمي بالتشيع، وكان عارفاً بالفرائض، توفي سنة (229هـ)، ثم رمز له (عخ) إشارة إلى أن البخاري أخرج له في كتاب خلق أفعال العباد فقط، ولم يخرج له أحدٌ من أصحاب الكتب الستة، وهذا الحكم لا يتناسب مع حال ضرار بن صُرد حين يقول: هو صدوق له أوهام وخطأ، يعني: حقيقة لا يتناسب، استمع لترجمته في كتب الجرح والتعديل:يقول الذهبي في الميزان: قال البخاري وغيره: متروك، وقال ابن معين : كذاب، وقال النسائي : ليس بثقة، وقال الدارقطني : ضعيف، وقال أبو حاتم : صدوق لا يحتج به، وصدوق عند غير ابن حجر ليست كالصدوق عن ابن حجر فانتبه لذلك! أئمتنا إذا قالوا: إنه صدوق فهي من ألفاظ الجرح إلا الحافظ ابن حجر فهذا اصطلاح خاصٌ له في التقريب أن هذا لمن كان حديثه في درجة الحسن.أي أنه صدوق لا يحتج به، متروك، كذاب، كيف أنت تحكم عليه في التقريب بعد أن جزمت بضعفه في التلخيص، وجزم أئمتنا بذلك، ولو جاء التوثيق لنقلته، فلا تظنوا أني تخيرت ألفاظ التجريح، هذا ما هو موجود في ترجمته، فلا يقال: توسط الحافظ ابن حجر ، فحقيقة إطلاق الحكم عليه بأنه صدوق له أوهام عجيب، ويحتاج كما قلت لشيء من التحقق، يعني: هل يوجد وهم أو خطأ من الطابعين؟ العلم عند رب العالمين.وانظروا أيضاً ترجمته في المغني في الضعفاء، وقال الإمام ابن التركماني في الجوهر النقي في التعليق على سنن البيهقي (6/213): متروك الحديث، كذا قال النسائي ، وكان ابن معين يكذبه، أفمثل هذا يقال عنه: صدوق له أوهام وخطأ؟ لا ثم لا، يعني: أقل ما يقال عنه: إنه ضعيف، والحافظ جزم بهذا دون تردد في التلخيص، ولذلك الذهبي يقول: فيه ضرار بن صُرد وهو هالك، وعليه لا يثبت هذا الأثر الذي هو عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه.إخوتي الكرام! حديث أبي سعيد أخرجه الطبراني في الصغير كما في المجمع (4/230)، قال الإمام الهيثمي : وفيه يعقوب بن محمد الزهري وهو ضعيف، وقال الحافظ ابن حجر في ترجمته: صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء، توفي سنة 213 (خع ق)، أي روى له البخاري تعليقاً وابن ماجة القزويني في السنن.وحديث أبي سعيد رواه الدارقطني (4/98)، وسعيد بن منصور (1/70)، والبيهقي (6/212) مرسلاً من طريق عطاء بن يسار ، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: ورواه النسائي مرسلاً عن زيد بن أسلم ، ومرسل زيد رواه عبد الرزاق في مصنفه (10/281)، ومصنف ابن أبي شيبة (11/262)، وروي أيضاً مرسلاً من طريق عطاء بن يسار وزيد بن أسلم في الدارقطني . إخوتي الكرام! باب: من لا يرث من ذوي الأرحام.يقول: عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار ، وقلت: في رواية النسائي كما قال الحافظ ابن حجر ومصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: (أتى رجلٌ من أهل العالية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إن رجلاً هلك وترك عمة وخالة، انطلق حتى تقسم ميراثهم)، يعني: يريد من النبي عليه الصلاة والسلام أن يقسم ميراثهم، (فتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار وقال: يا رب! رجلٌ ترك عمة وخالة؟ ثم سار هنيهة، ثم قال: رب! رجل ترك عمة وخالة؟ ثم سار هنيهة، ثم قال: رب! رجل ترك عمة وخالة؟ قال: لا أرى ينزل عليَّ شيء لا شيء لهما).يقول هنا: وروى أبو داود في المراسيل عن عبد الله بن مسلمة عن عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب إلى قباء يستخير في ميراث العمة والخالة، فأنزل عليه: لا ميراث لهما)، ثم قال البيهقي : ورواه أبو نعيم ضرار بن صرد عن عبد العزيز .. وروى عن شريك بن أبي نمر أن الحارث بن عبد الله أخبره (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ميراث العمة والخالة فسكت، فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال: حدثني جبريل أن لا ميراث لهما)، إذاً: هنا أثر أبي سعيد روي أيضاً مرسلاً عن عطاء وعن زيد بن أسلم . والحديث كما ترون إخوتي الكرام! ضعيف من جميع الطرق، طريق حديث عبد الله بن عمر وحديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري ، والمرسل الذي هو من طريق الحارث بن عبد الله ، وروي الحديث أيضاً مرسلاً في مصنف عبد الرزاق (10/281) عن صفوان بن سليم ، وهو العبد الصالح القانت ثقة مفتٍ عابد، توفي سنة (132هـ). انظروا ترجمته الطيبة في السير (5/364)، وفيه كلام للإمام أحمد فيه جرى حوله ضجيج ولغط.انظروه في الميزان وفي غيره يستشفى بحديثه، وينزل القطر عند ذكرك له، صفوان بن سليم ، كان آلى على نفسه ألا يضع جنبه على الأرض حتى يعلم مقعده من الجنة أو النار، فبقي ثلاثين سنة لا نام ولا اضطجع، وإذا غلبه النوم ينام وهو قائم، فلما اشتد به السياق قالوا له: وضعت جنبك الآن تستريح ترتفق، قال: إذاً: ما وفيت بنذري، فما وضع جنبه حتى مات، وبعد أن مات ضحك رحمة الله ورضوانه عليه، صفوان بن سليم ، هو العبد الصالح الذي كان في مسجد نبينا عليه الصلاة والسلام يصلي فدخل سليمان بن عبد الملك ، وكان معه سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم أجمعين، فلما نظر إلى سليمان وهو الخليفة إذ ذاك، وأعجب بطلعة هذا العبد الصالح المنور المشرق، أو كان يصلي صفوان بن سليم ، قال: من هذا؟ قال: هذا صفوان بن سليم ، قال: يا غلام! علي بالصرة، فوضع خمسمائة دينار في الصرة وقال: أعطها لهذا الرجل صفوان بن سليم ، فأطال الصلاة فلما سلم قال له: هذه الصرة من أمير المؤمنين، قال: لعلك أخطأت، قال: أو لست بـصفوان بن سليم ؟ قال: بلى. لكن لعله أراد غيري ووهمت، قال: هو قال: لـصفوان بن سليم ، قال: اذهب فتأكد، فلما ذهب خرج وولى، قال: فما رئي في المسجد حتى غادر سليمان بن عبد الملك المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، حقيقة يستشفى بحديثه، وينزل القطر عند ذكرك له، رضي الله عنه وأرضاه.عن صفوان بن سليم رضي الله عنه وأرضاه: (أن رجلاً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله! رجلٌ ترك خالته وعمته؟ فلم ينزل على النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك شيء، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ليس لهما شيء)، والأثر رواه سعيد بن منصور في سننه عن عمران بن سليم : (أن رجلاً انقعر -يعني: انخلع، بمعنى: مات- عن مال له، فأتت ابنة أخته النبي عليه الصلاة والسلام تسأله عن الميراث، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لا شيء لك، اللهم من منعت ممنوع، اللهم من منعك ممنوع)، مرتين.يقول الشيخ الأعظمي: المسمون بهذا الاسم -وهو عمران بن سليم - ثلاثة مذكورون في الجرح والتعديل، وقد أخرج عبد الرزاق نحو هذا عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سليم ، أثر صفوان (10/281) في مصنف عبد الرزاق ، أما هنا فعمران بن سليم يعني: حقيقة لا يوجد أحد من رجال الكتب الستة اسمه عمران بن سليم ، والذهبي حتى في المغني ما أورد أحداً اسمه عمران بن سليم .وهنا يقول في الجرح: رجعت إلى الجرح كما قال الشيخ الأعظمي: يوجد ثلاثة يسمون بذلك، انظروا الجرح والتعديل (6/299) باب السين، عمران بن سليم الحضرمي بصري سمع ابن عمر ، فهو تابعي، روى عنه عياش بن عباس وعمرو بن الحارث سمعت أبي يقول ذلك.والثاني: عمران بن سليم الكلاعي ، قاضي حمص روى عن يزيد بن ميسرة ، روى عنه معاوية بن صالح ... إلى آخره.الثالث: عمران بن سليم روى عن عبد الرحمن بن عيسى عن الزهري أو روى عنه سعيد بن أبي أيوب ، قال: سمعت أبي يقول ذلك. انتهى بعد عمران بن ثوالة، هؤلاء ثلاثة كلهم عمران بن سليم، فمن المراد هنا؟ على جميع الأحوال هو تابعي ولا يزيد حاله عن ذلك، فيبقى الأثر مرسلاً، والذي قبله كذلك، وجميع الآثار ما بين ضعيف وما بين مرسل. هذه الأحاديث إخوتي الكرام! هي عمدة من قال إنه روي في السنة عدم توريث ذوي الأرحام، لا يوجد أثرٌ آخر على الإطلاق، ولا يوجد واحد منها يسلم من مقال، فماذا نجيب عن هذه الأحاديث؟أولاً: هذه الآثار ضعيفة كما رأيتم فلا تقارن بما تقدم وعلمتم، تقدم معنا هناك آثار صحيحة: (الخال وارث من لا وارث له)، وأما هنا لا يسلم أثرٌ من مقال.فإن قيل: إن هذه الآثار تتقوى بتعدد طرقها واختلاف مخارجها من مراسيل وأسانيد متصلة ضعيفة، فالجواب: نعم، الأمر كذلك، لكن مهما قويت فهي دون الأخبار المصرحة بتوريث ذوي الأرحام في القوة، فعند التعارض يقدم الأقوى. وبهذا يجاب عن ما ذكره شيخنا عليه رحمة الله في أضواء البيان، مع ما في كلامه من وهم لا يخفى، وكنت نبهت عليه، فقال عليه رحمة الله: هذه الطرق الموصولة والمرسلة يشد بعضها بعضاً، فيصلح مجموعها للاحتجاج، لا سيما أن منها ما صححه بعض العلماء، كالطريق التي صححها الحاكم ، وتضعيفها بعبد الله بن جعفر فيه أنه من رجال مسلم ، وأخرج له البخاري في صحيحه تعليقاً، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: ليس به بأس، هذا وهم كما قلت، وقوله: هناك طرق موصولة ومرسلة يشد بعضها بعضاً يصلح مجموعها للاحتجاج، كما قلت: نعم تكتسب قوة، لكن قوتها دون قوة الأحاديث المصرحة بتوريث ذوي الأرحام قطعاً وجزماً، ولا يرتاب في ذلك من وقف على تلك الأحاديث وعلى هذه الآثار.الجواب الثاني: هذه الأحاديث التي صرح بأنه لا نصيب لذوي الأرحام، يراد منها: ليس لهم ميراث محدد ونصيب مقدر يزاحمون به الورثة.قال الإمام ابن التركماني : ذكره الإمام عبد الحق هذا الحديث في أحكامه.ونذكر بقية الأجوبة في درس قادم إن شاء الله تعالى، والله أعلم.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه المواريث - أدلة عدم توريث ذوي الأرحام للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net