اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه المواريث - الرد على الزوجين [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


فقه المواريث - الرد على الزوجين [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
اختلف أهل العلم في القول بالرد على قولين، ولكل قول دليله، وكان مما احتج به الفريقان ما نقل عن الصحابة؛ لأن الصحابة اختلفوا -كذلك- على قولين ولهذا لا يصح تضليل أحد القولين أما الترجيح بالدليل فمطلوب لمن تأهل لذلك.
سبب اختلاف الفقهاء في حكم الرد
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:إخوتي الكرام! اختلاف المذاهب الأربعة في هذه المسألة الواضحة مبني على اختلاف الصحابة الكرام بناءً على الحجج المتقدمة، وهي كما تقدم معنا: هل يقيد الإطلاق في قول الله جل وعلا: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأحزاب:6]، والأحاديث التي نصت على أن من ترك مالاً فلورثته وأقاربه وأرحامه، هل تقيد بنصوص المواريث المحددة للورثة أنصباء مقدرة؟ أو يعمل بكليهما؟ بالمقيد ويقدم، فإذا بقي شيء لا نخرج عن الحكم المطلق كما تقدم معنا.قلنا: النصوص التي حددت أنصباء مقدرة هذه نقدمها في العمل، فنجعل للبنت النصف وللزوجة الثمن وللجدة السدس، هذا هو المقدر، ولا ندخل أحداً معه، لكن إن بقي شيء نقول: لا نخرج عن إطلاق قول الله: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأحزاب:6]، فالتقديم اتفقنا عليه، لكن هل نقدمه ونقول: هذا التقييد قيد ذلك الإطلاق، فذاك الإطلاق لا يعمل به؟ أو نقدمه فإذا بقي شيء نعمل المطلق؟ فتقدم معنا أن أبا حنيفة والإمام أحمد أعملا النصوص كلها، قال: نعمل بالتقييد إذا اجتمع ذوو الأرحام والورثة حتى نعرف كيف نورثهم، لكن إذا بقي شيء نعمل بالإطلاق مع التقييد.الإمام الشافعي ومالك كما تقدم معنا يقولون: هذه النصوص قيدت ذلك الإطلاق، إن بقي شيء يرد إلى بيت المال. لم تردونه إلى بيت المال؟ قالوا: الغنم بالغرم، بيت المال هو الذي يتكفل بمصالح المسلمين، فمن عجز من المسلمين يأخذ ما يكفيه من بيت المال زواجاً وبناء بيت وقضاء حاجة وتحصيل مركب، هذا كله يؤمن له من بيت المال، وله حق في بيت المال أن يرعى، وإذا عجز وكبر يفرض له ما يكفيه دون أن يتعرض لسؤال قريب أو غريب، هذا بيت المال وضع للمصالح العامة، وهنا يوجد بنت لها النصف فقط كما فرض الله، والباقي كما أن بيت المال إن عجزت هذه البنت ولم يكن عندها شيء يفرض لها ما يكفيها، أيضاً الآن لا داعي أن نعطيها الباقي، بل نرده إلى بيت المال؛ لأنه مصلحة عامة يليه أمر المسلمين، كما أنهم ينتفعون به ينبغي أن ينتفع به إذا ما وجد لمالهم مستحق معين، وعليه نعمل كما قلت النصوص التي فرضت أنصباء محددة للورثة، ونقيد الإطلاق في قول الله: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأحزاب:6]، ( من ترك مالاً فلقراباته وأرحامه )، نقيد هذا بما تقدم، والزائد يرد إلى بيت المال.فإمامان أعملا النصوص كلها، وإمامان قيدا الإطلاق بالتقييد الوارد في بعض النصوص، هذا العمل الذي فعله الأئمة الأربعة هو الذي فعله الصحابة فاستمع لأقوالهم.
 

نقل أقوال السلف القائلين بالرد

 من قال بالرد من التابعين
وهذا القول قال به من التابعين الإمام الشعبي كما في سنن الدارمي (2/361) قال الشعبي في رجل مات وترك ابنته لا يعلم له وارث غيرها، قال: لها المال كله فرضاً ورداً.وقال بهذا سفيان الثوري وعبد الله بن عبيد بن عمير كما في سنن الدارمي ، قال عبد الله بن عبيد بن عمير : ( كتبت إلى أخ لي من بني زريق أسأله: لمن قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن الملاعنة؟ فكتب إلي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به لأمه، هي بمنزلة أمه وأبيه ). قال سفيان كما في هذا الأثر: المال كله للأم هي بمنزلة أبيه وأمه. وهذا القضاء ثابت عن الحسن البصري أيضاً في سنن الدارمي ، قال الحسن : ترثه أمه، يعني: ابن الملاعنة.وثابت عن مكحول وعن عطاء في سنن الدارمي ، الآن صار هؤلاء عشرة من السلف: أربعة من الصحابة وستة من التابعين رضي الله عنهم أجمعين يقولون بالرد، وهذا الذي أخذ به الإمام أحمد وقبله أبو حنيفة عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه.
القول بعدم الردّ
القول الثاني: لا يعطي وارثاً أكثر من ما فرض له ويرد الباقي إلى بيت المال، فكما يتكفل بيت المال بالمسلمين يعود إليه ما فضل عن الوارثين؛ لأن الغنم بالغرم، فبيت المال يكفلهم ويأخذون منه احتياجهم، فإذا فضل شيء عن الورثة يرد إلى المصالح العامة، وهذا أيضاً منقول عن الصحابة، وبناء عليه يخرج المذاهب الأربعة عن قضاء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وسأذكر من قال بهذا من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
 ما نقل عن التابعين من القول بعدم الرد
هذان صحابيان: أبو بكر وزيد ، قالا بهذا رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين، وقال بهذا أيضاً جم غفير من التابعين.روى البيهقي في السنن الكبرى (6/259) والأثر في موطأ الإمام مالك (2/522)، وإذا كان عندكم شرح الزرقاني فهو في الجزء الثالث من شرح الزرقاني (ص:123) عن الإمام مالك عليه رحمة الله أنه بلغه أن عروة بن الزبير كان يقول في ولد الملاعنة وولد الزنا: إذا مات ورثته أمه.إخوتي الكرام! بالنسبة ولد الملاعنة أي: التي لاعنت ونسب الولد إليها، ويصح أن يقال: بالفتح على أنه ولد الملاعنة، أي: الملاعنة التي حصلت بين الزوجين.قال في ولد الملاعنة وولد الزنا: إنه إذا مات ورثته أمه حقها في كتاب الله عز وجل، وهي ترث إما ثلثاً وإما سدساً، وإخوته لأمه يأخذون حقوقهم، إما الثلث وإما السدس على حسب الجمع أو الانفراد. ويرث البقية موالي أمه إن كانت مولاة.يعني: إذا كانت أمه في الأصل معتقة فيأخذ البقية عصبته السببية وهم موالي أمه، وإن كانت أمه عربية ورثت حقها، وورث إخوته لأمه حقوقهم، وكان ما بقي للمسلمين. إذاً: نصف المال سينصرف إلى الأم والأخوة لأم، فإذا كان الأخ لأم واحداً فالأم لها الثلث، وله السدس، والمجموع نصف المال، وإذا كان إخوة لأم أكثر من واحد فلهم الثلث والأم لها السدس، والمجموع نصف المال، يعني: نصف المال بين الأم والإخوة لأم، والنصف الثاني لبيت المال. إذاً: هنا ورثت حقها وورث إخوته لأمه حقوقهم، وكان ما بقي للمسلمين.قال الإمام مالك : وبلغني عن سليمان بن يسار مثل ذلك، قال مالك : وعلى ذلك أدركت أهل العلم ببلدنا. إذاً: نقل هذا عن عروة بن الزبير وعن سليمان بن يسار ، ثم نقله عن أهل العلم قاطبة ببلده في بلدة خير خلق الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه. ولذلك الإمام البيهقي اختصر الأثر فقال: عن مالك بلغه عن عروة وسليمان بن يسار أنهما سئلا.. إلى آخر الأثر الذي مر معنا.إذاً: هؤلاء من أئمة التابعين، عروة وسليمان بن يسار ، والإمام مالك يطلق بعد ذلك يقول: أهل العلم ببلدنا كلهم على هذا، أنهم لا يردون على أصحاب الفروض النسبية شيئاً، إنما يعطونهم فروضهم والباقي لبيت المال.
ذكر ثلاثة آثار تبين اختلاف الصحابة في الرد
وحاصل الكلام أن الخلاف في هذه المسألة واقع بين الصحابة الكرام في أمرين اثنين: الأول: في وقوع الرد وحصوله.والثاني: على من يرد على القول بالرد؟ أيضاً فيه خلاف، وتقدم معنا آثار عن عبد الله بن مسعود أنه استثنى ستة لا يرد عليهم، مع أنه يقول بالرد على ذوي الفروض النسبية. هذا عدا الزوجين فقد قلنا: ذاك محل اتفاق بين الصحابة أنه لا يرد عليهم، وجاء متأخرو الحنفية ففتحوا الأمر ووسعوا بين القواعد الشرعية، وقالوا: بما أن الأمور فسدت في العصور المتأخرة، فكما رددنا على ذوي الفروض النسبية بمقدار فروضهم إذا لم يكن لأحد الزوجين قريب من أرحامه من أصحاب الفروض من عاصب نرد الباقي إلى أحد الزوجين أيضاً. إذاً: خلاف أيضاً في من يرد عليهم، وسأوضح هذا بثلاثة آثار، ثم بعد ذلك ننتقل إلى كيفية حل المسائل على القول بالرد:
 الأثر الثالث في خلاف الصحابة مسألة في الرد
المسألة الثالثة أيضاً والأثر الثالث: رواه الدارمي (2/362) عن قتادة : أن علياً وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين قالا في ابن الملاعنة ترك جدته وإخوته لأمه, للجدة الثلث, وللإخوة لأم الثلثان, هذا على حسب الرد، وتقدم معنا عبد الله لا يرد على الإخوة لأم مع الأم، أما مع الجدة فتقدم أن علقمة قال: إن شئت ورثتهم. وعليه هنا الآن جدة وأخ لأم، الجدة أعطاها الثلث, أي: باعتبار الرد, والأصل أن فرضها السدس, انتبه كيف سيئول إلى السدس. وهذان الثلث, المسألة من ستة للجدة واحد, والثلث اثنان للإخوة لأم، رد المسألة إلى ثلاثة, فالجدة أخذت ثلثاً, والإخوة لأم ثلثين, فقوله: للجدة الثلث ليس فرضاً, فلا يشكلن عليك القضاء, يريد أن يقول: مآل ما سيكون للجدة الثلث، ومآل ما سيكون للإخوة لأم الثلثان, فهم أخذوا اثنين من ثلاثة, وهي أخذت واحداً من ثلاثة. هذا قضاء علي وعبد الله بن مسعود .وقال زيد : للجدة السدس, وللإخوة لأم الثلث, وما بقي فلبيت المال. هذه أيضاً أقضية مختلفة في هذه المسائل التي وقعت في زمن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.وكما قلت إخوتي الكرام! الأدلة تحتمل القولين، ولا يوجد قضاء صريح عن نبينا عليه الصلاة والسلام في مسائل الرد, هل نرد أو لا؟ إنما يوجد عمومات استنبط منها من قال بالقول بالرد, كما في قوله: (ولا يرثني إلا ابنة)، من قول سيدنا سعد رضي الله عنه وأرضاه. وقد تقدم معنا في الأثر, فأقره النبي عليه الصلاة والسلام, فمن قال بالرد يقول: (لا يرثني) يعني: يأخذ كل المال، وأولئك يقولون: (لا يرثني) بمعنى الفرض المقدر. المقصود أن الجميع عمومات استدل بها من قال بالرد أو من قال بعدمه, فأولئك الذين لا يردون يقولون عندنا تقييد, فكل إطلاق بعد ذلك يقيد بهذا، فآية: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأنفال:75] على العين والرأس, بمعنى: أن البنت تأخذ النصف عندما توجد مع غيرها من الورثة، أما أننا نعطي البنت كل المال, والله جعل لها النصف فكيف سنعطيها كل المال؟ فهي أولى من غيرها بالنصيب المقدر لها.وأولئك يقولون: بالنصيب المقدر لها عند اجتماعها مع غيرها, فإذ انفردت بقيت الآية على إطلاقها: أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأنفال:75].خلاصة الكلام: القولان معتبران, لكن فيما يظهر -والعلم عند الله- حسب قواعد الشريعة العامة أن القول بالرد أولى، وأن الغنم بالغرم، وكما يحصل العول على هؤلاء فينبغي أن يحصل النفع, وصلتهم ببعضهم أقرب وأولى من صلة هؤلاء بعموم المسلمين, والعلم عند رب العالمين. والذي أراه والعلم عند الله: أن قول الحنفية في كيفية توريث الورثة بالرد أيضاً هو أسد الأقوال في هذه المسألة, أننا نرد أيضاً على الزوجين وإن لم يجر القضاء بذلك عند المذاهب الأخرى، لكن الحنفية اعتمدوا هذا, وقلت لكم: هو أيضاً معتبر، كما أن الشافعية والمالكية لم يقولوا بالرد أصالة, وقالوا به لفساد بيت المال, فلنقل به في حق الزوجين لفساد بيت المال، فالعلة واحدة, وصلة الإنسان بزوجه مهما كانت بعيدة أولى من صلة هذه الزوجة بعموم المسلمين وببيت المال, فيبقى أيضاً بينهما انتفاع خاص, فينبغي أن ينتفع بمالها بعد موتها, وتنتفع بماله بعد موته بالقيود التي وضعها الحنفية, وهي كما قلت: ألا يوجد أحد من ذوي الأرحام, فالتوريث بذوي الأرحام من غير أصحاب الفروض النسبية يقدم على الرد على الزوجين، ولا يوجد صاحب فرض من أصحاب الفروض النسبية, ولا يوجد عاصب من النسب من باب أولى, أو عاصب مطلقاً من السبب؛ لأن العصبة يأخذ ما أبقته الفروض, والعلم عند الله جل وعلا.والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه المواريث - الرد على الزوجين [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net