اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه المواريث - الجد والإخوة [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


فقه المواريث - الجد والإخوة [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
اختلف أهل الفرائض في توريث الإخوة مع الجد على قولين معتبرين: أحدهما أن الجد كالأب، فيحجب الإخوة ولا يرثون معه شيئاً، وقد ذكر أصحاب هذا القول أدلة كثيرة ترجح ما ذهبوا إليه واختاروه، وأوضح هذه الأدلة عشرة فصلها الشيخ وشرحها شرحاً وافياً، وبين ما هو أقواها وأوضحها، وما يمكن أن يجاب عليه منها.
أدلة القول بعدم توريث الإخوة مع الجد
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.اللهم صل على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:إخوتي الكرام! شرعنا في المحاضرة الماضية في مبحث الجد والإخوة، ووضعت لذلك معالم سبعة ينبغي أن يعيها طالب العلم قبل الشروع في تفصيل أحكام الجد والإخوة. وبعدها ذكرت أن أقوال أئمتنا في الجد والإخوة مع تعددها وتنوعها وتشعبها واختلافها تعود إلى قولين اثنين، قول يقول بعدم توريث الإخوة مع الجد؛ لأن الجد يعتبر أباً. وقلت: ذهب إلى هذا صديق هذه الأمة أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، ولم يخالفه أحد في خلافته، وتحمس لهذا عدد كثير من الصحابة الكرام، وعلى رأسهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فكان يدعو من خالفه إلى المباهلة والملاعنة، والأمر لا يحتاج إلى ذلك.وقلت: إن هذا القول انتصر له الإمام ابن القيم وشيخه الإمام ابن تيمية وقرره الإمام ابن القيم من عشرين وجهاً، وقلت: سأذكر له عشرة أوجه إن شاء الله.وأما القول الثاني، فالقول بتوريث الإخوة مع الجد، وسيأتينا استدلال من قال بهذا القول على توريث الإخوة مع الجد، وأدلتهم وإن كانت معتبرة، لكن كيفية التوريث التي ذكروها في الحقيقة تحير عقول البشر، فرضي الله عنهم وأرضاهم.فالقول الثاني هو قول جماهير الصحابة بعد أبي بكر رضي الله عنه، وقال به جماهير علماء الإسلام، ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وصاحبا أبي حنيفة محمد وأبو يوسف عليهم جميعاً رحمة الله. والقول الثاني سأقرره بعشرة أدلة أيضاً، ونوازن بين القولين بعد ذلك إن شاء الله.فلنشرع في تقرير أدلة القول الأول الذي ينزل الجد أباً، ولا يجعل للإخوة شيئاً من الميراث بوجود الجد كما لو كان هناك أب، حجج هؤلاء كما قلت كثيرة يمكن أن نجملها في عشرة أدلة:
 الدليل العاشر: وضوح هذا القول وغموض مقابله
الدليل العاشر: وهو آخر الأدلة، هذا القول واضح منضبط لا غموض فيه ولا إشكال.وأما القول الثاني -يعني: توريث الإخوة مع الجد- فالأقوال فيه متعددة متناقضة لا دليل عليها بحال من نص أو إجماع أو قياس له اعتبار.هنا قول منضبط واضح لا غموض فيه ولا إشكال، وهناك أقوال متعددة مختلفة متناقضة لا دليل عليها لا من نص ولا من إجماع، ولا من قياس له اعتبار. انتبه فليس في الشريعة من يكون عصبة يقاسم عصبة نظيره إلى حد، ثم يفرض له بعد ذلك الحد، هذا لا يوجد في الشريعة.فمثلاً سيأتينا أن الجد مع الإخوة إذا لم يكن هناك صاحب فرض فـزيد وعمر وعثمان رضي الله عنهم فرضوا له أن يقاسم الإخوة بحيث لا ينقص عن الثلث, فإذا نقص عن الثلث فرض له الثلث. وعليه لو مات وترك أخاً وجداً فالمقاسمة أحظ، نعطيه النصف.ترك أخوين وجداً تستوي المقاسمة مع الثلث.ترك ثلاثة إخوة وجداً نعطيه الثلث، ولا نقاسمه، لأنه سيأخذ الربع فقط بالمقاسمة.وقال بعضهم: نقاسمه إلى السدس، فإذا نقصت المقاسمة عن السدس نفرض له.فإذا كان هنا ثلاثة إخوة وجد نقاسمه فله الربع.أربعة إخوة وجد نقاسمه وله الخمس.خمسة إخوة وجد نقاسمه وله السدس.ستة إخوة وجد، قال: نفرض له السدس.طيب هل هذا في الشريعة له نظير، عصبة يقاسم عصبة نظيره إلى حد، ثم يفرض له بعد ذلك الحد، إما أن تشاركه معهم كيفما كان في الغنم والغرم، قل أو كثر، وإما أن تفرض له.إنما قالوا: هذا عصبة يعتبر كأخ إلى حد معين، أي: إذا لم ينقص عن السدس، أو إذا لم ينقص عن الثلث على حسب أقوالهم، فإذا نقص فرضنا له.قال الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: فلم يجعلوه مع الإخوة عصبة مطلقاً، ولا ذا فرض مطلقاً، ولا قدموه عليهم مطلقاً، ولا ساووه بهم مطلقاً. يعني: أحياناً تقولون يقدم، وأحياناً يساوي، وأحياناً نفرض، وأحياناً نعصب! فقال: ففرضوا له الثلث أو السدس على حسب الاختلاف فيما بينهم بغير نص أو إجماع أو قياس، ثم حسبوا عليه الإخوة لأب مع الإخوة الأشقاء من أجل أن ينقصوه عن نصيبه، ثم لم يعطوا الإخوة لأب الإرث، ثم جعلوا الأخوات معه عصبة، فلو مات وترك أختين شقيقتين وجداً قالوا: عصبة, المال من أربعة، الجد له النصف، والأختان نصف، كل واحدة لها الربع، فجعلوا الأخوات معه عصبة.قال: ثم جعلوا الأخوات معه عصبة، إلا في مسألة واحدة وهي الأكدرية التي ستأتينا, ففرضوا للأخت فرضها وهو النصف، ثم لم يعطوها ذلك الفرض، ولم يهنئوها به، فبعد أن فرض لها النصف وللجد السدس جمعوا بين الفرضين، أي: بين نصيبها ونصيبه، وجعلوا للذكر مثل حظ الأنثيين بعد أن أعالوا المسألة، قال: وكل هذا لا دليل عليه، لا من نص ولا من إجماع ولا من قياس. ثم قال الإمام ابن القيم: وكيف يعصب الرجل جنساً آخر ليس من جنسه؟ الأخت هل هي من جنس الجد, هل هي جدة؟ إذا كان الجد لا يعصب الجدة، فكيف يعصب الأخت؟وهذه كلها كما قلت أقوال متعددة مختلفة متناقضة، وهذا مما يبين رجحان القول الأول الذي هو قول مضبوط منتظم لا إشكال فيه ولا غموض.وهو أن الجد ينزل منزلة الأب، ولا يوجد إشكال في ذلك، ولا يوجد صورة تشذ عن هذا، ولا تخرج عنه، فالحل ما أيسره على هذا القول. أما هناك سيأتينا فيه تفريعات لتحتاج إلى نصوص دقيقات بينات واضحات ظاهرات، كيف فرع العقل البشري في اجتهاده؟ هذا حال العقل وحال اجتهاده عندما لا يوجد نص.ولا يقولن قائل إن القول الأول مع انضباطه ووضوحه يقدم على ذاك، أقول: إنه أيضاً لا يوجد نص، فهذا اجتهاد وهذا اجتهاد. ولذلك لما لام عبد الله بن عباس زيد بن ثابت قال: أنا أقول برأيي وأنت تقول برأيك، يعني: مسألة اجتهاد فلم تقدم اجتهادك على اجتهادي؟ هذه فيها مجال للنظر.فأنت إذا ذكرت مبررات لتقديم الجد فأنا أذكر مبررات لتقديم الأخ، بل أنا أرى أن الأخ أولى بالميراث من الجد كما قلت: الأخ ابن الأب، وذاك أبو الأب، ثم ضرب له مثلاً، قال له: عندنا شجرة لها ساق وهو الجد، ولها غصن وهو الأب، وانشعب من الغصن غصنان, فإذا تلف أحدهما -وهما الأخوان الشقيقان- يعود ماء الغصن الذي تلف إلى الساق أو إلى الغصن الثاني؟ إلى الغصن الثاني.وقال علي لـعمر : عندنا سيل -وهو الجد- فانشعبت منه شعبة وهو ساقية، ثم انشعب منها شعبتان، فإذا جفت إحدى الشعبتين, هذا ماء النهر الذي يجري يذهب إلى تلك الشعبة أم يعود إلى السيل؟ إلى الشعبة التي يمشي فيها، إنه وجد مجرى، إذاً ينبغي أن يأخذه الأخ ولا يعود إلى الجد. إن الأمثلة الحسية مع أنه يوجد كما قلت أدلة عشرة ستأتينا، فهذا استنباط عن طريق إعمال الرأي، وذاك أيضاً استنباط.يعني: هو كما تقدم معنا لو وجد نص صريح في المسألة لما كان هناك قال أو قيل في مسألة الجد والإخوة، ولذلك سيأتينا في ختام هذه المسألة أنه كان كثير من السلف ومنهم شريح لا يتكلم في مسائل الجد والإخوة أبداً، وما قضى في حياته بمسألة فيها جد، وإذا أحيلت إليه يقول: سلوا عبيدة السلماني هو الذي يقضي بمسائل الجد والإخوة، فلما سئل عن أم وزوج وجد وأخ فألح السائل عليه فماذا للجد والإخوة؟ قال: لا أقول شيئاً، فقط أعط الأم الثلث وأعط الزوج النصف، وأما السدس فلم يقض فيه بشيء على الإطلاق، هذا ما تكلم به، فذهبوا إلى عبيدة السلماني ، وسيأتينا القضاء الذي قضى به إن شاء الله.على كل حال: هذه أدلة عشرة ترجح القول الأول عند من قال به، أي سترجحه أيضاً مطلقاً، ويأتينا بعد ذلك القول الثاني في توريث الإخوة مع الجد وأذكر لهم عشرة أدلة، وإن كانت أكثر كتب الفرائض اقتصرت على دليلين أو ثلاثة، فتتبعت أيضاً الأدلة من هنا وهنا لنجعل القولين متكافئين لئلا يقال: نتحيز إلى هذا أو إلى هذا، فجمعت عشرة أدلة أيضاً للقول الثاني, مع أن ابن القيم ما ذكر له ولا دليلاً.ذكر عشرين دليلاً للقول الأول وانتهى الأمر، ولكن -كما قلت- ينبغي أن تعرض المسألة بأدلتها، وحقيقة كل من القولين معتبر، يبقى بعد ذلك ترجيح طلبة العلم المرجحين, والأمر إن شاء الله فيه يسر وسهولة.وتقدم معنا مراراً إخوتي الكرام أن كل ما وقع فيه اختلاف فولي الأمر في الدولة الإسلامية يتبنى ويرفع الخلاف، أي: يرفع الخلاف في أمر القضاء والحكم لا في التعليم. فقلنا: هذه أقوال معتبرة لها قداستها وحصانتها ومكانتها لا يلغيها أحد إلا إذا غضب الله عليه ولعنه، فتقرر في مساجد المسلمين وفي مدارسهم وفي مجالسهم، لكن كون القضاء على خلاف ما يقررونه هذا موضوع آخر، لكن هذه أقوال معتبرة لا بد من تقريرها، كما قرر أئمتنا الكرام رضوان الله عليهم أجمعين. وكما قلت: ليست أقوالاً حادثة في عصور متأخرة، يعني: بدءاً من الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عصر الأئمة، المسألة كما قلت يقررها هؤلاء وهؤلاء حتى بعد ذلك تبلورت عند المذاهب الأربعة إلى قولين هي التي كانت عند الصحابة. فـأبو حنيفة قال بقول، وهو قول أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، والأئمة الآخرون قالوا بقول جمهور الصحابة الذين أحدثوا هذا القول بعد أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين. يأتينا تفصيل القول الثاني إن شاء الله، مع أدلته، نعم القول الأول كما قلت هو استنباط عقلي، لكن فيما يظهر أن ظواهر النصوص تدل إلى تقويته. يذكر سعيد بن منصور في سننه (1/47) عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رجلاً جاء إليه يكلمه في مسائل الجد والإخوة فأراد أن يحسم الكلام معه، قال: ما اسمك؟ قال: فلان، قال: ابن من؟ قال: ابن فلان، قال: ابن من؟ قال: فلان، قال: ابن من؟ قال فلان, ابن من؟ قال: فلان، قال: ما أراك تذكر إلا آباءك، ستقول: ابن ابن ابن، هل تقول عم والد أب جد.إذاً هؤلاء آباء، وإذا كان من بعد الأب يعتبرون آباءً فعليه ينبغي أن ينزل منزلة الأب.أقوال معتبرة جزى الله قائليها خير الجزاء، نقف عند القول الثاني إن شاء الله، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه المواريث - الجد والإخوة [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net