اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - نجابة الإمام الشافعي وجده للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في الفقه - نجابة الإمام الشافعي وجده - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
ولد الإمام الشافعي رحمه الله في غزة من بلاد فلسطين يتيماً، فاعتنت به أمه، ورحل إلى مكة صغيراً طلباً للعلم، وجد واجتهد فيه، وظهرت عليه علامات النجابة والذكاء والفطنة، فحفظ القرآن وهو في السابعة، وحفظ الموطأ وهو دون العاشرة، ثم رحل إلى الإمام مالك فأخذ عنه، وأعجب به مالك أيما إعجاب، وأثنى عليه وتوسم فيه الإمامة، كما أثنى عليه وعلى علمه وفقهه سائر العلماء والأئمة رحمهم الله تعالى.
ترجمة الإمام الشافعي رحمه الله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.ننتقل إلى الإمام الثالث إلى سيدنا أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، كما تدارسنا أحوال الإمامين المتقدمين ضمن أربعة أمور أيضاً سنتدارس ترجمة سيدنا الإمام الشافعي ضمن أربعة أمور, أولها: فيما يتعلق بنسبه وطلبه، وثانيها: في ثناء العلماء عليه ومنزلته، سنتدارس هذين الأمرين في هذه الموعظة بعون الله وتوفيقه.
 الرؤى المبشرة التي رآها الإمام الشافعي لنفسه
إخوتي الكرام! عند هذين الخبرين اللذين حصلا لأم سيدنا أبي عبد الله الشافعي رضي الله عنه وأرضاه أذكر بعض المبشرات والرؤى التي حصلت للإمام الشافعي رضي الله عنه وهو صغير تبشره بما سيكون له من شأن جليل، وتقدم معنا رؤى حصلت لسيدنا أبي حنيفة ، ورؤى حصلت لسيدنا الإمام مالك رضي الله عنهم تدل على أنه سيكون له المستقبل المشرق المنير، وهكذا للإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه. إخوتي الكرام! انظروا هذا في الكتب التي ترجمته، فهو في صفحة ستين من توالي التأسيس، وهو في غير ذلك من الكتب التي ترجمته، لا داعي إلى عزو كل خبر إلى الجزء والصفحة، لئلا يطول الأمر في ذلك، يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه: كنت صبياً، وكان هذا وهو دون العاشرة، لا زال في مكة لم يذهب إلى شيخه الإمام مالك رضي الله عنهم أجمعين، قال: فرأيت في النوم معلماً يعلم الناس ويؤدبهم، فتقدمت إليه، وهو الحريص على العلم رضي الله عنه وأرضاه، فقلت: علمني مما علمك الله، فقال: أما أنت فلك شأن خاص، ثم قال له: خذ هذا الميزان وانصرف بارك الله لك فيه, واستيقظ، ولا زال صغيراً، ما ناهز الاحتلام رضي الله عنه وأرضاه، فعرض رؤياه على المعبرين فقالوا له: ستكون على الهدى المستقيم، ستكون على طريقة أهل الحق، وسينفع الله بك الناس، وستنشر الهدى بين الناس، فهنا دِلالتان لهذه الرؤيا: أنت على هدى واستقامة، وستزن بالقسط، وستوفق لإصابة الحق، ثم ستنشر بعد ذلك هذا الهدى بين الناس.وقال أيضاً: كنت صبياً فرأيت النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه فقال لي: تعال أقبل، من أنت؟ فقلت: أنا من رهطك يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه، بيني وبينك نسب، وبيني وبينك صلة وثيقة، أنا من رهطك يا رسول الله! أنا محمد بن إدريس ، وذكر له نسبه، فقال له نبينا عليه الصلاة والسلام: ادنُ مني أبا عبد الله ، وكناه في الرؤيا، وهو لا زال صغيراً لم يتزوج ولم يعرف الزواج، قال: فدنوت، قال: فأخرج شيئاً من ريقه الشريف عليه صلوات الله وسلامه فدهن شفتي ولساني وفمي، وقال: انصرف بارك الله فيك، قال الشافعي : فما لحنت في حديث ولا في شعر قط. وسيأتينا أن الشافعي حجة في اللغة باتفاق علماء الشريعة المطهرة، وعلماء اللغة العربية، كلامه حجة كالعرب الأقحاح الفصحاء، ما لحن قط رحمة الله ورضوانه عليه، وقال: هذا من أثر ريق النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، ومع ذلك الريق قال له: اذهب بارك الله فيك، هذه البركة وهذه الدعوة التي حصلت له من نبينا عليه الصلاة والسلام صار لها هذا الأثر الكبير في حياة هذا الإمام المبارك الجليل رضي الله عنه وأرضاه.آخر ما سأذكره من الرؤى التي رآها، يقول: إنه رأى سيدنا علياً رضي الله عنه وأرضاه في المنام، قال: فأعطاني خاتمه وجعله في أصبعي، وحركه سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه وقال: بارك الله لك فيه، يقول: فسألت المعبرين عنه، فقالوا: سيصل اسمك وعلمك إلى المكان الذي وصل إليه اسم علي رضي الله عنه وأرضاه، اسمك قرين مع اسم سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه، أينما يُذكر علي يذكر الشافعي رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين. وواقع الأمر كذلك، فما أظن أحداً من المسلمين يجهل الإمام الشافعي ، مع أنه لا يعرف عصره ولا زمنه ولا حاله، وقد لا يتمذهب بمذهبه، لكنه لا يخفى على أحد الإمام الشافعي ، والإمام أبو حنيفة ومالك وأحمد ، رضي الله عنهم وأرضاهم، جعل الله لهم لسان صدق في هذه الأمة وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. هذه رؤى مبشرة لهذا الإمام المبارك رضي الله عنه وأرضاه.
طلبه للعلم وجده واجتهاده فيه
إخوتي الكرام! هذا فيما يتعلق بنسبه الطيب المبارك، وأما فيما يتعلق بطلبه العلم وجده واجتهاده في تحصيله، وظهور النجابة والذكاء والألمعية عليه منذ نعومة أظفاره فحدث ولا حرج، أجمعت كتب التراجم والتاريخ التي ترجمت لسيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنه وعن أئمتنا، كما في توالي التأسيس صفحة أربع وخمسين، وفي السير في الجزء العاشر صفحة إحدى عشرة وصفحة أربع وخمسين من المجلد العاشر، وفي هامش السير مصادر كثيرة في تحقيق هذا الكلام وعزوه إلى كتب كثيرة من كتب التاريخ والتراجم، فهو إجماع من المؤرخين في حياة هذا الإمام الكريم على هذا الأمر الذي سأذكره: أجمعوا على أن الإمام الشافعي حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين, ما أكمل السابعة، دخل في السابعة وقد حفظ القرآن عليه رحمة الله ورضوانه.ثم بعد ذلك حفظ الموطأ ولم يُكمل عشر سنين، وكان يقول: حفظت الموطأ ولم أحتلم. والموطأ هو الذي يقول فيه الإمام الشافعي : ما أعلم تحت أديم السماء كتاباً أصح من موطأ الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه. ولا يتعارض هذا -إخوتي الكرام- مع ما قرره أئمتنا من أن أصح كتب الحديث الصحيحان، فالإمام الشافعي قال هذا قبل أن يصنف أحد من الصحيحين رضوان الله على مؤلفي هذه الكتب جميعاً. ثم شد رحله إلى الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه وعمره ثلاث عشرة سنة, حفظ الموطأ وهو في عشر سنين، ثم ذهب إلى شيخه الإمام مالك رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين ليتعلم العلم، ويأخذ الحديث عنه -كما سيأتينا- بعد أن درس على شيخه سفيان بن عيينة في مكة المكرمة وعلى مسلم بن خالد الزنجي رضي الله عنهم أجمعين، ذهب إلى الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه.
 طلبه للعلم في مكة قبل رحليه إلى الإمام مالك
إخوتي الكرام! في بدء طلبه حينما كان في السابعة بعد حفظ القرآن، ما توجه مباشرة لحفظ الحديث والفقه، وإنما حفظ القرآن وأقبل على الشعر، قال: فبينا أنا في جبال مكة وشِعابها أقول الشعر -وهو في السابعة- إذا رجل من أهل مكة حَجَنيّ، قال: سبحان الله! رجل من قريش، فتى من قريش، يقول الشعر! رضيت من مروءتك أن تقول الشعر! أين أنت من القفه والحديث؟! أنت من قريش، من آل البيت الطيبين الطاهرين، لك شأن، يجتمع نسبك بنبينا عليه الصلاة والسلام، قرشي، بعد ذلك رضيت من مروءتك أن تقبل على الشعر وأن تعتني به.قال: فدعاني هذا للذهاب إلى رجلين مباركين -وعمره في السابعة- ذهب إلى سيدنا سفيان بن عيينة أمير المؤمنين في الحديث، أبي محمد الذي توفي سنة ثمان وتسعين ومائة كما تقدم معنا، وإلى شيخه مسلم بن خالد الزنجي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وهو فقيه صدوق، روى له الإمام أبو داود في السنن والإمام ابن ماجه في سننه أيضاً، وتوفي في السنة التي توفي فيها سيدنا الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، سنة تسع وسبعين ومائة، وقيل: بعده بسنة، سنة ثمانين ومائة، وقيل: سُمي بالزنجي وكان أبيض أشقر كالبصلة، سُمي بالزنجي بالضد، يعني هو أبيض أشقر، الأصل أن يقال: هذا أبيض أشقر، لكن من باب التسمية بالضد لكثرة شُقرته وبياضه قيل له: الزنجي، وقيل: كان عنده جارية وكان يحب التمر، وكان كلما طلب منها تمرة تقول: ما أنت إلا زنجي، لأنهم يحبون التمر ويكثرون من أكله، فجرى عليه هذا اللقب والعلم عند الله، وهذا هو المعتمد، وأما من قال لُقِّب بذلك لسواد بشرته فأئمتنا ردوا ذلك وقالوا: ما كان كذلك رحمة ورضوانه عليه.فالإمام الشافعي تلقى الفقه عن شيخه مسلم بن خالد الزنجي ، وتلقى الحديث عن شيخه أبي محمد سفيان بن عيينة ، وأجاز الزنجي الشافعي بالفُتيا وعمر الشافعي خمس عشرة سنة، قال: أفتِ يا أبا عبد الله ، فقد آن لك أن تفتي، وعمره خمس عشرة سنة، وقيل وهذا أقصى ما قيل: كان عمره ثماني عشرة سنة، ولعله تكرر منه هذا، أذن له في الفتيا وعمره خمس عشرة سنة، ثم رغبه وحثه وقال: أنت أهل لذلك عندما بلغ ثماني عشرة سنة.هذا -إخوتي الكرام- موجود في سائر الكتب التي ترجمته، في توالي التأسيس صفحة أربع وسبعين، وفي مناقب الإمام الشافعي للإمام البيهقي ، وفي آداب الشافعي ومناقبه للإمام ابن أبي حاتم ، وفي تاريخ بغداد والحلية، وانظروا السير أيضاً صفحة ست عشرة من المجلد العاشر.إخوتي الكرام! الإمام الزنجي كما قلت: إنه صدوق فقيه، وحديثه لا ينزل إن شاء الله عن درجة الحسن, لكن دار حوله كلام، والإمام الذهبي في السير في ترجمته يقول في الجزء الثامن صفحة سبع وسبعين: قال بعض النقاد: يرتقي حديثه إلى درجة الحسن، نص الحافظ على ذلك، صدوق فقيه، والإمام الهيثمي في المجمع في الجزء الثالث صفحة اثنتين وتسعين ومائة قال: فيه كلام وقد وُثِّق، وقد أخذ الإمام الشافعي القراءة عن شيخه مسلم بن خالد الزنجي عن ورش عن شيخه عبد الله بن كثير ، وأخذ عنه أيضاً الفقه, فأخذ الفقه والقراءة عن شيخه مسلم بن خالد الزنجي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا. فهذه شهادة من هذا الإمام المبارك: أفتِ يا أبا عبد الله ، آن لك أن تفتي، والإمام مالك يتفرس فيه تلك الفِراسة الطيبة المباركة، والإمام الشافعي سيأتينا في ترجمته أنه تعلم الفراسة من شيخه الإمام مالك ، فقد كان الإمام مالك أفرس أهل زمانه، ثم انتقلت الفراسة إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، وكان الإمام مالك يدرك من الكلمات ما لا يخطر ببال أحد من المخلوقات. استمع لهذه القصة اللطيفة التي يوردها القاضي عياض في ترتيب المدارك في تراجم وطبقات أصحاب سيدنا الإمام مالك رضي الله عنهم أجمعين، أوردها في الجزء الأول صفحة خمس وثلاثين ومائتين، قال الإمام مالك : غلست على شيخي محمد بن شهاب الزهري ، أي: ذهب إليه في الغلس قبل طلوع الفجر من أجل أن يقف على بابه، حتى إذا خرج ليصحبه إلى مسجد النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، قال: فخرج محمد بن شهاب الزهري وخرج معه غلامه أنس ، عنده غلام اسمه أنس ، كان قد زوجه تلك الليلة، فقال محمد بن شهاب لغلامه: كيف رأيت حالك في زواجك؟ زوَّجه جارية في تلك الليلة، قال: جزاك الله خيراً، الحمد لله وجدتها جنة, فضحك الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، فقال: علامَ تضحك يا أبا عبد الله ؟ قال: أما فهمت مراده؟ قال: إنه يحمد الله أن زوجته كالجنة، فهو مع هذه الزوجة في نعمة، قال: غفر الله لك، يقول: إنها باردة واسعة الفرج، فأُعجب شيخه محمد بن شهاب الزهري والتفت إلى غلامه أنس وقال: أصحيح ما يقول أبو عبد الله ؟ قال: نعم، ما عندها حركة النساء، مع الأمر الذي هو خَلقي فيها لا لوم عليها بسببه، وهو السعة التي فيها، لكن موضوع البرودة وأنها لا تستجيب لحاجة الزوج، وهذه في الحقيقة تكسر نفس الإنسان, قال: من أين علمت هذا يا أبا عبد الله ؟ قال: إنه شبهها بالجنة، والجنة واسعة وباردة، ولو قال لك: هي جهنم، فإنه يدل على أن فيها حرارة، وهذا الأمر -وهو السعة والبرود- لا يرغب فيه الرجال، لكن إذا كان أمر طبيعي جِبلي فيصبر الإنسان عليه، لكن الأمر الثاني وهو البرود وعدم النشاط والحركة، اجتمع الأمران، فالحمد لله على كل حال.هذه فراسة الإمام مالك رحمه الله، وهنا ينظر إلى الإمام الشافعي ويقول هذا الكلام: أبا عبد الله ليكونن لك شأن، فاتق الله في نفسك. وواقع الأمر إخوتي الكرام كذلك، الإنسان ينبغي أن يراقب ربه في نفسه لا سيما إذا كان له شأن في العلم، فالعلم لا يُهدى لمن يعصي رب العالمين، ولذلك يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه: شكوت إلى وكيع سوء حفظنيفأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نورونور الله لا يهدى لعاصيالأبيات يوردها الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في كتابه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي في أول شؤم من شؤم المعاصي وآثارها السيئة: أنها تحول بين الإنسان وبين العلم النافع، لعلها في حدود صفحة سبعين والعلم عند رب العالمين.
ثناء الإمام أحمد على الإمام الشافعي وإجلاله له
إخوتي الكرام! هذا فيما يتعلق بجده واجتهاده في طلب العلم رضي الله عنه وأرضاه، وتتضح لنا بعد ذلك منزلته عندما نعلم ثناء العلماء عليه في الأمر الثاني الذي سنتدارسه بعون الله وتوفيقه.‏إخوتي الكرام! لقد أثنى عليه أئمتنا ثناء يليق بحاله رضي الله عنه وأرضاه، أبدأ بثاء أعرف الناس به، وهو إمام أهل السنة بلا نزاع، بثناء سيدنا الإمام أبي عبد الله الإمام المبجل سيدنا أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه، وهو من التلاميذ الخواص للإمام أبي عبد الله الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، يقول هذا الإمام المبارك كما في توالي التأسيس صفحة خمسين وصفحة سبع وسبعين، والأثر في كتب كثيرة, انظروا السير الجزء العاشر صفحة سبع وأربعين، كان يقول: ما أحد من أهل الحديث مس محبرة ولا قلماً إلا وللشافعي عليه منة. يقول: لا يوجد طالب حديث يمس محبرة، يمس قلماً يكتب فيه حديث النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه إلا وللشافعي عليه منة. ترى لماذا؟ السبب -إخوتي الكرام- هو أثر الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه في الطريقة التي مزج بها بين الفقه والحديث، وحرك طلبة الحديث للتفقه، وألا يقتصروا على الرواية والبحث في طرق الحديث، فهذا الفقه الذي نشره بين طلاب الحديث ليكون طالب الحديث فقهياً, هذا له شأن عظيم، ولذلك يقول الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه: تفقهت من الإمام الشافعي ، وما عرفت ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالست الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه.إذاً: ما أحد يمس المحبرة من أهل الحديث على وجه الخصوص، ولا قلماً، إلا وللشافعي عليه منة؛ لأنه هو الذي جعلهم ينشطون في التفقه في دين الحي القيوم، مع حفظ كلام نبينا المبارك الميمون على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وقبله كان طلبة الحديث يعتنون بالروايات دون أن يتفقهوا في كلام نبينا خير البريات على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، ولذلك سُمي الإمام الشافعي بناصر السنة وبناصر الحديث في زمنه في مكة المكرمة، وفي بلاد العراق عندما جمع الفقه مع الحديث، وجعل طلبة الحديث يعتنون بالفقه، ويمزجون الحديث الذي يحفظونه بالفقه الذي يفهمونه ويستنبطونه رضي الله عنهم وأرضاهم.وفي توالي التأسيس صفحة ثلاث وثمانين وغير ذلك، عن عبد الله ولد سيدنا الإمام أحمد رضي الله عنهم أجمعين، قال: جاء الإمام الشافعي زائراً لوالدي وكان عليلاً، ـالشافعي يزور الإمام أحمد ، والإمام أحمد فيه علة ومرض رضي الله عنه وأرضاه، قال: فلما علم والدي به وثب لاستقباله وقبَّل ما بين عينيه، وأجلسه مكانه، وجلس بين يديه، هذا وهو عليل مريض رضي الله عنه وأرضاه! قال: فلما قام الإمام الشافعي قام وشيعه وأخذ له بالركاب. هذا إجلال الإمام أحمد للإمام الشافعي رضي الله عنهم وأرضاهم. وكان الإمام أحمد -كما في صفحة أربعة وثمانين من توالي التأسيس وغير ذلك- يقول لأمير المؤمنين في الحديث إسحاق بن راهويه وهو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي رضي الله عنهم أجمعين، يقول: تعال حتى أريك عالماً لم تر عيناك مثله، تعال حتى أريك عالماً فقيهاً محدثاً لم تر عيناك مثله، فيأخذه إلى سيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنهم وأرضاهم. وعوتب الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه مرة فقيل له: إنك تتأخر عن مجلس سفيان بن عيينة ولا تحضر مجلسه أحياناً، ومجلسه في نشر الحديث، فقال سيدنا أحمد رضي الله عنه وأرضاه: ويحكم! إن فاتكم حديث بعلو طلبتموه في نزول. إن فاتنا سفيان بن عيينة لن يفوتنا الحديث، نأخذ الحديث من غيره، إن صحبنا سفيان بن عيينة سوف يكون الحديث عندنا بإسناد عالٍ قلَّت الرجال بيننا وبين نبينا عليه الصلاة والسلام، وإذا فاتنا سفيان بن عيينة سوف نأخذه بزيادة راو أو راويين، فالحديث لن يفوتنا, لكن إن فاتكم الشافعي فسيفوتكم عقله وفقهه، من أين ستحصلون هذا العقل المبارك المنوَّر النير؟! وهذا الفقه الذي هو أغلى من الجوهر من أين ستحصلونه؟! هذا لا يوجد عند سفيان بن عيينة ولا عند غيره كما سيأتينا. والإمام الشافعي عندما كان في مجلس سفيان بن عيينة ، وتكلم سفيان بن عيينة في الفقه، نهاه الإمام الشافعي رضي الله عنهم وأرضاهم، وقال: ما لك وللنظر؟! موضوع النظر في الفقه لست من أهله، يبحث الآن في أمر الروايات وسردها، وسيأتينا هذا إن شاء الله في ثناء سفيان بن عيينة رضي الله عنه وأرضاه على الإمام الشافعي رضوان الله عليهم أجمعين، فهذا تلميذ هذين الإمامين، الإمام أحمد تلميذ لـسفيان بن عيينة وتلميذ للإمام الشافعي ، وبينهما في الوفاة ست سنين، فـالشافعي توفي سنة أربع ومائتين، وهذا سنة ثمان وتسعين ومائة، وهو تلميذ هذين الإمامين, يقول: إن فاتنا حديث سفيان بن عيينة ، غاية ما يفوتنا حديث بعلو نحصله بنزول، أما إذا فاتنا الشافعي فمن أين سنحصل عقله وفقهه رضي الله عنه وأرضاه؟! هذا كان يقوله الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه. وكان يقول: لولا الشافعي ما عرفت فقه الحديث.وكان يقول: كلام الشافعي حجة في اللغة. وهذا قاله أيضاً الإمام ابن هشام صاحب السير، كلام الشافعي حجة في اللغة. وكان مرة رضي الله عنه وأرضاه -كما في توالي التأسيس وغيره في صفحة ست وثمانين- مع الإمام الشافعي ، والإمام الشافعي على بغلته والإمام أحمد يمشي بجواره بجنب البغلة، فـيحيى بن معين ما راق له هذا المنظر، لما رأى إمام المحدثين الإمام أحمد يمشي بجنب البغلة والشافعي يركب البغلة في بغداد، فقال: يا أبا عبد الله بلغ بك الأمر هذا! يعني أنك تمشي مع الإمام الشافعي وهو راكب، ثم بجوار بغلته! قال: ويحك! إن أردت أن تنتفع فالزم الجانب الآخر، وفي رواية: لو لزمت ذنب البغلة لانتفعت! إن أردت أن تتفقه وأن تنتفع، فكن في الجانب الثاني كما أنا في هذا الجانب، ولو مشيت وراء البغلة بجوار ذنبها لحصلت نفعاً وخيراً وفائدة من هذا الإمام المبارك رحمة الله ورضوانه عليه وعلى أئمتنا. وكان يقول كما في الحلية وتاريخ بغداد ومناقب الإمام الشافعي للإمام البيهقي ، وانظروا توالي التأسيس أيضاً صفحة أربع وثمانين، كان يقول: ما بت ليلة منذ ثلاثين سنة إلا واستغفرت للشافعي ودعوت له. من ثلاثين سنة لا يبيت إلا ويدعو للشافعي ويستغفر له، وكان يقول: إنني أدعو له سَحَراً وفي صلواتي، وإذا أراد أن ينام يدعو, إذا استيقظ يدعو, إذا صلى يدعو، وسيأتينا أن كثيراً من أئمتنا كانوا يدعون للشافعي في صلواتهم، وتقدم معنا أنه ينبغي أن ندعو لسيدنا أبي حنيفة أيضاً في صلاتنا، وهكذا الإمام مالك ولأئمة الإسلام، الذين حفظوا علينا السنة والفقه، جزاهم الله عنا وعن دينه خير الجزاء، يدعو له في الليل عند السحر وفي الصلوات. وقال له مرة ولده عبد الله كما في السير في الجزء العاشر صفحة خمس وأربعين: يا والدي! أراك تكثر ذكر الشافعي وتدعو له باستمرار، فمَن كان الشافعي ؟ ما شأنه؟ ما قدره؟ ما منزلته ورتبته رضي الله عنه وأرضاه؟ فقال: يا ولدي! كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، فهل لهذين من عوض أو عنهما من خَلَف؟ لا يخلفهما شيء، ولا يمكن أن يعوضهما شيء، عافية البدن والشمس للدنيا، فـالشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن. قال الإمام أبو داود كما في السير وغيره، وانظروا مصدر هذا الأثر في صفحة خمس وأربعين من السير، وعزاه في الحاشية إلى تاريخ دمشق وغير ذلك، كان أبو داود رضي الله عنه وأرضاه يقول: ما رأيت الإمام أحمد يميل إلى أحد كميله للإمام الشافعي رضي الله عنهم وأرضاهم. وهذا الذي كان معلوماً بين أئمتنا، قيل للإمام الشافعي : الإمام أحمد يزورك، وهو تلميذك، وهذا إمام أهل السنة، فأنت لك إذاً قدر عظيم جداً، وواقع الأمر كذلك، فنظم بيتين من الشعر أرسلهما إلى الإمام أحمد فأجابه الإمام أحمد بما أجابه كما ستسمعون رضي الله عنهم وأرضاهم، الأبيات في غذاء الألباب في الجزء الأول صفحة تسع وسبعين ومائتين للإمام السفاريني في شرح منظومة الأداء: قالوا يزورك أحمد وتزورهقلت الفضائل لا تفارق منزلهإن زارني فبفضله أو زرتهفلفضله فالفضل في الحالين لههذا تواضع الشيخ مع تلميذه: إذا زارني فهو متفضل، وإذا زرته فطلباً لفضله، هذا حال الشيخ مع تلميذه. وانظر لجواب سيدنا الإمام أحمد لسيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، فكتب له يقول:إن زرتنا فبفضل منك تأتيناأو نحن زرنا فللفضل الذي فيكَكما أنت تقول: إذا أنا زرتك فهذا بفضل مني، وإذا أنت زرتني فللفضل الذي في، لا، الأمر ليس كذلك.إن زرتنا فبفضل منك تأتيناأو نحن زرنا فللفضل الذي فيك فلا عُدمنا كلا الحالين منك ولا نال الذي يتمنى فيك شانيكهذا أدب أئمتنا وتواضعهم مع بعضهم رضوان الله عليهم أجمعين، وما أرق وأعذب هذه الأبيات، هذا إجلال الشافعي لتلميذه، وهذا إجلال التلميذ لشيخه رضوان الله عليهم أجمعين.
 طلبه للعلم في مكة قبل رحليه إلى الإمام مالك
إخوتي الكرام! في بدء طلبه حينما كان في السابعة بعد حفظ القرآن، ما توجه مباشرة لحفظ الحديث والفقه، وإنما حفظ القرآن وأقبل على الشعر، قال: فبينا أنا في جبال مكة وشِعابها أقول الشعر -وهو في السابعة- إذا رجل من أهل مكة حَجَنيّ، قال: سبحان الله! رجل من قريش، فتى من قريش، يقول الشعر! رضيت من مروءتك أن تقول الشعر! أين أنت من القفه والحديث؟! أنت من قريش، من آل البيت الطيبين الطاهرين، لك شأن، يجتمع نسبك بنبينا عليه الصلاة والسلام، قرشي، بعد ذلك رضيت من مروءتك أن تقبل على الشعر وأن تعتني به.قال: فدعاني هذا للذهاب إلى رجلين مباركين -وعمره في السابعة- ذهب إلى سيدنا سفيان بن عيينة أمير المؤمنين في الحديث، أبي محمد الذي توفي سنة ثمان وتسعين ومائة كما تقدم معنا، وإلى شيخه مسلم بن خالد الزنجي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وهو فقيه صدوق، روى له الإمام أبو داود في السنن والإمام ابن ماجه في سننه أيضاً، وتوفي في السنة التي توفي فيها سيدنا الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، سنة تسع وسبعين ومائة، وقيل: بعده بسنة، سنة ثمانين ومائة، وقيل: سُمي بالزنجي وكان أبيض أشقر كالبصلة، سُمي بالزنجي بالضد، يعني هو أبيض أشقر، الأصل أن يقال: هذا أبيض أشقر، لكن من باب التسمية بالضد لكثرة شُقرته وبياضه قيل له: الزنجي، وقيل: كان عنده جارية وكان يحب التمر، وكان كلما طلب منها تمرة تقول: ما أنت إلا زنجي، لأنهم يحبون التمر ويكثرون من أكله، فجرى عليه هذا اللقب والعلم عند الله، وهذا هو المعتمد، وأما من قال لُقِّب بذلك لسواد بشرته فأئمتنا ردوا ذلك وقالوا: ما كان كذلك رحمة ورضوانه عليه.فالإمام الشافعي تلقى الفقه عن شيخه مسلم بن خالد الزنجي ، وتلقى الحديث عن شيخه أبي محمد سفيان بن عيينة ، وأجاز الزنجي الشافعي بالفُتيا وعمر الشافعي خمس عشرة سنة، قال: أفتِ يا أبا عبد الله ، فقد آن لك أن تفتي، وعمره خمس عشرة سنة، وقيل وهذا أقصى ما قيل: كان عمره ثماني عشرة سنة، ولعله تكرر منه هذا، أذن له في الفتيا وعمره خمس عشرة سنة، ثم رغبه وحثه وقال: أنت أهل لذلك عندما بلغ ثماني عشرة سنة.هذا -إخوتي الكرام- موجود في سائر الكتب التي ترجمته، في توالي التأسيس صفحة أربع وسبعين، وفي مناقب الإمام الشافعي للإمام البيهقي ، وفي آداب الشافعي ومناقبه للإمام ابن أبي حاتم ، وفي تاريخ بغداد والحلية، وانظروا السير أيضاً صفحة ست عشرة من المجلد العاشر.إخوتي الكرام! الإمام الزنجي كما قلت: إنه صدوق فقيه، وحديثه لا ينزل إن شاء الله عن درجة الحسن, لكن دار حوله كلام، والإمام الذهبي في السير في ترجمته يقول في الجزء الثامن صفحة سبع وسبعين: قال بعض النقاد: يرتقي حديثه إلى درجة الحسن، نص الحافظ على ذلك، صدوق فقيه، والإمام الهيثمي في المجمع في الجزء الثالث صفحة اثنتين وتسعين ومائة قال: فيه كلام وقد وُثِّق، وقد أخذ الإمام الشافعي القراءة عن شيخه مسلم بن خالد الزنجي عن ورش عن شيخه عبد الله بن كثير ، وأخذ عنه أيضاً الفقه, فأخذ الفقه والقراءة عن شيخه مسلم بن خالد الزنجي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا. فهذه شهادة من هذا الإمام المبارك: أفتِ يا أبا عبد الله ، آن لك أن تفتي، والإمام مالك يتفرس فيه تلك الفِراسة الطيبة المباركة، والإمام الشافعي سيأتينا في ترجمته أنه تعلم الفراسة من شيخه الإمام مالك ، فقد كان الإمام مالك أفرس أهل زمانه، ثم انتقلت الفراسة إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، وكان الإمام مالك يدرك من الكلمات ما لا يخطر ببال أحد من المخلوقات. استمع لهذه القصة اللطيفة التي يوردها القاضي عياض في ترتيب المدارك في تراجم وطبقات أصحاب سيدنا الإمام مالك رضي الله عنهم أجمعين، أوردها في الجزء الأول صفحة خمس وثلاثين ومائتين، قال الإمام مالك : غلست على شيخي محمد بن شهاب الزهري ، أي: ذهب إليه في الغلس قبل طلوع الفجر من أجل أن يقف على بابه، حتى إذا خرج ليصحبه إلى مسجد النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، قال: فخرج محمد بن شهاب الزهري وخرج معه غلامه أنس ، عنده غلام اسمه أنس ، كان قد زوجه تلك الليلة، فقال محمد بن شهاب لغلامه: كيف رأيت حالك في زواجك؟ زوَّجه جارية في تلك الليلة، قال: جزاك الله خيراً، الحمد لله وجدتها جنة, فضحك الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، فقال: علامَ تضحك يا أبا عبد الله ؟ قال: أما فهمت مراده؟ قال: إنه يحمد الله أن زوجته كالجنة، فهو مع هذه الزوجة في نعمة، قال: غفر الله لك، يقول: إنها باردة واسعة الفرج، فأُعجب شيخه محمد بن شهاب الزهري والتفت إلى غلامه أنس وقال: أصحيح ما يقول أبو عبد الله ؟ قال: نعم، ما عندها حركة النساء، مع الأمر الذي هو خَلقي فيها لا لوم عليها بسببه، وهو السعة التي فيها، لكن موضوع البرودة وأنها لا تستجيب لحاجة الزوج، وهذه في الحقيقة تكسر نفس الإنسان, قال: من أين علمت هذا يا أبا عبد الله ؟ قال: إنه شبهها بالجنة، والجنة واسعة وباردة، ولو قال لك: هي جهنم، فإنه يدل على أن فيها حرارة، وهذا الأمر -وهو السعة والبرود- لا يرغب فيه الرجال، لكن إذا كان أمر طبيعي جِبلي فيصبر الإنسان عليه، لكن الأمر الثاني وهو البرود وعدم النشاط والحركة، اجتمع الأمران، فالحمد لله على كل حال.هذه فراسة الإمام مالك رحمه الله، وهنا ينظر إلى الإمام الشافعي ويقول هذا الكلام: أبا عبد الله ليكونن لك شأن، فاتق الله في نفسك. وواقع الأمر إخوتي الكرام كذلك، الإنسان ينبغي أن يراقب ربه في نفسه لا سيما إذا كان له شأن في العلم، فالعلم لا يُهدى لمن يعصي رب العالمين، ولذلك يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه: شكوت إلى وكيع سوء حفظنيفأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نورونور الله لا يهدى لعاصيالأبيات يوردها الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في كتابه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي في أول شؤم من شؤم المعاصي وآثارها السيئة: أنها تحول بين الإنسان وبين العلم النافع، لعلها في حدود صفحة سبعين والعلم عند رب العالمين.
ثناء محمد بن الحسن الشيباني على الإمام الشافعي
إخوتي الكرام! الثناء من أئمتنا كثير، اسمعوا لثناء من شيخ وقرين وهو على خلاف مذهبه أيضاً وهو الإمام محمد بن الحسن الشيباني عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، توفي سنة تسع وثمانين ومائة، الإمام محمد بن الحسن الشيباني ، وهو الذي درس عليه الإمام الشافعي كما تقدم معنا وحمل عنه وِقر بعير، وكان يقول: ما رأيت أحداً أفصح من محمد بن الحسن . ولو قلت: إن القرآن نزل بلغته لما بالغت! بلغة محمد بن الحسن شيخه تلميذ سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم وأرضاهم.وكان يقول: ما رأيت أحداً أخف روحاً من محمد بن الحسن مع سِمن فيه. والسمين في الغالب فيه ثِقل وبلادة، فيقول: هذا سمين، لكنه خفيف الروح، ما رأيت أخف روحاً منه، ولا رأيت أفصح منه، وحملت عنه وقر بعير، هذا التلميذ يقول في حق شيخه محمد بن الحسن ، وقد توفي كما قلت سنة تسع وثمانين بعد المائة في بلاد الشام في الرقة، وكان مع هارون الرشيد ، ومات معه الإمام الكسائي ودفنا في يوم واحد في وقت واحد، فقال هارون الرشيد بعد أن حزن حزناً كثيراً: دفنا الفقه واللغة في يوم واحد, الإمام الكسائي هو القارئ اللغوي، وهذا هو الفقيه اللوذعي عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه.انظروا ترجمته الطيبة في الانتقاء، وختم الإمام ابن عبد البر الانتقاء بترجمة محمد بن الحسن ؛ لأن آخر التراجم ترجمة سيدنا أبي حنيفة ، فلما ترجم لأصحابه آخر الأصحاب هو محمد بن الحسن ، ترجم لـأبي يوسف ومحمد بن الحسن وأنهى الكلام، انظروا كما قلت الانتقاء صفحة أربع وسبعين ومائة، وانظروا ترجمته في السير في الجزء التاسع صفحة خمس وثلاثين ومائة.وفي لسان الميزان ترجمة فيها شيء من الإجحاف والنقصان في حق هذا الإمام لا تتناسب مع ما في السير، ومع ما في الانتقاء، ولذلك ما أحلت إليها، لكن من نظر فليحذر مما سُطِّر فيها من قِبل بعض المتكلمين بأنه كان جهمياً، وكان.. وكان.. كل هذا هذيان لا يعول عليه، ولا يُستمع إليه، وتقدم معنا إما أن يكون غير ثابت، وإما أن يكون من باب المنافسة بين الأقران، وإما غير ذلك، نسأل الله أن يعفو عنا وعن أئمتنا. يقول هذا العبد الصالح محمد بن الحسن في تلميذه الإمام الشافعي رضي الله عنهم أجمعين: إن تكلم أهل الحديث فبلسان الشافعي ، يقول: أي محدث يتكلم في الفقه والاستنباط والبحث، فهذا مرده للإمام الشافعي هو الذي نبههم,كانوا رقوداً فأيقظهم. كما قال الإمام أحمد: لولاه لما تعلمت الفقه، وما أحد من أهل الحديث يمس محبرة ولا قلماً إلا وللشافعي عليه منة! وهنا يقول الإمام محمد بن الحسن عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: إن تكلم أهل الحديث فبلسان الشافعي .نعم -إخوتي الكرام- لقد سُمي بناصر السنة في بلاد الإسلام عندما حرض وحرك طلبة الحديث للتفقه في دين الله جل وعلا، وقد أثنى عليه أئمتنا ثناء عظيماً، الإمام ابن خزيمة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا الذي له شأن، يقول الإمام الذهبي في ترجمته في الجزء الرابع عشر صفحة خمس وستين وثلاثمائة: محمد بن إسحاق الحافظ الحجة الفقيه شيخ الإسلام إمام الأئمة، استمع لهذه الجزئية في ترجمته، يقول: عُني في حدَاثته بالحديث والفقه حتى صار يُضرب به المثل في سعة العلم والإتقان. سُئل الإمام ابن خزيمة الذي يُضرب به المثل، وهو إمام الأئمة في سعة العلم والإتقان: هل تعلم سنة في الحلال والحرام لم يُودعها الشافعي في كتبه؟ قال: لا. هذا الكلام علق عليه المعلق على السير بكلام منكر كما سأوضح، أترك هذا الأثر لأول الموعظة الآتية بعون الله وتوفيقه، وأستعرض توجيهه وثناء الإمام ابن خزيمة على الإمام الشافعي عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة ربنا. اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 طلبه للعلم في مكة قبل رحليه إلى الإمام مالك
إخوتي الكرام! في بدء طلبه حينما كان في السابعة بعد حفظ القرآن، ما توجه مباشرة لحفظ الحديث والفقه، وإنما حفظ القرآن وأقبل على الشعر، قال: فبينا أنا في جبال مكة وشِعابها أقول الشعر -وهو في السابعة- إذا رجل من أهل مكة حَجَنيّ، قال: سبحان الله! رجل من قريش، فتى من قريش، يقول الشعر! رضيت من مروءتك أن تقول الشعر! أين أنت من القفه والحديث؟! أنت من قريش، من آل البيت الطيبين الطاهرين، لك شأن، يجتمع نسبك بنبينا عليه الصلاة والسلام، قرشي، بعد ذلك رضيت من مروءتك أن تقبل على الشعر وأن تعتني به.قال: فدعاني هذا للذهاب إلى رجلين مباركين -وعمره في السابعة- ذهب إلى سيدنا سفيان بن عيينة أمير المؤمنين في الحديث، أبي محمد الذي توفي سنة ثمان وتسعين ومائة كما تقدم معنا، وإلى شيخه مسلم بن خالد الزنجي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وهو فقيه صدوق، روى له الإمام أبو داود في السنن والإمام ابن ماجه في سننه أيضاً، وتوفي في السنة التي توفي فيها سيدنا الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، سنة تسع وسبعين ومائة، وقيل: بعده بسنة، سنة ثمانين ومائة، وقيل: سُمي بالزنجي وكان أبيض أشقر كالبصلة، سُمي بالزنجي بالضد، يعني هو أبيض أشقر، الأصل أن يقال: هذا أبيض أشقر، لكن من باب التسمية بالضد لكثرة شُقرته وبياضه قيل له: الزنجي، وقيل: كان عنده جارية وكان يحب التمر، وكان كلما طلب منها تمرة تقول: ما أنت إلا زنجي، لأنهم يحبون التمر ويكثرون من أكله، فجرى عليه هذا اللقب والعلم عند الله، وهذا هو المعتمد، وأما من قال لُقِّب بذلك لسواد بشرته فأئمتنا ردوا ذلك وقالوا: ما كان كذلك رحمة ورضوانه عليه.فالإمام الشافعي تلقى الفقه عن شيخه مسلم بن خالد الزنجي ، وتلقى الحديث عن شيخه أبي محمد سفيان بن عيينة ، وأجاز الزنجي الشافعي بالفُتيا وعمر الشافعي خمس عشرة سنة، قال: أفتِ يا أبا عبد الله ، فقد آن لك أن تفتي، وعمره خمس عشرة سنة، وقيل وهذا أقصى ما قيل: كان عمره ثماني عشرة سنة، ولعله تكرر منه هذا، أذن له في الفتيا وعمره خمس عشرة سنة، ثم رغبه وحثه وقال: أنت أهل لذلك عندما بلغ ثماني عشرة سنة.هذا -إخوتي الكرام- موجود في سائر الكتب التي ترجمته، في توالي التأسيس صفحة أربع وسبعين، وفي مناقب الإمام الشافعي للإمام البيهقي ، وفي آداب الشافعي ومناقبه للإمام ابن أبي حاتم ، وفي تاريخ بغداد والحلية، وانظروا السير أيضاً صفحة ست عشرة من المجلد العاشر.إخوتي الكرام! الإمام الزنجي كما قلت: إنه صدوق فقيه، وحديثه لا ينزل إن شاء الله عن درجة الحسن, لكن دار حوله كلام، والإمام الذهبي في السير في ترجمته يقول في الجزء الثامن صفحة سبع وسبعين: قال بعض النقاد: يرتقي حديثه إلى درجة الحسن، نص الحافظ على ذلك، صدوق فقيه، والإمام الهيثمي في المجمع في الجزء الثالث صفحة اثنتين وتسعين ومائة قال: فيه كلام وقد وُثِّق، وقد أخذ الإمام الشافعي القراءة عن شيخه مسلم بن خالد الزنجي عن ورش عن شيخه عبد الله بن كثير ، وأخذ عنه أيضاً الفقه, فأخذ الفقه والقراءة عن شيخه مسلم بن خالد الزنجي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا. فهذه شهادة من هذا الإمام المبارك: أفتِ يا أبا عبد الله ، آن لك أن تفتي، والإمام مالك يتفرس فيه تلك الفِراسة الطيبة المباركة، والإمام الشافعي سيأتينا في ترجمته أنه تعلم الفراسة من شيخه الإمام مالك ، فقد كان الإمام مالك أفرس أهل زمانه، ثم انتقلت الفراسة إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، وكان الإمام مالك يدرك من الكلمات ما لا يخطر ببال أحد من المخلوقات. استمع لهذه القصة اللطيفة التي يوردها القاضي عياض في ترتيب المدارك في تراجم وطبقات أصحاب سيدنا الإمام مالك رضي الله عنهم أجمعين، أوردها في الجزء الأول صفحة خمس وثلاثين ومائتين، قال الإمام مالك : غلست على شيخي محمد بن شهاب الزهري ، أي: ذهب إليه في الغلس قبل طلوع الفجر من أجل أن يقف على بابه، حتى إذا خرج ليصحبه إلى مسجد النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، قال: فخرج محمد بن شهاب الزهري وخرج معه غلامه أنس ، عنده غلام اسمه أنس ، كان قد زوجه تلك الليلة، فقال محمد بن شهاب لغلامه: كيف رأيت حالك في زواجك؟ زوَّجه جارية في تلك الليلة، قال: جزاك الله خيراً، الحمد لله وجدتها جنة, فضحك الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، فقال: علامَ تضحك يا أبا عبد الله ؟ قال: أما فهمت مراده؟ قال: إنه يحمد الله أن زوجته كالجنة، فهو مع هذه الزوجة في نعمة، قال: غفر الله لك، يقول: إنها باردة واسعة الفرج، فأُعجب شيخه محمد بن شهاب الزهري والتفت إلى غلامه أنس وقال: أصحيح ما يقول أبو عبد الله ؟ قال: نعم، ما عندها حركة النساء، مع الأمر الذي هو خَلقي فيها لا لوم عليها بسببه، وهو السعة التي فيها، لكن موضوع البرودة وأنها لا تستجيب لحاجة الزوج، وهذه في الحقيقة تكسر نفس الإنسان, قال: من أين علمت هذا يا أبا عبد الله ؟ قال: إنه شبهها بالجنة، والجنة واسعة وباردة، ولو قال لك: هي جهنم، فإنه يدل على أن فيها حرارة، وهذا الأمر -وهو السعة والبرود- لا يرغب فيه الرجال، لكن إذا كان أمر طبيعي جِبلي فيصبر الإنسان عليه، لكن الأمر الثاني وهو البرود وعدم النشاط والحركة، اجتمع الأمران، فالحمد لله على كل حال.هذه فراسة الإمام مالك رحمه الله، وهنا ينظر إلى الإمام الشافعي ويقول هذا الكلام: أبا عبد الله ليكونن لك شأن، فاتق الله في نفسك. وواقع الأمر إخوتي الكرام كذلك، الإنسان ينبغي أن يراقب ربه في نفسه لا سيما إذا كان له شأن في العلم، فالعلم لا يُهدى لمن يعصي رب العالمين، ولذلك يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه: شكوت إلى وكيع سوء حفظنيفأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نورونور الله لا يهدى لعاصيالأبيات يوردها الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في كتابه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي في أول شؤم من شؤم المعاصي وآثارها السيئة: أنها تحول بين الإنسان وبين العلم النافع، لعلها في حدود صفحة سبعين والعلم عند رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - نجابة الإمام الشافعي وجده للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net