اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - إمام دار الهجرة للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في الفقه - إمام دار الهجرة - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
طلب الإمام مالك بن أنس العلم صغيراً، وكان ذا حفظ عجيب لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك فقد فاق أقرانه وتقدم عليهم في الحفظ والعلم والفقه في الدين، فقد أفتى ودرَّس وله عشرون سنة، وقد شهد له بحفظه وعلمه وفقهه وإمامته علماء عصره، ومن أتى بعدهم من الأئمة الكبار والعلماء الأخيار.. رحمهم الله جميعاً وأسكنهم الجنة دار الأبرار.
ترجمة الإمام مالك رحمه الله

 قوة حفظ الإمام مالك رحمه الله
إخوتي الكرام! كان لهذا الإمام الهمام حفظ عجيب كما أشرت إلى شيء من ذلك في الموعظة الماضية، يذكر الإمام ابن عبد البر في الانتقاء، والأثر في ترتيب المدارك للقاضي عياض، وهو في السير وفي غير ذلك، عن سيدنا الإمام مالك رضي الله عنهم وأرضاهم، قال: قدم علينا الإمام الزهري محمد بن شهاب أمير المؤمنين في الحديث، فحدثنا بضعة وأربعين حديثاً في مجلس واحد، فلما كان الغد وجئنا إليه، قال: انظروا كتاباً تقرءون منه، من أجل أن تضبطوا شيئاً مكتوباً من الأحاديث تقرءونه علي، من أجل أن تضبطوا، فحدثتكم البارحة بأحاديث ما ضبطتموها، وتضيع منكم، فلو أن الكتاب بين أيديكم ترجعون إليه، فقال له ربيعة: عندنا من يعيد لك الأحاديث التي حدثتنا بها، قال: من هو؟ فقام الإمام مالك رضي الله عنه وسرد له الأحاديث التي حدث بها في الأمس، فتعجب الزهري رضي الله عنهم وأرضاهم وقال: ما كنت أظن أن أحداً يحفظ حفظي! يعني في هذا الوقت يوجد واحد مثلي، ما كنت أظن هذا، فأنت تحدث وهذا يضبط، ونحن إذا تفلت منا شيء بعد ذلك فنحن طلبة يعاون بعضنا بعضاً، نستحضر من هذا الذي يسجل ما تقول، فحدث ولا تخف، لا داعي للكتابة، عندنا آلة تسجيل تضبط ما تقول، وهو الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه. قال الإمام مالك: لقيت مرة محمد بن شهاب الزهري رضي الله عنه وأرضاه وهو راكب على بغلته، فأخذت بلجام البغلة، فحدثني حديثاً طويلاً -وأخشى أن يكون حديث أم زرع الذي يأخذ ثلاث صفحات، وفيه عجائب وغرائب- قال: فتفلت علي منه بعض كلمات، قلت: أعده علي يا إمام! فأبى، فقلت: أما كنت تحب أن يعيد عليك الشيوخ إذا توقفت في كلمات، يعني كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [النساء:94]، فهذا الحديث الطويل وأنا واقف وأنت راكب على البغلة، وفي الطريق وحدثتني بحديث صفحات، بعض كلمات ما ضبطها، أعد علي الحديث مرة ثانية وأُسمعك إياه كما حدثتني، قال: فأبى، قلت: أما كنت تحب أن يعاد عليك الحديث؟ قال: بلى، قال: فأعاد علي الحديث فأسمعته إياه ففرح، رضي الله عنهم وأرضاهم، هذا حفظ عجيب -إخوتي الكرام- كان عند هذا الإمام المبارك سيدنا الإمام مالك، هذا أمر ما يتعلق بنسب الإمام مالك وولادته وشيء من طلبه للعلم.
ثناء العلماء والأئمة على الإمام مالك
الأمر الثاني: ثناء العلماء على الإمام مالك إمام دار الهجرة:
 الذب عن الإمام مالك ورد كلام من تكلم فيه أو تنقصه
إخوتي الكرام! مع ما تقدم من ثناء أئمة الإسلام على سيدنا الإمام مالك، فالأمر كما هو في سيدنا أبي حنيفة النعمان: لا تعدم الحسناء ذامة، لكن هذا الذم إن جرى من الأقران دعه والسلام، لا تشتغل به، وقد تقدم معنا كلام محمد بن إسحاق، فدعه، ويوجد كلام أيضاً لغير محمد بن إسحاق ، ذكرته في مواعظ الجمعة لمن هو أعلم من محمد بن إسحاق بكثير، وحديثه في الكتب الستة، وهو قرين الإمام مالك ، وهو ابن أبي ذئب ، فقد تكلم بكلمة فيها خشونة، وقد ذكرتها عند الكلام على أسباب اختلاف الفقهاء، قال رحمه الله: يستتاب فإن تاب وإلا ضُربت رقبته! كلمة فيها خشونة من هذا الإمام المبارك محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، المتوفى سنة ثمان وخمسين ومائة، وهذا ثقة فقيه فاضل، نعته الذهبي في السير بأنه شيخ الإسلام، قال الإمام أحمد: كان يُشبَّه بـسعيد بن المسيب رضي الله عنهم أجمعين، وكان يقدِّمه على الإمام مالك ، الإمام أحمد كان يقدم ابن أبي ذئب على الإمام مالك، وتقدم معنا أنه قدم الإمام مالكاً على الأوزاعي وغيره، لكنه يقدم ابن أبي ذئب على الإمام مالك في الورع والزهد، يقول: في الحفظ والإتقان يتقدم الإمام مالك رضي الله عنهم أجمعين، لكن في الورع والزهد وكلمة الحق يقدمه، وقد علق الإمام الذهبي على هذا فقال: لو كان ورعاً كما ينبغي لما قال هذا الكلام القبيح في حق هذا الإمام العظيم، وهو قوله: يستتاب فإن تاب وإلا ضُربت عنقه! يا عبد الله! لمَ؟ مالك مأجور على كل حال، يرى أن الحديث منسوخ، أو أن معناه التفرق بالأقوال لا بالأبدان، فهو مأجور على كل حال في اجتهاده في هذا الحديث وفي غيره، كما قال الإمام الذهبي كما تقدم معنا كلامه. ولكن لا تعدم الحسناء ذامة، فإن جرى من الأقران فهو لا يعتد به عند الكرام، دعه والسلام، وإن جرى من أهل الشنآن فهذا هذيان، لا يعول عليه عند أهل النهي والأحلام، يعني لو جاء أحد من أهل الزيغ والضلال يطعن في الإمام مالك كحال أهل البدع -كما تقدم معنا- الذين طعنوا في سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه فدع هذا -يا عبد الله- من أهل الشنآن دعه، ومن الأقران من باب أولى لا يعول عليه عند أئمتنا الكرام، ولا يسلم الإنسان ما دام بدار الامتحان، قال الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه كما في الحلية في الجزء السادس صفحة إحدى وعشرين وثلاثمائة، والأثر في ترتيب المدارك وغيره، وانظروه أيضاً في السير، قال لابن أخته مُطرِّف بن عبد الله، وهو من رجال البخاري وسنن الترمذي وسنن ابن ماجه، ثقة إمام مبارك، لم يُصب الإمام ابن عدي في تضعيفه، قال الإمام مالك لابن أخته: ماذا يقول الناس فيَّ؟ قال: أما الصديق فيثني، وأما العدو فيقع، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله! لم يزل الناس كذلك.كان الإمام مالك لا يفتي حتى يقول هذه الجملة قبل كل فتيا: لا حول ولا قوة إلا بالله، لم يزل الناس كذلك، لكن نعوذ بالله من تتابع الألسنة كلها يعني بالذم، سيذم بعض الناس، هذا لابد منه، إما من الأقران، وإما من أهل الشنآن، لكن نعم يوجد مَن يثني من أهل الخير الكرام، نعوذ بالله من تتابع الألسنة كلها.إخوتي الكرام! سأبدأ الموعظة الآتية بكلام محكم كان في نيتي أن أختم به هذه الموعظة في ثناء العلماء على سيدنا الإمام مالك، وهو كلام تلميذه وصاحبه عبد الله بن وهب : لولا مالك لضللت، ولولا مالك لضل الناس، ولولا مالك لما اهتديت، فقيل له: كيف؟ فعلل كلامه، وكان يقول: المحدث إذا لم يكن له فقيه يقتدي به فهو ضال. هذا الكلام سيأتي توجيهه بإذن الله؛ لأننا نحتاج بعض الوقت في توجيهه وتقريره، وهو ختام الكلام في ثناء علماء الإسلام على سيدنا الإمام مالك، ثم ننتقل إلى فقهه وديانته بعون الله وتوفيقه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - إمام دار الهجرة للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net