اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - أبو حنيفة فقيه الملة [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في الفقه - أبو حنيفة فقيه الملة [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
منزلة الإمام أبي حنيفة عند العلماء والأئمة منزلة رفيعة، فهو الإمام الفقيه الحافظ، الزاهد العابد الورع، الذي لم يبلغ أحد ما بلغ في فقهه وعلمه رحمه الله، ولذلك فقد أثنى عليه الأئمة ثناءً عاطراً، وذكروه ذكراً جميلاً، سواء كانوا من أقرانه وممن صاحبوه، أو من معاصريه الذين جمعهم وإياه حب العلم والعمل لدين الله.
ثناء العلماء على الإمام أبي حنيفة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:ثناء العلماء على سيدنا أبي حنيفة فقيه الملة إمام الأئمة، وهو الذي يُنعت بالإمام الأعظم رضي الله عنه وأرضاه.
 ثناء أبي يوسف على شيخه أبي حنيفة وأدبه معه
وتلاميذه الذين لهم شأن أيضاً كانوا يثنون عليه وهم أخبر الناس بأحواله، وإذا كان هو يتأدب مع شيوخه فله شأن كما تقدم معنا مع شيوخه كـحماد وغيره رضي الله عنهم أجمعين، فتلاميذه أيضاً كانوا يقومون بمثل ذلك، فيفعلون مع أبي حنيفة ما كان يفعله مع شيوخه رضي الله عنهم أجمعين. فهذا العبد الصالح أبو يوسف رحمة الله ورضوانه عليه أكبر تلاميذه، كما في الانتقاء صفحة أربعين ومائة، كان يقول: إني لأستغفر لوالدي ولشيخي أبي حنيفة في دبر كل صلاتي. والجزاء من جنس العمل، كان أبو حنيفة يستغفر لشيخه مع والديه، ويدعو لشيخه مع والديه، فقيظ الله وهيأ له التلاميذ لمثل هذا الخُلق الكريم، فكانوا يدعون لـأبي حنيفة مع أبويهم في دبر كل صلاة. وكان أبو يوسف يقول: الثوري أكثر متابعة مني لـأبي حنيفة ، الإمام الثوري رضي الله عنه كما وقف موقفاً سلبيا نحو مسعر ، فعلى هذا أيضاً نحو أبي حنيفة ، واتهمه بالإرجاء كما سيأتينا في طريقة سيدنا أبي حنيفة في الفقه والاستنباط، وماذا وُجه إلى طريقته، فأيضاً موضوع الإرجاء الثوري أثاره حول سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين، فـأبو يوسف يقول: انتبهوا الثوري أتبع لـأبي حنيفة مني، يعني هو يتبعه ويقلده أكثر مما أنا أستفيد منه وآخذ.وواقع الأمر -إخوتي الكرام- هو كذلك، فهو في الظاهر يخالفه في هذه المسألة، لكنه واقعاً لا يستغني عن أقوال أبي حنيفة ، وهو أتبع لـأبي حنيفة من أبي يوسف ، وعندكم أكبر المحدثين سيدنا البخاري ، أكثر الترجيحات التي رجحها في الفقه في صحيحه وافق فيها مذهب أبي حنيفة ، وهو أكبر المحدثين، شيخ أهل الحديث، الترجيحات الفقهية في الجامع الصحيح يوافق فيها الإمام أبا حنيفة .انظر مثلاً مثل من باب المثال: إخراج القيمة في صدقة الفطر، رأي البخاري أنه جائز على حسب ما قرر أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه، وأورد الآثار التي استنبط منها هذا، فأكثر ترجيحات البخاري التي مال إليها واجتهد فيها توافق مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه. ونجد من يقولون بعد ذلك: مذهب أهل الرأي، وهذا إمام أهل الأثر وافق أبا حنيفة ولم يوافق الأئمة الآخرين الذين تزعمون أنهم أئمة أثر، وهذا إمام رأي على زعمكم، فهذا كلام باطل، كلهم أئمة أثر، وأئمة هدى، وأئمة خير واستنباط. وكما قال الإمام ابن حزم ونِعْمَ ما قال: أجمع الحنفية على أن الحديث الضعيف يقدَّم على القياس. إذاً أين الرأي؟ إذا كان الحديث الضعيف يقدم على القياس فلن يكون القياس إلا فيما لا يوجد فيه نص، أو استنباط في مسألة طرأت ولا بد من نظر فيها، هنا يأتي أبو حنيفة ولا يستطيع أحد أن يلحق أثره، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
ذكاء أبي حنيفة وقوة استنباطه وبديهته
استمع من باب التعجل لما سيأتي التمثيل عليه، من باب التعجل، امرأة حلف عليها زوجها بالطلاق ثلاثاً، كما في الكتب التي ترجمت لسيدنا أبي حنيفة ، انظروا مثلاً الخيرات الحسان صفحة تسع وسبعين، قال لها: إذا لم تطبخ زوجته له قدراً فيه مكوك ملحاً، ولا ينبغي أن يظهر أثر الملح في الطعام فهي طالق ثلاثاً، والمكوك صاع ونصف على حسب رأي الحنفية، أربعة كيلو ونصف، يعني تضع أربعة كيلو ونصفاً من الملح، وعلى حسب الجمهور ثلاثة كيلو ونصف, الصاع اثنين كيلو إلا ربع.تضع قدراً من الطعام فيه مكوك من الملح، وإذا جاء ليأكل لا يجد للملح طعماً، فما الحل؟ وأئمتنا قالوا: إن سرعة جواب أبي حنيفة في ذلك أعلى من فقهه، عُرضت عليه المسألة بعد أن أشكلت على الفقهاء، والمرأة ستطلق، إذا ما طبخت فهي طالق، قال: ما أيسرها! كيف أشكل عليكم هذا؟ قالوا: وكيف؟ قال: تضع بيضاً في القدر، وتلقي عليه مكوكاً وزيادة من الملح وتسلق له البيض، فإذا نضج البيض يأكله وليس فيه طعم الملح، أليس كذلك؟يا إخوتي الكرام! هذا هو الفقه، وهذا هو الاستنباط، وحقيقة لو جلس إنسان يفكر قد يهتدي إلى هذا الجواب في النهاية، أن هذا الطعام لن يظهر فيه أثر الملح، لكن هذه هي البديهة، وهذا الجواب المحكم له شأن. يقول الإمام الليث بن سعد رضي الله عنه وأرضاه، وهو إمام أهل مصر، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، حديثه في الكتب الستة، توفي سنة خمس وسبعين بعد المائة، وتقدم معنا أن عبد الله بن وهب كان يقول: لولا أن الله منَّ علي بـمالك والليث لضللت، يقول الإمام الليث بن سعد الذي له شأن عظيم رضي الله عنه: كنت أسمع بـأبي حنيفة -وهو كان في مصر وذاك في الكوفة- فاشتهيت أن أراه وأتحقق من جودة ذهنه، وحسن نظره رضي الله عنه وأرضاه، قال: فبينا أنا في مكة، رأيت الناس قد اجتمعوا على إنسان يسألونه، وقالوا: هذا أبو حنيفة ، يقول: نعمت الغنيمة، يعني في النسك رأيت أبا حنيفة في هذه الحجة، قال: فاقتربت منه وهو لا يعرفني، لأسمع ماذا سيسأل وبأي شيء سيجيب، فانبرى له سائل، وقال: يا أبا حنيفة ! إنني من الأغنياء الأثرياء، وعندي ابن أتعبني، إذا زوجته وتكلفت المهر وخسرت يطلق، فيذهب المهر، وإذا سريته واشتريت له أمة يتسرى بها يعتقها، يجلس معها ليلة ثم يعتقها، فما الحل؟ ما تستقر معه زوجة، هذه يطلقها ويذهب المهر، وتلك يعتقها ويذهب ثمنها، فماذا ترى من حل شرعي لهذه القضية؟ فقال: خذه واذهب به إلى سوق الإماء، سوق النخاسين، فأي أمة أعجبته اشترها لك، ثم زوجه إياها، فإن طلق تعود إليك، وإن أعتق لا يصح عتقه؛ لأنها مملوكة لك، وحينذاك لن تخسر ولا ريالا، وإذا أراد أخرى أيضاً زوجه، المسألة سهلة، والملك سيعود إليك. قال الليث بن سعد رضي الله عنه وأرضاه: فأُعجبت بسرعة جوابه أكثر من إعجابي بجوابه، حقيقة هذا هو الذي يستحضر الفقه أمام عينيه، ويجيب بجواب محكم، لا خلل فيه في شريعة الله عز وجل، هذا هو الفقه، هذا حسن نظر، أما أنه يترك الحديث ويعمل رأيه فلا، وقد أجمع الحنفية على أن ضعيف الحديث يقدم على القياس، فكيف سيعمل بعد ذلك القياس عند وجود الأحاديث الصحيحة، كما سيأتينا في طريقته في الفقه والاستنباط رضي الله عنه وأرضاه.إخوتي الكرام! حقيقة حب هذا الإمام من الإسلام، قال الإمام الصالح أبو معاوية الضرير وهو محمد بن خازم ، توفي سنة خمس وتسعين ومائة، وحديثه في الكتب الستة، وهو الذي دعاه هارون الرشيد إلى بيته، وكان أعمى رضي الله عنه وأرضاه، وبعد أن طعم صب هارون الرشيد على يديه ليغسل، وقال: أتدري من يصب عليك الماء؟ قال: من؟ قال: أمير المؤمنين هارون ، فقال: أجلك الله يا أمير المؤمنين كما أجللت العلم وأهله. أبو معاوية الضرير محمد بن خازم يقول: حب أبي حنيفة من السنة، كما في السير وغيره في الجزء السادس، صفحة واحدة وأربعمائة. وقال الإمام عبد الله بن داود الهمداني الخريبي ، ثقة، روى له البخاري وأهل السنن الأربعة، وقد أمسك عن الرواية في آخر أيامه، فما استطاع البخاري أن يروي عنه مباشرة، إنما روى عنه بواسطة، حديثه في صحيح البخاري لكن بواسطة، وإنما أمسك لما رأى أن نية الطلاب فسدت فما حدث حتى مات رضي الله عنه وأرضاه، انظروا ترجمته في السير، في الجزء التاسع صفحة ست وأربعين وثلاثمائة، كان يقول كما في السير: ما يقع في أبي حنيفة إلا جاهل أو حاسد، والناس أعداء لما جهلوا، أو يحسده، وهو شر الأوصاف، شر الصفتين. وقيل له كما في تذكرة الحفاظ، في الجزء الأول صفحة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، في ترجمة الخريبي لا في ترجمة أبي حنيفة ، قيل للخريبي : يذكرون أن أبا حنيفة يرجع عن بعض أقواله. يعني أحياناً يقرر قوله ثم يرجع، قال: سبحان الله! إن الفقيه إذا اتسع علمه فعل ذلك، يعني هم قرروا ما قرروا بناء على ما بلغهم من أثر، ثم رأوا ما يعارض هذا من آثار أخرى، مما هو أقوى أو مما هو ناسخ، أو نحو ذلك، فرجعوا عن ذاك وقالوا بهذا، قال: هذا شأن الفقيه إذا اتسع علمه، وهذا من نبل أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه.أما قال سيدنا عمر هو الخليفة الراشد الثاني، في المسألة المشتركة: ذاك على ما قضينا به، وهذا على ما نقضي، وهو الخليفة الراشد، فالإنسان إذا اتسع علمه وتغير بعد ذلك حكمه كان ماذا؟ بل هذا من نبل أبي حنيفة ، الإنسان إذا اتسع علمه قد يرجع أحياناً عن بعض الأقوال التي تم رأي الجماعة عليها لوجود دليل أقوى بلغهم بعد ذلك، رضي الله عنهم وأرضاهم.والإمام الخريبي انظروا ترجمته في تذكرة الحفاظ، في المكان الذي ذكرته، في الجزء الأول صفحة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، يقول فيه سيدنا وكيع بن الجراح : النظر إلى وجهه عبادة. هذا في تذكرة الحفاظ في ترجمة الإمام الخريبي، النظر إلى وجه عبد الله بن داود الهمداني الخريبي عبادة، ونعته الحافظ بقوله: ثقة، عابد، من الزهاد الأولياء، النظر إلى وجهه عبادة.وروى عنه الإمام المزي في تهذيب الكمال قال: يجب على أهل الإسلام أن يدعوا لـأبي حنيفة النعمان في صلاتهم للرحمن، لأنه حفظ عليهم السنن والفقه.
 ثناء أبي يوسف على شيخه أبي حنيفة وأدبه معه
وتلاميذه الذين لهم شأن أيضاً كانوا يثنون عليه وهم أخبر الناس بأحواله، وإذا كان هو يتأدب مع شيوخه فله شأن كما تقدم معنا مع شيوخه كـحماد وغيره رضي الله عنهم أجمعين، فتلاميذه أيضاً كانوا يقومون بمثل ذلك، فيفعلون مع أبي حنيفة ما كان يفعله مع شيوخه رضي الله عنهم أجمعين. فهذا العبد الصالح أبو يوسف رحمة الله ورضوانه عليه أكبر تلاميذه، كما في الانتقاء صفحة أربعين ومائة، كان يقول: إني لأستغفر لوالدي ولشيخي أبي حنيفة في دبر كل صلاتي. والجزاء من جنس العمل، كان أبو حنيفة يستغفر لشيخه مع والديه، ويدعو لشيخه مع والديه، فقيظ الله وهيأ له التلاميذ لمثل هذا الخُلق الكريم، فكانوا يدعون لـأبي حنيفة مع أبويهم في دبر كل صلاة. وكان أبو يوسف يقول: الثوري أكثر متابعة مني لـأبي حنيفة ، الإمام الثوري رضي الله عنه كما وقف موقفاً سلبيا نحو مسعر ، فعلى هذا أيضاً نحو أبي حنيفة ، واتهمه بالإرجاء كما سيأتينا في طريقة سيدنا أبي حنيفة في الفقه والاستنباط، وماذا وُجه إلى طريقته، فأيضاً موضوع الإرجاء الثوري أثاره حول سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين، فـأبو يوسف يقول: انتبهوا الثوري أتبع لـأبي حنيفة مني، يعني هو يتبعه ويقلده أكثر مما أنا أستفيد منه وآخذ.وواقع الأمر -إخوتي الكرام- هو كذلك، فهو في الظاهر يخالفه في هذه المسألة، لكنه واقعاً لا يستغني عن أقوال أبي حنيفة ، وهو أتبع لـأبي حنيفة من أبي يوسف ، وعندكم أكبر المحدثين سيدنا البخاري ، أكثر الترجيحات التي رجحها في الفقه في صحيحه وافق فيها مذهب أبي حنيفة ، وهو أكبر المحدثين، شيخ أهل الحديث، الترجيحات الفقهية في الجامع الصحيح يوافق فيها الإمام أبا حنيفة .انظر مثلاً مثل من باب المثال: إخراج القيمة في صدقة الفطر، رأي البخاري أنه جائز على حسب ما قرر أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه، وأورد الآثار التي استنبط منها هذا، فأكثر ترجيحات البخاري التي مال إليها واجتهد فيها توافق مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه. ونجد من يقولون بعد ذلك: مذهب أهل الرأي، وهذا إمام أهل الأثر وافق أبا حنيفة ولم يوافق الأئمة الآخرين الذين تزعمون أنهم أئمة أثر، وهذا إمام رأي على زعمكم، فهذا كلام باطل، كلهم أئمة أثر، وأئمة هدى، وأئمة خير واستنباط. وكما قال الإمام ابن حزم ونِعْمَ ما قال: أجمع الحنفية على أن الحديث الضعيف يقدَّم على القياس. إذاً أين الرأي؟ إذا كان الحديث الضعيف يقدم على القياس فلن يكون القياس إلا فيما لا يوجد فيه نص، أو استنباط في مسألة طرأت ولا بد من نظر فيها، هنا يأتي أبو حنيفة ولا يستطيع أحد أن يلحق أثره، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - أبو حنيفة فقيه الملة [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net