اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - وزر المخلوقات في المخالفات [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في الفقه - وزر المخلوقات في المخالفات [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
إذا فعل الجاهل فعلاً فيه مخالفة لحكم الله وشرعه فإنه يأثم ويوزر إذا كان معرضاً، ولم يبذل جهده في التعليم والمعرفة، وذلك مثل القاضي الجاهل إذا حكم بجهل، وكذلك من تعمد فعل المعصية والمخالفة من غير استحلال لها فإنه يأثم ولا يصل إلى حد الكفر مع عدم الاستحلال والجحود.
تابع الأحوال التي يأثم فيها صاحبها ولا يعذر إذا خرج من حكم الله وشرعه

 حكم من فعل المعصية غير مستحل لها
إخوتي الكرام! من تلبس بهذه الحالات فهو موزور، في هذه الأحوال الثلاثة: تأول فيما ليس من محل التأويل، أو قضى على جهل, أو قصد المعصية, ومن تلبس بهذه الأمور فيصح أن ننفي الإيمان عنه، مع أننا قلنا هو عاص وليس بكافر، لكن يصح أن ننفي الإيمان عنه، ويصح أن نصفه بالكفر، ويصح أن نلحقه بالجاهلية، فنقول: هذا على جاهلية، وهذه الأمور الثلاثة مستعملة في حديث نبينا خير البرية على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، ولا يجوز أن تطلق عليه لقب الإيمان، وعنوان الإيمان، ووصف الإيمان إلا بقيد؛ لأن هذا اللقب لا يطلق إلا على الصورة الكاملة التي هي إيمان بلا معصية.فمن عصى الله فنقول: مؤمن فاسق، مؤمن عاصٍ، مؤمن ظالم، أما أن نقول: مؤمن مطلقاً، فهذا لا ينصرف إلا على من فعل الواجبات وترك المحرمات، أما هذا فإنه يخوض في الموبقات، فلا بد من أن نقيد إيمانه بما يشعر بنقصان الإيمان فيه؛ لأن هذا اللفظ إذا أُطلق ينصرف إلى الصورة الكاملة كما حقق ذلك أئمتنا قاطبة.انظروا مثلاً كلام شيخ الإسلام الإمام النووي في تقرير هذا، في شرحه لصحيح مسلم في أول كتاب الإيمان، قرر هذا الأمر عند أول حديث في كتاب الإيمان، وأن الإنسان إذا فعل معصية فلا يطلق عليه لفظ الإيمان إلا بقيد، ويجوز أن نصفه بالكفر على تأويلات ستأتينا، على تأويل أنه كفر دون كفر، أو كفر النعمة لا كفر المنعم، أو شابه الكفار، وما شابه هذا، كما سيذكر شيخ الإسلام النووي ، ويجوز أن ننفي الإيمان عنه؛ لأنه ما وجد فيه الإيمان الكامل، ويجوز أن نلحقه بالجاهلية.ثبت في المسند، والكتب الستة، وغير ذلك من دواوين السنة، عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، والحديث في المسند، وصحيح البخاري، وسنن النسائي، ورواه الإمام عبد الرزاق في مصنفه، والإمام البزار في مسنده، والطبراني في معجمه الكبير، والخطيب في تاريخ بغداد، عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، فهو من رواية صحابيين باللفظ الذي سأذكره عن سيدنا أبي هريرة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن )، فنفى عنهم اسم الإيمان لعدم وجود الصورة الكاملة للإيمان عندهم؛ لأنه وقع في شيء من الفسوق والغفلة.حديث آخر يصفه بالكفر إذا فعل ما يفسقه، وما يوزره ويؤثمه: ثبت في مسند الإمام أحمد ، وصحيح مسلم ، والحديث في الحلية، في الجزء الثاني من الحلية صفحة ست وثلاثمائة، وهو صحيح صحيح، فهو في صحيح مسلم من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت ). قال شيخ الإسلام الإمام النووي في شرح هذا الحديث، في الجزء الثاني صفحة سبع وخمسين في شرح صحيح مسلم : قوله: (هما بهم كفر) قال: لا بد من تأويل هذا الحديث، وذكر أربعة تأويلات:أولها: قال: (هما بهم كفر) أي: من أعمال الكفار وخصال الجاهلية.الثاني: (هما بهم كفر) أي: تؤديان بهم إلى الكفر.الثالث: (هما بهم كفر) يقصد: كفر النعمة وعدم الشكر، لا كفر المنعم والجحود. التأويل الرابع: (هما بهم كفر) فيمن استحل هاتين المعصيتين أو واحدة منهما. هذه أربعة تأويلات، وأنا كنت ذكرت سابقاً ستة تأويلات:الخامس: أن هذا من باب التغليظ والزجر، ولا يقصد حقيقته. السادس: أنه شابه الكفار في هذه الخصلة وفي تلك لا في سائر الخصال، وليس له حكم الكفار الأشرار. وعليه إخوتي الكرام: لا بد من تأويل هذه الأحاديث التي تنفي الإيمان، وما نُفي فيه الإيمان عن مرتكب الكبيرة عندما يفعل معصية لله عز وجل، يقال: يقصد من النفي نفي تمام الإيمان، نفي كمال الإيمان، وما ورد فيه وصفه بالكفر، نقول: كفر عملي وليس كفراً اعتقادياً، وهو الذي يقول عنه أئمتنا: أنه كفر دون كفر، إذا لم يستحل وغلبته شهوته. إذاً: قد يقال: أنه كفر دون كفر، أو شابه الكفار في هذه الخصلة، أو أن هذا من باب التغليظ والزجر بما يخلع القلب، أو أنه يؤدي به إلى الكفر، وهذا إذا استحل، والتي بعد ذلك هي كفر النعمة لا كفر المنعم.الدليل الثالث على أنه يوصف أيضاً بأنه جاهلي: تقدم معنا الحديث في مسند الإمام أحمد ، والكتب الستة إلا سنن النسائي، وهو في غير ذلك من دواوين السنة، وهو قول نبينا عليه الصلاة والسلام لسيدنا أبي ذر عندما عير بلالاً بأمه رضي الله عنهم أجمعين، قال له: ( أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية ). وتقدم معنا أيضاً أن سيدنا أبا ذر رضي الله عنه وأرضاه قال لنبينا عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري : ( على ساعتي هذه من كبر السن )، أي: أنا في هذا العمر، وفي هذه الحالة وعلى كبر السن، ومع ذلك فيّ خصلة من خصال الجاهلية! قال: ( نعم، إنك امرؤ فيك جاهلية )، على ساعتك هذه من كبر سنك، عندما عيرته بأمه. إخوتي الكرام! هذا فيما يتعلق بالحالة الثانية، التي إذا لم يحتكم الإنسان فيها إلى شرع الله، ولم يحكم شرع الله، فإنه يأثم ويرتكب وزراً لكنه لا يكفر، وكنا قد ذكرنا الحالة الأولى لذلك وهي: أن يؤول فيما ليس هو من مجال التأويل، أن يجتهد فيما ليس من أمور الاجتهاد، الثانية: أن يتكلم بجهل دون قصد لمعصية الله عز وجل.الثالثة: أن يقصد المعصية دون استحلال لها، هو في الحالات الثلاث ما استحل ما حرم الله، لكن في الحالة الأولى والثانية ما قصد معصية الله، لكن الشارع ما أذن له ولا عذره في فعله، فهو آثم، والحالة الثانية هو قصد المعصية، وفعله معصية، فهو عاص وهو يعلم بذلك.هذه الأحوال الثلاثة ينحرف فيها الإنسان عن شرع الله وهو فيها موزور عاصٍ للعزيز الغفور، لكن لا يصل إلى درجة الردة والجحود والكفر.الحالة الثالثة التي سيأتي الكلام عليها: من لم يحتكم إلى شرع الله، أو لم يحكم شرع الله فهو كافر جاحد مرتد، ولذلك خمس حالات، سوف نتدارسها في الموعظة الآتية بتوفيق رب الأرض والسموات.وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيك، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - وزر المخلوقات في المخالفات [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net