اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - الفقه فضله ورتبته [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في الفقه - الفقه فضله ورتبته [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
ندبت الشريعة إلى التفقه في الدين، وجعلت لأهل الفقه منزلة لا يبلغها غيرهم؛ ذلك أنهم يبينون للناس ما أشكل عليهم من أمر دينهم، ويقودونهم في طريقهم إلى ربهم، حتى لا تتخطفهم الشبهات والشهوات، وهذا هو طريق الأنبياء وطريقتهم عليهم صلوات الله وسلامه.
تنبيهان متعلقان بقوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) الدال على منزلة الفقه في الدين
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين! سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:إخوتي الكرام! شرعنا في مدارسة الأدلة التي تبين منزلة علم الفقه ومكانته، وذكرت دليلاً واحداً من كتاب الله جل وعلا يقرر هذا الأمر، وهو قول الله جل وعلا في سورة التوبة: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122].وقد تقدم معنا بيان معنى هذه الآية الكريمة، وتقدم معنا أن النفْر معناه: الانزعاج من الشيء وإلى الشيء، والخروج، عندما يخرج الإنسان يحصل له شيء من الانزعاج والمشقة والتعب والكلفة، وقلت إخوتي الكرام: إن معنى الآية يتحدد بناء على صلتها بما قبلها، فإن كانت الآية لا زالت مرتبطة بأحكام الجهاد، فتحتمل معنيين اثنين:إما أن التفقه يحصل للفرقة المقيمة، والفرقة التي نفرت وخرجت في سبيل ربنا المعبود، فيصبح تقدير الآية: فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة، ليقاتلوا في سبيل الله، وقعدت طائفة، ليتفقهوا في الدين، ويتعلموا من نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، فإذا عاد إليهم إخوانهم المجاهدون علموهم ما تعلموه من نبينا الميمون على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه. والمعنى الثاني: أنها لا زالت مرتبطة أيضاً بأحكام الجهاد، فيكون معنى الآية: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة لتجاهد ولتتفقه، فيحصل لها صفتان متلازمتان: الجهاد والتفقه، وقلت: إن الفقه الذي سيحصل لهم -كما تقدم معنا كلام سيدنا الحسن البصري رضي الله عنه وعن المسلمين أجمعين- أنهم سيرون عظيم آيات الله، حيث سينزل السكينة على عباده المجاهدين، وسيخذل أعداءه المجرمين، وفي ذلك تقوية لإيمان المؤمنين، وهذا فقه عظيم في الدين.ويمكن أن يكون هناك معنى ثالث على أن الآية لا ارتباط لها بأحكام الجهاد، ولا تتحدث عن أحكام الجهاد، إنما جاءت الآية لتتكلم عن عبادة ثالثة بعد أن ذُكر عبادتان عظيمتان لا تحصل واحدة منهما إلا بالسفر، عبادة الهجرة وعبادة الجهاد، وذكر الله عبادة ثالثة وهي طلب العلم، فلا يحصل العلم النافع إلا بشد الرحل من أجل أن يتلقى العلم من أرجاء الأرض، من الشيوخ الصالحين، وعليه فيكون معنى الآية: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، هذا النفر والانزعاج والخروج من أجل طلب العلم فقط، فَلَوْلا نَفَرَ أي: خرج مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.إخوتي الكرام! مر معنا بيان الآية، وهنا أمران أحب أن أنبه عليهما قبل أن أسرد الأحاديث الأربعة التي تدل على منزلة التفقه في الدين، ومكانة علم الفقه بين علوم الدين.
 معاني (لولا) في القرآن الكريم
الأمر الثاني: ذكرته في الموعظة الماضية، وقلت: سأذكره في أول هذه الموعظة بعون الله وتوفيقه، وهو فيما يتعلق بكلمة: (لولا) في قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ، كلمة (لولا) تأتي في القرآن الكريم لمعنيين اثنين:المعنى الأول: تأتي بمعنى حرف شرط غير جازم، حرف امتناع لوجود، ويكون هذا إذا وليها جملة اسمية، إذا ولي (لولا) جملة اسمية فهي حرف امتناع لوجود، أي: امتنع الجواب والجزاء لوجود الشرط، لوجود الاسم المتقدم، كقولك: لولا زيد لعاقبتك، امتنعت العقوبة لوجود زيد.قال أئمتنا: فإذا كان الفعل مثبتاً دخلت عليه اللام، ومنه قول ذي الجلال والإكرام عن نبي الله يونس على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه في سورة الصافات: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات:139-144]، (لبث) فعل مثبت دخلت عليه اللام، وهو واقع في جواب لولا.وإذا كان الفعل منفياً فلا تدخل عليه اللام، ومنه قول الله جل وعلا في سورة النور: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور:21]، فاللام حذفت من الجواب فلم يقل: لما زكى منكم من أحد أبداً، كما قال هناك: للبث لما زكى، بل قال: ما زكى منكم من أحد أبداً، وعليه فتقول: لولا زيد لعاقبتك، ولولا زيد ما عاقبتك. وهذا لا علاقة لنا به الآن ضمن هذه الآية؛ لأن (لولا) هنا في سورة التوبة تحضيضية، إنما هذا كما قلت: من باب الفائدة واستكمال معاني لولا. إذاً: لولا حرف امتناع لوجود، ومعنى التحضيض: طلب الشيء بإلحاح وحث ورغبة، ويقال لها: تحضيضية، هذا إذا وليها الفعل المضارع، ومنه قول الله جل وعلا: لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل:46]، أي: هلا يحصل منكم هذا، يطلب منا سبحانه وتعالى أن نستغفره وأن نتوب إليه، وهكذا قول الله جل وعلا في آخر سورة المنافقون: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [المنافقون:10]، فلولا هنا بمعنى: هلا، يطلب من الله، يعرض عليه، يلح في طلبه أن يؤخره من أجل أن يتدارك ما فاته.وإذا وليها الفعل الماضي فهي للتحضيض أيضاً، لكنها تفيد اللوم والتوبيخ والمعاتبة، على أنه كان ينبغي أن يفعل وما فعل، هذا إذا وليها الفعل الماضي، ومنه قول الله جل وعلا في سورة الواقعة: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ [الواقعة:83-86]، لولا الثانية تأكيد للأولى: فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الواقعة:86-87]، هل بإمكانكم؟ هلا فعلتم هذا؟ وإذا كنتم غير مقهورين لرب العالمين، وأنكم تتصرفون في أنفسكم كما تريدون، فأعيدوا هذه الروح إن كنتم تستطيعون، وواقع الأمر أنه ليس بوسع أحد أن يمد في حياته لحظة واحدة، قال تعالى: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]. إذاً لولا هنا تفيد اللوم والمعاتبة والتوبيخ.قال الإمام الألوسي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: وإذا وليها الفعل الماضي تفيد هذا، وإذا كان بالإمكان أن يتدارك الإنسان الأمر في المستقبل، فتفيد أيضاً اللوم على الماضي، وطلب هذا وحصوله وتداركه في المستقبل، أي: الأمر به في المستقبل، كما هو الحال لو وليها الفعل المضارع، ومنه معنى الآية التي في سورة التوبة: (فلولا نفر)، (نفر) فعل ماضٍ، فكأن الله يعاتب الذين لا ينفرون للجهاد في سبيل الحي القيوم، ولطلب العلم، لكن بما أنه عندك فسحة وسعة من الأجل، فبإمكانك أن تتدارك ما فات وأن تجاهد وأن تتعلم، فإذا وليها الفعل الماضي تفيد اللوم والتوبيخ على عدم حصول المطلوب، لكن بما أنه بإمكانك أن تتدارك هذا، فيجب عليك أن تتداركه في المستقبل. إذاً: (لولا) إذا وليها فعل فهي للتحضيض، فإن كان الفعل مضارعاً فهي للتحضيض والطلب بحث وإلحاح في المستقبل، وإن كان الفعل ماضياً ولا يمكن تداركه فهي للوم والتوبيخ، أي: هلا جرى منكم ذلك في الزمن الماضي، وإذا كان يمكن تداركه فتفيد الأمر به في المستقبل، والعلم عند الله جل وعلا. قال الإمام الرازي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: وإنما كان معنى (لولا) هلا التي معناها التحضيض؛ لأنها مركبة -يقول- من أمرين اثنين: فأصلها: هل لا، أي: هل فعلت؟ فهي سؤال، تستفسر تسأل تستخبر: هل فعلت؟ وبما أنه لم يفعل، ولم يجر هذا منه فتنفى الفعل بـ(لا)، فتقول: لا، لم تفعل، إذاً (هلا) أصلها: هل فعلت؟ لا لم تفعل، وكان ينبغي عليك أن تفعل، فأفادت التحضيض، وهذا من لطافة العرب وظرافتهم في أساليبهم، فلاختصار الكلام قالوا: هلا، لولا، لوما، وأصلها: هل فعلت؟ لا، لم تفعل، وهذا مطلوب، قال تعالى: لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل:46]، أي: هل استغفرتم؟ ما جرى منكم هذا للآن، فأتى ربنا جل وعلا بلولا بهلا بلوما، التي تفيد التحضيض، والتي أصلها: هل لا، أي: هل فعلت؟ لم تفعل للآن، ما ينبغي أن تفعله فتداركه في المستقبل، والعلم عند الله جل وعلا. هذا -إخوتي الكرام- فيما يتعلق بالآية التي تدل على منزلة التفقه في الدين.
من الأحاديث الدالة على علو منزلة الفقه والتفقه في الدين
أما أحاديث نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، كما قلت: سأقتصر على أربعة أحاديث بعون الله جل وعلا:
 واقعة أخرى تبين فضل الفقيه على المحدث
وكنت قد ذكرت -لكم إخوتي الكرام- قصة جرت للعبد الصالح يحيى بن معين مع قرينه وصاحبه سيدنا الإمام الشافعي رضوان الله عليهم أجمعين، أبو ثور توفي سنة أربعين ومائتين، هو إمام ثقة عبد صالح مبارك، وحديثه في سنن أبي داود وسنن ابن ماجه، واسمه إبراهيم بن خالد، وهو قرين الشافعي وتلميذه، ومن أكبر أصحابه وخواصه، الإمام أبو ثور إبراهيم بن خالد، وأما يحيى بن معين أبو زكريا فهو إمام الجرح والتعديل في زمانه، توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وحديثه في الكتب الستة، وهو أعلى من أن يقال عنه: ثقة، رضي الله عنهم أجمعين. القصة إخوتي الكرام التي سأوردها جاءت في كتاب المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للإمام الرامهرمزي الذي توفي سنة ستين وثلاثمائة، انظروها في صفحة خمسين ومائتين، وخلاصتها: أن امرأة جاءت إلى العبد الصالح يحيى بن معين، وهو جالس مع أصحابه المحدثين يتذاكرون أحاديث نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فقالت المرأة ليحيى بن معين ولأصحابه: هل يجوز للمرأة الحائض أن تغسل الميت؟ إذا ماتت امرأة فهل للمرأة أن تغسلها وهي حائض؟ فانظر لإنصاف يحيى بن معين رضي الله عنه وأرضاه! قال: ما لنا علم بهذا، هذا فقه لا تسأليني عنه، تريدي أحاديث نروي لك، أما الفقه فما لنا علم به، انظري إلى هذا الفتى الذي أقبل، هذا الإمام أبو ثور فاسأليه، ثم عودي إلينا وأخبرينا بما يجيبك به، فاعترضت أبا ثور رضي الله عنهم أجمعين وقالت: يا إمام! هل يجوز للحائض أن تغسل الميت؟ قال: يجوز يا أمة الله! واستمع إلى علو الأمة ورفعة قدرها في ذلك الوقت، قالت: ما الدليل رحمك الله؟ يعني أنت تقول: يجوز، فما الدليل؟ أنت لست بمشرع، ستنقل هذا عن النبي الجليل عليه الصلاة والسلام، هات دليلك، فذكر لها حديثين استنبط منهما هذا الحكم الشرعي؛ لأنه لا يوجد حديث أن الحائض تغسل الميت، لكن يوجد نظائر لهذه المسألة، والفقيه يأتي ويقول: كما جاز هذا فيجوز هذا، لأنه مثله فيقاس عليه، فاستمع لهذين الحديثين:الحديث الأول: ثابت في المسند والموطأ وصحيح مسلم والسنن الأربع، من رواية أمنا الصديقة المباركة سيدتنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال لها: (ناوليني الخمرة)، والخمرة شيء صغير بحجم الكف ينسج من الخوص أو من غيره، كان النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة المسلمون في العصر الأول عندما يسجدون على الأرض مباشرة، ولا يوجد ساتر بينهم وبين الأرض، يضعونها تحت جباههم عندما يسجدون أيام الحر؛ ليقي جبهته حر الرمضاء وحر الرمال؛ لأن الرمال تستعر ناراً في الصيف، فقال لها: (ناوليني الخمرة، قالت: إني حائض. قال: إن حيضتك ليست بيدك)، أنت ما تحملين هذا في يدك، هذا له مكان معين، وأما أنتِ فطاهرة، ولا حرج عليك، فقال: إذا كان الأمر كذلك فيجوز للحائض أن تغسل الميت. وذكر لها الحديث الثاني، وهو في المسند والموطأ والصحيحين والسنن الأربع، ورواه الإمام الدارمي أيضاً في سننه، وهو في السنن الكبرى للإمام البيهقي، وغير ذلك من دواوين السنة، وهو في أعلى درجات الصحة، عن أمنا الصديقة المباركة سيدتنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها أيضاً، قالت: (كان النبي عليه الصلاة والسلام يتكئ في حجري وأنا حائض فأرجله)، عليه صلوات الله وسلامه، ترجل شعره وتمشطه وتدهنه وهي حائض، فقال: إذا جاز للحائض أن ترجل الحي، فيجوز للحائض أن تغسل الميت. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أيضاً عن أمنا الصديقة المباركة سيدتنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان مراراً يتكئ في حجرها وهي حائض فيقرأ القرآن)، فاستنبط هذا الحكم من هذين الحديثين، الحديث الأول يدل على أن حيضتك ليست في يدك، والثاني: أنها كانت ترجل رأس الحي، فإذا جاز أن ترجل وأن تمشط وأن تسرح وأن تدهن رأس الحي؛ جاز أن تغسل الميت. قالت: رحمك الله! جزاك الله خيراً! ثم ذهبت إلى يحيى بن معين وأصحابه فقالوا لها: ماذا أفتاك؟ فقالت: أخبرني أنه يجوز للحائض أن تغسل الميت، فقالوا لها: ذكر لك دليلاً؟ قالت: نعم، ذكر لي حديثين، فقال يحيى بن معين: نحفظ كل واحد منهما من كذا وكذا طريق، اسمعي حتى نورد لك طرقاً لهذا الحديث، الحديث الأول من كذا طريق، والثاني من كذا طريق، وبدءوا يتفاوضون في طرق الحديثين، والمرأة بدأت تنظر إليهم مشدوهة مستغربة، ثم قالت: يا عباد الله! أين كنتم عندما سألتكم؟ يعني أنتم تحفظون هذين الحديثين، وكل واحد منكم ما شاء الله يورده من طرق متعددة، فأين كنتم عندما سألتكم؟ هذه هي منزلة الفقيه، الاستنباط، ولذلك من حفظ ولم يفقه فحاله كحال الأجادب، فيه خير، لكن من حفظ وفقُه فهو كالأرض الطيبة التي قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وشتان بين الأجادب التي أمسكت، وبين الأرض الطيبة التي أنبتت، نعم، كل منهما ليس من القيعان التي هي أرض مستوية منبسطة ملساء لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، نعوذ بالله من تلك الصفة، لكنهما يتفاوتان أيضاً. فالفقيه -إخوتي الكرام- له شأن عظيم عند رب العالمين، وسيأتينا ضمن مراحل بحثنا وتراجم أئمتنا، أن من أعظم معجزات نبينا عليه الصلاة والسلام: فقهاء هذه الأمة المباركة المرحومة، أكبر معجزة لنبينا عليه الصلاة والسلام علم الفقه الذي كشف عنه أئمتنا الفقهاء، وجحده الجاحدون في هذه الأيام، وسوف يأتينا بيان هذا عند تراجمهم بعون الله وتوفيقه.نسأل الله أن يفقهنا في دينه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - الفقه فضله ورتبته [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net