اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [56] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [56] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
اتفق أهل المذاهب الأربعة على أن نظر كل من الزوجين إلى عورة الآخر جائز، ولكن الأولى تركه؛ لورود بعض الآثار في كراهية ذلك لا في تحريمه، ولهذا جاء الأمر بالاستتار أثناء الجماع والاغتسال وقضاء الحاجة، فذلك أستر عن أعين الملائكة والجن والإنس.
تابع نظر كل من الزوجين إلى عورة الآخر
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:فآخر شيءٍ كنا نتدارسه في موضوع نظر كل من الزوجين إلى عورة صاحبه، وقلت: ظاهر الآثار تدل على الجواز من آيات القرآن وفعل نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا ما قرره علماؤنا الكرام كما سيأتينا، لكن هل هو مستحسن أو مستحب، أو تركه أحب؟ هذا محل بحث، سيأتينا أن أئمتنا استحبوا عدم نظر كل من الزوجين إلى عورة صاحبه؛ لأنه يضعف البصر بعد ذلك ولا يتناسب مع تمام الحياء والأدب، ويقولون أيضاً: لو حصل هذا عند المباشرة يخرج الولد بعد ذلك وما عنده حصانة وحياء وأدب كثير، فالأولى البعد عن هذا.وسيأتينا أيضاً آثار تشير علينا بأن نبتعد عن النظر إلى السوءة، لكن من فعل هذا فلا إثم عليه ولا حرج، وقد فعل نبينا عليه الصلاة والسلام وقد تقدم معنا ما يدل على هذا وهو ثابت في الصحيحين وفي غيرهما كما تقدم في: كيف كان يغتسل عليه صلوات الله وسلامه مع أمهاتنا، وقلت: إذا اغتسل الإنسان مع أهله وكلٌ منهما بدنه عارٍ توقع العين على عورة صاحبه فلا حرج، ثم أبيح له ما هو أعظم من النظر، فإذاً: الأمر في دائرة الجواز إن شاء الله، وقلت: التصريح بأن نبينا عليه الصلاة والسلام فعل هذا مع أهله، وأهله يفعلونه معه عليه صلوات الله وسلامه، هذا ثبوته فيه ضعف في قصة سيدنا عثمان بن مظعون رضي الله عنه وأرضاه، الذي تقدم معنا شيء من مناقبه ضمن مباحثنا السابقة، وأنه عندما توفي قبله نبينا عليه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وتقدم معنا أن الحديث صحيح في المسند والمستدرك، ورواه أهل السنن الأربعة إلا الإمام النسائي ، فقبله النبي عليه الصلاة والسلام وهو يبكي حتى سقطت الدموع منه عليه صلوات الله وسلامه، وثبت في صحيح البخاري ومصنف عبد الرزاق عن أم العلاء رضي الله عنها وأرضاها قالت: ( اشتكى عثمان بن مظعون فمرضناه، فلما قبض حضر النبي عليه الصلاة والسلام، فقلت: هنيئاً لك أبا السائب الجنة! فشهادتي لك أن الله أكرمك، فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: وما يدريك يا أم العلاء أن الله أكرمه -تشهدين له بالجنة- والله إني لرسول الله عليه الصلاة والسلام وما أدري ما يفعل بي ) وفي هذا أن التألي على الله غير محمود.فقال نبينا عليه الصلاة والسلام عن سيدنا عثمان : أرجو له الخير، قالت أم العلاء : والله لا أزكي أحداً بعده، أي: إذا كان عثمان بن مظعون الذي له شأن ونبينا عليه الصلاة والسلام يحزن لفراقه ويقبله ويبكي، وما قبل مني أن أشهد أن الله أكرمه، وأنه من أهل الجنة، فقالت: والله لا أزكي أحداً بعده، قالت: فنمت فرأيت عيناً تجري على عثمان ، فقصصتها على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: ( ذاك عمله ) أي: هذا عمله الطيب الخير يأتيه الآن نفعه بعد موته رضي الله عنه وأرضاه.وقد جاء في طبقات ابن سعد من طريق الواقدي عليهم جميعاً رحمة الله أن عثمان لما توفي وقع في قلب عمر شيء كما يقول هو عن نفسه وقع في قلبه شيء، يقول بينه وبين نفسه: كان زاهداً قانتاً عابداً، ثم يموت على فراشه، يعني: هو يرى أنه إذا لم يمت شهيداً ففيه منقصة، يقول: فهبط من قلبي، قال: فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه قلت: ويحك خيارنا يموتون، لأن أبا بكر خير مني، يعني: استعظم هذا، وقبله لأنه مات النبي عليه الصلاة والسلام، قلت: خيارنا يموتون ومات أبو بكر ، يعني: لا يشترط أن يموت في المعركة ليكون علامة على صدقه، يقول: فرجع عثمان إلى المنزلة التي كان عليها، والمؤمن على خير في جميع أحواله، إن مات على فراشه فهو على خير، وإن مات في ساحة المعركة فهو على خير، (وأكثر شهداء هذه الأمة أصحاب الفرش، ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته).إذاً: ما تقدم معنا من استدلال معتبر: أنه يجوز لكل من الزوجين النظر إلى عورة صاحبه، ورد ما يعارض ذلك، وتعدد ذلك الوارد واختلاف طرقه ومخارجه مع ضعفه يحتم القول باستحباب ترك النظر، أي: نظر كل من الزوجين إلى عورة صاحبه مع إباحة فعله، لكن هذه الآثار مع تلك تتقوى واستمعوا لبعض هذه الآثار.
 كلام الفقهاء في نظر الرجل إلى فرج زوجته
قال الإمام ابن عابدين الحنفي في رد المحتار على الدر المختار في الجزء (6/366): الأولى ألا ينظر كل من الزوجين إلى عورة صاحبه؛ لأن ذلك يورث النسيان ويضعف البصر، وقال الدسوقي المالكي في الجزء (2/192): قال زروق من أئمة المالكية يحل لكل من الزوجين النظر إلى فرج صاحبه اتفاقاً، الحل والجواز لا خلاف فيه، لكن كرهوا ذلك للطب لأنه يؤذي البصر ويورث قلة الحياء في الولد.ولذلك قال الإمام القرطبي وهو من أئمة المالكية أيضاً في تفسيره في الجزء (12/232): الأصح جواز النظر؛ لأنه إذا جاز له التلذذ به فالنظر أولى، وقال أصبغ من أئمة المالكية: يجوز له أن يلحسه بلسانه، كما تقدم معنا.وقال الإمام أبو بكر بن العربي : إن المنع محمول على الأدب.إذاً: المالكية أيضاً منعوا أدباً وطباً، وكذا الحنفية وكذلك الشافعية، قال الإمام النووي في الروضة في الجزء (7/25): يجوز للزوج النظر إلى جميع بدن زوجته إلا الفرج ففيه وجهان: أصحهما: أنه لا يحرم لكن يكره، وفي وجه آخر: يحرم، والثاني: لا يحرم لكن يكره، قال: وباطنه أشد كراهةً، ثم قال: وهكذا فرج نفسه لا ينظر إليه إلا لحاجة، وكما تقدم معنا عند مبحث الاستتار عند قضاء الحاجة، وسيأتينا بعض الآثار أيضاً التي تقرر هذا ضمن هذا المبحث إن شاء الله.وقال الإمام ابن حجر في الفتح وهو من أئمة الشافعية أيضاً في الجزء (9/339): الأصح الجواز لكن يكره حيث لا سبب، وقال الإمام البغوي في شرح السنة الجزء (9/25): يجوز لكل من الزوجين النظر إلى بدن صاحبه إلا نفس الفرج، فإن النظر إليه مكروه، وكذلك فرج نفسه.إذاً: الحنفية والمالكية وبعدهم الشافعية وأما آخر المذاهب على حسب الترتيب الزمني وهم الحنابلة، فقال الإمام ابن قدامة في المغني في الجزء (7/458): يباح لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه، ولمسه حتى الفرج؛ لحديث كما سيأتينا: ( احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك ) من رواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حيدة وسيأتينا تخريجه قريباً، قال الإمام ابن قدامة : ولأن الفرج يحل الاستمتاع به فجاز النظر إليه ولمسه كبقية البدن، ويكره النظر إلى الفرج؛ لما روي عن أمنا عائشة رضي الله عنها، قالت: ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط.
الأمر بالاستتار والنهي عن التعري

 الأمر بحفظ العورات في كل حال
إذاً: الأحاديث كما قلت في ذلك كثيرة وكلها تدل على هذا، وروى الإمام الترمذي في سننه في كتاب الأدب: باب ما جاء في الاستتار عند الجماع، وانظروا الحديث في جامع الأصول في الجزء (5/449) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إياكم والتعري! فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وعندما يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم ) الحديث قال عنه الإمام الترمذي : هذا حديث غريب؛ لوجود ليث بن أبي سليم فيه، وتقدم معنا حاله مراراً.هذا الحديث وما قبله وما تقدم مما فيه ضعف أو مما هو حسن، كما تقدم معنا رواية يعلى بن شداد يشهد لها جميعاً حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وهو حديث صحيح، رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود في السنن وهكذا ابن ماجه ، ورواه الإمام الدارمي والبغوي في شرح السنة، وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والبيهقي في السنن الكبرى.إذاً: عندنا روايتان، الرواية هذه في هذه الكتب عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه وتقدمت معنا، وأن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن مع ما جرى حوله من كلام، وقد حسنه عدد من أئمتنا الكرام النووي وابن حجر والإمام العيني وغيرهم كما تقدم معنا، ولفظ الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام، أنه قال: ( من اكتحل فليوتر؛ من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ) تقدم معنا: ( ومن استجمر فليوتر؛ من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ، ومن لاك بلسانه فليبتلع؛ من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ) الأمر الآخر وهو محل الشاهد: ( ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كومة من الرمل فليفعل، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم؛ من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ).وحديث معاوية بن حيدة رضي الله عنه وأرضاه رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود والترمذي وابن ماجه في السنن والنسائي لكن في السنن الكبرى، والحاكم في المستدرك وصححه وأقره عليه الذهبي ، ورواه الإمام عبد الرزاق في مصنفه وكذا ابن أبي شيبة في المصنف، والخطيب في تاريخ بغداد، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في السنن وفي كتابه الآداب، عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنهم أجمعين، أنه قال لنبينا الأمين عليه الصلاة والسلام: ( يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قلت: فإذا كان أحدنا خالياً، قال: فالله أحق أن يستحيا منه ).هذا الحديث علقه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الغسل: باب من اغتسل عرياناً وحده في الخلوة، ومن تستر فالتستر أفضل، ثم قال: قال بهز عن أبيه عن جده: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( الله أحق أن يستحيا منه ).استدل الإمام البخاري وهكذا أئمتنا على جواز الاغتسال في الخلوة عارياً، تقدم معنا في الحديثين اللذين أوردهما الإمام البخاري في صحيحه في قصة اغتسال نبي الله موسى عليه صلوات الله وسلامه، والحديث في المسند وصحيح البخاري ورواه الإمام الترمذي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه عندما كان يغتسل عارياً ويبقي الإزار ويضع عليه الحجر على شاطئ البحر، لكنه يبتعد عنه إلى بني إسرائيل.وتقدم معنا الحديث وروي في البزار من طريق سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، وأما حديث اغتسال نبي الله أيوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام عرياناً فهو في المسند وصحيح البخاري ورواه الإمام النسائي في السنن.والأحاديث في ذلك كثيرة وفيرة تدل على هذا الأمر، وأن الإنسان إذا أراد أن يغتسل يستحب له أن يستتر أو أراد أن يباشر أهله فيستحب له أن يستتر، فيوجد ملائكة ويوجد جن، فاستتر فهذا أفضل، روى شيخ الإسلام عبد الرزاق في مصنفه في الجزء (1/289) عن أبي جعفر وهو الإمام الباقر محمد بن علي رضي الله عنه وعن آل البيت الطيبين الطاهرين أجمعين، قال: دخل الحسن والحسين إلى نهر الفرات يغتسلان ويسبحان وعليهما المئزر، كل واحدٍ اتّزر ودخل، ثم قالا: إن للماء ساكناً، يعني: إن في هذا الماء ساكناً من الجن كما قلت، ورواه الإمام ابن أبي شيبة في مصنفه: إن للماء ساكناً.هذا فيما يتعلق بالأمر السابع، عندنا مبحث بعد ذلك كما قلت: يتعلق بعورة الرجل والمرأة، فيما بين الرجل والمرأة، وبين الرجل والرجال، وبين المرأة والنساء، ليس بين الرجل وزوجته فقط، يعني: ما الذي يحل للنساء أن تراه من الرجل بوصفها أجنبية عنه، وما الذي يحل للرجل أن يراه من المرأة بوصفه أجنبياً عنها، وما الذي يراه الرجل من الرجل، سواء كان من الأجانب أو من أقربائه، في تحديد عورة الرجل وعورة المرأة التي ينبغي أن تصان عن الكشف وعن النظر إليها، فلا نكشف هذا المكان ولا ننظر إليه.هذا لا بد من ضبطه ليتم معنا المبحث في هذا الأمر، نتكلم على هذا في أول الموعظة الآتية إن يسر الله وأعان، نسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء إن أحيانا أن يحيينا على الإسلام، وإن أماتنا أن يتوفانا على الإيمان، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [56] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net