اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [41] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [41] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
لقد جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة تثبت العدوى وانتقالها، وجاءت أحاديث أخرى صحيحة تنفي وجود العدوى أو تأثيرها، وبينها تعارض في الظاهر لابد من إزالته، ولذلك فقد سلك العلماء تجاه هذه النصوص مسالك شتى، فمنهم من سلك مسلك الجمع بينها، ومنهم من رجح بعضها على بعض، ومنهم من قال بنسخ بعضها لبعض، وكل منهم قد عمل وأخذ بما أداه إليه اجتهاده.
مسالك العلماء في الأحاديث التي ظاهرها التعارض
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.إخوتي الكرام! تقدم معنا سرد الأحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام التي تنفي العدوى، وتقدم معنا أيضاً بعض الأحاديث التي ظاهرها يفيد إثبات العدوى، ومنها: ( فر من المجذوم كما تفر من الأسد )، ( فر من المجذوم فرارك من الأسد)،( لا يوردن ممرض على مصح)، قوله للمجذوم: ( ارجع فقد بايعناك ) وأبى أن يبايعه، وأن يصافحه عليه صلوات الله وسلامه. هذه تقابل القسم الأول، والقسم الأول تقدم معنا أيضاً فيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام أكل مع مجذوم وقال:( كل ثقة بالله وتوكلاً عليه)، وحول الحديث اختلاف في درجته، لكن معناه من حيث العموم ثابت عن نبينا الميمون عليه الصلاة والسلام، (لا عدوى) (لا يعدي شيء شيئاً) (لا يعدي سقيم صحيحاً). ما التوفيق بين هذه النصوص؟ كما قلت: هذا لا بد من التعرض له بعد الأدب النبوى على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، والذي تقدم معنا أننا لا ندخل إلى البلدة التي فيها الطاعون ولا نخرج منها، لا نخرج منها فراراً فنتوكل على الله ونثق به، ثم بعد ذلك لا ندخلها، هذا من باب التعليم والإرشاد، وتحصين أنفسنا مما نخشى عليها من الهلاك والعطب والفساد، فذاك له تعليل، وهذا له تعليل، وهنا ما المسلك السديد نحو هذه الأحاديث في هذا الموضوع؟إخوتي الكرام! تقدم معنا مراراً أن الأحاديث إذا تعارضت من حيث الظاهر لأئمتنا نحو هذا التعارض أربع مسالك:أولها: الجمع، فإذا أمكن الجمع لا يعدل عنه إلى غيره، وثانيها: النسخ، ونقدمه على ما بعده؛ لأننا بالنسخ نترك كلام بعض النبي عليه الصلاة والسلام لبعض كلامه لبينة تدل على ذلك، فما أدخلنا عقولنا في النسخ، الطريق الثالث: الترجيح، والترجيح نؤخره عن النسخ؛ لأن فيه أعمال الجهد البشرى، وقد نخطئ في الترجيح، وتقدم معنا أن المرجحات ذكرها الإمام الحازمي في أول الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار فبلغت خمسين مرجحاً، وقد ذكرتها في موعظة الثلاثاء ضمن مباحث النبوة، والإمام العراقي في نكته على ابن الصلاح -كما تقدم معنا- في صفحة ست وثمانين ومائتين في التقييد والإيضاح، قال: إن المرجحات تزيد على مائة، وأحصاها فبلغت عشر مرجحات ومائة مرجح، ثم قال: وثم وجوه أخر للترجيح، بعد هذه المرجحات يوجد أيضاً وجوه أخر للترجيح، والإمام السيوطي في تدريب الراوي صفحة ثمان وثمانين وثلاثمائة يقول: استوفاها الإمام العراقي في نكته على ابن الصلاح . فإذا ما أمكن الترجيح -وهو الطريق الثالث- فنتوقف ونعتبر كأن هذه النصوص لم ترد في هذه المسألة، ونلجأ إلى الأدلة الشرعية العامة الأخرى في هذه المسألة، وهذه كما قال أئمتنا صورة فرضية نظرية وضعت لبيان ما ينبغي أن نفعله نحو النصوص، لكن لا يوجد في الحقيقة نصان لا يمكن أن نجمع بينهما، ولا أن ننسخ واحداً منهما بالآخر، ولا أن نرجح بينهما، فلا بد من هذا من باب ما تحتمله القسمة العقلية نحو النصوص المتعارضة من حيث الظاهر.
 القول بنسخ أحاديث نفي العدوى للأحاديث التي تثبتها
الطريق الثاني من أوجه الموقف نحو الأحاديث المتعارضة: النسخ، نبدأ الآن بالنسخ فما بعده، والنسخ قال به بعض الناس من أئمة الإسلام رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، منهم عيسى بن دينار من أئمة المالكية الكبار، توفي سنة اثنتي عشرة ومائتين للهجرة، وهو فقيه الأندلس، أبو محمد الغافقي القرطبي ، كان مجاب الدعوة، خيراً صالحاً ورعاً، صلى الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة، رحمة الله ورضوانه عليه، انظروا ترجمته العطرة في السير في الجزء العاشر صفحة أربعين وأربعمائة، وفي ترتيب المدارك في طبقات أصحاب سيدنا الإمام مالك عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في الجزء الثاني صفحة ست عشرة. وله كرامة عند موته كما كان مجاب الدعاء في حياته، خلاصتها: أنه في مرض موته قيل له: من يصلي عليك؟ قال: ابني، وكان ابنه في السفر، فلما قبض ما جاء ولده من السفر، وجهز وأحضروه إلى المصلى من أجل أن يصلى عليه، وبدءوا ينظرون من يصلي عليه، فجاء ولده من السفر على دابته وما عرفوا أنه ولده، قالوا: تقدم فصل على هذا الميت، فصلى عليه عليه رحمة الله ورضوانه، حقق الله رغبته فجاء ابنه وصلى عليه، هذا العبد الصالح عيسى بن دينار قال: الأحاديث التي تدل على اجتناب المرضى والمجذومين منسوخة بحديث النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا عدوى )، فحديث: ( فر من المجذوم ) منسوخ، وحديث: ( لا يوردن ممرض على مصح ) منسوخ، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا عدوى )، وبفعله بعد ذلك وقوله: ( كل ثقة بالله وتوكلاً عليه )، قال الإمام العراقي في شرح ألفيته في الجزء الثاني في حدود صفحة ثلاث وثلاثمائة: وذهب إلى هذا المسلك -أي: إلى النسخ بين هذه الأحاديث- أيضاً ابن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ من الآثار؛ لأنه أورد الأحاديث التي تثبت العدوى في الظاهر، والتي تنفيها ضمن الناسخ والمنسوخ، كأنه يرى أنه يوجد بينها نسخ.وذكر حديثاً آخر في المجذومين:( لا تديموا النظر إلى المجذومين) ثم بعد ذلك ذكر الخلاف في ذلك، وكأنه يذهب إلى ما ذهب إليه عيسى بن دينار من أنه كان في أول الأمر ثم نسخ، ولذلك ذكر الخلاف في ذلك، ثم أورد حديث: ( كل ثقة بالله وتوكلاً عليه )، والأحاديث يوردها بأسانيدها، كما أورد حديث أبي ذر رضي الله عنهم أجمعين أن نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام قال:( كل مع صاحب البلاء تواضعاً لربك وإيماناً به ).وختم بأثر عبد الله بن عباس -وسيأتينا- يقول: أجلس ابن عباس مجذوماً معه يأكل، فقال له عكرمة : فكأني كرهت ذلك، فقال ابن عباس : فلعله خير منك ومني، حتى قال ابن عباس في غير رواية ابن شاهين : قد جلس مع من هو خير مني ومنك يأكل معه، يعني النبي عليه الصلاة والسلام.ابن شاهين يرى أيضاً النسخ كـعيسى بن دينار ، والحافظ ابن حجر عزا القول بالنسخ إلى عيسى بن دينار في الفتح، والإمام العراقي في شرح ألفيته في المكان المشار إليه عزا القول بالنسخ إلى ابن شاهين عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وهو أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين ، توفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة للهجرة.هذا هو المسلك الأول، وهو مع سلامته من حيث الظاهر، إلا أن فيه تخطياً للطريق الأول، فإذا أمكن الجمع لا يجوز أن نعدل عنه، والجمع ممكن، فإعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما، وهناك قاعدة عند أئمتنا: لا يصار إلى النسخ والترجيح عند إمكان الجمع، لا يصار إليهما إلا عند تعذر الجمع، فإذا أمكن لا نعدل عنه؛ لأننا نعمل بجميع كلام الشارع الذي لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام، ونحمل كل صنف من كلامه على حالة معينة، فهذا الأمر -كما قلت- مع وجاهة مسلكه، وجلالة من قال به، فيه تجاوز للطريق الأول، ألا وهو الجمع.
القول بالترجيح بين الأحاديث التي تثبت العدوى والأخرى التي تنفيها
وأبعد منه من تخطى الطريق الأول والثاني، وذهب إلى الترجيح، والذين سلكوا الترجيح على طرفي نقيض، منهم من رجح الأخبار التي تدل على نفي العدوى، ومنهم من رجح الأخبار التي ظاهرها يفيد إثبات العدوى على الأخبار التي تنفي العدوى، يقول: هذا ثابت وهذا ثابت، لكن ذاك أرجح، فكأنه هو المحفوظ، وهذا شاذ؛ لأنه مخالف للراجح الأرجح الثابت، فهذا له حكم الشذوذ، وذاك له حكم الصحة والثبوت، فهو المحفوظ. ‏
 القول بترجيح الأحاديث الدالة على إثبات العدوى
الفريق الثاني: رجحوا الأحاديث التي تثبت الفرار من المجذومين والمرضى، والتي فيها: (لا يورد ممرض على مصح)، رجحوا هذه الأخبار على الأخبار التي تنفي العدوى، وسبب ترجيحهم عدة أمور:أولها: رجوع أبي هريرة رضي الله عنه عن روايته: (لا عدوى)، يدل على أنه يشك في صدور هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام، إذاً: حديث (لا عدوى) غير محفوظ، والمحفوظ (فر من المجذوم) والمحفوظ: (لا يورد ممرض على مصح)، و(ارجع فقد بايعناك)، إذن يقولون: لشكه أو لثبوت عكسه عنده، من أجل هذا رجع عن قوله برواية: (لا عدوى).الدليل الثاني عندهم: هو نفس الدليل المتقدم الثاني، قالوا: الأخبار الدالة على اجتناب المرضى والمجذومين والفرار منهم أكثر مخارجاً وطرقاً، وواقع الأمر ليس كذلك، لكن هذا ما قالوه في الترجيح، فواقع الأمر أن تلك أكثر.الدليل الثالث: عندهم: كما أن أولئك في الدليل الرابع قالوا: يمكن أن نصرف بعض الأحاديث التي ظاهرها يثبت العدوى، فليس فيها إثبات العدوى، وهنا هؤلاء قالوا: يمكن أن نقول: إن بعض ما أثبتموه وظاهره ينفي العدوى، فيه تأويل، وأنه ليس فيه نفي للعدوى، فحديث:( كل ثقة بالله وتوكلاً عليه )، قالوا: أولاً: رجح الترمذي وقفه على ابن عمر فليس هو مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم على تقدير ثبوته ليس فيه أنه أكل معه، بل وضع يده في القصعة، ليس فيه أنه جلس وأكل معه، وصاحبه. وكما قلت: ما قالوه يمكن أن يقبل من ناحية ما سلكوه من طرق الجمع لأجل إزالة التعارض، لولا أنهم أيضاً تخطوا طريقين اثنين، فلا نقبل هذا القول إلا إذا لم يمكن المصير إلى الجمع ولا إلى النسخ.
أوجه الجمع بين الأحاديث التي تدل على إثبات العدوى والأحاديث التي تدل على نفيها
انتهينا من هذين القولين، وذكرنا: أن القول بالنسخ لا يصح الاعتماد عليه، والقول بالترجيح لا يصح الاعتماد عليه، وما أحد قال من أئمتنا بالقول الرابع وهو التوقف، فما بقي إلا القول الأول وهو الجمع، وهذا الذي سلكه أئمتنا فقرروا عدة أوجه يمكن أن تصل معنا إلى سبعة أوجه في الجمع بين هذه الأخبار:
 ذكر الأحاديث التي تدل على ذلك
ويدل على هذا بعض الأحاديث التي فيها هذا التوجيه، وهو أنه لا يوجد تشاؤم ولا طيرة ولا عدوى، لكن أنت إذا تخوفت من شيء، وخطر في نفسك شيء، فابتعد عنه وسلم نفسك، ولا داعي أن تدخل نفسك في ضيق وحرج، مما يشهد، لهذا الجمع: ما ثبت في كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، والأثر رواه الإمام أبو داود في السنن والبيهقي في السنن الكبرى في الجزء الثامن صفحة أربعين ومائة، ورواه الإمام ابن قتيبة بسنده في تأويل مختلف الحديث صفحة إحدى وسبعين، والحديث في جامع الأصول في الجزء السابع صفحة أربعين وستمائة، وإسناد الحديث حسن، من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رجل: ( يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! إنا كنا في دار كثر فيها عددنا، وكثرت فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى، فقل فيها عددنا، وقلت فيها أموالنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذروها فإنها ذميمة )، فهل هذا تشاؤم وتطير؟ لا، فكأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول لهم: البقاع كلها سواء، لكن أنتم بدأ يقع في نفوسكم شيء من هذه الدار، قلتم: أموالنا كانت كثيرة، ولما جئنا افتقرنا، وعددنا كان كثيراً، ولما جئنا هنا مات أكثرنا، فكأنكم تقولون: الدار لها اعتبار، هذه دار نحس، فيا عباد الله! أريحوا أنفسكم وما أكثر الدور! ذروها فإنها ذميمة، ما دام هذا الاعتقاد عندكم اتركوها واذهبوا إلى غيرها، وافعلوا على حسب اعتقادكم ما هو مباح، ولا داعي أن تتشاءموا وتقيموا في هذا المكان. قال الإمام ابن الأثير في جامع الأصول: أي: مذمومة، وإنما أمرهم بالتحول عنها إبطالاً لما وقع في نفوسهم من أن المكروه إنما أصابهم بسبب الدار وسكناها، فإذا تحولوا عنها انقطعت مادة ذلك الوهم، وزال ما خامرهم من الشبهة والوهم الفاسد، والله أعلم. ومثل هذا ما يقع من بعض الإخوة عندما يشتري سيارة فيقع له حادث، وثم يقع حادث آخر، فيقول: هذه السيارة مشئومة! نقول: يا عبد الله! لا شؤم فيها، لكن ننصحك أن تبيعها وتشتري غيرها، وأنا أقول لكم عن نفسي وعادتي خاصة بالنسبة للسيارات، لو أخذتها ووجدت فيها مشكلة، ليس من باب -يعلم الله- لا تشاؤم ولا تطير، أقول: ما أريد أن يكون معي شيء فيه مشاكل، أتخلص منه وأستريح، فما تعين علي أن أكون مع هذه السيارة، تخلص منها، وخذ غيرها وأنت في سعة، وهنا كذلك: لا يوجد شؤم في هذه السيارة، ولا في هذه الدار، ولا في هذه البقعة، فهي جماد، لكن أنت بدأ يقع في نفسك هذا الوهم، كلما تدخل هذه الدار تقول: يا لطيف! وكأنه ستنزل عليك قاصمة الظهر، يا عبد الله! خذ غيرها، وإذا دخلت قل: ما شاء الله، هذه دار وسيعة فسيحة ما فيها لا ضر ولا نكد. فهذا الحديث يشهد لهذا الأمر. وأيضاً يدخل في هذا الباب ما تقدم معنا وهو حديث فروة بن مسيك المرادي ، وهو في سنن أبي داود والسنن الكبرى للإمام البيهقي ، حديث فروة بن مسيك المرادي عندما قال للنبي عليه الصلاة والسلام: ( عندنا أرض يقال لها: أرض أبين، هي أرض ريفنا وميرتنا، وهي وبيئة، أو قال: وباؤها شديد، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: دعها عنك، فإن من القرف التلف)، ومعنى الحديث: (فإن التلف من القرف)، أي: تصاب بالتلف والآفات والنكبات إذا قارفت، أي: اقتربت، والقرف هو المقاربة بهذا المكان الذي ترى فيه وباء،وترى فيه ما فيه من الضر، وهذا يدخل في هذا المعنى.وفي ذلك عدة أحاديث لو ذكرتها أيضاً قبل أن ننتقل إلى الوجه الثالث، منها: حديث رواه الإمام البزار كما في المجمع في الجزء الخامس صفحة خمس ومائة من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين: ( أن قوماً جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا: يا رسول الله! دخلنا هذه الدار ونحن ذو وفر فافتقرنا، وكثير عددنا فقل عددنا، وحسنة ذات بيننا، فساء ذات بيننا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوها وهي ذميمة، فقالوا: يا رسول الله عليه الصلاة والسلام! كيف ندعها؟ قال: بيعوها أو هبوها)، فإذا كان الإنسان يتشاءم من بيته فليحوله إلى بعض خلق الله وعباده، بيعوها أو هبوها لمن تريدون، رواه البزار وقال: أخطأ فيه صالح بن أبي الأخضر ، والصواب: أنه من مرسلات عبد الله بن شداد ، قلت: وصالح ضعيف يكتب حديثه، وفي الإسناد سعيد بن سفيان ضعفه الإمام علي بن المديني ، وذكره ابن حبان في الثقات، ونقل تضعيف ابن المديني له. إخوتي الكرام! أما صالح الذي يقول عنه: ضعيف، فهو يعتبر به، وهو من رجال أهل السنن الأربعة، وتوفي بعد سنة أربعين ومائة للهجرة، وأما سعيد بن سفيان فهو سعيد بن سفيان الجحدري البصري صدوق كما قال الحافظ ويخطئ، وهو من رجال الإمام الترمذي ، وتوفي سنة أربع أو خمس بعد المائتين، وقال الإمام ابن حجر في التهذيب والتاريخ في الجزء الرابع صفحة أربعين: قال ابن حبان : ممن يخطئ، يقول هنا: الهيثمي ذكره في الثقات، ونقل كلام ابن المديني فيه وقال: إنه يخطئ، لكن قول الإمام البزار هنا: الصواب أنه من مرسلات عبد الله بن شداد ، وهو عبد الله بن شداد بن الهاد ، أثره إذا كان من مرسلات عبد الله بن شداد فليس هو من رواية ابن عمر ، وقد رواه من مرسل عبد الله بن شداد البيهقي في السنن الكبرى في الجزء الثامن صفحة أربعين ومائة عن عبد الله بن شداد بن الهاد : ( أن امرأة من الأنصار جاءت إلى نبينا المختار على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه فقالت: سكنا دارنا هذه ونحن كثير فهلكنا، وحسن ذات بيننا فساءت أخلاقنا، وكثير أموالنا فافتقرنا، قال: أفلا تنتقلون عنها، ذميمة، قالت: فكيف نصنع؟ قال: تبيعونها أو تهبونها ).قال الإمام البيهقي : هذا مرسل، قال الإمام ابن التركماني في الجوهر النقي على سنن البيهقي : عبد الله بن شداد بن الهاد ولد على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، قال الإمام العجلي : هو من كبار التابعين الثقات، وهو معدود في الفقهاء، توفي سنة إحدى وثمانين قبل المائة، وحديثه مخرج في الكتب الستة، قال الإمام ابن التركماني في التعليق على سنن البيهقي : هذه المرأة صحابية،يعني امرأة من الأنصار جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وابن شداد -وهو عبد الله بن شداد بن الهاد - سمع من قدماء الصحابة كعمر وعلي ومعاذ ، وقوله: إن فلاناً قال كذا -كما قال هنا- كالعنعنة -انتبه لهذا الفقه الدقيق عند جماهير أصحاب الحديث- فالحديث مرفوع، يعني عندما يقول عبد الله بن شداد بن الهاد : أن امرأة من الأنصار، هو لا يحكي أنه وقع فحضر الواقعة بنفسه، بل قوله: (أن) بمعنى (عن)، وعليه بما أنه روى عن الصحابة الكبار كـعمر وعلي وغيرهما رضي الله عنهم أجمعين، فإذاً ما رأى هذه المرأة، فإذا كان الحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، فالرفع ظاهر ولا انقطاع، وإذا كان من رواية عبد الله بن شداد فكذلك؛ لأن قوله: (أن امرأة) لا يفيد أنه حضر بنفسه، وقد قرر أئمتنا أن صيغة (أن) بمعنى (عن) كالعنعنة، فإذا قال: عن امرأة من الأنصار، لا يعني أنه حضر، وإلا سنحكم على جميع روايات التابعين بأنها مرسلة؛ لأننا نقول: عن ابن عمر ، فإذا قال: أن ابن عمر قال، أو عن ابن عمر أنه قال، فالأمر واحد، وهنا عبد الله بن شداد بن الهاد يروي عن امرأة من الأنصار، فالحديث متصل مرفوع وليس بمرسل.هذا تحقيق الإمام ابن التركماني في الرد على الإمام البيهقي عليهم جميعاً رحمة الله، وعليه فقول البزار هنا كقول البيهقي : الصواب أنه من مرسلات عبد الله بن شداد ، وقوله: أن امرأة أو قوماً جاءوا، أي: أنه يروي ذلك عن أناس من الصحابة قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام، وعدم تسمية الأعيان لا يضر بعد التحقق من أنهم صحابة، وتلك امرأة صحابية، والعلم عند الله جل وعلا، إذاً هذا حديث من رواية ابن عمر ومن رواية عبد الله بن شداد ، وهو متصل وليس بمرسل.حديث آخر رواه الطبراني في معجمه الكبير من رواية سهل بن حارثة الأنصاري ، قال: ( اشتكى قوم إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنهم سكنوا داراً وهم عدد فقلوا؟ فقال: هلا تركتموها وهي ذميمة )، رواه الطبراني وفيه يعقوب بن حميد بن كاسب وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه جماعة. إذاً: معنا عدة روايات: رواية أنس (ذروها فإنها ذميمة)، وبمعناها رواية فروة بن مسيك : (إن من القرف التلف)، ورواية ابن عمر ، ورواية سهل بن حارثة ، ورواية عبد الله بن شداد ، هذه خمس روايات فيها هذا المعنى، وهي أن الإنسان يبتعد عن المكان الذي لا يرتاح إليه، لا لوجود شؤم فيه، فلا شؤم بالمكان، ولا فيما تستعمله من حاجات مباحة، إنما أنت إذا وقع في خلدك وذهنك شيء نحو هذا فتخلص منه، واسترح وانتهى الأمر، وهنا كذلك: (لا عدوى)، فالعدوى منتفية لمن قوي يقينه وعظم توكله على ربه، (وفر من المجذوم) لمن ضعف يقينه، وهنا هذه الدار بدأ يحصل في قلوبكم ما يحصل منها فتخلصوا منها، والعلم عند الله جل وعلا.وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن لمن أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [41] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net