اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [39] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [39] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
جاء التوجيه النبوي بعدم دخول بلدة أصابها الطاعون، وذلك لمن كان في خارجها عند تفشي المرض، ومن كان داخلها فلا يخرج منها سواء كان من أهلها أو من غيرهم، وقد فهم الصحابة هذا التوجيه فطبقوه في طاعون عمواس حين هم عمر الخليفة بدخولها هو ومن معه، فلما علموا بانتشار الطاعون في أهلها رجعوا إلى المدينة، وقال عمر قولته المشهورة: نفر من قدر الله إلى قدر الله.
أمر النبي بعدم الدخول إلى أرض الطاعون أو الخروج منها
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.آخر المباحث عندنا في مبحث الطاعون، ولعلنا ننتهي بعون الحي القيوم من هذا المبحث لنشرع في الموعظة الآتية في تحصن الإنس من الجن.إخوتي الكرام! هذا المبحث الرابع في الطاعون حول أدب نبوي أشار إليه نبينا العربي عليه الصلاة والسلام, ينبغي أن نلتزم به نحو البلدة التي ينتشر فيها الطاعون، فإذا كنا فيها لا نخرج منها، ولا نفر من قدر الله بل نصبر, فالآن المعركة بيننا وبين الجن, فكما أننا نصبر في المعركة فلنصبر في هذه البلدة التي حصل فيها تسليط من الله للجن على الإنس، وذلك الفار من بلد انتشر فيه الطاعون كالفار من الزحف كما سيأتينا. وإذا كنا خارجين عنها فلا ندخلها، ونبتعد عنها، فنحصن أنفسنا, فلا ندخل إليها، هكذا أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم. فهذا الأدب ينبغي أن نأخذ به، والأحاديث في ذلك إخوتي الكرام كثيرة وفيرة، أذكر لكم بعضها، ثم أبين ما يتعلق بها من شرح بعون الله وتوفيقه.
 امتناع عمر عن دخول عمواس والرجوع إلى المدينة وحجته في ذلك
هذا الأمر حوله بعض المباحث على رواية هذه الأحاديث:أولها: كما تقدم معنا وذكرت: أن خروج عمر رضي الله عنه وأرضاه كان في العام الثامن عشر أو السابع عشر، ففي رواية سيف بن عمر في العام الثامن عشر، وفي رواية خليفة بن خياط في العام السابع عشر, والعلم عند الله جل وعلا. الأمر الثاني: بعد أن استشار سيدنا عمر رضي الله عنه الصحابة الكرام قرر الرجوع، ولا يعتبر هذا من باب الهرب من القدر، فــعمر رضي الله عنه فر من أمر خاف على نفسه منه، فلم يهجم على أمر مخوف, ابتعد عنه، ثم فر إلى أمر لا يخاف على نفسه منه، إلى ما لا بد من وقوعه، سواء كان ظاعناً أو مقيماً, فحالته كحالة رجل أراد أن يدخل داراً، والمقدر أن هذه الدار داره وبيته، فرأى أن النار تضطرم فيها وتشتعل، فهرب عنها وما دخلها، فهل هذا فر من قدر الله؟ لا ثم لا، بل هو أمر مخوف ابتعد عنه، إلى أمر لا يخاف منه على نفسه، إلى ما لا بد منه، وهو قدر الله، إذا قدر عليه أن يحترق ولو هرب من هذا البيت فستطير شرارة من هذا البيت وتحرقه أينما ذهب، لكن هناك من ناحية الظاهر لا خوف، وأما قدر الله فنحن ما هربنا منه، قدر الله سيصيبنا سواء كنا ظاعنين أو مقيمين في هذه البلدة التي فيها الطاعون أو في غيرها. هذا حال سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه، كمن أراد أن يدخل بيتاً فرأى ناراً تشتعل فترك، وقال: لا داعي أن أدخل هذا البيت، ولا يجوز أن يدخل، وهنا كذلك، فلا يقال هربت من قدر الله، بل قدر الله أوقن أنه سيصيبني أينما كنت، لكن هنا أمر أخاف منه على نفسي فابتعدت عنه، وهناك أمر لا أخاف فيه على نفسي فلجأت إليه، وما قدر علي سيصيبني أينما كنت، هذا حال سيدنا عمر , وهو المحدث الملهم رضي الله عنه وأرضاه. إخوتي الكرام! وأبو عبيدة من عجيب أمره رضي الله عنه وأرضاه أنه أول من أشار على سيدنا عمر رضي الله عنه بالرجوع، ثم بعد ذلك لما عزم سيدنا عمر على الرجوع كأنه رأى أن هذا ينافي التوكل، فرجع عن رأيه، وقال: كيف تفر من قدر الله؟ وقد ثبت هذا في شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي في الجزء الرابع صفحة (303)، وإسناد الأثر صحيح كما قال الحافظ في فتح الباري، والأثر من رواية أنس بن مالك ، وذكره الحافظ في الفتح في الجزء العاشر صفحة (184), وقال: إسناده صحيح: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقبل إلى الشام فاستقبله أبو طلحة وأبو عبيدة بن الجراح ، فقالا: يا أمير المؤمنين! إن معك وجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيارهم، وإنا تركنا من بعدنا مثل حريق النار، فارجع العام. هذا كلام أبي عبيدة وأبي طلحة ، فرجع عمر ، فلما كان العام المقبل جاء ودخل بلاد الشام، فـأبو عبيدة رضي الله عنه هو أول من أشار على عمر رضي الله عنه بالرجوع، ثم رجع, وظن أن هذا ينافي التوكل.وسبب رجوعه: أنه لما رأى جنوح وميل أكثر المهاجرين والأنصار إلى قوله الثاني ألا وهو عدم الرجوع، وأن أمير المؤمنين رضي الله عنه ومن معه جاءوا لأمر فما ينبغي أن ينصرفوا عنه، كان هذا رأي الغالبية من المهاجرين والأنصار، فـأبو عبيدة رضي الله عنه اطمئن إلى هذا، ثم غلب جانب التوكل، وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فقال: فلندخل. فإذا كانت الإصابة مقدرة علينا ستلاقينا أينما كنا، وإذا لم تكن مقدرة علينا فلن نصاب بضر ولا أذى ولا مكروه، فلماذا إذاً لا تدخل يا أمير المؤمنين أنت ومن معك؟! فرجع عن رأيه الأول رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين.فـعمر رضي الله عنه ناظره واستظهر عليه قبل بلوغهم الحجة من النبي عليه الصلاة والسلام، وقبل سماعهم بها، ناظره على حسب الأدلة الشرعية، أنت ترى أنه ينبغي أن ندخل تغليباً لجانب التوكل، لكن أنا أقول لك: أنت لو نزلت في وادٍ له عدوتان: إحداهما: خصبة، والأخرى: جدبة، إذا رعيت الخصبة فبقدر الله، وإن رعيت الجدبة فبقدر الله.إذاً: نحن نتبع القدر بالقدر، وقدر الله لن نفلت عنه أينما كنا، لكن نصون أنفسنا عن مظاهر هلاك وعطب وتلف، فاستظهر عليه بالحجة، فسلم أبو عبيدة ، ثم بلغ عمر رضي الله عنه الخبر اليقين الذي يثلج صدور المؤمنين، وهو حديث نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، فاطمأن لرأيه غاية الاطمئنان، ولعله -والعلم عند الله- فيما يظهر لي أن سيدنا عمر رضي الله عنه بعد أن حصل منه ما حصل من استشارة، وقرر الرجوع، قال: إني مصبح على ظهر، فما انقلب مباشرة، هذا فيما يبدو لي، ولا أقول: إنه ثابت أو قطعي، أو هذا هو الذي حصل في قلب سيدنا عمر ، العلم عند ربنا جل وعلا، لكن فيما يبدو أن عمر رضي الله عنه قدر رأي أبي عبيدة وقال: في هذه الليلة عندنا مجال للاستشارة أكثر، وأنظر ماذا يلقى في قلبي، وكأنه قال: لا أريد الرجوع مباشرة، فلننتظر إلى الصباح فقد يحصل عندي اطمئنان أم لا، ففاجأهم عبد الرحمن بن عوف بقدومه فاطمأن الخليفة الراشد المحدث الملهم غاية الاطمئنان، وكر راجعاً. لكن الذي يبدو لي أنه أخر الانصراف لأنهم لا مصلحة لهم في الرجوع تلك اللحظة، قال: إني مصبح على ظهر، فحضروا أنفسكم في الصباح على أن نعود إلى المدينة المنورة، والآن نبيت بسرغ كما تقدم معنا، هذا المكان نمكث فيه، لكن بعد أن قال أبو عبيدة ما قال، وقال له عمر رضي الله عنهم أجمعين ما قال: لو غيرك قالها، بعد هذا، قالوا: بنقي زيادة في التحقق والاطمئنان القلبي والبحث، هذا فيما يبدو لي، فإذاً نؤخر الأمر لليوم الآتي، فجاءهم سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بالخبر الذي يقطع كل قيل وقال، فتعين الآن رجوعهم، ولا يجوز دخولهم، فكرَّ راجعاً بمن معه رضي الله عنهم أجمعين، والعلم عند الله جل وعلا.إخوتي الكرام! وهذا التعليل الذي ذكرته على احتمال معنى قول سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه: إني مصبح، أي: إني راكب دابتي صباحاً، ومستو على ظهرها، فاركبوا دوابكم صباحاً وسيروا معي، إني مصبح على ظهر، وإذا كان المراد من قوله: إني مصبح على ظهر، أي: سائر على ظهر دابتي، ومنطلق دون تقييد ذلك بالصباح، ودون تأخير، فلا إشارة في الأثر إلى ما فهمت، والعلم عند الله جل وعلا.
جواز الرجوع لمن أتى بلداً فوجد أن بها وباء من طاعون أو غيره
إخوتي الكرام! هذا الحديث الذي تقدم معنا برواياته عن أربعة من الصحابة الكرام، يؤخذ منه فائدتان: الفائدة الأولى: وهو الأدب الأول: جواز رجوع من أراد دخول بلد، فعلم أن بها وفيها مرضاً ووباءً، فيجوز له أن يرجع، سواء كان طاعوناً أو غيره؛ لأن موضوع الطاعون سيأتينا ضمن مراحل البحث، المقصود من أراد دخول بلد فعلم أن بها بلاءً ومرضاً، وأنها وخمة، والمقام فيها صعب، من علم هذا يجوز له أن لا يدخل هذه البلدة، وأن ينصرف عنها، وليس هذا من باب الطيرة في شيء، ولا من باب التشاؤم، إنما هو من باب منع النفس عن إلقائها في التهلكة، ومن باب سد الذريعة، لئلا تقع النفس في أمر محظور محرم، كما إذا دخلت وأصيبت بالبلاء تقول: لو أني ما دخلت لما أصبت، وهذا حرام منهي عنه، فمن أجل هاتين المصلحتين ودفع المفسدتين، لتحصن لنفسك، وأن لا توقعها في تهلكة، وفي مظنة البلاء. والأمر الثاني: لئلا يكون الشيطان عليك سبيل إذا أصبت، فتقول: لو فعلت كذا، فيجوز للإنسان أن يفارق المكان الذي فيه مظنة بلاء، وهذا ليس من باب الطيرة، وليس من باب التشاؤم، إنما من باب تحصين النفس والأخذ بالأسباب، وما قدر سيصيب الإنسان، عمل بعض الإخوة مدرساً في جهات تهامة في منطقة الجنوب، والمياه هناك عكرة وكدرة ومالحة، وتسبب البلهارسيا وتنشر البلاء، وأوضاع قاسية هناك، وحالة شديدة في تلك الأماكن، ولا تحصل فيها الكهرباء والماء لا يستقى إلا بكلفة ومشقة، هذا الرجل هو من إخواننا وبتقدير الله لم نذهب إلى هناك، فمرض ولده مرض من أثر وخامة البيئة التي هي سبب للمرض الذي أدى إلى وفاته، والأصل أنه مقدر، فالولد سيموت في ذلك الوقت، سواء كان في هذه البلدة أو في غيرها، فأصيب بالبلهارسيا لما شرب هذه المياه التي فيها ما فيها، ثم مات بسبب ذلك، والأب ما نسي ولده المسكين، في كل مناسبة يقول: لو أنا ما ذهبت إلى هناك لما مات ولدي، يا عبد الله! اتق الله في نفسك، أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78]، أنت لو كنت في أحصن الحصون سيصاب ولدك بالموت.فيسكت أمامنا، ثم بعد مناسبة تراه يعيد الكلام، فلما جاء بعد ذلك إلى أبها، وكان يخرج مع كل إخوة كرام، أعاد هذا الكلام عدة مرات، فاستنكروا منه غاية الاستنكار، وهو حقيق بالاستنكار، يا عبد الله! أنت من البداية لما رأيت البلد ما أعجبتك، خلاص كان بإمكانك أن تلغي العقد وتعود، أما أن تقول: لو ما جئت لمات الولد، هذا لا يمكن على الإطلاق، الولد سيموت أينما كنت، وإذا قدر عليك شيء سيصيبك أينما كنت. بعض إخواننا ممن لم ير العقرب إلا في الصورة، وأعرفه من أسرة مرفه غاية الرفاهية، أشد من البنت المخدرة في جلوسه داخل البيت وابتعاده عن الناس، هذا حاله، ولما حج لدغه العقرب في عرفات، والعقارب في الأصل قليلة، لكن هذا مقدر عليه، وهناك في البلدة التي هو فيها ما يتصور أن يوجد عقرب في المكان الذي هو فيه، إلا إذا كان مختفياً بعنقود عنب وما انتبه له، وهذا وقع بكثرة، كم من إنسان يحترز من العقرب ويحصن نفسه، ويأتيه عنقود العنب في داخله عقرب فيلدغه وهو لا يدري، لكن هذا ما رآه، ما رأى صورته، لكنه يعرف أن العقرب إذا لدغ يؤلم، لكن هناك حصله حقيقة، مع أن الناس في الأصل ينامون في الأماكن التي فيها عقارب، والعقارب أحياناً تمشي على أرجلهم وفيما بينهم، ومراراً في الفراش الذي أنا فيه أحسسنا بشيء يلعب بين أرجلنا، نقول: إنه عقرب كبير، وما أصيب واحد منا بأذى، وهذا المسكين لو سمع اسم العقرب يختل بدنه.فذهب وحج ولدغ، فكأنه تشاءم من أمر هذه الشعيرة.. يا عبد الله! هذا مقدر، لكن سلامةً ليقينك قل: أنا لن أكون في هذا المكان، سأنتقل إلى مكان آخر، لكن جلست وولدك مرض ومات، فلا قل: لو ما جئت إلى هنا لما مات، هذا غلط حتماً وجزماً. وهنا كذلك بلد فيها وباء، وبلاء، ليست صحية، فقل: أنا لا أريد أن أدخلها، أو أقترب منها، وليس عليك حرج؛ لئلا تلقي بنفسك إلى تهلكة هناك، لأنها مظنة حصول البلاء لك ومرض، والأمر الثاني: ليسلم اعتقادك، هذا لا حرج فيه وقرره أئمتنا رضي الله عنهم وأرضاهم. ‏
 امتناع عمر عن دخول عمواس والرجوع إلى المدينة وحجته في ذلك
هذا الأمر حوله بعض المباحث على رواية هذه الأحاديث:أولها: كما تقدم معنا وذكرت: أن خروج عمر رضي الله عنه وأرضاه كان في العام الثامن عشر أو السابع عشر، ففي رواية سيف بن عمر في العام الثامن عشر، وفي رواية خليفة بن خياط في العام السابع عشر, والعلم عند الله جل وعلا. الأمر الثاني: بعد أن استشار سيدنا عمر رضي الله عنه الصحابة الكرام قرر الرجوع، ولا يعتبر هذا من باب الهرب من القدر، فــعمر رضي الله عنه فر من أمر خاف على نفسه منه، فلم يهجم على أمر مخوف, ابتعد عنه، ثم فر إلى أمر لا يخاف على نفسه منه، إلى ما لا بد من وقوعه، سواء كان ظاعناً أو مقيماً, فحالته كحالة رجل أراد أن يدخل داراً، والمقدر أن هذه الدار داره وبيته، فرأى أن النار تضطرم فيها وتشتعل، فهرب عنها وما دخلها، فهل هذا فر من قدر الله؟ لا ثم لا، بل هو أمر مخوف ابتعد عنه، إلى أمر لا يخاف منه على نفسه، إلى ما لا بد منه، وهو قدر الله، إذا قدر عليه أن يحترق ولو هرب من هذا البيت فستطير شرارة من هذا البيت وتحرقه أينما ذهب، لكن هناك من ناحية الظاهر لا خوف، وأما قدر الله فنحن ما هربنا منه، قدر الله سيصيبنا سواء كنا ظاعنين أو مقيمين في هذه البلدة التي فيها الطاعون أو في غيرها. هذا حال سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه، كمن أراد أن يدخل بيتاً فرأى ناراً تشتعل فترك، وقال: لا داعي أن أدخل هذا البيت، ولا يجوز أن يدخل، وهنا كذلك، فلا يقال هربت من قدر الله، بل قدر الله أوقن أنه سيصيبني أينما كنت، لكن هنا أمر أخاف منه على نفسي فابتعدت عنه، وهناك أمر لا أخاف فيه على نفسي فلجأت إليه، وما قدر علي سيصيبني أينما كنت، هذا حال سيدنا عمر , وهو المحدث الملهم رضي الله عنه وأرضاه. إخوتي الكرام! وأبو عبيدة من عجيب أمره رضي الله عنه وأرضاه أنه أول من أشار على سيدنا عمر رضي الله عنه بالرجوع، ثم بعد ذلك لما عزم سيدنا عمر على الرجوع كأنه رأى أن هذا ينافي التوكل، فرجع عن رأيه، وقال: كيف تفر من قدر الله؟ وقد ثبت هذا في شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي في الجزء الرابع صفحة (303)، وإسناد الأثر صحيح كما قال الحافظ في فتح الباري، والأثر من رواية أنس بن مالك ، وذكره الحافظ في الفتح في الجزء العاشر صفحة (184), وقال: إسناده صحيح: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقبل إلى الشام فاستقبله أبو طلحة وأبو عبيدة بن الجراح ، فقالا: يا أمير المؤمنين! إن معك وجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيارهم، وإنا تركنا من بعدنا مثل حريق النار، فارجع العام. هذا كلام أبي عبيدة وأبي طلحة ، فرجع عمر ، فلما كان العام المقبل جاء ودخل بلاد الشام، فـأبو عبيدة رضي الله عنه هو أول من أشار على عمر رضي الله عنه بالرجوع، ثم رجع, وظن أن هذا ينافي التوكل.وسبب رجوعه: أنه لما رأى جنوح وميل أكثر المهاجرين والأنصار إلى قوله الثاني ألا وهو عدم الرجوع، وأن أمير المؤمنين رضي الله عنه ومن معه جاءوا لأمر فما ينبغي أن ينصرفوا عنه، كان هذا رأي الغالبية من المهاجرين والأنصار، فـأبو عبيدة رضي الله عنه اطمئن إلى هذا، ثم غلب جانب التوكل، وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فقال: فلندخل. فإذا كانت الإصابة مقدرة علينا ستلاقينا أينما كنا، وإذا لم تكن مقدرة علينا فلن نصاب بضر ولا أذى ولا مكروه، فلماذا إذاً لا تدخل يا أمير المؤمنين أنت ومن معك؟! فرجع عن رأيه الأول رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين.فـعمر رضي الله عنه ناظره واستظهر عليه قبل بلوغهم الحجة من النبي عليه الصلاة والسلام، وقبل سماعهم بها، ناظره على حسب الأدلة الشرعية، أنت ترى أنه ينبغي أن ندخل تغليباً لجانب التوكل، لكن أنا أقول لك: أنت لو نزلت في وادٍ له عدوتان: إحداهما: خصبة، والأخرى: جدبة، إذا رعيت الخصبة فبقدر الله، وإن رعيت الجدبة فبقدر الله.إذاً: نحن نتبع القدر بالقدر، وقدر الله لن نفلت عنه أينما كنا، لكن نصون أنفسنا عن مظاهر هلاك وعطب وتلف، فاستظهر عليه بالحجة، فسلم أبو عبيدة ، ثم بلغ عمر رضي الله عنه الخبر اليقين الذي يثلج صدور المؤمنين، وهو حديث نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، فاطمأن لرأيه غاية الاطمئنان، ولعله -والعلم عند الله- فيما يظهر لي أن سيدنا عمر رضي الله عنه بعد أن حصل منه ما حصل من استشارة، وقرر الرجوع، قال: إني مصبح على ظهر، فما انقلب مباشرة، هذا فيما يبدو لي، ولا أقول: إنه ثابت أو قطعي، أو هذا هو الذي حصل في قلب سيدنا عمر ، العلم عند ربنا جل وعلا، لكن فيما يبدو أن عمر رضي الله عنه قدر رأي أبي عبيدة وقال: في هذه الليلة عندنا مجال للاستشارة أكثر، وأنظر ماذا يلقى في قلبي، وكأنه قال: لا أريد الرجوع مباشرة، فلننتظر إلى الصباح فقد يحصل عندي اطمئنان أم لا، ففاجأهم عبد الرحمن بن عوف بقدومه فاطمأن الخليفة الراشد المحدث الملهم غاية الاطمئنان، وكر راجعاً. لكن الذي يبدو لي أنه أخر الانصراف لأنهم لا مصلحة لهم في الرجوع تلك اللحظة، قال: إني مصبح على ظهر، فحضروا أنفسكم في الصباح على أن نعود إلى المدينة المنورة، والآن نبيت بسرغ كما تقدم معنا، هذا المكان نمكث فيه، لكن بعد أن قال أبو عبيدة ما قال، وقال له عمر رضي الله عنهم أجمعين ما قال: لو غيرك قالها، بعد هذا، قالوا: بنقي زيادة في التحقق والاطمئنان القلبي والبحث، هذا فيما يبدو لي، فإذاً نؤخر الأمر لليوم الآتي، فجاءهم سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بالخبر الذي يقطع كل قيل وقال، فتعين الآن رجوعهم، ولا يجوز دخولهم، فكرَّ راجعاً بمن معه رضي الله عنهم أجمعين، والعلم عند الله جل وعلا.إخوتي الكرام! وهذا التعليل الذي ذكرته على احتمال معنى قول سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه: إني مصبح، أي: إني راكب دابتي صباحاً، ومستو على ظهرها، فاركبوا دوابكم صباحاً وسيروا معي، إني مصبح على ظهر، وإذا كان المراد من قوله: إني مصبح على ظهر، أي: سائر على ظهر دابتي، ومنطلق دون تقييد ذلك بالصباح، ودون تأخير، فلا إشارة في الأثر إلى ما فهمت، والعلم عند الله جل وعلا.
النهي عن دخول البلدة التي فيها مرض الطاعون هل هو للتحريم أو للكراهة؟
أما إذا كان ذلك البلاء والمرض والوباء هو مرض الطاعون، فهنا نهينا عن دخول ذلك المكان في حديث نبينا عليه الصلاة والسلام، وهذا النهي المعتمد عند جماهير أئمتنا أنه للتحريم، فمن دخل فقد ارتكب محذوراً، وعصى الله جل وعلا، وزعم قوم كما قال الحافظ ابن حجر أن النهي للتنزيه، أي: من باب خلاف الأولى، وأن هذا إرشاد للأكمل، ويجوز الإقدام لمن قوي توكله، وصح يقينه.وعلل هؤلاء قولهم وقووه بما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه وإسحاق بن راهويه في مسنده، والأثر إسناده جيد كما قال الحافظ في الفتح في الجزء العاشر صفحة (187)، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين، قال: لما قدم عمر رضي الله عنه من سرغ وصل إلى المدينة المنورة، بعد أن رجع من هذه الرحلة وما دخل بلاد الشام، يقول: دخلت عليه خباءه -المكان الذي هو فيه- وهو قائم من القيلولة، قال: فلما استيقظ وصحا قال: اللهم اغفر لي رجوعي من سرغ. أي: أنا رجعت، وما يحق لي أن أرجع، وكان على حسب رأي أبي عبيدة رضي الله عنه ينبغي أن أدخل، وهذا لا يفيد بحال من الأحوال على الإطلاق، لا يفيد أنه ندم على رجوعه وتمنى لو دخل بلاد الشام مع وجود الطاعون فيها، لا يفهم هذا من الأثر أبداً، لأنه قد بلغه حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (فلا تقدموا عليه)، فهو لم يندم لذلك، ولذلك لأئمتنا نحو هذا الأثر عدة مسالك:المسلك الأول: نحو أثر عمر رضي الله عنه الذي نقله عنه ابنه بإسناد صحيح، ذهب إليه أبو العباس القرطبي في مسلم ، قال: هذا لا يصح عن عمر ولا يثبت، يستحيل أن يقول عمر هذا بعد أن بلغه حديث عبد الرحمن بن عوف عن نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن في الحقيقة هذا ورد وهو ثابت، ولذلك قال الحافظ ابن حجر : لا ترد الأخبار القوية مع إمكان الجمع، يعني يمكن أن أذكر تعليلاً لندم سيدنا عمر رضي الله عنه، وليس هذا التعليل فيه أنه أراد أن يدخل، بل تعليل آخر، ولا داعي أن نرد الأثر بعد ثبوته، الآثار إذا ثبتت لا ترد، إذا أمكن أن نجمع بينها.المسلك الثاني: وهو الذي زعمه بعض الناس من العلماء كما نقل عنهم الحافظ ابن حجر ، قالوا: إن النهي للتنزيه لا للتحريم، فإذا قوي يقين الإنسان فالأحسن له أن يدخل، وهذا ما فهمه عمر من نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الدخول، وعليه فقد ندم عن الرجوع، يقول: أنا يقيني قوي بالله، فلم رجعت؟ هذا قول هؤلاء، وقالوا: الرجوع رخصة، والدخول عزيمة وهو الأكمل، فلو دخل لكان أفضل، ثم قرروا هذا بما رواه ابن خزيمة بإسناد صحيح من رواية هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير بن العوام رضي الله عنهم أجمعين قدم مصر، فكتب إليه الأمراء أمراء الأجناد في مصر: إن الطاعون قد انتشر فيها، فقال لهم الزبير : إنما خرجنا للطعن والطاعون، لنقاتل أعداء الله من الإنس ونطعن من قبلهم ونستشهد، وإذا وقع علينا طعن من قبل أعدائنا من الجن فأهلاً ومرحباً بذلك، فطعن رضي الله عنه في جبهته لكنه سلم، وما مات، وقالوا: هذا مما يدل على أن النهي من باب الرفق بالأمة، لا من باب التحريم، فلو دخلوا لكان هذا أعظم لإيمانهم وليقينهم. والذي يظهر -والعلم عند الله- أن الزبير دخل إما متأولاً أن النهي للتنزيه، رضي الله عنه وأرضاه، أو ما بلغه الحديث مطلقاً، أما أثر سيدنا عمر رضي الله عنه فلا يفهم منه أن النهي للتنزيه، الذي يظهر ويفهم منه الأمر الثالث: وهو ما قاله الحافظ ابن حجر رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، قال: إن عمر ندم على رجوعه لا على دخوله، وشتان بين الأمرين، فكان بإمكانه أن يقيم بسرغ حتى ينكشف الطاعون، فلم يتعجل الرجوع؟ والطاعون إذا انتشر في مكان لم يبق فيه أشهراً وسنيناً، هو ينتشر انتشار النار في الهشيم ثم بعد ذلك يخمد، مثل الحريق أضراره كثيرة، لكن لا يبقى كثيراً، وهكذا الطاعون يبق يوماً يومين أو ثلاثة أيام، في كل يوم كان يموت سبعون ألفاً، ثم انكشف.على كل حال: طاعون لا يستمر فترة طويلة، بل له وقت محدد بتقدير الله جل وعلا، ثم بعد ذلك يرفع ويكشف، وهنا كذلك كان بإمكان عمر أن ينتظر بسرغ حتى ينكشف الطاعون ثم يدخلها، فندم على رجوعه بعد أن أخذ من معه لدخول بلاد الشام، ثم رجعوا عن دخولها من غير قضاء حاجتهم، وتنزيل مصلحتهم، فندم عمر رضي الله عنه على رجوعه لا على دخوله، فكان بإمكانه أن يقيم في ذلك المكان فترة، فإذا انكشف الطاعون دخل، فلذلك كان يقول: اللهم اغفر لي رجوعي من سرغ، أي: أنني تعجلت، وكان الأولى بي أن أنتظر وأتأمل، لا أدخل ذلك المكان لنهي النبي عليه الصلاة والسلام، لكن النبي عليه الصلاة والسلام ما قال: ارجعوا، قال: لا تدخلوا، ونحن نجلس في سرغ، فإذا انكشف البلاء عن الشام دخلناها، هذا الذي يظهر العلم عند الله جل وعلا.وأما النهي فليس للتنزيه، إنما كما قلت: يفيد التحريم، وهذا قول الجمهور. إذاً: يفهم جواز رجوع من أراد دخول بلد فعلم أن فيها وباء، فأراد أن يحتاط لنفسه، وأن لا يلقي بنفسه إلى التهلكة، وأن يسد الطرق الموصلة إلى ضعف يقينه، فقال: أنا أبتعد عن هذه البلدة وأسلم من الشر فيها، فلا حرج عليه إن شاء الله.
 امتناع عمر عن دخول عمواس والرجوع إلى المدينة وحجته في ذلك
هذا الأمر حوله بعض المباحث على رواية هذه الأحاديث:أولها: كما تقدم معنا وذكرت: أن خروج عمر رضي الله عنه وأرضاه كان في العام الثامن عشر أو السابع عشر، ففي رواية سيف بن عمر في العام الثامن عشر، وفي رواية خليفة بن خياط في العام السابع عشر, والعلم عند الله جل وعلا. الأمر الثاني: بعد أن استشار سيدنا عمر رضي الله عنه الصحابة الكرام قرر الرجوع، ولا يعتبر هذا من باب الهرب من القدر، فــعمر رضي الله عنه فر من أمر خاف على نفسه منه، فلم يهجم على أمر مخوف, ابتعد عنه، ثم فر إلى أمر لا يخاف على نفسه منه، إلى ما لا بد من وقوعه، سواء كان ظاعناً أو مقيماً, فحالته كحالة رجل أراد أن يدخل داراً، والمقدر أن هذه الدار داره وبيته، فرأى أن النار تضطرم فيها وتشتعل، فهرب عنها وما دخلها، فهل هذا فر من قدر الله؟ لا ثم لا، بل هو أمر مخوف ابتعد عنه، إلى أمر لا يخاف منه على نفسه، إلى ما لا بد منه، وهو قدر الله، إذا قدر عليه أن يحترق ولو هرب من هذا البيت فستطير شرارة من هذا البيت وتحرقه أينما ذهب، لكن هناك من ناحية الظاهر لا خوف، وأما قدر الله فنحن ما هربنا منه، قدر الله سيصيبنا سواء كنا ظاعنين أو مقيمين في هذه البلدة التي فيها الطاعون أو في غيرها. هذا حال سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه، كمن أراد أن يدخل بيتاً فرأى ناراً تشتعل فترك، وقال: لا داعي أن أدخل هذا البيت، ولا يجوز أن يدخل، وهنا كذلك، فلا يقال هربت من قدر الله، بل قدر الله أوقن أنه سيصيبني أينما كنت، لكن هنا أمر أخاف منه على نفسي فابتعدت عنه، وهناك أمر لا أخاف فيه على نفسي فلجأت إليه، وما قدر علي سيصيبني أينما كنت، هذا حال سيدنا عمر , وهو المحدث الملهم رضي الله عنه وأرضاه. إخوتي الكرام! وأبو عبيدة من عجيب أمره رضي الله عنه وأرضاه أنه أول من أشار على سيدنا عمر رضي الله عنه بالرجوع، ثم بعد ذلك لما عزم سيدنا عمر على الرجوع كأنه رأى أن هذا ينافي التوكل، فرجع عن رأيه، وقال: كيف تفر من قدر الله؟ وقد ثبت هذا في شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي في الجزء الرابع صفحة (303)، وإسناد الأثر صحيح كما قال الحافظ في فتح الباري، والأثر من رواية أنس بن مالك ، وذكره الحافظ في الفتح في الجزء العاشر صفحة (184), وقال: إسناده صحيح: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقبل إلى الشام فاستقبله أبو طلحة وأبو عبيدة بن الجراح ، فقالا: يا أمير المؤمنين! إن معك وجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيارهم، وإنا تركنا من بعدنا مثل حريق النار، فارجع العام. هذا كلام أبي عبيدة وأبي طلحة ، فرجع عمر ، فلما كان العام المقبل جاء ودخل بلاد الشام، فـأبو عبيدة رضي الله عنه هو أول من أشار على عمر رضي الله عنه بالرجوع، ثم رجع, وظن أن هذا ينافي التوكل.وسبب رجوعه: أنه لما رأى جنوح وميل أكثر المهاجرين والأنصار إلى قوله الثاني ألا وهو عدم الرجوع، وأن أمير المؤمنين رضي الله عنه ومن معه جاءوا لأمر فما ينبغي أن ينصرفوا عنه، كان هذا رأي الغالبية من المهاجرين والأنصار، فـأبو عبيدة رضي الله عنه اطمئن إلى هذا، ثم غلب جانب التوكل، وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فقال: فلندخل. فإذا كانت الإصابة مقدرة علينا ستلاقينا أينما كنا، وإذا لم تكن مقدرة علينا فلن نصاب بضر ولا أذى ولا مكروه، فلماذا إذاً لا تدخل يا أمير المؤمنين أنت ومن معك؟! فرجع عن رأيه الأول رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين.فـعمر رضي الله عنه ناظره واستظهر عليه قبل بلوغهم الحجة من النبي عليه الصلاة والسلام، وقبل سماعهم بها، ناظره على حسب الأدلة الشرعية، أنت ترى أنه ينبغي أن ندخل تغليباً لجانب التوكل، لكن أنا أقول لك: أنت لو نزلت في وادٍ له عدوتان: إحداهما: خصبة، والأخرى: جدبة، إذا رعيت الخصبة فبقدر الله، وإن رعيت الجدبة فبقدر الله.إذاً: نحن نتبع القدر بالقدر، وقدر الله لن نفلت عنه أينما كنا، لكن نصون أنفسنا عن مظاهر هلاك وعطب وتلف، فاستظهر عليه بالحجة، فسلم أبو عبيدة ، ثم بلغ عمر رضي الله عنه الخبر اليقين الذي يثلج صدور المؤمنين، وهو حديث نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، فاطمأن لرأيه غاية الاطمئنان، ولعله -والعلم عند الله- فيما يظهر لي أن سيدنا عمر رضي الله عنه بعد أن حصل منه ما حصل من استشارة، وقرر الرجوع، قال: إني مصبح على ظهر، فما انقلب مباشرة، هذا فيما يبدو لي، ولا أقول: إنه ثابت أو قطعي، أو هذا هو الذي حصل في قلب سيدنا عمر ، العلم عند ربنا جل وعلا، لكن فيما يبدو أن عمر رضي الله عنه قدر رأي أبي عبيدة وقال: في هذه الليلة عندنا مجال للاستشارة أكثر، وأنظر ماذا يلقى في قلبي، وكأنه قال: لا أريد الرجوع مباشرة، فلننتظر إلى الصباح فقد يحصل عندي اطمئنان أم لا، ففاجأهم عبد الرحمن بن عوف بقدومه فاطمأن الخليفة الراشد المحدث الملهم غاية الاطمئنان، وكر راجعاً. لكن الذي يبدو لي أنه أخر الانصراف لأنهم لا مصلحة لهم في الرجوع تلك اللحظة، قال: إني مصبح على ظهر، فحضروا أنفسكم في الصباح على أن نعود إلى المدينة المنورة، والآن نبيت بسرغ كما تقدم معنا، هذا المكان نمكث فيه، لكن بعد أن قال أبو عبيدة ما قال، وقال له عمر رضي الله عنهم أجمعين ما قال: لو غيرك قالها، بعد هذا، قالوا: بنقي زيادة في التحقق والاطمئنان القلبي والبحث، هذا فيما يبدو لي، فإذاً نؤخر الأمر لليوم الآتي، فجاءهم سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بالخبر الذي يقطع كل قيل وقال، فتعين الآن رجوعهم، ولا يجوز دخولهم، فكرَّ راجعاً بمن معه رضي الله عنهم أجمعين، والعلم عند الله جل وعلا.إخوتي الكرام! وهذا التعليل الذي ذكرته على احتمال معنى قول سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه: إني مصبح، أي: إني راكب دابتي صباحاً، ومستو على ظهرها، فاركبوا دوابكم صباحاً وسيروا معي، إني مصبح على ظهر، وإذا كان المراد من قوله: إني مصبح على ظهر، أي: سائر على ظهر دابتي، ومنطلق دون تقييد ذلك بالصباح، ودون تأخير، فلا إشارة في الأثر إلى ما فهمت، والعلم عند الله جل وعلا.
حكم الخروج من البلد التي انتشر فيها مرض الطاعون
الفائدة الثانية: يستفاد من الحديث المتقدم: منع من وقع الطاعون في بلده أو في بلد هو فيها مقيم من الخروج منها، بلد وقع فيها الطاعون أو كان ذاهباً إلى بلد وانتشر فيها الطاعون فلا ينبغي أن يخرج، وهذا النهي من قبل النبي عليه الصلاة والسلام، قال الحافظ ابن حجر ، وانظروا كلامه في الجزء العاشر صفحة (188): واختلف الصحابة في ذلك هل هذا المنع للتنزيه أو للتحريم، بناء على اعتبار معين وما عداه جائز؟ وهذا في الطاعون خاصة، أما ما عداه من الأمراض فيجوز الخروج بلا إشكال، قال الحافظ ابن حجر : فذهب إلى جواز الخروج من بلد انتشر فيها الطاعون عمرو بن العاص ، وقد تقدم معنا رده على معاذ بن جبل وشرحبيل بن حسنة ، وأبي واثلة الهذلي بعبارات فيها شدة وغلظة، عندما قال لهم: هذا كالسيف من تعرض له أصابه، ومن تنكبه وابتعد عنه سلم منه، ونحن الآن نبتعد عن هذه البلدة ونسلم، ورد عليه الصحابة الكرام بكلام لا أريد أن أعيده بعبارات فيها شدة، وقلت: هو تنطبق عليه رضي الله عنه وأرضاه عندما قال من قال: أنا أسلمت وكان عمرو بن العاص أضل من حمار أهله رضي الله عنهم أجمعين، لأنه مشركاً، على كل حال هذا التعليق تنطبق عليه عندما كان مشركاً، ثم هداه الله، وهذا القول الذي يقول به عمرو بن العاص ، قال الحافظ ابن حجر : ونقله القاضي عياض عن أبي موسى الأشعري ، وسيأتينا أثره إن شاء الله ضمن مراحل البحث، وهو في شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي ، قال: وقال به المغيرة بن شعبة ، وقال به من التابعين الأسود بن هلال ومسروق . إذاً: معنا ثلاثة من الصحابة: عمرو بن العاص ، وأبو موسى والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين مسروق والأسود رضي الله عنهم أجمعين، قالوا: يجوز للإنسان أن يخرج من البلدة التي انتشر فيها الطاعون.أما أثر أبي موسى كما قلت لكم إخوتي الكرام هو في شرح معاني الآثار في الجزء الرابع صفحة (305)، ورواه الإمام البيهقي في السنن الكبرى، كما رواه الهيثم بن كليب ، وإسناده حسن كما قال الحافظ في الفتح في الجزء العاشر صفحة (188)، والأثر عن صادق بن شهاب ، قال: كنا نتحدث إلى أبي موسى الأشعري ، فقال لنا ذات يوم: لا عليكم أن تخفوا عني، يعني: إن أردتم أن تظهروا بهذا الكلام عني أظهروه واجهروا به ولا أبالي، فإن هذا الطاعون قد وقع في أهلي، فمن شاء منكم أن يتنزه فليتنزه، أن يبتعد عنه، واحذروا كلمتين، أن يقول قائل: خرج خارج فسلم، وجلس جالس فأصيب، يعني: ليخرج فراقاً لهذه البلدة التي فيها وباء، لكن إذا خرج وسلم لا يقول: أنا سلمت لأنني خرجت، ولا يقولن: أنا أصبت لأنني بقيت، احذروا هاتين الخصلتين، ثم من أراد أن يخرج فليخرج، ومن أراد أن يمكث فليمكث.قال: احذروا اثنتين: أن يقول قائل: خرج خارج فسلم، وجلس جالس فأصيب، لو كنت خرجت لسلمت كما سلم آل فلان، أو يقول قائل: لو كنت جلست لأصبت كما أصيب آل فلان، وإني سأحدثكم ما ينبغي للناس في الطاعون، إني كنت مع أبي عبيدة رضي الله عنه وإن الطاعون قد وقع بالشام، وإن عمر كتب إليه: إذا أتاك كتابي هذا فإني أعزم عليه إن أتاك مصبحاً -أي: الكتاب وصل إليك في الصباح- ألا تمسي حتى تركب إلي، وإن أتاك ممسياً لا تصبح حتى تركب إليّ، فقد عرضت لي إليك حاجة لا غنى لي عنك فيها، لا أستغني عنك، قال: فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب قال: إن أمير المؤمنين أراد أن يستبقي من ليس بباقٍ، يريد أن يحافظ علي، وكلنا هلكى كل من عليها فان، فكتب إليه أبو عبيدة : إني في جند من المسلمين لن أرغب بنفسي عنهم، وقد عرفنا حاجة أمير المؤمنين، فحللني من عزمتك، فلما جاء عمر الكتاب بكى، فقيل له: توفي أبو عبيدة ؟ قال: لا، وكأن قد. ثم كتب إليه: إنك أنزلت الناس أرضاً عميقة، يعني: نازلة، وخمة وليس فيها نزاهة وطلاقة، وإن الجابية أرض نزهة فانهض بالمسلمين إلى الجابية، قال أبو موسى : فقال لي أبو عبيدة : انطلق فبوئ المسلمين منزلهم، فقلت: لا أستطيع. قال: فذهب ليركب، فأخذته أخذة فطعن فمات رضي الله عنهم أجمعين، وانكشف الطاعون.الشاهد إخوتي الكرام: أن سيدنا أبا موسى الأشعري رضي الله عنه يقول: إن كان أراد أن يذهب فليذهب، لكن يحذر اثنتين: إذا خرج لا يقول: سلمت لأنني خرجت، وإذا بقي فلا يقول: أصبت لأنني بقيت، وإذا خرج لا يقول: لو أنني بقيت لأصبت، احذروا هذا، ثم لا عليكم أن تخرجوا أو أن تقيموا، وإن شئتم أن تنسبوا هذا إلي عند الناس، فلا حرج في ذلك، ولا يلزم أن تكتموه عني، هذا ما أعتقده في هذه المسألة والعلم عند الله جل وعلا.
 امتناع عمر عن دخول عمواس والرجوع إلى المدينة وحجته في ذلك
هذا الأمر حوله بعض المباحث على رواية هذه الأحاديث:أولها: كما تقدم معنا وذكرت: أن خروج عمر رضي الله عنه وأرضاه كان في العام الثامن عشر أو السابع عشر، ففي رواية سيف بن عمر في العام الثامن عشر، وفي رواية خليفة بن خياط في العام السابع عشر, والعلم عند الله جل وعلا. الأمر الثاني: بعد أن استشار سيدنا عمر رضي الله عنه الصحابة الكرام قرر الرجوع، ولا يعتبر هذا من باب الهرب من القدر، فــعمر رضي الله عنه فر من أمر خاف على نفسه منه، فلم يهجم على أمر مخوف, ابتعد عنه، ثم فر إلى أمر لا يخاف على نفسه منه، إلى ما لا بد من وقوعه، سواء كان ظاعناً أو مقيماً, فحالته كحالة رجل أراد أن يدخل داراً، والمقدر أن هذه الدار داره وبيته، فرأى أن النار تضطرم فيها وتشتعل، فهرب عنها وما دخلها، فهل هذا فر من قدر الله؟ لا ثم لا، بل هو أمر مخوف ابتعد عنه، إلى أمر لا يخاف منه على نفسه، إلى ما لا بد منه، وهو قدر الله، إذا قدر عليه أن يحترق ولو هرب من هذا البيت فستطير شرارة من هذا البيت وتحرقه أينما ذهب، لكن هناك من ناحية الظاهر لا خوف، وأما قدر الله فنحن ما هربنا منه، قدر الله سيصيبنا سواء كنا ظاعنين أو مقيمين في هذه البلدة التي فيها الطاعون أو في غيرها. هذا حال سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه، كمن أراد أن يدخل بيتاً فرأى ناراً تشتعل فترك، وقال: لا داعي أن أدخل هذا البيت، ولا يجوز أن يدخل، وهنا كذلك، فلا يقال هربت من قدر الله، بل قدر الله أوقن أنه سيصيبني أينما كنت، لكن هنا أمر أخاف منه على نفسي فابتعدت عنه، وهناك أمر لا أخاف فيه على نفسي فلجأت إليه، وما قدر علي سيصيبني أينما كنت، هذا حال سيدنا عمر , وهو المحدث الملهم رضي الله عنه وأرضاه. إخوتي الكرام! وأبو عبيدة من عجيب أمره رضي الله عنه وأرضاه أنه أول من أشار على سيدنا عمر رضي الله عنه بالرجوع، ثم بعد ذلك لما عزم سيدنا عمر على الرجوع كأنه رأى أن هذا ينافي التوكل، فرجع عن رأيه، وقال: كيف تفر من قدر الله؟ وقد ثبت هذا في شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي في الجزء الرابع صفحة (303)، وإسناد الأثر صحيح كما قال الحافظ في فتح الباري، والأثر من رواية أنس بن مالك ، وذكره الحافظ في الفتح في الجزء العاشر صفحة (184), وقال: إسناده صحيح: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقبل إلى الشام فاستقبله أبو طلحة وأبو عبيدة بن الجراح ، فقالا: يا أمير المؤمنين! إن معك وجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيارهم، وإنا تركنا من بعدنا مثل حريق النار، فارجع العام. هذا كلام أبي عبيدة وأبي طلحة ، فرجع عمر ، فلما كان العام المقبل جاء ودخل بلاد الشام، فـأبو عبيدة رضي الله عنه هو أول من أشار على عمر رضي الله عنه بالرجوع، ثم رجع, وظن أن هذا ينافي التوكل.وسبب رجوعه: أنه لما رأى جنوح وميل أكثر المهاجرين والأنصار إلى قوله الثاني ألا وهو عدم الرجوع، وأن أمير المؤمنين رضي الله عنه ومن معه جاءوا لأمر فما ينبغي أن ينصرفوا عنه، كان هذا رأي الغالبية من المهاجرين والأنصار، فـأبو عبيدة رضي الله عنه اطمئن إلى هذا، ثم غلب جانب التوكل، وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فقال: فلندخل. فإذا كانت الإصابة مقدرة علينا ستلاقينا أينما كنا، وإذا لم تكن مقدرة علينا فلن نصاب بضر ولا أذى ولا مكروه، فلماذا إذاً لا تدخل يا أمير المؤمنين أنت ومن معك؟! فرجع عن رأيه الأول رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين.فـعمر رضي الله عنه ناظره واستظهر عليه قبل بلوغهم الحجة من النبي عليه الصلاة والسلام، وقبل سماعهم بها، ناظره على حسب الأدلة الشرعية، أنت ترى أنه ينبغي أن ندخل تغليباً لجانب التوكل، لكن أنا أقول لك: أنت لو نزلت في وادٍ له عدوتان: إحداهما: خصبة، والأخرى: جدبة، إذا رعيت الخصبة فبقدر الله، وإن رعيت الجدبة فبقدر الله.إذاً: نحن نتبع القدر بالقدر، وقدر الله لن نفلت عنه أينما كنا، لكن نصون أنفسنا عن مظاهر هلاك وعطب وتلف، فاستظهر عليه بالحجة، فسلم أبو عبيدة ، ثم بلغ عمر رضي الله عنه الخبر اليقين الذي يثلج صدور المؤمنين، وهو حديث نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، فاطمأن لرأيه غاية الاطمئنان، ولعله -والعلم عند الله- فيما يظهر لي أن سيدنا عمر رضي الله عنه بعد أن حصل منه ما حصل من استشارة، وقرر الرجوع، قال: إني مصبح على ظهر، فما انقلب مباشرة، هذا فيما يبدو لي، ولا أقول: إنه ثابت أو قطعي، أو هذا هو الذي حصل في قلب سيدنا عمر ، العلم عند ربنا جل وعلا، لكن فيما يبدو أن عمر رضي الله عنه قدر رأي أبي عبيدة وقال: في هذه الليلة عندنا مجال للاستشارة أكثر، وأنظر ماذا يلقى في قلبي، وكأنه قال: لا أريد الرجوع مباشرة، فلننتظر إلى الصباح فقد يحصل عندي اطمئنان أم لا، ففاجأهم عبد الرحمن بن عوف بقدومه فاطمأن الخليفة الراشد المحدث الملهم غاية الاطمئنان، وكر راجعاً. لكن الذي يبدو لي أنه أخر الانصراف لأنهم لا مصلحة لهم في الرجوع تلك اللحظة، قال: إني مصبح على ظهر، فحضروا أنفسكم في الصباح على أن نعود إلى المدينة المنورة، والآن نبيت بسرغ كما تقدم معنا، هذا المكان نمكث فيه، لكن بعد أن قال أبو عبيدة ما قال، وقال له عمر رضي الله عنهم أجمعين ما قال: لو غيرك قالها، بعد هذا، قالوا: بنقي زيادة في التحقق والاطمئنان القلبي والبحث، هذا فيما يبدو لي، فإذاً نؤخر الأمر لليوم الآتي، فجاءهم سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بالخبر الذي يقطع كل قيل وقال، فتعين الآن رجوعهم، ولا يجوز دخولهم، فكرَّ راجعاً بمن معه رضي الله عنهم أجمعين، والعلم عند الله جل وعلا.إخوتي الكرام! وهذا التعليل الذي ذكرته على احتمال معنى قول سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه: إني مصبح، أي: إني راكب دابتي صباحاً، ومستو على ظهرها، فاركبوا دوابكم صباحاً وسيروا معي، إني مصبح على ظهر، وإذا كان المراد من قوله: إني مصبح على ظهر، أي: سائر على ظهر دابتي، ومنطلق دون تقييد ذلك بالصباح، ودون تأخير، فلا إشارة في الأثر إلى ما فهمت، والعلم عند الله جل وعلا.
صور الخروج من البلدة التي انتشر فيها الطاعون وبيان حكم كل صورة
قال الحافظ ابن حجر : ولا شك أن الصور ثلاث:الصورة الأولى: من قصد الفرار المحض، فهذا يتناوله النهي بالإجماع، وأبو موسى وغيره لا يقولان بجواز ذلك إن أراد أن يفر فراراً من الطاعون من قدر الحي القيوم.الحالة الثانية: من أراد مفارقة المكان لحاجة عرضت له، لمصلحة له، لا لقصد الفرار من الطاعون، قال: كما لو تهيأ للسفر، ثم انتشر الطاعون في ذلك المكان، قال: فيجوز له أن يخرج منها، وله أن يذهب إلى محل إقامته، سواء كانت هذه البلدة أقام فيها ليذهب إلى بلده بعد أن تهيأ، أو أراد أن يذهب إليها لمصلحته، تهيأ وقبل ظهور الطاعون جهز نفسه ليغادر هذا المكان، فأصيب ذلك المكان بالطاعون فيجوز أن يخرج.الحالة الثالثة: إن عرضت له الحاجة، وأراد الراحة من ذلك المكان الذي انتشر فيه الطاعون، فهذا هو محل النزاع، هل يجوز له أن يفارقه أم لا؟ ثم قال: فمن منع نظر إلى صورة الفرار، ومن أجاز قال: إنه قصد التداوي، كما لو أراد أن يتداوى فهذا جائز، عرضت له حاجة، أراد أن يذهب إلى مكان نزه طلق ليستريح جسمه، لا من أجل الفرار من الطاعون، يقول: أنا أينما سأذهب سأصاب بطاعون وبغيره، لكن هذا المكان فيه وباء فسأفارقه، هذا يجوز أم لا؟ يقول هنا: فمن منع نظر إلى صورة الفرار أنه فر من الطاعون وهرب منه، ومن أجاز قال: هذا يقصد معالجة نفسه، وطلب مصلحتها فلا حرج عليه، فهو إن قصد الفرار المحض فهو ممنوع، وإذا لم يقصد ذلك بل عرضت له حاجة وقال: تلك الحاجة أنفع لنفسي في ذلك البلد، وأنا أقيم به وأستريح من هذا الوباء، هذا هو الذي حصل الاختلاف فيه، هل يجوز أن يخرج أم لا؟ وعليه فما نقل عن عمرو بن العاص وأبي موسى، والمغيرة بن شعبة في هذه الحالة، يريد أن يخرج إلى مكان نزه طلق، ليصلح جسمه وبدنه لا ليفر من هذا المرض والطاعون الذي انتشر في هذا المكان، فإن قصد الفرار المحض فهذا لا يجوز.ثم قال الحافظ ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: أثر أبي موسى الذي رواه هنا من قوله، وفي كتابة عمر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة بن الجراح ، يدل على أنه من أراد أن يفارق مكان الوباء من أجل معالجة نفسه، وطلباً للمكان الصحي الفسيح الطلق فلا حرج عليه، ولذلك عمر رضي الله عنه مع علمه بحديث عبد الرحمن بن عوف الذي تقدم معنا، كتب إلى أبي عبيدة ، ومن أراد منه أن يلحق به، فـأبو عبيدة امتنع وقال: إن أمير المؤمنين يريد أن يستبقي من ليس بباق، وقال: أنا أمير المؤمنين هنا ولا أريد أن أفارقهم، ثم أصيب بالطاعون فتوفي واستشهد رحمة الله ورضوانه عليه.إذاً: الأثر هنا الذي ضمن حديث أبي موسى يدل على جواز مفارقة المكان لمصلحة العلاج، لا من أجل الفرار من الطاعون، وعمر رضي الله عنه كرأي أنه أراد أن يقنع أبا عبيدة برأيه، فقال: عرضت لي مصلحة، ولا يمكن أن أستغني عنك فيها، فلا بد من أن تأتي، كأنه يريد أن يخبره أنه ليس الأمر من أجل الفرار المحض، هذا من أجل مصلحة من المصالح الشرعية، فتعال، فذاك أبى واعتذر رضي الله عنهم أجمعين. هذا الذي يقوله الحافظ ابن حجر هو ما ذهب إليه الإمام الطحاوي ، وأيده بحديث العرنيين، والحديث -إخوتي الكرام- حديث صحيح ثابت، وهو ما روي في المسند، وأخرجه أهل الكتب الستة، الشيخان وأهل السنن الأربع، والحديث من رواية أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين، عندما قدم المدينة قوم من عكل أو عرينة واستوخموها، فأذن لهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يخرجوا منها إلى إبل الصدقة، وأن يخرجوا من المدينة المنورة لما لم تناسب صحتهم، ولما ذهبوا إلى هناك بعد أن شربوا من ألبانها وأبوالها، فعلوا شر فعلة عندما قتلوا رعاة الإبل واستاقوا النعم، ثم عاقبهم نبينا عليه الصلاة والسلام لفعلهم. الشاهد: يقول الإمام الطحاوي : هنا أذن لهم بالخروج لمصلحة العلاج والتداوي، وطلباً للمكان الذي يناسب أجسامهم، وأن من خرج من المكان الذي فيه الطاعون من أجل هذه العلة فلا حرج عليه، وأيد الإمام الطحاوي هذا بالحديث الذي رواه الإمام أبو داود في سننه من رواية فروة بن مسيك المرادي ، قال: قلت: ( يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم، عندنا أرض يقال لها أرض أبين، وهي أرض ريفنا وميرتنا، وهي وبيئة، أو قال: وباؤها شديد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعها عنك فإن من القرف التلف )، كأنه يقول له: إن التلف من القرف، والقرف: هو مقارفة الشيء ومقاربته، أرض وبيئة وخيمة إذا خالطتها وقاربتها وكنت فيها تصاب بالتلف؛ لأنها وبيئة، لا من باب عدوى، ولا من باب التشاؤم كما سيأتينا، لكن ليس حال من يقيم في بلد نزهة كحال من يقيم في بلد وخيمة، فيها جراثيم ونحو ذلك.قال الإمام ابن الأثير في جامع الأصول صفحة (582): القرف: الدنوء من الشيء، وكل شيء دانيته فقد قارفته، والتلف الهلاك، أراد أنه قرب من المريض ودنا منه تلف، فليس هذا من باب العدوى، إنما هذا من باب الطب، فإن استصلاح الأهوية من أعظم الأشياء على صحة الأبدان، وفساد الهواء من أسرع الأشياء إلى الأسقام عند الأطباء، وذلك بإذن الله عز وجل وتقديره.إذاً: هنا هواء طلق نزه، وهناك هواء متعفن، رطوبات وعفونات، وتنتشر فيها جراثيم وحشرات، فإذا قارفتها تلفت، تتلف عندما تكون في مكان وبيء وخيم، وهذا كما قلت: ليس من باب عدوى ولا من باب تشاؤم، إنما لا يحصل لبدنك من الهواء والصحة كما لو كنت في مكان طيب، وهذا كما لو أكل الإنسان ما يؤذيه تماماً، وهنا كذلك، أقام في مكان يؤذيه فليفارق هذا المكان لا فراراً من قدر الله، ومن المرض الذي انتشر، إنما فراراً من مكان فيه عفونات يبتعد عنها إلى مكان أصح لبدنه ولجسمه، والعلم عند الله جل وعلا.قال الحافظ ابن حجر : واحتج أهل هذا القول -أي: الذين قالوا: يجوز الخروج من البلد الذي فيه الطاعون- بالقياس على الفرار من المجذوم، لحديث نبينا الميمون عليه الصلاة والسلام: ( فر من المجذوم فرارك من الأسد )، والحديث في صحيح البخاري وغيره، وقد أكل مع مجذوم عليه الصلاة والسلام، وقال: ( كل ثقة بالله وتوكلاً عليه ). وسيأتينا الجمع بين هذين الحديثين إن شاء الله.إنما هنا يقول الحافظ ابن حجر: واحتجوا بالقياس على الفرار من المجذوم، وقد ورد الأمر به، قال الحافظ ابن حجر : وهذا قياس مع الفارق، فالفرار من المجذوم ورد الأمر به، والخروج من بلد فيه الطاعون ورد النهي عنه، فكيف تقيس هذا على هذا؟ ذاك أمرت به، وهذا نهيت عنه، فتريد أن تلحق ما نهيت عنه بما أمرت به؟! هذا لا يصلح أبداً.وخلاصة الكلام: من قصد الفرار المحض من قدر الله فهذا حرام بالاتفاق، ومن قصد الخروج لمصلحة بعد أن تهيأ لها، وجهز نفسه، وقام بأسبابها، ثم بلغه ظهور الطاعون وانتشاره، فلا حرج عليه أن يخرج؛ لأن نيته في الخروج قبل ذلك، فليس معه نية الفرار، ومن أراد أن يخرج لمصلحة بدنه لئلا يبقى في مكان فيه هذا البلاء والعفونة وهذا التغير، فهل يجوز أم لا؟ لا بقصد الفرار من قدر الله، إنما بقصد العلاج ليعالج نفسه، ليصحها في مكان أنزه وأطيب وأحسن، هذا الذي وقع الخلاف فيه، فمن منع نظر إلى صورة الفرار، أنه خرج فاراً، ومن أجاز قال: هذا كمن يريد أن يعالج نفسه والعلم عند الله جل وعلا.هذا قول بالجواز، والقول الثاني: ذهب إليه بعض العلماء: أن هذا النهي عن الخروج للتنزيه لا للتحريم، والمعتمد هو القول الثالث، وهو أنه لا يجوز أن ندخل تحريماً، ولا يجوز أن نخرج أيضاً تحريماً، حرم علينا الأمران، فلا ندخل ولا نخرج، ونلتزم بما أمرنا به نبينا عليه الصلاة والسلام ونهانا عنه، فلا تخرجوا منها، ولا تدخلوها، ولا تقدموا عليها.وهذا هو قول جماهير علماء المسلمين: يحرم الخروج من بلدة انتشر فيها الطاعون لظاهر النهي الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام في الأحاديث المتقدمة، وهذا هو القول الراجح، ويؤيد هذا القول ثبوت الوعيد عن نبينا عليه الصلاة والسلام لمن خرج من بلدة انتشر فيها الطاعون، والحديث رواه الإمام أحمد في المسند، وابن خزيمة في صحيحه، ورواه الطبراني في معجم الأوسط، وأبو يعلى في مسنده، والبزار في مسنده أيضاً، من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وتقدم معنا الحديث وقلت: إنه في درجة الحسن، قال عن الطاعون: ( إنه غدة كغدة البعير، المقيم فيها كالشهيد، والفار منها كالفار من الزحف )، المقيم في البلدة التي انتشر فيها الطاعون له أجر الشهيد عند الحي القيوم، والفار منها كالفار من الزحف. وهذا الحديث له شاهد من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، رواه الإمام أحمد في المسند، وابن خزيمة في صحيحه، والبزار في مسنده، والطبراني في معجمه الأوسط، قال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب: وهو حديث حسن، وانظروا الجزء الثاني صفحة (339) من الترغيب والترهيب، وقال الحافظ في الفتح في الجزء العاشر صفحة (188): إسناده صالح في المتابعة، والإمام المنذري يقول: إسناده حسن، ولفظ الحديث: من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الفار من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر عليه كالصابر في الزحف )، إذا زحف الجيشان جيش أهل الإيمان وأهل الكفران، فمن صبر فله أجر عظيم عند الله عز وجل: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال:16]، وهنا بلد انتشر فيها الطاعون فصبر فله أجر من يصبر عند لقاء الجيشين وعند حصول الزحف، ومن فر عليه وزر من فر عند الزحف. وهذان حديثان حديث أمنا عائشة ، وحديث جابر بن عبد الله ، يصرحان بأن الفرار ممنوع منه، وفاعل ذلك مرتكب لكبيرة؛ لأن من الكبائر الموبقات التولي يوم الزحف، وهنا مرتكب لكبيرة، وقد يقول أهل القول الأول الذين قالوا بالجواز: نحن لا نفر من قدر الله، فمن فر من قدر الله فهو مرتكب لكبيرة، وأما نحن فقط نطلب المصلحة لأنفسنا بفراق هذا البلد، ونعلم أن ما قدر علينا سيصيبنا أينما كنا، لكن الوقوف مع ظاهر النص أسلم وأقوى والعلم عند الله، وهذا هو قول جماهير علماء المسلمين، والعلم عند رب العالمين.وهذا التفصيل المتقدم ينطبق على المطعون الذي قد أصيب وعلى غيره، القول المعتمد من الأقوال الثلاثة أنه لا يجوز مطلقاً، ومن خرج فعليه إثم من فر من الزحف، والقول الأول: يجوز أن يخرج لا بنية الفرار من قدر الله، إنما إذا قال: لعله إذا نزل إلى بلد آخر يتخلى الجن عنه، ولا يوالون الطعن، ويشفى من هذه الطعنة بإذن ربي، أطلب العلاج في مكان آخر، لا فراراً من قدر الله، فلا حرج، وعلى القول الثاني: النهي للتنزيه.وهذا مثل الشهيد لو طعن وجرح وأردت أن تنقله إلى مكان فيه رطوبة وفيه عفونة وفيه جراثيم، فقال: خذوني إلى بلدة أخرى فيها طلاقة وفيها بهجة وفيها سرور من ناحية الجو الطبيعي، فلا حرج عليه. لكن المعتمد وهو الذي ينبغي أن نقف عنده دائماً، أن ظاهر النص لا يترك، لا سيما إذا قال به أئمتنا الكرام، وإذا وجدت بعد ذلك أقوال فلا نقول: إن من قال بها ضال، لكن من قال فله عذره واجتهاده، لكن فيما يظهر لا يشهد لها الدليل، والعلم عند الله جل وعلا.وهذا قلته مراراً -إخوتي الكرام-: ما خرج عن المذاهب الأربعة المتبعة تبقى أقوالاً نعذر من قال بها، لا أننا نأخذ بها، فلو وجدت قولاً مثلاً لـابن حزم ، فغاية ما نقول: إنه معذور فيما قاله، ولا يعني أننا نأخذ به، ومن باب أولى لو وجد قول لبعض السلف الكرام رضي الله عنهم أجمعين، وانفرد به، فيبقى هذا القول هو عنده معتبر، وله حجة فيه، وعنده تعليل، لكن بعد ذلك نحن نبقى مع الجمع الغفير، ولذلك جماهير العلماء على التحريم، وهذا ظاهر النص، بقي بعد ذلك التباسات لتعليلات قال بها من قال بها رضي الله عنهم أجمعين، لكن فيما يظهر لا يشهد لها الدليل، والعلم عند الله جل وعلا.
 امتناع عمر عن دخول عمواس والرجوع إلى المدينة وحجته في ذلك
هذا الأمر حوله بعض المباحث على رواية هذه الأحاديث:أولها: كما تقدم معنا وذكرت: أن خروج عمر رضي الله عنه وأرضاه كان في العام الثامن عشر أو السابع عشر، ففي رواية سيف بن عمر في العام الثامن عشر، وفي رواية خليفة بن خياط في العام السابع عشر, والعلم عند الله جل وعلا. الأمر الثاني: بعد أن استشار سيدنا عمر رضي الله عنه الصحابة الكرام قرر الرجوع، ولا يعتبر هذا من باب الهرب من القدر، فــعمر رضي الله عنه فر من أمر خاف على نفسه منه، فلم يهجم على أمر مخوف, ابتعد عنه، ثم فر إلى أمر لا يخاف على نفسه منه، إلى ما لا بد من وقوعه، سواء كان ظاعناً أو مقيماً, فحالته كحالة رجل أراد أن يدخل داراً، والمقدر أن هذه الدار داره وبيته، فرأى أن النار تضطرم فيها وتشتعل، فهرب عنها وما دخلها، فهل هذا فر من قدر الله؟ لا ثم لا، بل هو أمر مخوف ابتعد عنه، إلى أمر لا يخاف منه على نفسه، إلى ما لا بد منه، وهو قدر الله، إذا قدر عليه أن يحترق ولو هرب من هذا البيت فستطير شرارة من هذا البيت وتحرقه أينما ذهب، لكن هناك من ناحية الظاهر لا خوف، وأما قدر الله فنحن ما هربنا منه، قدر الله سيصيبنا سواء كنا ظاعنين أو مقيمين في هذه البلدة التي فيها الطاعون أو في غيرها. هذا حال سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه، كمن أراد أن يدخل بيتاً فرأى ناراً تشتعل فترك، وقال: لا داعي أن أدخل هذا البيت، ولا يجوز أن يدخل، وهنا كذلك، فلا يقال هربت من قدر الله، بل قدر الله أوقن أنه سيصيبني أينما كنت، لكن هنا أمر أخاف منه على نفسي فابتعدت عنه، وهناك أمر لا أخاف فيه على نفسي فلجأت إليه، وما قدر علي سيصيبني أينما كنت، هذا حال سيدنا عمر , وهو المحدث الملهم رضي الله عنه وأرضاه. إخوتي الكرام! وأبو عبيدة من عجيب أمره رضي الله عنه وأرضاه أنه أول من أشار على سيدنا عمر رضي الله عنه بالرجوع، ثم بعد ذلك لما عزم سيدنا عمر على الرجوع كأنه رأى أن هذا ينافي التوكل، فرجع عن رأيه، وقال: كيف تفر من قدر الله؟ وقد ثبت هذا في شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي في الجزء الرابع صفحة (303)، وإسناد الأثر صحيح كما قال الحافظ في فتح الباري، والأثر من رواية أنس بن مالك ، وذكره الحافظ في الفتح في الجزء العاشر صفحة (184), وقال: إسناده صحيح: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقبل إلى الشام فاستقبله أبو طلحة وأبو عبيدة بن الجراح ، فقالا: يا أمير المؤمنين! إن معك وجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيارهم، وإنا تركنا من بعدنا مثل حريق النار، فارجع العام. هذا كلام أبي عبيدة وأبي طلحة ، فرجع عمر ، فلما كان العام المقبل جاء ودخل بلاد الشام، فـأبو عبيدة رضي الله عنه هو أول من أشار على عمر رضي الله عنه بالرجوع، ثم رجع, وظن أن هذا ينافي التوكل.وسبب رجوعه: أنه لما رأى جنوح وميل أكثر المهاجرين والأنصار إلى قوله الثاني ألا وهو عدم الرجوع، وأن أمير المؤمنين رضي الله عنه ومن معه جاءوا لأمر فما ينبغي أن ينصرفوا عنه، كان هذا رأي الغالبية من المهاجرين والأنصار، فـأبو عبيدة رضي الله عنه اطمئن إلى هذا، ثم غلب جانب التوكل، وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فقال: فلندخل. فإذا كانت الإصابة مقدرة علينا ستلاقينا أينما كنا، وإذا لم تكن مقدرة علينا فلن نصاب بضر ولا أذى ولا مكروه، فلماذا إذاً لا تدخل يا أمير المؤمنين أنت ومن معك؟! فرجع عن رأيه الأول رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين.فـعمر رضي الله عنه ناظره واستظهر عليه قبل بلوغهم الحجة من النبي عليه الصلاة والسلام، وقبل سماعهم بها، ناظره على حسب الأدلة الشرعية، أنت ترى أنه ينبغي أن ندخل تغليباً لجانب التوكل، لكن أنا أقول لك: أنت لو نزلت في وادٍ له عدوتان: إحداهما: خصبة، والأخرى: جدبة، إذا رعيت الخصبة فبقدر الله، وإن رعيت الجدبة فبقدر الله.إذاً: نحن نتبع القدر بالقدر، وقدر الله لن نفلت عنه أينما كنا، لكن نصون أنفسنا عن مظاهر هلاك وعطب وتلف، فاستظهر عليه بالحجة، فسلم أبو عبيدة ، ثم بلغ عمر رضي الله عنه الخبر اليقين الذي يثلج صدور المؤمنين، وهو حديث نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، فاطمأن لرأيه غاية الاطمئنان، ولعله -والعلم عند الله- فيما يظهر لي أن سيدنا عمر رضي الله عنه بعد أن حصل منه ما حصل من استشارة، وقرر الرجوع، قال: إني مصبح على ظهر، فما انقلب مباشرة، هذا فيما يبدو لي، ولا أقول: إنه ثابت أو قطعي، أو هذا هو الذي حصل في قلب سيدنا عمر ، العلم عند ربنا جل وعلا، لكن فيما يبدو أن عمر رضي الله عنه قدر رأي أبي عبيدة وقال: في هذه الليلة عندنا مجال للاستشارة أكثر، وأنظر ماذا يلقى في قلبي، وكأنه قال: لا أريد الرجوع مباشرة، فلننتظر إلى الصباح فقد يحصل عندي اطمئنان أم لا، ففاجأهم عبد الرحمن بن عوف بقدومه فاطمأن الخليفة الراشد المحدث الملهم غاية الاطمئنان، وكر راجعاً. لكن الذي يبدو لي أنه أخر الانصراف لأنهم لا مصلحة لهم في الرجوع تلك اللحظة، قال: إني مصبح على ظهر، فحضروا أنفسكم في الصباح على أن نعود إلى المدينة المنورة، والآن نبيت بسرغ كما تقدم معنا، هذا المكان نمكث فيه، لكن بعد أن قال أبو عبيدة ما قال، وقال له عمر رضي الله عنهم أجمعين ما قال: لو غيرك قالها، بعد هذا، قالوا: بنقي زيادة في التحقق والاطمئنان القلبي والبحث، هذا فيما يبدو لي، فإذاً نؤخر الأمر لليوم الآتي، فجاءهم سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بالخبر الذي يقطع كل قيل وقال، فتعين الآن رجوعهم، ولا يجوز دخولهم، فكرَّ راجعاً بمن معه رضي الله عنهم أجمعين، والعلم عند الله جل وعلا.إخوتي الكرام! وهذا التعليل الذي ذكرته على احتمال معنى قول سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه: إني مصبح، أي: إني راكب دابتي صباحاً، ومستو على ظهرها، فاركبوا دوابكم صباحاً وسيروا معي، إني مصبح على ظهر، وإذا كان المراد من قوله: إني مصبح على ظهر، أي: سائر على ظهر دابتي، ومنطلق دون تقييد ذلك بالصباح، ودون تأخير، فلا إشارة في الأثر إلى ما فهمت، والعلم عند الله جل وعلا.
الحكمة من النهي عن الخروج من بلد انتشر فيه الطاعون
إخوتي الكرام! ما الحكمة من النهي عن الخروج من بلدة انتشر فيها الطاعون؟ أورد أئتمنا في ذلك حكماً كثيرة، انظروها في فتح الباري في الجزء العاشر صفحة (189).
 في الخروج تكلف زائد منهي عنه
الحكمة السابعة: وهي آخر الحكم ذكرها الإمام ابن دقيق العيد ، قال: الإقدام فيه تعريض النفس للبلاء، ولعلها لا تصلح، هذا لو أراد أن يدخل البلدة، وسيذكر الحكمتين في النهي عن الدخول والخروج، يقول: وفي ذلك ضرب من الدعوى للصبر والتوكل، يعرض نفسه للبلاء لو دخل، ثم يدعي أنه صابر متوكل، وهذا فيه غرور بالنفس، فيمنع من هذا الغرور، ولئلا يصاب أيضاً بالبلاء والمحذور، وأما الفرار، فيقول: لأنه لو فر من مكان انتشر فيه الطاعون، وظهر فيه الوباء، توغل في الأسباب بصورة من يحاول النجاة مما قدر عليه، كأنه يقول: تعمق وتكلف، وهذا منهي عنه، الأسباب تفعل بصورة معقولة، أما أن يفعلها عن طريق الهوس، فهذا في الحقيقة منهي عنه ومذموم، قال: فنهينا عن ترك التكلف في الحالتين، لا نعرض أنفسنا للبلاء، ولا ندعي الصبر والتوكل فندخل، ولا نتوغل في الاحتياط فنهرب عن بلدة انتشر فيها الطاعون، فهذا أيضاً تنطع وتكلف، فهذا وهذا نهينا عنه، قال: وهذا كتمني لقاء العدو، فلا نتمناه، وإذا لقيناه لا نفر بل نصبر. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله السلامة، فإذا لقيتموهم فاثبتوا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف )، فلا نذهب إلى بلد فيها بلاء توكلاً وصبراً، ونعرض أنفسنا للبلاء، ولا نخرج من بلد فيها البلاء توغلاً وتنطعاً وتكلفاً في طلب الأسباب البعيدة لنسلم، لا هذا ولا ذاك، لا نريد البلاء، ولا ندخل إلى بلدة فيها بلاء، وإذا ظهر البلاء في بلدنا صبرنا وثبتنا، وربطنا قلوبنا بخالقنا جل وعلا.وأما الحكمة من منع الدخول فأتركها لأول الموعظة الآتية؛ لأنه لا يزال عندنا جزئية ترتبط بها وهي الجمع بين الحديثين تتعلق بمبحثنا إن شاء الله في الفرار من الجذام، والأكل مع المجذوم.ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة والله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [39] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net