اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [30] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [30] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
إن إصابة الإنسان بالصرع قد يكون بسبب أخلاط سيئة نتنة، وهذا هو الذي يتكلم الأطباء في سببه وعلاجه، وقد يكون بسبب الجن.وصرع الجن نوعان: صرع معنوي يؤثر على علاقة الإنسان بربه، ويكون بالغفلة وغيرها، ولا يسلم منه إلا القليل، وهو أخطر أنواع الصرع، مع غفلة الناس عنه.وصرع حسي يتفاوت من شخص لآخر، وقد حدث شيء منه لبعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فخيرهم بين الصبر ولهم الجنة وبين علاجهم، فصبر بعضهم، وعالج النبي صلى الله عليه وسلم بعضاً؛ فهو طبيب الأرواح والأبدان.
القسم الأول من أقسام الصرع: الصرع المعنوي
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين, وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين! اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين!سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: فلا زلنا في آخر مباحث الجن، ألا وهو الصلة بيننا وبينهم، وقلت: هذا المبحث يقوم على أربعة أمور:أولها: على حكم الاستعانة الإنس بالجن. وثانيها: على حكم التناكح بين الإنس والجن. وقد مر الكلام على هذين المبحثين.والمبحث الثالث: في صرع الجن للإنس.وآخر المباحث معنا وهو الرابع: تحصن الإنس من الجن. وكنا نتدارس صرع الجن للإنس، وقلت: إن الصرع ينقسم إلى ثلاثة أقسام: صرع معنوي، وهذا أشنع أنواع الصرع، وهو أن يصاب الإنسان من قبل أعدائه شياطين الجن, فيلتقم الشيطان قلبه، ويوسوس له، فيصغي الإنسان إلى هذه الوسوسة، وقلت: هذه بلية عظيمة, ونسبة الصرعى فيها كثيرون كثيرون، ونسبة من صرع بهذا الصرع تسعمائة وتسعة وتسعون من الألف، وواحد فقط هو الذي نجا، وأكثر الناس في غفلة عن هذا الصرع، فكل واحد يهتم بجسمه وببدنه وبماله، ولا يفكر في دينه، فجسمك بالحماية حصنته مخافةً من ألم طاري، فالأولى بك أن من المعاصي خشية النار، وحقيقة: إن الناس لا يشعرون إلا إذا أصيبوا في أبدانهم وأموالهم، أما إذا أصيب في دينه فلا يشعر ولا يبالي.ومن الرجال بهيمة في صورة الرجل السميع المبصرفطن بكل مصيبة في مالهوإذا أصيب بدينه لم يشعرولذلك يقول أئمتنا: الرجل هو الذي يخاف من موت قلبه لا من موت بدنه، والمأسور من أسر قلبه ومن أسره الشيطان, لا من أسر بدنه، فإذا أسرك الشيطان وصرت عبداً له من دون الرحمن فهذا هو الصرع الحقيقي، وهذا هو الأسر الحقيقي, أن تكون حراً في الظاهر لكنك في الحقيقة مقلد تابع لهذا الشيطان الرجيم.وقد تقدم معنا أن المعصية موت، وأن أول من مات من الخليقة إبليس, مع أنه منظر إلى يوم الدين، فحياته وجودها وعدمها سواء، أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122]. والرجل هو الذي يخشى من ضياع دينه, لا من ضياع درهمه.وذكر ابن القيم في كتابه الوابل الصيب في صفحة اثنتين وستين ما يقرر هذا المعنى عن شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول عند البحث في فوائد الذكر وثمراته: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة.وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري، أنى رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.وكان يقول في مجلسه في القلعة التي سجن بها: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة؛ لأنني خلوت مع ربي, أذكر الله, وآنس به سبحانه وتعالى، أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير، وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه.ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب. قال تلميذه ابن القيم : وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والمعين بل كان على ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاب، كان من أشرح الناس صدراً، وأقواهم قلباً، وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، فينقلب انشراحاً وقوةً ويقيناً وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل, فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.هذه هي حقيقة الرجولة، وهذه هي الصحة، وهذا هو الطيب، وهذه هي الحياة، أن يكون الإنسان عبداً لرب الأرض والسموات، ألا يأسره هواه، وألا يستولي عليه شيطانه، كما قال تعالى: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المجادلة:19].إن الصرع المعنوي أشنع أنواع الصرع، والناس في غفلة عنه، وكل من وقع في معصية فقد صرعه الشيطان، ونسبة الصرع تختلف من إنسان لإنسان، وكل عاص فهو مصروع.
 

القسم الثاني من أقسام الصرع: الصرع الحسي
وهناك صرع ثان, وهو صرع حسي بحيث يصرع البدن ويتأثر، والإنسان أحياناً قد يتكلم بما لا يعي، ويتخبط ويقع على الأرض ويغيب عن وعيه, فهذا صرع حسي، يشتكي منه من يصاب به، ونسبة المصابين بهذا النوع من الصرع لعله واحد من الألف أو من مائة ألف أو واحد من مليون، ومع ذلك أرى كثرة من يفتتن به. وقد يجتمعان, أي: صرع حسي وصرع معنوي، وهذا في الصرع الذي يقع بسبب الشيطان.وتقدم معنا أن الصرع الحسي قد يكون له نوع ثان, وهو صرع بسبب الأخلاط واختلاف نسبتها بحيث يتغير مزاج الإنسان مما يحصل عنده من عفونات ورياح غليظة تكون في مجاري الدماغ, فيصاب بجنون وخبل وصرع وليس بواسطة الجن.فهذه الأنواع تدارسنا الأول منها، وقلت بعد ذلك: سنتدارس النوع الثاني منها, هو ثابت وسأقرره بعدد من الأحاديث الصحيحة والحسنة والضعيفة المنجبرة، وكما قلت: سأذكر أحاديث لا تقل عن عشرة, بل ستزيد, وأبدؤها بكلام ابن القيم ، وسأختمها بكلام شيخه ابن تيمية .
 تفاوت الصرع الحسي من إنسان لآخر
إن الصرع الحسي تتفاوت نسبته وشدته من إنسان لآخر، فقد يصرع الإنسان في اليوم مرة، وقد تكون نسبة الصرع ساعة، وقد يطرأ عليه في الأسبوع مرة أو في الشهر أو في السنة، حسب تمكن الجني منه. وهذا الصرع يدخل فيه أيضاً اختطاف الجن للإنس، وله حكم الصرع الحسي، فقد يختطفون بعض الإنس ويغيبونهم, فلا يعلم بهم أهلوهم، وسيأتينا أن هذا وقع في زمن الخلافة الراشدة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وأن رجلاً خطفته الجن, وبقي عندهم ما يزيد على أربع سنين، وحكم سيدنا عمر رضي الله عنه بفراق الزوجة منه وطلاقها، وبعد أن تزوجت عاد هذا الإنسي بعد أن قاتل فريق من الجن المؤمنين جناً كافرين, فأعادوه بعد ذلك إلى المدينة المنورة، والأثر إسناده صحيح كالشمس.إذاً: الصرع أحياناً نسبته تتساوى، وأحياناً يكون خطفاً، وأحياناً يكون قتلاً.هذه ثلاثة أنواع تدخل في الصرع الحسي، والقتل تقدم معنا أنه عن طريق الوخز، وهو الضرب الخفي الذي لا يرى من الداخل، كما أن الطعن هو الضرب الظاهري الذي يرى على البدن، وهو طعن من قبل الإنس، وذاك وخز من قبل الجن, وسأشرح هذا إن شاء الله فيما يتعلق بالطاعون, وأنه وخز أعدائنا من الجن كما جاء في الأحاديث الصحيحة الثابتة، وأن من أصيب بذلك فله أجر شهيد عند ربنا المجيد.
ذكر الصحابة الذين عالجهم النبي صلى الله عليه وسلم من الصرع
إن الصرع نسبته تختلف وتتفاوت, وقد وقع لبعض الصحابة في عهد نبينا عليه الصلاة والسلام، وعالجهم نبينا صلى الله عليه وسلم بنفسه الشريفة، وكتب الله لهم البرء والعافية والشفاء.
 حديث جابر في قصة المرأة التي جاءت النبي بصبيها المصروع
الرواية الثالثة: عن سيدنا جابر بن عبد الله ، وسأذكر روايات عن عشرة من الصحابة مرفوعة إلى نبينا عليه الصلاة والسلام ثم أتبعها بما يشبهها من آثار وقعت, عالج فيها الصحابة رضوان الله عليهم حوادث وقعت، وأقرهم النبي عليه الصلاة والسلام على ما حصل لهم, ووافقهم على ذلك، وهذا له حكم الرفع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام.ورواية جابر رواها الطبراني في معجمه الأوسط والبزار باختصار كثير كما قال الهيثمي في المجمع في الجزء التاسع، والرواية آخر الصفحتين من صفحة سبع إلى صفحة تسع، ورواها الدارمي في المقدمة في الجزء الأول صفحة عشر, باب: ما أكرم الله به نبيه عليه الصلاة والسلام من إيمان الشجر به والبهائم والجن, ورواه البيهقي وأبو نعيم في دلائل النبوة، للبيهقي في الجزء السادس صفحة تسع عشرة, هذه كلها في معالجة النبي عليه الصلاة والسلام للمصروعين، وإسناد رواية الطبراني فيها عبد الحكيم بن سفيان ، قال الهيثمي في المجمع: ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يجرحه أحد، وبقية رجاله ثقات، وانظر ترجمة ابن أبي حاتم له في الجزء السادس صفحة خمس وثلاثين، قال: عبد الحكيم بن سفيان يكنى بـأبي حرب , روى عن عمه عن النبي عليه الصلاة والسلام، وروى عنه محمد بن طلحة التيمي . ورواها البيهقي في دلائل النبوة من طريق أخرى.وحكم على إسناد البيهقي ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء السادس صفحة واحدة وأربعين ومائة فقال: هذا إسناد جيد, ورجاله ثقات.وهذه الرواية أيضاً في كتاب الخصائص الكبرى للسيوطي في الجزء الأول صفحة ست وعشرين ومائتين، من رواية جابر رضي الله عنه.ولفظ الرواية: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع، حتى إذا كنا بحرة واقم ) مكان في طريقهم ( عرضت امرأة بدوية بابن لها، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالت: يا رسول الله! هذا ابني قد غلبني عليه الشيطان ), يعني: يصرعه ويأخذه مرات ومرات, ( فقال: ادنيه مني, فأدنته منه، فقال: افتحي فمه ففتحته, فبصق فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: اخسأ عدو الله، أنا رسول الله عليه الصلاة والسلام). قال هكذا, لا يزيد عليه. ( اخسأ عدو الله، أنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم قال: شأنك بابنك, ليس عليه )، يعني: ليس عليه بأس، ولن يصاب بضر وأذى بعد هذه الكلمات، خذي ابنك وانصرفي، يقول جابر رضي الله عنه وأرضاه: ( ثم خرجنا فنزلنا منزلاً صحراء ديمومة ), الديمومة هي البعيدة, على وزن فعلولة من الدوام, أي: بعيدة الأرجاء واسعة منبسطة فسيحة, لا ترى نهايتها وطرفها، ( صحراء ديمومة ليس فيها شجرة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لـجابر : يا جابر ! انطلق فانظر مكاناً ), يعني: للوضوء؛ من أجل أن يتجهز لوضوئه عليه الصلاة والسلام ولقضاء الحاجة، ( فأنطلق فلم أجد إلا شجرتين متفرقتين, لو أنهما اجتمعتا سترتاه). تقدم معنا هذا المعنى في حديث يعلى بن مرة ، ( قال: فرجعت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقلت: يا رسول الله! لم أجد إلا شجرتين متفرقتين، لو أنهما اجتمعتا سترتاك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: انطلق إليهما فقل لهما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لكما: اجتمعا، فخرجت فقلت لهما ذلك، فاجتمعتا حتى كأنهما في أصل واحد، ثم رجعت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قضى حاجته ثم رجع، فقال: ائتهما فقل لهما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لكما: ارجعا كما كنتما, فرجعتا، فنزلنا في واد من أودية بني محارب, فعرض له رجل من بني محارب يقال له: غورث -بوزن جعفر- والنبي صلى الله عليه وسلم متقلد السيف، فقال: يا محمد! أعطني سيفك هذا، فأعطاه النبي عليه الصلاة والسلام سيفه لينظر فيه، فسله وناوله إياه، فهزه ونظر إليه ساعة ثم أقبل على النبي عليه الصلاة والسلام ثم قال: يا محمد! ما يمنعك مني؟ قال: الله يمنعني منك)، وهذه الرواية هي -كما قلت- في معجم الطبراني الأوسط ودلائل النبوية وغير ذلك. وهذه الرواية ثابتة في الصحيحين أيضاً من حديث جابر وفي مسند الإمام أحمد ، وهي في دلائل النبوة أيضاً، لكن تختلف عن هذا السياق, فهناك ( كان النبي عليه الصلاة والسلام نائماً وعلق سيفه بعذق شجرة، فجاء هذا الرجل واخترط سيف النبي عليه الصلاة والسلام, فنظر النبي عليه الصلاة والسلام إليه, وهو مستلق وذاك السيف بيده, قال: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: الله. فشام السيف من يده, يعني: سقط، فقام النبي عليه الصلاة والسلام وحمل السيف وهزه, وقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ يا محمد! قال: قم قد عفوت عنك، فقال: والله لا أقاتلك, ولا أقاتل مع قوم يقاتلونك، قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: لا، ولكن أعطيك عهداً أن لا أقاتلك, ولا أقاتل مع قوم يقاتلونك ). وهذه شجاعة من هذا الرجل -وقد أسلم وحسن إسلامه- حتى لا يقال: أسلم خشية من السيف، ولسان حاله: من أجل السيف لن أسلم، وإن تعف عني فالأمر لك، وبعد ذلك أنا أنظر في أمري وأعلم أنك رسول الله حقاً وصدقاً فأسلم، رضي الله عنه وأرضاه.إذاً: ( فهزه ونظر إليه ساعة, ثم أقبل على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا محمد! ما يمنعك مني؟ قال: الله يمنعني منك, فارتعدت يده حتى سقط السيف من يده, فتناوله النبي عليه الصلاة والسلام, ثم قال: يا غورث ! من يمنعك مني؟ قال: لا أحد بأبي أنت، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم اكفنا غورث وقومه، ثم أقبلنا راجعين، فجاء رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بعش طير يحمله, فيه فراخ، وأبواها يتبعانه ويقعان على يد الرجل، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على من كان معه فقال: أتعجبون من فعل هذين الطيرين بفراخهما؟ والذي بعثني بالحق لله أرحم بعباده من هذين الطيرين بفراخهما، قالها مرتين، ثم أقبلنا راجعين حتى إذا كنا بحرة واقم -التي جاءت فيها الأعرابية ومعها صبيها المصروع- عرضت لنا الأعرابية التي جاءت بابنها, عرضت لنا بوطب ) وهو الإناء الذي يوضع فيه اللبن ( من لبن وشاة ), يعني: بوعاء يوضع فيه هذا اللبن، ( فأهدته له. فقال: ما فعل ابنك؟ هل أصابه شيء مما كان يصيبه؟ قالت: والذي بعثك بالحق ما أصابه شيء مما كان يصيبه، وقبل هديتها، وأقبلنا حتى إذا كنا بمهبط من الحرة أقبل جمل يعدو )، هذا أيضاً الجمل الذي مر معنا في سياق رواية يعلى ( فقال: أتدرون ما قال هذا الجمل؟ قالوا: الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم، قال: هذا جمل جاء يستعديني على سيده، يزعم أنه كان يحرث عليه منذ سنين, حتى إذا أجربه وأعجفه وكبر سنه أراد أن ينحره، اذهب يا جابر ! إلى صاحبه فائت به. فقلت: يا رسول الله! ما أعرف صاحبه. قال: إنه سيدلك عليه )، هذا الجمل خذه معك وسيأخذك إلى صاحبه, فكما عرف النبي عليه الصلاة والسلام وجاء يشكو سيده سيأخذك إلى المدعى عليه، ( قال -جابر -: فخرج بين يدي مسرعاً، حتى وقف بي في مجلس بني خطمة فقلت: أين رب هذا الجمل؟ قالوا: هذا جمل فلان بن فلان، فجئته, فقلت: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج معي حتى جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: جملك يستعدي عليك، زعم أنك حرثت عليه زماناً حتى أجربته وأعجفته، لما كبرت سنه أردت أن تنحره؟ فقال: والذي بعثك بالحق إن ذلك كذلك). نعم هذا الذي عندي، وهذا الجمل لا يقول إلا حقاً, وما شكا إليك إلا صدقاً, هذا الواقع. ( فقال له رسول الله عليه الصلاة والسلام: بعنيه ). وما خيره بين البيع والهدية في هذه الرواية ( قال: نعم يا رسول الله! فابتاعه منه, ثم سيبه في الشجر يرعى مع إبل الصدقة، فكان إذا اعتل -يعني: ضعف واشتكى- على بعض المهاجرين أو الأنصار من نواضحهم شيء أعطاه إياه ), يعني: أخذ هذا الجمل يستعين به بدلاً عن العليل الضعيف، ( فمكث في ذلك زماناً ).قال محمد بن طلحة : كانت غزوة ذات الرقاع تسمى غزوة الأعاجيب، وحقيقة: اسمها عجيب، فغزوة ذات الرقاع سميت بذلك لأن الصحابة رضوان الله عليهم من كثرة مشيهم تنقبت أرجلهم, فرقعوها ولفوا عليها الخرق والرقاع, فقيل لها: غزوة ذات الرقاع.وقيل: لأن راياتهم التي يحملونها تخرقت وتمزقت؛ لبعد المشقة التي كانوا فيها, فرقعوا راياتهم, فقيل لها: غزوة ذات الرقاع.وقيل: سميت بذلك باسم شجر يسمى بشجر ذات الرقاع في المكان الذي نزلوا فيه وصارت فيه الغزوة، فقيل: غزوة ذات الرقاع.وقيل: الأرض التي حصلت فيها الغزوة كانت ذات ألوان مختلفة من حمرة وكدرة وبياض، وأحياناً ترى بعض البقاع فيها عدة ألوان مرقعة، فقيل لها: غزوة ذات الرقاع.وقيل: كانت خيولهم التي معهم فيها سواد وبياض, فقيل لها: غزوة ذات الرقاع.وآخر الأقوال في سبب تسمية غزوة ذات الرقاع بهذا الاسم قالوا: لأنهم صلوا فيها صلاة الخوف، وصلاة الخوف كأنها مرقعة, إذ ليست بصلاة تامة، حيث تصلي فرقة بركعة واحدة، ثم تعود إلى الحراسة، وتأتي الفرقة الأخرى التي كانت تحرس وتكمل الركعة مع النبي عليه الصلاة والسلام، فشرعت الجماعة في الحرب، والجيش يحاصر ويرابط ويحرس أمام العدو، ومع ذلك لا يتركون الجماعة، فالإمام يقسمهم إلى قسمين: تصلي الطائفة الأولى معه ركعة، فإذا قام إلى الثانية انصرفوا إلى مكانهم -هذه إحدى الكيفيات المروية في صلاة الخوف، ولها كيفيات متعددة- وجاءت الفرقة الثانية فصلت مع النبي عليه الصلاة والسلام الركعة الثانية, فإذا سلم قامت وأتت بما عليها ثم ترجع إلى مكانها، وتأتي تلك لتكمل الركعة التي فاتتها إن لم تصلها بعد قيام النبي عليه الصلاة والسلام.الشاهد: أن هذه الصلاة صار فيها ترقيع وتغيير عن كيفية الصلاة المعتادة إذا لم يكن هناك خوف وفزع ومرابطة أمام العدو، ولذلك يقول محمد بن طلحة : كانت تسمى غزوة الأعاجيب, فهذه من الأعاجيب التي جرت فيها, ومنها الشجرتان اللتان اجتمعتا كأنهما من أصل واحد ثم تفرقتا، ومنها حكاية المرأة في حرة واقم التي عولج صبيها, وما عاد بعد ذلك الشيطان إليه ولا صرع، ومنها الجمل الذي جاء يشكو أمره إلى النبي عليه الصلاة والسلام, فأجاره النبي عليه الصلاة والسلام واشتراه، ومنها قصة الرجل الذي أخذ بيتاً من فراخ, فجاء أبوا هذه الفراخ فكانا يقفان على يديه, والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( لله أرحم بعباده من هذين بفراخهما )، فهذه غزوة الأعاجيب.وكما قلت هذه ثلاث روايات صحيحة، رواية عثمان بن أبي العاص ، ورواية يعلى بن مرة ، ورواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين.والرواية الرابعة: وهي صحيحة ثابت أيضاً, رواية أبي بن كعب رضي الله عنه رواها أحمد في المسند في الجزء الخامس صفحة ثمان وعشرين ومائة، وهي من زيادات ابنه عبد الله على المسند، ورواها الحاكم في المستدرك في الجزء الرابع صفحة ثلاث عشرة وأربعمائة، وفي إسناد رواية أبي عندهما أبو جناب ، وهو ضعيف لكثرة تدليسه، وقد وثقه ابن حبان ، وبقية رجال الإسناد رجال الصحيح. هذا كله كلام الهيثمي في مجمع الزوائد في الجزء الخامس صفحة خمس عشرة ومائة.وقال الحاكم في المستدرك: احتج الشيخان برواة هذا الحديث كلهم غير أبي جناب ، والحديث محفوظ صحيح, ولم يخرجاه، فتعقبه الذهبي بقوله: قلت: ضعفه الدارقطني , والحديث منكر.قلت: لكن الجملة الثانية من كلام الذهبي ليست صحيحة، وهي قوله والحديث منكر, فلا نكارة فيه كما سترون؛ لأن معناه ثابت في الأحاديث المتقدمة، اللهم إلا إذا أراد بالنكارة هنا تفرد أبي جناب بهذه الرواية؛ لأن أئمتنا يطلقون المنكر على قسمين، على شديد وفاحش الضعف، خاصة إذا قالوا: هذا منكر الحديث لا تحل الرواية عنه كما قال البخاري ، ويطلقون تارة أخرى لفظ النكارة على التفرد بالرواية، ونكمل الكلام فيما يأتي، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [30] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net