اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [5] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [5] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
أجمع الأئمة والعلماء على أنه لا نبي ولا رسول بعد نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه رسول من الله إلى الثقلين، وقد اختلفوا حول الجن هل فيهم رسل منهم قبل بعثة الرسول؟ وجماهير العلماء على أنه ليس فيهم رسول من أنفسهم إنما رسلهم من الإنس، وقد اتفق العلماء على أن كفار الجن في النار؛ ولذلك كان إبليس أول من يعذب في النار ويكسى من حللها، وأما المؤمن منهم فعلى قول الجمهور أنهم في الجنة.
إرسال الأنبياء والرسل إلى الجن
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد صلى الله عليه وآله وصحبه الصادقين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً.أما بعد: إخوتي الكرام! لا زلنا نتكلم عن الجن وعلى القول بتكليفهم، وهو القول الحق.وهنا مسألة: هل بُعث فيهم نبيٌ من الجن يبلغهم دعوة ربهم كما بُعث من الإنس نبي يبلغهم دعوة ربهم؟لهذه المسألة حالتان: حالة مجمعٌ عليها والمخالف فيها كافر، وحالة فيها مجال للقول، والمعتمد كما سيأتينا قول الجمهور.
 قول الضحاك وابن حزم في إرسال رسل إلى الجن منهم والرد عليهم
أولهما: الضحاك وهو من التابعين، وتبعه على هذا القول الشاذ ابن حزم، في: الفصل في الملل والأهواء والنحل في الجزء الثالث، صفحة سبع وأربعين ومائة. قال الضحاك كما في الدر المنثور، في الجزء الثالث، صفحة ست وأربعين: في الجن رسل كما في الإنس رسل، وهذا قبل نبينا عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه.وقد استدل الضحاك وابن حزم بالآية في سورة الأنعام، يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ * يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام:129-130] .وجوابه أنا لو قلنا: يا معشر العرب والعجم! ألم يأتكم رسل منكم؟ فهل يلزم أن يأتي رسول من العجم كما جاء رسول من العرب؟ولو قلنا: يا معشر الذكور والإناث! ألم يأتكم رسلٌ منكم؟ فهل يلزم أن يأتي رسول من الإناث؟ إذاً: جاء الرسل، والأنبياء من الإنس، وأولئك كلفوا باتباعهم، ولا حرج في ذلك ولا إشكال.وتابع ابن حزم تقرير قول الضحاك فقال: إنه لم يبعث إلى الجن نبي من الإنس البتة -أي: قطعاً، وجزماً- قبل نبينا عليه الصلاة والسلام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة)، ونحن ندري يقيناً أنهم أنذروا، أي: بلغتهم دعوات الله، وكلفوا بها قبل نبينا عليه الصلاة والسلام، فصح أنه جاءهم أنبياء منهم، وهو ظاهر.قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي [الأنعام:130]. واستدل ابن حزم أيضاً على قوله: إنه لم يرسل رسول من الإنس إلى الجن قبل نبينا عليه الصلاة والسلام، بالحديث الثابت: (وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة)، أي: ومن خصوصيات نبينا عليه الصلاة والسلام: أنه بعث إلى الناس عامة، إلى إنسهم وجنهم، فلو قلنا: إن الأنبياء السابقين بعثوا إلى الجن، لما كان لنبينا الأمين عليه الصلاة والسلام في هذا خصوصية، مع أن نبينا عليه الصلاة والسلام قد اختص بهذا؛ وعليه فقد كان في الأمم السابقة رسل وأنبياء من الجن، كما وجد رسل وأنبياء من الإنس، وكل واحد بعث إلى قومه خاصة، وأما نبينا عليه الصلاة والسلام فهو رسول الإنس والجن كافة.إذاً: هذا ما قاله هذان الإمامان وخالفا فيه، وقد حكى قولهما وناقشهما كثير من أئمتنا منهم:الشبلي في آكام المرجان في صفحة خمس وثلاثين، والسيوطي في لقط المرجان، في صفحة اثنتين وأربعين، وقد نصا على أن الجمهور سلفاً وخلفاً على أنه لم يكن من الجن قط رسول، ولم تكن الرسل إلا من الإنس، وهو قول جماهير المسلمين، وقد أشار إلى هذا القول ابن تيمية في مجموع الفتاوى، في الجزء الرابع، صفحة أربع وثلاثين ومائتين، فقال: هل فيهم يعني في الجن رسلٌ أم ليس فيهم إلا نذرٌ؟ على قولين: فقيل: فيهم رسل كما أن في الإنس رسل، لظاهر قول الله جل وعلا: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي [الأنعام:130] ..إلى آخر الآية الكريمة. وقيل: الرسل من الإنس، والجن فيهم نذر وهذا أشهر، وهذا كلام ابن تيمية. وأما ابن القيم فقال -ونعم ما قال- في طريق الهجرتين، صفحة تسع وأربعين وخمسمائة: القول بوجود رسل في الجن قول شاذ لا يلتفت إليه، ولا يعرف به سلفٌ من الصحابة، والتابعين، وأئمة الإسلام، مع أنه منقول عن الضحاك ، ولعله يريد أن هذا القول وإن قاله الضحاك ، فما وافقه عليه أحد، والعلم عند الله جل وعلا.وهكذا فقد تتابع أئمتنا على القول بأن الرسل من الإنس فقط، كما في الأشباه والنظائر لـابن نجيم وهو من أئمة الحنفية، صفحة ثلاثين وثلاث مائة وهو كتاب نافع جداً، وشرحه للحموي في أربع مجلدات في الجزء الثالث، صفحة خمس عشرة وأربع مائة، والأشباه والنظائر للسيوطي -وهو بعد ابن نجيم -صفحة واحدة وستين ومائتين، وكلهم ردوا هذا القول الذي قال به الضحاك، وتبعه عليه ابن حزم. وأبرز ما يرد به عليهما عدة أمور:أولها: أما الآية فهي من باب التغليب، فالرسل من الإنس والجن مأمورون باتباعهم، فصح أن يقال للإنس والجن: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي [الأنعام:130]. ونظير هذا كما قال ابن القيم : أن تقول للإنس من العرب والعجم: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام:130]. ولا يلزم أن يكون في كل من الصنفين رسول، وأنا أقول: نظير هذا أن تقول للذكور والإناث: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام:130].قال ابن القيم: ونظير هذا قول الله: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا [نوح:16]. وهو في السماء الدنيا، أي: زينة لها، وليس هو فوقها ولا بعدها، ومن باب الأولى في بقية السموات، فقوله: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا [نوح:16].من باب التغليب؛ ولأنه إذا كان في واحدة، فيغلب وجود القمر فيها على البقية فيقال: فِيهِنَّ نُورًا [نوح:16] .الأمر الثاني: أرسل الله جل وعلا إلى الإنس رسلاً من أنفسهم وهم رسل الله، وأما رسل الجن فهم رسل إلى قوم من الجن، وليسوا رسلاً عن الله جل وعلا. قالوا: إن الله بعثهم وأرسلهم وألهمهم وألقى في قلوبهم أن يذهبوا إلى النبي من الأنبياء المتقدمين ليتلقوا منه، وليسمعوا منه، ثم يبلغوا بعد ذلك أقوامهم فهم رسل بهذا الاعتبار، لكن ليس بالتعريف الشرعي الذي يعني أنه رسول من قبل الله نزل عليه وحي، وإنما ينطبق عليه أنه رسول لغة، لكن ذاك رسول من قبل الله، وهذا نذير إلى الجن فهو رسول بهذا المعنى؛ لأن الرسول بالمعنى الأعم هو: من يبلغ رسالة المرسل، سواءٌ نزل عليه وحي أم لا! تقول: أنت رسولي أرسلتك.أما الرسول بحسب التعريف الشرعي فهو: من نزل عليه وحي.إذاً: الجن رسل من قبل النبي إلى الجن لا من قبل الله، ورسل الإنس رسل إلى الإنس والجن من قبل الله، فصح أن يقال: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي [الأنعام:130].والمقصود: أن الرسل على قسمين: رسل عن الله، ورسل يبلغون دعوة الله، ويقال لهم: رسل لا بالتعريف الشرعي، إنما بالتعريف اللغوي العام وهو سديد.الرد الثالث وهو على الإشكال الذي أثاره ابن حزم ، وهو: أن كل نبي كان يبعث إلى قومه خاصة، ونبينا عليه الصلاة والسلام بعث إلى الإنس والجن، فإذا قلنا: إن الأنبياء السابقين بعثوا إلى الجن، لم تثبت هذه الخصوصية لخير البرية نبينا عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه.والجواب: أن الذي امتازت به رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام أمران: الأمر الأول: عموم رسالته لعموم الإنس والجن، وهذا لم يحصل للأنبياء السابقين، فالرسول منهم رسول إلى قومه من الإنس، ولمن في ذلك المكان من الجن، أما نبينا عليه الصلاة والسلام فرسول إلى الإنس عامة، وإلى الجن عامة.الأمر الثاني: الذي امتاز به نبينا عليه الصلاة والسلام مشافهة الجن ومجيئهم إليه وتلقيهم منه، كما سيأتينا هذا في الأحاديث الثابتة، ولعله لم يحصل هذا للأنبياء السابقين، فقد كان الجن يأتون ويسمعون من أنبياء الله السابقين دون أن يشافهوهم. إذاً: كلام النبي عليه الصلاة والسلام باق على ظاهره، بأنه بعث إلى الناس عامة، وإلى المكلفين كافة، وإلى الثقلين إنسهم وجنهم، ومن كان يرسل إلى خصوص قومه من الإنس، ومن كان في مكانهم من الجن فهو مأمور باتباعه، يضاف إلى هذا أن هذا الصنف أعني: من الجن لا يقابلهم، ولا يشافههم، إنما يستمعون وينصرفون، ويبلغ بعضهم بعضاً دعوة الحي القيوم، فهذان جوابان يمكن أن يجاب بهما عما ذكره ابن حزم.على كل حال، فالقائل بوجود نبي من الجن قبل نبينا عليه الصلاة والسلام لا دليل له، ومع ذلك يقال: المسألة مما اختلفت فيها أقوال العلماء، والجمهور على كذا وهو الراجح، ولا يضلل المخالف، وأما الذي يقول بوجود نبي بعد نبينا عليه الصلاة والسلام من الإنس أو الجن فلا شك في كفره لا في ضلاله فقط. وقد أشار السبكي عليه رحمة الله فيما نقله عنه السيوطي في لقط المرجان، في صفحة ثلاث وأربعين: أن من خالف في مجيء نبي من الجن قبل نبينا عليه الصلاة والسلام، وإلى أقوامهم وقال بهذا فقوله يوجد له ما يدل عليه. ثم ختم الكلام بقوله: ليس هناك فائدةٌ معتبرةٌ من هذا المبحث؛ لأنه لا يتعلق به أيُ عمل أو حكم؛ لأننا أجمعنا على أنه لا نبي بعد نبينا عليه الصلاة والسلام لا من الإنس ولا من الجن. يقول: قال السبكي: ولا شك أن الجن مكلفون في الأمم الماضية كما هم مكلفون في هذه الملة، والتكليف إنما يكون بسماعهم من رسول الله، أو ممن ينقل عنه ويصدق عنه في النقل. وأما كون ذلك إنسياً أو جنياً فلم يرد فيه دليل قاطع، وظاهر القرآن مع ما قاله الضحاك؛ لأن ظاهر القرآن: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الأنعام:130]، والأكثرون على خلافه، وتحقيق ذلك مما لا فائدة فيه، ولا يترتب عليه أثر، غير أننا نقطع بأنهم سمعوا ببعثة رسل الإنس، يعني: قبل بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، نقطع بهذا، لقوله تعالى عنهم: إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [الأحقاف:30]. وظاهر هذا: أنهم كانوا مؤمنين بشريعة موسى، والظاهر أن الشياطين الذين سخرهم الله لنبي الله سليمان كانوا يأتمرون بالشرائع بقوله، وهو من أنبياء بني إسرائيل. ولكن هل كان له شرعٌ مستقل؟ أو كان على شرع موسى؟ يقول: رأيت بعض الناس توقف في ذلك، وقد عده الله جل وعلا مع رسل الله في قوله جل وعلا: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء:163] … إلى آخره.يعني: هل كان نبي الله سليمان على شرع مستقل؟ أو أنه كان يتبع نبياً قبله؟ يعني شرع نبي الله سليمان شرع نبي الله موسى؟ وليس هذا من بحثنا.وقوله: ظاهر القرآن يدل على ما قاله: الضحاك ، والجمهور على خلافه، ولا يترتب على هذه المسألة أي أثر، هذا فيما يتعلق بتكليفهم، والعلم عند الله جل وعلا.
جزاء كفار الجن في الآخرة
أما الشق الثاني من هذه المسألة: فهو جزائهم، ولها شقان: محل إجماع واتفاق، ومحل اختلاف وافتراق.
 خطبة إبليس في أتباعه يوم القيامة
وقد أخبر الله جل وعلا عن هذا الشيطان اللعين أنه يقوم في دركات الجحيم ويخطب في قومه الذين يلومونه في ذلك الوقت. فقال الله سبحانه فيما حكاه عنه: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم:22]. وهذه الخطبة يقولها بعد أن يلجأ إليه أتباعه بعد حصول مشهد عظيم في الموقف لنبينا الأمين على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فاستمعوا لهذا المشهد.روى ابن المبارك في الزهد صفحة إحدى عشرة ومائة، ورواه الطبري في تفسيره، في الجزء الثالث عشر، صفحة تسع عشرة عند تفسير الآية المتقدمة، والأثر رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه، وتاريخ ابن عساكر ، وإسناد الأثر ضعيف، كما قال السيوطي في الدر المنثور في الجزء الرابع، صفحة أربع وستين، ورواه الطبراني في معجمه الكبير، وهو في المجمع الجزء العاشر، صفحة ست وسبعين وثلاث مائة، وسبب الضعف أن في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم.وهو كما قلت: إنه فقيه إفريقية، وهو من العلماء الصالحين، وكان شيخ الإسلام في زمنه لكن في حفظه ضعف، وهو من رجال البخاري في الأدب المفرد، وخرج له أهل السنن الأربعة، إلا النسائي عليهم جميعا رحمة الله، فهو مع صلاحه وديانته وإمامته في حفظه ضعف.ومعنى الحديث كما ترون صحيح ثابت من رواية عقبة بن عامر، رضي الله عنه، قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا جمع الله الأولين والآخرين فقضى بينهم وفرغ من القضاء سبحانه وتعالى، قال المؤمنون: قضى الله بيننا فنريد من يشفع لنا إلى ربنا). ولعلهم والعلم عند الله جل وعلا يريدون من ذلك شفاعة ثانية في دخول الجنة، أو أن هذه الشفاعة وقعت قبل القضاء فهناك تقديم وتأخير، وعدم ترتيب من الراوي، فإن كان المراد من الشفاعة في الفصل فسيكون هذا قبل القضاء، وإن كان الشفاعة في دخول الجنة فهي بعد؛ لأنه بعد أن يقضى بين العباد لا يدخلون الجنة إلا بشفاعة خاصة، وهي شفاعة نبينا عليه الصلاة والسلام. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (آتي باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن: من؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك)، ولذلك فإن من شفاعاته الخاصة به: دخول أهل الجنة الجنة لا يدخل أحد حتى تفتح الجنة لنبينا عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه.(فيقولون إذاً قضي بيننا، فنريد من يشفع لنا إلى ربنا، فيأتون آدم، ثم يأتون إلى نبي الله نوح، ثم إلى نبي الله إبراهيم ، ثم إلى نبي الله موسى ، ثم إلى نبي الله عيسى، وكل واحد يقول: نفسي، حتى يقول لهم نبي الله عيسى: اذهبوا إلى محمد، هذا أشرف الأنبياء وأفضلهم، وهو آخرهم وخاتمهم، قال: فيأتون إليه فيأذن لي ربي أن أقوم، فيثور من مجلسه طيب وريح من أطيب ريح شمها أحد)، وينتشر عندما يقوم عليه الصلاة والسلام، من أجل أن يستفتح ليفتح باب الجنة، فتخرج وتنبعث ريح طيبة، من أطيب ريح شمها مخلوق، (حتى آتي ربي لكي يشفعني، ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي).هذا الذي يحصل لنبينا عليه الصلاة والسلام، فيشفعه الله ويزينه بهذا النور، ويدخل أهل الجنة الجنة، ويبقى الكفار في عرصات الموقف، يريدون من يشفع لهم لينتهوا إلى دراهم، (ثم يقول الكفار: قد وجد المؤمنون من شفع لهم، فما فيكم من يشفع لنا؟ من يشفع لنا إلى ربنا؟) تريدون من يشفع لكم؟ (فيقولون: ليس لنا إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتون إبليس فيقوم من مكانه فتنبعث ريحه فيها أنتن ريح شمها أحد، لكن لا يوجد أهل شفاعة ينبعثون معه ويتبعونه والملائكة تسوقهم، ثم يوردهم نار جهنم).ويقول: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ..... [إبراهيم:22] إلى آخر الآية الكريمة. فهذه يقولها بعد أن يتشفع إليه ويطلب منه الشفاعة، فيأخذهم ويمشي أمامهم إلى نار جهنم، حتى إذا وصلها كسي الحلة، وهو يقول: واثبوراه! وهم يقولون: واثبوراه! فيقال لهم: لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا [الفرقان:14] . إذاً: جزاؤهم محل اتفاق، أن الكفار منهم في النار، قال ابن القيم في صفحة خمسين وخمسمائة من طريق الهجرتين ودار السعادتين: اتفق المسلمون على أن كفار الجن في النار، وقد دل القرآن على ذلك في غير موضع، وهذا أمر معلوم بالاضطرار من دين الإسلام.
جزاء مؤمني الجن
أما الشق الثاني لهذه المسألة: فجزاء مؤمني الجن، وقد أورد أئمتنا في ذلك ستة أقول: أولها: هم في الجنة وهذا قول الجمهور وهو الحق، وسيأتينا تقريره إن شاء الله. والثاني: يقرب منه وهو: أنهم في الجنة لكنهم لا ينعمون بما ينعم به أهل الجنة. وثالثها: هم في الجنة لكن في ربضها من أطرافها، ولا يكونون في قصورها وعلاليها. ورابعها: يكونون تراباً. وخامسها: نتوقف في حكمهم فلا نجزم لهم بشيء، ونفوض الأمر إلى ربنا. وسادسها: أنهم على الأعراف. هذه أقوال ستة، منقولة عن أئمتنا، أرجحها وأظهرها وأقواها وهو الذي يشهد له الدليل هو القول الأول، وهو أن المؤمن في الجنة كما أن الكافر في النار، وهذا القول قال به جمهور أئمتنا. فحالهم أي حال الجن في ذلك كحال الإنس تكليفاً وجزاءاً، وثواباً وعقاباً، وهذا القول حكاه جمع غفير من أئمتنا عن جمهور أهل السنة، وهو الذي قال به الشافعي ، وتلميذه أحمد بن حنبل عليهم جميعا رحمة الله، واختلف النقل عن مالك كما سيأتينا، فقيل عنه: هم في الجنة، وقيل: في ربض الجنة، وعن أبي حنيفة ثلاثة أقوال: الوقف، وهم في الجنة ولا ينعمون بما ينعم به أهل الجنة، ويكونون تراباً، وسيأتي تفصيل الأقوال الأخرى إن شاء الله.وقول جمهور أئمتنا هذا عليهم جميعا رحمة ربنا قد ذهب إليه البخاري، فبوب في كتاب بدء الخلق من صحيحه فقال: باب ذكر الجن، وثوابهم وعقابهم، وهو الذي رجحه ابن القيم من أوجه كثيرة أذكرها إن شاء الله في أول المبحث القادم إن شاء الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغارا، اللهم اغفر لمشايخنا، ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا، والحمد لله رب العالمين.
 خطبة إبليس في أتباعه يوم القيامة
وقد أخبر الله جل وعلا عن هذا الشيطان اللعين أنه يقوم في دركات الجحيم ويخطب في قومه الذين يلومونه في ذلك الوقت. فقال الله سبحانه فيما حكاه عنه: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم:22]. وهذه الخطبة يقولها بعد أن يلجأ إليه أتباعه بعد حصول مشهد عظيم في الموقف لنبينا الأمين على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فاستمعوا لهذا المشهد.روى ابن المبارك في الزهد صفحة إحدى عشرة ومائة، ورواه الطبري في تفسيره، في الجزء الثالث عشر، صفحة تسع عشرة عند تفسير الآية المتقدمة، والأثر رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه، وتاريخ ابن عساكر ، وإسناد الأثر ضعيف، كما قال السيوطي في الدر المنثور في الجزء الرابع، صفحة أربع وستين، ورواه الطبراني في معجمه الكبير، وهو في المجمع الجزء العاشر، صفحة ست وسبعين وثلاث مائة، وسبب الضعف أن في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم.وهو كما قلت: إنه فقيه إفريقية، وهو من العلماء الصالحين، وكان شيخ الإسلام في زمنه لكن في حفظه ضعف، وهو من رجال البخاري في الأدب المفرد، وخرج له أهل السنن الأربعة، إلا النسائي عليهم جميعا رحمة الله، فهو مع صلاحه وديانته وإمامته في حفظه ضعف.ومعنى الحديث كما ترون صحيح ثابت من رواية عقبة بن عامر، رضي الله عنه، قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا جمع الله الأولين والآخرين فقضى بينهم وفرغ من القضاء سبحانه وتعالى، قال المؤمنون: قضى الله بيننا فنريد من يشفع لنا إلى ربنا). ولعلهم والعلم عند الله جل وعلا يريدون من ذلك شفاعة ثانية في دخول الجنة، أو أن هذه الشفاعة وقعت قبل القضاء فهناك تقديم وتأخير، وعدم ترتيب من الراوي، فإن كان المراد من الشفاعة في الفصل فسيكون هذا قبل القضاء، وإن كان الشفاعة في دخول الجنة فهي بعد؛ لأنه بعد أن يقضى بين العباد لا يدخلون الجنة إلا بشفاعة خاصة، وهي شفاعة نبينا عليه الصلاة والسلام. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (آتي باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن: من؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك)، ولذلك فإن من شفاعاته الخاصة به: دخول أهل الجنة الجنة لا يدخل أحد حتى تفتح الجنة لنبينا عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه.(فيقولون إذاً قضي بيننا، فنريد من يشفع لنا إلى ربنا، فيأتون آدم، ثم يأتون إلى نبي الله نوح، ثم إلى نبي الله إبراهيم ، ثم إلى نبي الله موسى ، ثم إلى نبي الله عيسى، وكل واحد يقول: نفسي، حتى يقول لهم نبي الله عيسى: اذهبوا إلى محمد، هذا أشرف الأنبياء وأفضلهم، وهو آخرهم وخاتمهم، قال: فيأتون إليه فيأذن لي ربي أن أقوم، فيثور من مجلسه طيب وريح من أطيب ريح شمها أحد)، وينتشر عندما يقوم عليه الصلاة والسلام، من أجل أن يستفتح ليفتح باب الجنة، فتخرج وتنبعث ريح طيبة، من أطيب ريح شمها مخلوق، (حتى آتي ربي لكي يشفعني، ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي).هذا الذي يحصل لنبينا عليه الصلاة والسلام، فيشفعه الله ويزينه بهذا النور، ويدخل أهل الجنة الجنة، ويبقى الكفار في عرصات الموقف، يريدون من يشفع لهم لينتهوا إلى دراهم، (ثم يقول الكفار: قد وجد المؤمنون من شفع لهم، فما فيكم من يشفع لنا؟ من يشفع لنا إلى ربنا؟) تريدون من يشفع لكم؟ (فيقولون: ليس لنا إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتون إبليس فيقوم من مكانه فتنبعث ريحه فيها أنتن ريح شمها أحد، لكن لا يوجد أهل شفاعة ينبعثون معه ويتبعونه والملائكة تسوقهم، ثم يوردهم نار جهنم).ويقول: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ..... [إبراهيم:22] إلى آخر الآية الكريمة. فهذه يقولها بعد أن يتشفع إليه ويطلب منه الشفاعة، فيأخذهم ويمشي أمامهم إلى نار جهنم، حتى إذا وصلها كسي الحلة، وهو يقول: واثبوراه! وهم يقولون: واثبوراه! فيقال لهم: لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا [الفرقان:14] . إذاً: جزاؤهم محل اتفاق، أن الكفار منهم في النار، قال ابن القيم في صفحة خمسين وخمسمائة من طريق الهجرتين ودار السعادتين: اتفق المسلمون على أن كفار الجن في النار، وقد دل القرآن على ذلك في غير موضع، وهذا أمر معلوم بالاضطرار من دين الإسلام.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [5] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net