اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب الاستنجاء بالحجرين [6] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب الاستنجاء بالحجرين [6] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
جمع المصحف في عهد عثمان رضي الله عنه، وكلف بالجمع زيداً، وقد غضب ابن مسعود من عدم تعيينه لجمع المصحف، مما أدى إلى طعنه في زيد رضي الله عنه، وسبب هذا الطعن هو التنافس على الأجر وليس بقصد المنقصة، ثم رجع ابن مسعود عن رأيه في زيد بدليل انتهاء القراءت إليه، وقد كان ابن مسعود شديد الاحتياط في الرواية؛ خشية الوقوع في الوعيد.
جمع المصحف في خلافة عثمان وموقف ابن مسعود من ذلك
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد:إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس ترجمة الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، وسنواصل في هذا الدرس بقية ترجمته الطيبة رضي الله عنه وأرضاه، ووصلنا إلى مراحل جمع القرآن الكريم، فنقول:
 سبب سكوت ابن مسعود في عهد أبي بكر
كان عمر رضي الله عنه فيما يتعلق بضبط الأمور لا يبالي بكبير ولا صغير، يوقف الأمور عند حدها مهما كان الأمر، ولذلك زيد بن ثابت تولى الرئاسة على الجمع في عهد أبي بكر ، ولم يتكلم عليه عبد الله بن مسعود فهناك يوجد عمر ، لا يمكن لأحد في عهد عمر أن يتكلم، والله لو تكلم لأضجعه عمر ولوطئ على رقبته أياً كان، ولذلك عندما وسع عمر مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ما أحد حرك شفتيه، لا في السر ولا في العلن، فلما وسعه عثمان امتلأت المدينة بالكلام، فقام رضي الله عنه كما في صحيح البخاري ، وهو أحق بأن يستحي منه الناس، لم يعلم أحد من خلق الله خلا بابنتي نبي إلا عثمان رضي الله عنه وأرضاه، تستحي منه ملائكة السماء، قال: أيها الناس! إنكم أكثرتم -كأنه يعتذر إليهم، وأنت الخليفة بإمكانك أن تضرب جلودهم وأن تقطعهم، وإذا فعلت فأنت على هدى- إنكم أكثرتم وإني سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من بنى لله بيتاً بنى الله له بيتاً في الجنة)، أنا ماذا فعلت؟ مسجد ضاق بالمسلمين وسعته، وهذا مسجد النبي عليه الصلاة والسلام. ولما وسع في عهد عمر لم يتكلم أحد لا سراً ولا علناً.فـعثمان أعاد ما كان فقط، قال: هذه الصحف جمعت في مصحف قام على جمعه زيد ، يا زيد ! تعال مرة ثانية، معك الثلاثة هؤلاء لجنة خاصة، واثنا عشر لجنة عامة أنتم تتصلون بالمسلمين، وأنا أشرف عليكم جميعاً، أنت الذي توليت الجمع الأول فاجمعه الآن، عبد الله بن مسعود رضي الله عنه غضب.وثبت في مسند الإمام أحمد من رواية خمير بن مالك ، وقد وثقه ابن حبان ، وترجمه البخاري في التاريخ الكبير في الجزء الثالث صفحة اثنتين وعشرين ومائتين، ولم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة، ولذلك ترجمته ستكون في تعجيل المنفعة بزوائد الأئمة الأربعة؛ لأن هذا في زوائد الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رضوان الله عنهم أجمعين، مسند أبي حنيفة وموطأ مالك ومسند الشافعي ، ومسند الإمام أحمد ، والكتاب نافع، فاحرصوا عليه.خمير بن مالك ، ويقال: خمرة الهمداني الكوفي ، روى عن علي وابن مسعود ، وعنه أبو إسحاق السبيعي وعبد الله بن قيس ، وثقه ابن حبان ، وقال ابن سعد : له حديثان.يقول الحافظ في تعجيل المنفعة: وهو ثقة عدل رضا من التابعين.عن خمير بن مالك قال: لما أمر عثمان بالمصاحف أن تغير، والمراد من تغييرها أن تحرق، تجمع لتحرق، وقد أحرقت في عهد عثمان رضي الله عنه وأرضاه، وكان علي رضي الله عنه يقول في خلافته كما سيأتينا عند جمع القرآن: إياكم والغلو في عثمان ، وقولكم: إنه حرق المصاحف، والله ما حرقها إلا على مشهد منا أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالأمة مجمعة على هذا، فلما أمر عثمان بالمصاحف أن تغير ساء ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقال: من استطاع أن يغل مصحفه فليغلل؛ لأن الله يقول: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161].
وجه طعن ابن مسعود في زيد بن ثابت وأثره على جمع المصحف
هذه الكراهة التي نقلت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين لابد من النظر إليها ضمن أمرين؛ لأن كثيراً من الزنادقة يثير من هذا الاعتراض مشاكل حول جمع القرآن فانتبه لها.الأمر الأول: ولابد من وعيه تمام الوعي، عبد الله بن مسعود ما طعن في الجمع، ولا قال: إنه ليس بصحيح، والذي جمع غير كلام الله ولا يجوز أن نقرأه، ما نقل عنه شيء من ذلك على الإطلاق، إنما غاية طعنه أن الإمرة حولت منه إلى غيره فقط، يقول: ينبغي أن أكون أمير الجمع، أنا أقرأ الصحابة، عهد إلى زيد ، وقد أسلمت وهو في صلب كافر، وأخذت بضعاً وسبعين سورة من النبي عليه الصلاة والسلام وله ذؤابتان يلعب مع الصبيان، إذاً: الطعن في الإمرة يقول: أنا أحق بها منه، وهذا أحق أو لست بأحق، هذا لا قيمة له على الإطلاق، إذا قام مفضول بالجمع أو فاضل، المقصود أن هذا الجمع صحيح، ثم نقول له: رفقاً ورويداً أيها العبد الصالح الراشد المهتدي، ما قام بالجمع زيد ، الذي قام به الصحابة كلهم، فالمشرف عليهم وهو المسؤول الأول: عثمان ، ويليه علي رضي الله عنهما وعن سائر الصحابة الكرام، كلهم مشرفون على الجمع، نعم عندنا لجنة رباعية وعندنا لجنة من اثني عشر، وعندنا رئيس عن هذه اللجنة وهو زيد ، وعندنا مسؤول بعد ذلك هو المسؤول عن الأمور العامة، وعنده مستشارون من الدولة الإسلامية، ولو أن عندنا -مثلاً- مصحفاً مطبوعاً وقلنا لبعض المطابع: اطبعوه، فاعترضت بعض المطابع وقالت هذه المطبعة ما فتحت إلا بعدي بثلاثين سنة، نحن أحق بطبع المصحف منكم، لكان نفس الاعتراض، وإذا كان ماذا جرى؟ هي طبعت مصحفاً موجوداً، وزيد في الجمع الثالث ما حصل منه إلا أن هذا القرآن نسخ منه: نسخ إلى أمصار المسلمين، لكن المسؤول زيد فقط، وله فضل في ذلك ومنقبة عظيمة، وكل من يقرأ كلام الله إلى يوم القيامة لـزيد أجر لقراءته؛ لأنه هو الذي تولى هذا، كما أن من يبني مسجداً كل من يصلي فيه له أجر إلى يوم القيامة، فلا يوجد أحد على وجه الأرض يقرأ القرآن ويمسك المصحف إلا ولـزيد بن ثابت أجر في تلك القراءة، وعبد الله بن مسعود يريد أن ينافس، والله أنا أجزم بلا تردد أنه ليس من أجل شهرة فهم أعلى من ذلك، لكن يقول كما قال -نبي الله موسى عندما قال في حق نبينا عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء والمعراج-: (نبي بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي)، فلما آمنوا به أكثر صار أجره أكثر من أجري، وهنا عبد الله بن مسعود يقول: أنا لو عهد إلي لحصلت من الأجور ما لا يخطر ببال أحد، فهو يريد أن ينافس على هذا الخير بهذا الأمر، وهم عندما عزلوه، والله ما عزلوه لعجز ولا لخيانة ولا لتهمة ولا لتقصير، ولكن هو في الكوفة كما تقدم معنا، والجمع في المدينة، وليس من الحكمة أن نحضر واحداً من مصر آخر، ونعطل ذلك المصر عن التعليم وقد أرسله عمر معلماً ووزيراً، وأرسل عماراً أميراً كما تقدم معنا، فليس من الحكمة أن نعطل ذلك المصر عن التعليم ونشر العلم، في جمع القرآن مع وجود من يجمعه، ونحن كبار الصحابة نشرف على ذلك الجمع.لكن الذي نريد أن نقوله، وأن يستقر في ذهن كل أحد هو أن اعتراضه رضي الله عنه كان على الإشراف على الجمع، على إمرة زيد لا على شيء آخر، يقول: أنا أولى منك، وما نطق بكلمة يقول: إن زيداً قصر أو زاد أو نقص، فقط يقول: أنا أولى، وهذا موضوع آخر، فما عندنا شك أنك أعلم منه بالقرآن، ولو كنت في المدينة فما عندنا شك أن عثمان لن يتخطاك أيضاً رضي الله عنهم أجمعين، لكن عثمان رضي الله عنه رأى أن المصلحة أن يكلف بعض الحاضرين، ويشرف بعد ذلك هو بنفسه ومعه علي وكبار الصحابة على هذا الجمع، وتنسخ منه بعد ذلك نسخ لأمصار المسلمين وانتهى الأمر، وسيصلك نسخة، وأنت بعد ذلك ستقرأ فإذا كان يوجد عندك أي ملاحظة فنحن على استعداد لقبولها، فكأنك أنت القائم بهذا الجمع.فما اعترض على الجمع، إنما اعترض على اللجنة المشرفة على الجمع، وليس على أفرادها، إنما على رئيسها، يقول: أنا أولى بالرئاسة منك، وهذا لا يلزم منه أي إشكال، واللجنة العليا رباعية: زيد بن ثابت الأمير، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وسعيد بن العاص ، وكان أفصح قريش مساعدون رضي الله عنهم أجمعين.وما ورد من أنهم أربعة وأنهم اثنا عشر كما في كتاب المصاحف لـابن أبي داود ، نجمع بين العددين بأن الأربعة لجنة عليا يئول إليها ما تجمعه تلك اللجنة الاثنا عشر، فهذا هو طريق الجمع بين هذين العددين.وعبد الله بن مسعود ما قال الكلام الذي قاله كرهاً للصحابة الكرام، وما أقروه عليه، ورجع عنه، وكفى الله المؤمنين القتال.ورد في سنن الترمذي عن محمد بن شهاب الزهري ، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن ابن مسعود رضي الله عنه كره لـزيد نسخ المصاحف، وقال: يا معشر الناس! أعزل عن نسخ المصاحف ويتولاها رجل والله لقد أسلمت وإنه في صلب رجل كافر.وهذا ليس فيه عيب، كان في صلب رجل كافر، ثم ولد على الهدى والفطرة والإيمان، ولـعبد الله بن مسعود أخ اسمه عتبة ، فـعبد الله بن مسعود عم والد عبيد الله المذكور.والأثر جميع رجاله ثقات أثبات، الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، لكن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدرك ابن مسعود ، فالأثر منقطع كما قال أئمتنا.والأثر في سنن الترمذي ، ورقم الأثر ثلاثة آلاف ومائة وأربعة، قال الزهري : فبلغني أن ذلك كرهه من مقالة عبد الله بن مسعود رجال من أفاضل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، كرهوا هذه المقالة منه.قال الحافظ في الفتح في الجزء التاسع صفحة تسع وأربعين: وتقدم معنا قول شقيق : أنه دار الحلق، فما رآهم يعيبون قول عبد الله بن مسعود كما تقدم معنا، ولا يردون عليه، من أنه أعلمهم بكتاب الله، وأنه لا توجد سورة إلا ويعلم أين نزلت، ولا آية إلا فيما أنزلت، وهنا كره أفاضل الصحابة مقالة عبد الله بن مسعود .قال الحافظ ابن حجر : لا تعارض بين الأثرين، هناك ما كرهوا مقالته، ولا ردوا عليه فيما أخبر به عن نفسه من أنه أقرأ الصحابة للقرآن، وأنه يعلم مكان نزول كل سورة، ومعنى كل آية، وأما هنا فكرهوا مقالته في غل المصاحف وكتمانها، فلا تعارض بين الأمرين على الإطلاق.إذاً هذا الجواب الأول، وهذا ينهي القيل والقال، أن عبد الله بن مسعود كره إمرة زيد لا عمله، فالعمل شرعي لا غبار عليه، وهذه الكراهة سببها المنافسة في أمور الخير، يتمنى أن تسند إليه هذه المهمة من أجل أن يحرز أجراً عظيماً، فإن شاء الله سيعطيه الله منيته وكلامه يغفر له، وقد رجع إلى ما عليه الصحابة وسلم مصحفه وحرق بعد ذلك.
 كلام الذهبي في سبب عزل ابن مسعود عن جمع المصحف
للإمام الذهبي عليه رحمة الله في كتابه سير أعلام النبلاء تعليق على هذا الأمر في الجزء الأول صفحة ثمان وثمانين وأربعمائة، وهو كلام نفيس، فالإمام الذهبي مع أنه جعل كتابه السير تراجم، لكن فيه درر وفوائد، وأحياناً التنبيه إلى أحكام ولطائف في بعض مسائل الشرع، لو رحل الإنسان إلى السند لتحصيلها لكان قليلاً في طلبها.يقول هنا: قلت: إنما شق على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كون عثمان ما قدمه على كتابة المصحف؛ لأنه كان يتمنى أن يكون هو المقدم، وقدم في ذلك من يصلح أن يكون ولده، هذا له ذؤابتان، وذاك أخذ من نبينا عليه الصلاة والسلام بضعاً وسبعين سورة، وزيد يلعب مع الصبيان، وإنما عدل عنه عثمان لغيبته عنه بالكوفة، ولأن زيداً كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو إمام في الرسم، وابن مسعود إمام في الأداء، يقول: كل واحد عنده تخصص، فعندما تؤديه تقرأ القرآن رطباً غضاً كما أنزل يخشع لك الحجر، أما في الرسم، فهذا له اصطلاحات معينة، فإن كنت أقرأ منه، فهو ماهر في ذلك؛ لأنه الذي كان يكتب للنبي عليه الصلاة والسلام، فهو إمام في الرسم، وذاك إمام في الأداء.ثم إن زيداً هو الذي ندبه الصديق لكتابة المصحف وجمع القرآن، فهلا عتب عبد الله بن مسعود على أبي بكر ، وقد ورد أن ابن مسعود رضي الله عنه رضي وتابع عثمان ولله الحمد.
السبيل إلى الأخذ بالقراءات
وهذه القراءات ليست أحادية حتى تقول: رويت في صحيح البخاري ومسلم ، هذا تلقي أمة عن أمة، فهي متواترة، ولذلك إذا ثبتت القراءة، فلا يقال: راجحة ومرجوحة، ولا يقال: صحيح وأصح، ومن باب أولى لا يقال: مقبول ومردود، ومن قال شيئاً من ذلك فهو ضال، فإذا كان عنده عذر يعلم، وإذا كابر تضرب رقبته.يخبرني الشيخ الكريم عبيد الله الأفغاني عليه رحمة الله حياً وميتاً، وكان في أبها، يقول لي: أول ما جاء إلى تلك البلاد وأقرأ بعض الناس قراءة نافع ، بعد أن أكملوا قراءة حفص عن عاصم ، علمه قراءة نافع ، وعنده ورش وقالون من طريقين، لما أقرأ قراءة نافع بعض الناس كأنهم قرأوا بها في بعض المساجد، فكان بعض القضاة حاضراً، قال: هذه القراءة لمن؟ قال: هذه قراءة نافع ، فقال: قراءة نافع وغيرها كلها بدع، ما عندنا إلا قراءة عاصم ، إما أن تنكفوا عنها وإلا السجن، ثم قال: من الذي أقرأكم قراءة نافع تتلاعبون بالقرآن؟ قالوا: الشيخ عبيد الله الأفغاني عليه رحمة الله حياً وميتاً: هذا الذي أقرأنا، يقول: فصليت العشاء معه في المسجد، وكان الشيخ عبد الله بن يوسف وهو من الصالحين، كان حاضراً في تلك الصلاة وهو يعتبر شيخ أبها، وأنا عندما درست كان مريضاً نسأل الله له العافية والمغفرة والرحمة حياً وميتاً، ولجميع المسلمين والمسلمات، فسلمت عليه، وقبلت رأسه، وهو من أهل الخير والصلاح والفضيلة، ومن المشايخ الصالحين.يقول لي الشيخ عبيد الله : فكان الشيخ عبد الله بن يوسف معنا في المسجد في صلاة العشاء الآخرة، فلما خرجنا قال ذاك القاضي لهذا الشيخ: يا شيخ! أما بلغك أن الشيخ عبيد الله يقرأ الناس قراءة نافع وهذه بدعة، يريد أن ينشر البدعة في أبها، قال: يا ولدي! على رسلك من قال لك: إنها بدعة؟ قال: يوجد غير قراءة عاصم ؟ قال: القراءات العشر كلها متواترة، هي وقراءة عاصم سواء، وأنت تقول بدعة، أنت يا ولدي! لا تعلم فلا تتكلم، أي: أنت في مهنة القضاة، لكن لا تعرف قراءة القراء، وكم من إمام في فن مقصر في غيره! فلا تتكلم في هذا، يحيى بن معين إمام في الحديث لا يدري ما الفقه، وأنت في القضاء عندك جهد يثيبك الله عليه، فما الذي زج بك في القراءة؟ يقول الشيخ عبيد الله : وأنا كنت خائفاً أن ذاك القاضي يعاقبني، يقول: فبدأت أطير من الفرح، وأقول: الحمد لله الحمد لله.القراءات العشرة كلها متواترة عن نبينا عليه الصلاة والسلام فرشاً وأصولاً حال اجتماع القراء، وحال افتراقهم كما قرر أئمتنا، والقراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول، ولا دخل فيها لقياس ولا لإعمال رأي ولا لاجتهاد، إنما هي سماع صحيح ثابت متواتر. وقلت مراراً: هناك فرق بين فقه الفقهاء، وقراءة الأئمة القراء، فقه الفقهاء فيه راجح ومرجوح، ومقبول ومردود، ويصيب ويخطئ؛ لأنه فيه مدخل لاجتهاد لعقول البشر، وأما هنا فسماع محض لا دخل فيه لرأي أياً كان حسب ما تلقي عن نبينا عليه الصلاة والسلام عن جبريل عن الله الجليل، هذا كلام الله بأي قراءة قرأته.فـعبد الله بن مسعود رضي الله عنه نوقن جزماً وقطعاً أنه رجع؛ لما هو عندنا ثابت من أن قراءة الكوفيين الأربعة تنتهي بما تنتهي إليه من الأسانيد إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.والتنبيه الذي قبله، الجواب أيضاً معتبر في سبب انفعال عبد الله بن مسعود ، فانتبهوا لهذين الأمرين، وبذلك يزول اللغط والقيل والقال.هذا التنبيه الأول.
 كلام الذهبي في سبب عزل ابن مسعود عن جمع المصحف
للإمام الذهبي عليه رحمة الله في كتابه سير أعلام النبلاء تعليق على هذا الأمر في الجزء الأول صفحة ثمان وثمانين وأربعمائة، وهو كلام نفيس، فالإمام الذهبي مع أنه جعل كتابه السير تراجم، لكن فيه درر وفوائد، وأحياناً التنبيه إلى أحكام ولطائف في بعض مسائل الشرع، لو رحل الإنسان إلى السند لتحصيلها لكان قليلاً في طلبها.يقول هنا: قلت: إنما شق على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كون عثمان ما قدمه على كتابة المصحف؛ لأنه كان يتمنى أن يكون هو المقدم، وقدم في ذلك من يصلح أن يكون ولده، هذا له ذؤابتان، وذاك أخذ من نبينا عليه الصلاة والسلام بضعاً وسبعين سورة، وزيد يلعب مع الصبيان، وإنما عدل عنه عثمان لغيبته عنه بالكوفة، ولأن زيداً كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو إمام في الرسم، وابن مسعود إمام في الأداء، يقول: كل واحد عنده تخصص، فعندما تؤديه تقرأ القرآن رطباً غضاً كما أنزل يخشع لك الحجر، أما في الرسم، فهذا له اصطلاحات معينة، فإن كنت أقرأ منه، فهو ماهر في ذلك؛ لأنه الذي كان يكتب للنبي عليه الصلاة والسلام، فهو إمام في الرسم، وذاك إمام في الأداء.ثم إن زيداً هو الذي ندبه الصديق لكتابة المصحف وجمع القرآن، فهلا عتب عبد الله بن مسعود على أبي بكر ، وقد ورد أن ابن مسعود رضي الله عنه رضي وتابع عثمان ولله الحمد.
احتياط ابن مسعود وغيره في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم
التنبيه الثاني: عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مع علمه ومكانته وشدة ملازمته لخير خلق الله نبينا محمد رسول الله عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه، كان شديد الاحتياط في الرواية، فتمر عليه الأيام بل الأشهر بل السنوات ولا يقول: قال خير المخلوقات عليه الصلاة والسلام، ولا يحدث عن النبي عليه الصلاة والسلام أبداً، إنما يذكر الكلام الحق دون أن ينسبه إلى النبي عليه الصلاة والسلام احتياطاً أن يخطئ في كلمة يقدم ويؤخر فيدخل في الوعيد الذي سيأتينا.روى الحاكم في المستدرك، والفسوي في المعرفة والتاريخ، وابن سعد في الطبقات عن عمرو بن ميمون ، قال: كان يأتي على عبد الله بن مسعود السنة لا يحدث فيها عن النبي عليه الصلاة والسلام حديثاً، سنة بكاملها لا يقول فيها: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام.قال: ولقد اختلفت إليه سنة، وفي رواية: ثماني عشرة شهراً، أختلف إليه سنة ونصف، فما سمعته حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث، إلا أنه قال ضمن حديثه: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، جرى لسانه بذكر النبي عليه الصلاة والسلام، قال: فعلته كآبة، وجعل العرق يتحدر من جسده وهو يقول: أو نحو هذا، أو قريب من هذا.وفي رواية طبقات ابن سعد : فعلاه الكرب حتى رأيت العرق يتحدر من جبهته، ثم قال: إن شاء الله، إما فوق ذلك، وإما دون ذلك، وإما قريب من ذلك، يعني: حديثي الذي ذكرته إن شاء الله هو كلام النبي عليه الصلاة والسلام، إما فوق ذلك، وإما قريباً من ذلك، وإما دون ذلك، فلا أجزم بأن هذه الألفاظ هي عين ما حدث به خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه.وفي كتاب المعرفة والتاريخ في رواية: قال عمرو بن ميمون : فرأيته يعرق حتى غشيه بهر، وهو تتابع النفس عندما يجري الإنسان ويركض، ثم قال: أو نحوه، أو شبهه.إذاً: فمع شدة ملازمته انظر إلى هذا الاحتياط في روايته عن نبيه على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.فما قال: عن النبي عليه الصلاة والسلام غير عشية واحدة، قال فيها: قال رسول الله صلى الله عليه الصلاة والسلام: فرأيت العصا التي يتوكأ عليها تزعزع، بدأ يرتجف عندما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.وقال مسروق رضي الله عنه: حدث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يوماً فقال: سمعت رسول الله صلى الله وعليه وسلم فأرعب وأرعبت ثيابه، بدأ يتحرك هو وثيابه تنتفض، ثم قال: أو نحو هذا أو شبه ذاك.
 امتناع الزبير بن العوام عن رواية الحديث
ثبت في صحيح البخاري وسنن أبي داود عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، قال: قلت لأبي -وأبوه أحد العشرة المبشرين بالجنة حواري النبي عليه الصلاة والسلام- ما لي لا أسمعك تحدث كما يحدث فلان وفلان؟ قال: أما إني لم أفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولكني سمعته يقول: (من كذب عليّ متعمداًفليتبوأ مقعده من النار).وفي رواية: قال عبد الله لأبيه: ما يمنعك أن تحدث كما يحدث فلان وفلان؟ قال: يا بُني! أما والله لقد كان لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه ومنزلة، أي: كنت مقرباً عنده، يعني: لست من البعيدين، لي عنده وجه ومنزلة، وأنا حواريه، لكن الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام شديد، لابد من التأني.وثبت في صحيح مسلم في المقدمة عن أنس رضي الله عنه أنه كان يقول: إني ليمنعني أن أحدثكم حديثاً كثيراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من تعمد علي كذباً فليتبوأ مقعده من النار).في الرواية هنا كذلك في مقدمة صحيح مسلم : (من تعمد علي كذباً فليتبوأ مقعده من النار).والحديث رواه الترمذي لكن دون مقدمته، أعني: كلام أنس رضي الله عنهم أجمعين.التنبيه الثاني: كما كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه شديداً في الاحتياط في الرواية، ويقل في روايته عن النبي عليه الصلاة والسلام، كان شديد الاحتياط أيضاً وطويل التوقف في الفتيا، وكانت إذا عرضت عليه المسائل يتوقف ويتوقف، وسيأتينا أنه سئل عن قضية فتوقف فيها شهراً كاملاً، ولما ألحوا عليه، وقالوا: أنت صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنت في الكوفة فمن نسأل؟ قال: أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله من ذلك بريئان، ثم قضى، وسأذكر هذه القصة التي عرضت عليه وقضى فيها في أول الموعظة الآتية إن شاء الله، ثم ننتقل إلى بقية ترجمة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه.اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبدَ الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب الاستنجاء بالحجرين [6] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net