اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب الاستتار عند الحاجة، والاستنجاء باليمين، والاستنجاء بالحجارة [8] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب الاستتار عند الحاجة، والاستنجاء باليمين، والاستنجاء بالحجارة [8] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
إن الأمة الإسلامية تلقت كتابي الصحيحين بالقبول والرضا، ومضى على ذلك زمن المتقدمين لا يعترض أحد منهم لما فيهما، حتى جاء من يجتهد في مجال التصحيح والتضعيف والاعتراض على أحاديث في الصحيحين وكذا سنن الترمذي، بحجة أنهم رجال ونحن رجال، وللمجتهد أجر وأجران، لكن هذا الباب قد فتح للزنادقة مسلكاً للطعن في الدين وحملته، ورد كثير من الأحاديث الصحيحة.
التصحيح والتضعيف للحديث بين المتقدمين والمتأخرين
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وبعد:فكنا نتكلم على ما ظهر في أيامنا من تصحيح وتضعيف لأحاديث السنن التي نقلها أئمتنا، ودعوى البعض بضعف كثير من الأحاديث التي في السنن، فبعد أربعة عشر قرناً من هجرة نبينا عليه الصلاة والسلام ما اطمأن قلبه منها، وألف حديث ضعفها في سنن الترمذي؟ ونحن إخوتي الكرام! نسأل الله جل وعلا خلال بحثنا ألا يثبت معنا في سنن الترمذي مائة حديث، أرجو الله جل وعلا ألا نقف إلا على أقل من خمسين حديثاً ضعفها الإمام الترمذي فلنرى بعد ذلك هل لها ما يجبرها أم لا؟
 الرد على من ضعف أكثر أحاديث سنن الترمذي
فإن قيل: إن أئمتنا قالوا في الترمذي : لا يوثق بتحسينه أحياناً ولا يعتمد. نقول: هؤلاء جهابذة حذاق لا مثلك، هذا كلام جهابذة حذاق مثل ابن حجر يقول: هذا الحديث حسنه الترمذي وصححه، والأمر في الحقيقة بخلاف ذلك، نقول: الأمر إن اتسع للنظر فلنأخذ بكلام ابن حجر وبكلام الترمذي .أما أن يأتينا إنسان في القرن الرابع عشر للهجرة ويقول: سنن الترمذي فيها ألف حديث كلها ضعيفة، لا يستدل بها لا في أحكام ولا في الفضائل ولا يجوز ذكرها، وهذه ليس لها متابع ولا شاهد، وهي تعادل خمس كتابه، وقد قال الأئمة: تحسين الترمذي فيه تساهل، وبناءً على هذا الكلام فقد فتح باباً كما قلت: واسعاً، فيه تساهل.أنا أريد أن أقول: إن سنن الترمذي تداوله الأئمة الكرام، ما بين شارحين وما بين راوين، وما بين دارسين، فهل انتقدوا ما انتقدته؟ ليس كذلك، يبقى كما قلت: في النظر مجال، أما أن تأتي وتقول: قالوا كذلك، فأنا إذاً: أدخل حديثاً حديثاً وليس لي علاقة بأحد قبلي أبداً، فأنا أبحث فيها ثم بعد ذلك تبين لي أن فيها قرابة ألف حديث ضعيفة ليس لها متابع ولا شاهد.إن هذا هو ما يشاهد في هذه الأيام، والسبب في ذلك: أنه لا يوجد من يرعى الأمة، ولا من يملكها، ولذلك كل واحد يتكلم بما يريد، ولو كانت الأمور مضبوطة ما كانت هذه الأراجيف.وهذا التشوه ما كان يسمع به سابقاً، بينما الآن فتح الباب على مصراعيه، فكل واحد ما بين الحين والحين كتب كتباً لا تحصى في التصحيح والتضعيف، وكل واحد صار كأنه علي بن المديني رحمه الله.يا عبد الله! قف عند حدك، فالعلم الذي كان عندهم كما قيل: نور السلف وعلم السلف وأدب السلف وخلق السلف، وإذا نظرت إلى أحدهم تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويذكرك بالله، فليس عندهم مهاترات، وأما نحن فقد حولنا العلم إلى خصومات ومشاتمات، فلا بد من وعي هذا الأمر وأن نعرف قدرنا، فإذا كان أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه عندما يسأل عن الأسود بن يزيد -وغالب ظني- وعن علقمة أيضاً أيهما أفضل؟ فيقول: لسنا بأهل لأن نذكرهم فضلاً عن أن نفاضل بينهم.نحن نذكر هؤلاء الثلاثة وأبو حنيفة تابعي رضي الله عنهم أجمعين، وهم أقرب منه بقليل، يقول: لسنا بأهل أن نذكرهم، فكيف ندخل أنفسنا في المفاضلة بينهم.لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
روايات حديث: (التمس لي ثلاثة أحجار...)
ندخل بعد هذا في الباب الثالث عشر من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا. والباب الثالث عشر يتعلق بموضوعنا المتقدم وهو الاستنجاء بالحجارة، لكن في جذرية خاصة كنت وضحتها والكلام عليها عند الاستجمار بالأحجار، وبينت هل يشترط الإيتار؟ وأن أقله ثلاثاً، وهل يستحب الإيتار مطلقاً، وأنه لا يجب الثلاث، ولو نقى المحل وأنقاه بحجرين لا يجب عليه أن يضم إليهما ثالثة وإنما يستحب، وتقدم معنا أن الحنفية والمالكية يرون أن هذا للاستحباب، والشافعية والحنابلة يرونه للإيجاب.وذكرت أدلة الحنفية الثلاثة بأن الإيتار ليس بواجب:أولها: (ومن لا فلا حسن). وثانيها: قياساً على الماء، فكما لا يشترط فيه الإيتار فكذلك لا يشترط في الأحجار.وثالثها: المقصود الإنقاء، فما ذكرت أيضاً حديث عبد الله بن مسعود وفيه الاقتصار على حجرين، وسيأتينا ضمن باب خاص فانتبهوا له.والإمام الترمذي أشار إلى هذه المسألة فقال: باب ما جاء في الاستنجاء بالحجرين.يعني: هل هذا يجزئ أم لا؟ وما جزم بشيء من ذلك، ولكن ظاهر الرواية الاقتصار على حجرين، فكأنه يقول: الأمر فيه سعة. قال الإمام الترمذي : حدثنا هناد وقتيبة قال: حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله يعني: ابن مسعود رضي الله عنه قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته فقال: التمس لي ثلاثة أحجار -في الطباعة: أبحار وهو غلط- قال: فأتيته بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: إنها رجس) قال أبو عيسى : وهكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله نحو حديث إسرائيل .وروى معمر وعمار بن رزيق عن أبي إسحاق عن علقمة عن عبد الله ، وروى زهير عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه يعني: الأسود بن يزيد عن عبد الله ، وروى زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن الأسود بن يزيد عن عبد الله ، وهذا حديث فيه اضطراب.قال الإمام الترمذي : حدثنا محمد بن بشار العبدي قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سألت أبا عبيدة بن عبد الله -يعني: ابن عبد الله بن مسعود وهو أبو عبيدة وسيأتينا أنه قيل: اسمه عامر -: هل تذكر من عبد الله شيئاً؟ يعني: هل رويت عنه وسمعت منه؟ قال: لا. قال أبو عيسى : سألت عبد الله بن عبد الرحمن -وهو الإمام الدارمي كما سيأتينا في ترجمته- أي الروايات في هذا الحديث عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقض فيه بشيء، وسألت محمداً -وهو الإمام البخاري - فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله أشبه، ووضعه في كتابه الجامع، والذي خرجه في صحيحه حديث زهير عن أبي إسحاق .قال أبو عيسى : وأصح شيء في هذا عندي: حديث إسرائيل وقيس، يعني: وحديث قيس عن أبي إسحاق وهو قيس بن الربيع الذي تابع إسرائيل ، وإسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من غيره. قال أبو عيسى: وسمعت أبا موسى محمد بن المثنى يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتم، قال أبو عيسى : وزهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأن سماعه منه بآخرة، قال الترمذي : وسمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبال ألا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق ، وأبو إسحاق اسمه: عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني وأبو عبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود ، ولم يسمع من أبيه، ولا يعرف اسمه.وقد أطال عليه رحمة الله فيما يتعلق بالروايات وأسانيد هذه الروايات الأربع، كما تقدم معنا سابقاً في الاضطراب، وغالب ظني في الباب الرابع: باب ما يقول إذا دخل الخلاء، عندما قال: حديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب، وذكر ثلاث طرق ووضحتها وبينت الراجح منها، وأنه لا اضطراب في ذلك، ووقع وهم في بعض الروايات كما تقدم معنا في السنن.
 الرد على من ضعف أكثر أحاديث سنن الترمذي
فإن قيل: إن أئمتنا قالوا في الترمذي : لا يوثق بتحسينه أحياناً ولا يعتمد. نقول: هؤلاء جهابذة حذاق لا مثلك، هذا كلام جهابذة حذاق مثل ابن حجر يقول: هذا الحديث حسنه الترمذي وصححه، والأمر في الحقيقة بخلاف ذلك، نقول: الأمر إن اتسع للنظر فلنأخذ بكلام ابن حجر وبكلام الترمذي .أما أن يأتينا إنسان في القرن الرابع عشر للهجرة ويقول: سنن الترمذي فيها ألف حديث كلها ضعيفة، لا يستدل بها لا في أحكام ولا في الفضائل ولا يجوز ذكرها، وهذه ليس لها متابع ولا شاهد، وهي تعادل خمس كتابه، وقد قال الأئمة: تحسين الترمذي فيه تساهل، وبناءً على هذا الكلام فقد فتح باباً كما قلت: واسعاً، فيه تساهل.أنا أريد أن أقول: إن سنن الترمذي تداوله الأئمة الكرام، ما بين شارحين وما بين راوين، وما بين دارسين، فهل انتقدوا ما انتقدته؟ ليس كذلك، يبقى كما قلت: في النظر مجال، أما أن تأتي وتقول: قالوا كذلك، فأنا إذاً: أدخل حديثاً حديثاً وليس لي علاقة بأحد قبلي أبداً، فأنا أبحث فيها ثم بعد ذلك تبين لي أن فيها قرابة ألف حديث ضعيفة ليس لها متابع ولا شاهد.إن هذا هو ما يشاهد في هذه الأيام، والسبب في ذلك: أنه لا يوجد من يرعى الأمة، ولا من يملكها، ولذلك كل واحد يتكلم بما يريد، ولو كانت الأمور مضبوطة ما كانت هذه الأراجيف.وهذا التشوه ما كان يسمع به سابقاً، بينما الآن فتح الباب على مصراعيه، فكل واحد ما بين الحين والحين كتب كتباً لا تحصى في التصحيح والتضعيف، وكل واحد صار كأنه علي بن المديني رحمه الله.يا عبد الله! قف عند حدك، فالعلم الذي كان عندهم كما قيل: نور السلف وعلم السلف وأدب السلف وخلق السلف، وإذا نظرت إلى أحدهم تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويذكرك بالله، فليس عندهم مهاترات، وأما نحن فقد حولنا العلم إلى خصومات ومشاتمات، فلا بد من وعي هذا الأمر وأن نعرف قدرنا، فإذا كان أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه عندما يسأل عن الأسود بن يزيد -وغالب ظني- وعن علقمة أيضاً أيهما أفضل؟ فيقول: لسنا بأهل لأن نذكرهم فضلاً عن أن نفاضل بينهم.نحن نذكر هؤلاء الثلاثة وأبو حنيفة تابعي رضي الله عنهم أجمعين، وهم أقرب منه بقليل، يقول: لسنا بأهل أن نذكرهم، فكيف ندخل أنفسنا في المفاضلة بينهم.لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
ترجمة أبي إسحاق السبيعي
وهنا أربع روايات أضبطها إن شاء الله واحدة واحدة. فـهناد تقدمت معنا ترجمته، وكذلك قتيبة تقدمت معنا ترجمته، قال: حدثنا وكيع تقدمت معنا ترجمته، هؤلاء الثلاثة كلهم في أول حديث من جامع الإمام أبي عيسى عليه رحمة الله.عن إسرائيل ، هذا أول مكان يرد فيه اسم إسرائيل . وقد تقدم معنا في الحديث السابع. قال الترمذي: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: حدثنا مالك بن إسماعيل عن إسرائيل بن يونس .قال: عن أبي إسحاق وهذا أول مكان يرد فيه اسم أبي إسحاق السبيعي ولم يتقدم له ذكر وترجمة.وهو عمرو بن عبد الله كما قال الترمذي في آخر الكلام الذي تقدم معنا: عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني ولا ننسبه إلى ما هو أكثر من ذلك، وهذا عمل أكثر أئمتنا، نسبوه إلى أبيه ووقفوا عند ذلك، قالوا: عمرو بن عبد الله .
 تدليس أبي إسحاق السبيعي
التنبيه الثاني: في تحفة الأحوذي في ترجمة أبي إسحاق قال: أبو إسحاق مدلس كما قال الحافظ ابن حجر في الكتاب الذي جمعه في طبقات المدلسين؛ تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس.والذي يبدو لي -والعلم عند ربي- أن هذا وهم من الشيخ المباركفوري ، وأن هذا التدليس ليس لـأبي إسحاق وإنما هو لولده يونس الذي اعتراه الاختلاط، أما أبو إسحاق السبيعي فما وقفت على ذلك، ولا علم لي بذلك بعد البحث.لكن يقول الحافظ: يقال أنه روى عن الشعبي حديثه، وهو حديث عن الحارث الأعور .والحارث الأعور ضعيف، وممن اتهمه ابن معين والشعبي وكان يقول عنه: كذاب.على كل حال: روى يونس عن الشعبي حديثاً، وهو حديث عن الحارث عن علي : ( أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة)، فأسقط منه الحارث وجعله يونس عن الشعبي ، هذا يقال: دلسه ورواه بصيغة عن عن الشعبي .والحارث الأعور ما خرج له النسائي غير حديثين، وهو ضعيف بالاتفاق، وهذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجه في السنن، وعبد الله ولد الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه. ورواه الترمذي أيضاً، والضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة عن أنس رضي الله عنه.وروي عن أبي جحيفة رضي الله عنه، انظر الجامع الصغير وفيض القدير في الجزء الأول شرح الجامع الصغير صفحة ثمان وثمانين، وقال أئمتنا: إن هذا الحديث صحيح: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة إلا النبيين والمرسلين).وهذا الحديث ذكره في أسنى المطالب في صفحة ست وعشرين، وقال: رواه الشيخان، وهو وهم حتماً، لكن العجب من المعلق على الكتاب وغالب ظني أنه في لبنان، يحقق كتباً ما أكثرها! وجاء في التعليق: انظر كذا وانظر كذا وانظر كذا في بيان مصادر هذا الحديث.يا عبد الله! الآن أنت تقول: انظر وانظر، حسناً أنت ما نظرت عندما هو يقول: رواه الشيخان، وأنت تقول: انظر الجامع الصغير، وانظر صحيح الجامع الصغير، وانظر كشف الخفاء، أنا أريد أن أعلم صحة هذا الكلام عندما يقول: رواه الشيخان، وما عليه لو قال: وهم الشيخ، في كتابه أسنى المطالب في بيان أحاديث مختلفة المراتب، لو قال: وهم، انظر كذا وكذا لا بأس، لكن يقول: رواه الشيخان، وهذا يعطيك علامة في الحاشية، يقول: انظر وانظر، لترى هذا الكلام في هذه الكتب، وهذا عمل المحققين هذه الأيام، انظر وانظر.وهذا مصري صاحب الرسالة التي فيها ترجمة محمد بن إسماعيل أبي عبد الله البخاري الذي دخل بغداد بعد سنة خمسمائة للهجرة، هذه الترجمة المظلمة قالها في حق: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، ولذلك لما جاء ليترجم للبخاري قال: كذاب، وبدأ كما يقال: يذكر الذم في ترجمته، ولما قيل له: كيف تفعل هذا؟ قال: هذا موجود في الكتاب، قلت: الإمام البخاري تقول عنه: كذاب ومتهم، قال: هذا في لسان الميزان، وقلت: إن هذا الكتاب ما له عقل وأنت ما لك عقل، سبحان ربي العظيم! هذا كالذي يقرأ: فخر عليهم السقف من تحتهم، هذا إذا ما عندك عقل، السقف يكون من فوق أو من تحت؟! يعني: لا قراءة ولا عقل.إذاً: في كتابه خطأ، اضرب هذا الكتاب. وقلت له: نساء البادية تسمع بـالبخاري وتقول: هو شيخ المسلمين، ولكنها لا تعلم في أي عصر هو، وقل لها: يا خالتي! أسمعت بـالبخاري ؟فستقول: دائماً يقولون: رواه البخاري. وأنت تناقش رسالة في علم التوحيد، وتأتي بعد ذلك تتهجم على أئمتنا، وتقول: هذا في لسان الميزان، وهذا الكتاب لمن له ذكر مما ليس في الكتب الستة، ثم في الترجمة يقول: دخل بغداد بعد سنة خمسمائة، لكن انتحل اسم البخاري وكنيته ونسبته لأجل أن يدلس على الناس، ذكرنا هذه الترجمة في ترجمة صاحب حديث: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) رواه البخاري ، ثم يترجم للبخاري بهذه الترجمة المظلمة.هذا حاله وهو يقول: وكل هذه الكتب التي أحلت عليها ما أحد قال: إن الحديث في الصحيحين، ويأتي أحد يقول: صحيح وضعيف، والسؤال كيف صححته؟ يقول: سبق نظري إلى سند الحديث الذي قبله، ما شاء الله على هذا العلم، وهذا الذي تنشره للأمة باسم غربلة كتب السنة -هذا سبق نظره- وإذا كنت تنظر فانظر إلى هذا الكلام، ولا أقول: نحن أحسن حالاً منهم لا، بل نحن أنزل، وهذا حالنا لنعرف قدرنا، وإذا عرفنا قدرنا فلنقف عند حدنا على أقل شيء، أما أنه بعد ذلك نجد بأنفسنا فيما لسنا له بأهل، والله هذه بلية وافدة، فأين الذين يتباكون على حفظ السنة في هذه الأيام؟ أريد أن أعرف أي سنة ستحفظ إذا فتحنا مثل هذا الباب؟ قلت لهذا: كيف تذكر هذه الترجمة؟ قال: في الكتاب.حسناً: أما عندك عقل؟ قال: يا شيخ! هذا في الكتاب، قلت: يا عبد الله! والله الذي لا إله إلا هو ظننت أنك ستقول: الأمر انقلب عليَّ والتبس وما انتبهت، وأما هذا الجواب فهو أقبح عندي من خطئك، ومن عدم علمك.وذكر تلك الترجمة المظلمة في ترجمة البخاري ، وهذا أعجب بكثير، وأعوذ بالله أن نتكلم به، ولعل هذا المحقق الآن يناقش رسائل ويمنح لغيره، ونسأل الله الستر في الدنيا والآخرة.إذا كان الانحطاط الذي وصلت إليه الأمة إلى هذا الحد، فما ذنبهم حقيقة أن يعول على بحث باحث جديد كما أقول مراراً: لا نظلم أحداً، ونستفيد من كل أحد، لكن بعد التحقق والتمحيص والتدقيق، فكل كلام قاله وافق فيه أئمتنا على العين والرأس، وإلا يرد عليه وعلى غيره، كلام قاله وواهم فيه فلا يقبل.وحقيقة: من البلايا التي انتشرت في هذا العصر عكوف طلبة العلم على الكتب المؤلفة في هذا الوقت وانقطاعهم عن كتب سلفهم.وأنا أقول: إذا أردنا أن ندعو إلى السلفية -وهذا واجب علينا، ولا خير فينا إذا لم نتعلق بسلفنا في كل شيء- فلنعد إلى إحياء كتبهم والالتزام بها وعدم الخروج عنها، هذا لابد من وعيه، فلنرتبط بصحيح البخاري مباشرة، لا بصحيح الجامع، ولا بضعيف الجامع، بل ارجع لصحيح البخاري وارجع لصحيح مسلم وارجع لكتب السنة، وانظر ما قاله أئمتنا، أما أن تأخذ الكلام مبتوراً: صحيح وضعيف وانتهى، فهذا في الحقيقة هو التقليد الذي ينادي الناس بتحريمه، وأي تقليد بعد هذا التقليد، وأشنع من هذا التقليد؟ إذا كنتم لا ترون أن نقلد الترمذي عندما نقرأ كتابه وسنده وتكلمه على الرجال، ووزنه الأمور بالموازين الشرعية، وتريدون منا أن نعود إلى من يقول: صحيح، ضعيف، منكر، متروك، ضعيف جداً على حسب ما يقدر، وما يحتمل التحسين ضعيف فلهم فيها موازين دقيقة، وأنتم ستلزموننا بهذه الآراء.ذكر الشيخ المباركفوري عليه رحمة الله في تحفة الأحوذي: أن ابن حجر ذكر أبا إسحاق السبيعي من جملة المدلسين في كتاب: تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، وقلت: هذا فيما يظهر وهم، والمدلس هو ولده يونس ، ومع ذلك يقول الحافظ : يقال: إنه روى عن الشعبي حديثاً أسقط منه الحارث الأعور ورفعه إلى الشعبي عن علي رضي الله عنه: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين). إن أبا إسحاق السبيعي وهو الراوي الأول له مكانة عظيمة في العلم، وكان شيخ الكوفة وعالمها ومحدثها كما يقول الذهبي في السير، وهو يشبه الإمام الزهري في أهل المدينة، وقيل: إنه سمع من ثمانية وثلاثين صحابياً، ولم يتجاوز أباه، وكان يختم القرآن كل ثلاثة أيام، ولم ينم أربعين سنة متصلة، وكان يشغل ليله بمناجاة الرحمن. وقد ثبت في المستدرك بإسناد صحيح في الجزء الثاني صفحة سبع وعشرين وخمسمائة عن أبي إسحاق أنه قال: يا معشر الشباب! اغتنموا شبابكم، قل ما تمر بي ليلة إلا وأنا أقرأ ألف آية، يعني: ثلث القرآن، وإني لأقرأ البقرة في ركعة، وإني لأصوم الأشهر الحرم، وثلاثة أيام من كل شهر، والاثنين والخميس، ويقول: هذا من باب: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11].ولذلك أورد الحاكم هذا الأثر عند قوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11] فهو يتكلم بما من الله به عليه من نعمه، ثم يحث الشباب على اغتنام أعمارهم.ونقل الحاكم أيضاً في نفس الموضع عن عمرو بن ميمون الأودي ، وهو مخضرم متبوع من الأئمة الصالحين الربانيين، توفي سنة أربع وسبعين أنه قال: كان الرجل يلقى صاحبه فيقول: لقد رزقني الله البارحة من الصلاة كذا، ومن الخير كذا.وكان عمرو بن ميمون يقول هذا، ثم قال الحاكم معلقاً على هذين الأثرين: أثر أبي إسحاق وعمرو بن ميمون : رحم الله جل وعلا أبا إسحاق وعمرو بن ميمون فلقد نبها لما يرغب الشباب في العبادة.هذا أبو إسحاق مع منزلته التي ذكرتها كان يقول: وددت أني نجوت من عملي كفافاً.قال الذهبي : كان صلابة بالعلم، كبير القدر صواماً قواماً، عاش خمساً وتسعين رحمة الله ورضوانه عليه، توفي سنة تسع وعشرين ومائة للهجرة.
ترجمة أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود
كما قلنا: عمرو بن عبد الله السبيعي عن أبي عبيدة وأبو عبيدة لم يتقدم لنا ذكره فيما مضى، وهو ولد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو مشهور بكنيته، كما في التقريب فقد ذكره في الكنى، والأشهر أنه ليس له غيرها، أي: اسمه كنيته، سماه والده أبا عبيدة ، ويقال: اسمه عامر ، كوفي ثقة من كبار الثالثة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه. مات بعد سنة ثمانين أي: لم يجاوز المائة بل هو دون المائة.وحديثه في الكتب الستة، وسيأتينا أنه اختلف في سماعه من أبيه، ورجح العيني في عمدة القاري سماعه من أبيه، وانتصر لهذه الرواية ولتقريرها من أجل أنها تشهد لمذهب الحنفية بأنه لا يجب الإيتار بثلاث، إنما هذا من باب الاستحباب، وأن الحجرين في الاستجمار يجزئان، وقال: وإن أبا عبيدة كان عمره عند موت والده سبع سنين، ومثل هذا يمكن أن يسمع ويحفظ من الغرباء فكيف إذا كان من سمع منه هو والده؟ وبما أن الصغير معتبر في مثل هذا فلعله سمع هذا الحديث منه، ولذلك يرجح ويرى أن حديث الترمذي في هذه الرواية عن أبي عبيدة عن عبد الله متصلة وليست منقطعة، وأن هذا الترجيح الذي فعله أولى مما فعله البخاري في رواية زهير بدل إسرائيل عن أبي إسحاق كما سيأتينا إن شاء الله.إذاً: أبو عبيدة قيل: اسمه عامر عن عبد الله ، أما عبد الله فهو ابن مسعود الصحابي رضي الله عنه وأرضاه، وترجمته موسعة وتحتاج إلى موعظة كاملة لجوامع الخير التي فيه، فأترك الكلام على ترجمته إن شاء الله حتى الانتهاء من الكلام على الحديث فقهاً وتخريجاً.
 تدليس أبي إسحاق السبيعي
التنبيه الثاني: في تحفة الأحوذي في ترجمة أبي إسحاق قال: أبو إسحاق مدلس كما قال الحافظ ابن حجر في الكتاب الذي جمعه في طبقات المدلسين؛ تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس.والذي يبدو لي -والعلم عند ربي- أن هذا وهم من الشيخ المباركفوري ، وأن هذا التدليس ليس لـأبي إسحاق وإنما هو لولده يونس الذي اعتراه الاختلاط، أما أبو إسحاق السبيعي فما وقفت على ذلك، ولا علم لي بذلك بعد البحث.لكن يقول الحافظ: يقال أنه روى عن الشعبي حديثه، وهو حديث عن الحارث الأعور .والحارث الأعور ضعيف، وممن اتهمه ابن معين والشعبي وكان يقول عنه: كذاب.على كل حال: روى يونس عن الشعبي حديثاً، وهو حديث عن الحارث عن علي : ( أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة)، فأسقط منه الحارث وجعله يونس عن الشعبي ، هذا يقال: دلسه ورواه بصيغة عن عن الشعبي .والحارث الأعور ما خرج له النسائي غير حديثين، وهو ضعيف بالاتفاق، وهذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجه في السنن، وعبد الله ولد الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه. ورواه الترمذي أيضاً، والضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة عن أنس رضي الله عنه.وروي عن أبي جحيفة رضي الله عنه، انظر الجامع الصغير وفيض القدير في الجزء الأول شرح الجامع الصغير صفحة ثمان وثمانين، وقال أئمتنا: إن هذا الحديث صحيح: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة إلا النبيين والمرسلين).وهذا الحديث ذكره في أسنى المطالب في صفحة ست وعشرين، وقال: رواه الشيخان، وهو وهم حتماً، لكن العجب من المعلق على الكتاب وغالب ظني أنه في لبنان، يحقق كتباً ما أكثرها! وجاء في التعليق: انظر كذا وانظر كذا وانظر كذا في بيان مصادر هذا الحديث.يا عبد الله! الآن أنت تقول: انظر وانظر، حسناً أنت ما نظرت عندما هو يقول: رواه الشيخان، وأنت تقول: انظر الجامع الصغير، وانظر صحيح الجامع الصغير، وانظر كشف الخفاء، أنا أريد أن أعلم صحة هذا الكلام عندما يقول: رواه الشيخان، وما عليه لو قال: وهم الشيخ، في كتابه أسنى المطالب في بيان أحاديث مختلفة المراتب، لو قال: وهم، انظر كذا وكذا لا بأس، لكن يقول: رواه الشيخان، وهذا يعطيك علامة في الحاشية، يقول: انظر وانظر، لترى هذا الكلام في هذه الكتب، وهذا عمل المحققين هذه الأيام، انظر وانظر.وهذا مصري صاحب الرسالة التي فيها ترجمة محمد بن إسماعيل أبي عبد الله البخاري الذي دخل بغداد بعد سنة خمسمائة للهجرة، هذه الترجمة المظلمة قالها في حق: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، ولذلك لما جاء ليترجم للبخاري قال: كذاب، وبدأ كما يقال: يذكر الذم في ترجمته، ولما قيل له: كيف تفعل هذا؟ قال: هذا موجود في الكتاب، قلت: الإمام البخاري تقول عنه: كذاب ومتهم، قال: هذا في لسان الميزان، وقلت: إن هذا الكتاب ما له عقل وأنت ما لك عقل، سبحان ربي العظيم! هذا كالذي يقرأ: فخر عليهم السقف من تحتهم، هذا إذا ما عندك عقل، السقف يكون من فوق أو من تحت؟! يعني: لا قراءة ولا عقل.إذاً: في كتابه خطأ، اضرب هذا الكتاب. وقلت له: نساء البادية تسمع بـالبخاري وتقول: هو شيخ المسلمين، ولكنها لا تعلم في أي عصر هو، وقل لها: يا خالتي! أسمعت بـالبخاري ؟فستقول: دائماً يقولون: رواه البخاري. وأنت تناقش رسالة في علم التوحيد، وتأتي بعد ذلك تتهجم على أئمتنا، وتقول: هذا في لسان الميزان، وهذا الكتاب لمن له ذكر مما ليس في الكتب الستة، ثم في الترجمة يقول: دخل بغداد بعد سنة خمسمائة، لكن انتحل اسم البخاري وكنيته ونسبته لأجل أن يدلس على الناس، ذكرنا هذه الترجمة في ترجمة صاحب حديث: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) رواه البخاري ، ثم يترجم للبخاري بهذه الترجمة المظلمة.هذا حاله وهو يقول: وكل هذه الكتب التي أحلت عليها ما أحد قال: إن الحديث في الصحيحين، ويأتي أحد يقول: صحيح وضعيف، والسؤال كيف صححته؟ يقول: سبق نظري إلى سند الحديث الذي قبله، ما شاء الله على هذا العلم، وهذا الذي تنشره للأمة باسم غربلة كتب السنة -هذا سبق نظره- وإذا كنت تنظر فانظر إلى هذا الكلام، ولا أقول: نحن أحسن حالاً منهم لا، بل نحن أنزل، وهذا حالنا لنعرف قدرنا، وإذا عرفنا قدرنا فلنقف عند حدنا على أقل شيء، أما أنه بعد ذلك نجد بأنفسنا فيما لسنا له بأهل، والله هذه بلية وافدة، فأين الذين يتباكون على حفظ السنة في هذه الأيام؟ أريد أن أعرف أي سنة ستحفظ إذا فتحنا مثل هذا الباب؟ قلت لهذا: كيف تذكر هذه الترجمة؟ قال: في الكتاب.حسناً: أما عندك عقل؟ قال: يا شيخ! هذا في الكتاب، قلت: يا عبد الله! والله الذي لا إله إلا هو ظننت أنك ستقول: الأمر انقلب عليَّ والتبس وما انتبهت، وأما هذا الجواب فهو أقبح عندي من خطئك، ومن عدم علمك.وذكر تلك الترجمة المظلمة في ترجمة البخاري ، وهذا أعجب بكثير، وأعوذ بالله أن نتكلم به، ولعل هذا المحقق الآن يناقش رسائل ويمنح لغيره، ونسأل الله الستر في الدنيا والآخرة.إذا كان الانحطاط الذي وصلت إليه الأمة إلى هذا الحد، فما ذنبهم حقيقة أن يعول على بحث باحث جديد كما أقول مراراً: لا نظلم أحداً، ونستفيد من كل أحد، لكن بعد التحقق والتمحيص والتدقيق، فكل كلام قاله وافق فيه أئمتنا على العين والرأس، وإلا يرد عليه وعلى غيره، كلام قاله وواهم فيه فلا يقبل.وحقيقة: من البلايا التي انتشرت في هذا العصر عكوف طلبة العلم على الكتب المؤلفة في هذا الوقت وانقطاعهم عن كتب سلفهم.وأنا أقول: إذا أردنا أن ندعو إلى السلفية -وهذا واجب علينا، ولا خير فينا إذا لم نتعلق بسلفنا في كل شيء- فلنعد إلى إحياء كتبهم والالتزام بها وعدم الخروج عنها، هذا لابد من وعيه، فلنرتبط بصحيح البخاري مباشرة، لا بصحيح الجامع، ولا بضعيف الجامع، بل ارجع لصحيح البخاري وارجع لصحيح مسلم وارجع لكتب السنة، وانظر ما قاله أئمتنا، أما أن تأخذ الكلام مبتوراً: صحيح وضعيف وانتهى، فهذا في الحقيقة هو التقليد الذي ينادي الناس بتحريمه، وأي تقليد بعد هذا التقليد، وأشنع من هذا التقليد؟ إذا كنتم لا ترون أن نقلد الترمذي عندما نقرأ كتابه وسنده وتكلمه على الرجال، ووزنه الأمور بالموازين الشرعية، وتريدون منا أن نعود إلى من يقول: صحيح، ضعيف، منكر، متروك، ضعيف جداً على حسب ما يقدر، وما يحتمل التحسين ضعيف فلهم فيها موازين دقيقة، وأنتم ستلزموننا بهذه الآراء.ذكر الشيخ المباركفوري عليه رحمة الله في تحفة الأحوذي: أن ابن حجر ذكر أبا إسحاق السبيعي من جملة المدلسين في كتاب: تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، وقلت: هذا فيما يظهر وهم، والمدلس هو ولده يونس ، ومع ذلك يقول الحافظ : يقال: إنه روى عن الشعبي حديثاً أسقط منه الحارث الأعور ورفعه إلى الشعبي عن علي رضي الله عنه: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين). إن أبا إسحاق السبيعي وهو الراوي الأول له مكانة عظيمة في العلم، وكان شيخ الكوفة وعالمها ومحدثها كما يقول الذهبي في السير، وهو يشبه الإمام الزهري في أهل المدينة، وقيل: إنه سمع من ثمانية وثلاثين صحابياً، ولم يتجاوز أباه، وكان يختم القرآن كل ثلاثة أيام، ولم ينم أربعين سنة متصلة، وكان يشغل ليله بمناجاة الرحمن. وقد ثبت في المستدرك بإسناد صحيح في الجزء الثاني صفحة سبع وعشرين وخمسمائة عن أبي إسحاق أنه قال: يا معشر الشباب! اغتنموا شبابكم، قل ما تمر بي ليلة إلا وأنا أقرأ ألف آية، يعني: ثلث القرآن، وإني لأقرأ البقرة في ركعة، وإني لأصوم الأشهر الحرم، وثلاثة أيام من كل شهر، والاثنين والخميس، ويقول: هذا من باب: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11].ولذلك أورد الحاكم هذا الأثر عند قوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11] فهو يتكلم بما من الله به عليه من نعمه، ثم يحث الشباب على اغتنام أعمارهم.ونقل الحاكم أيضاً في نفس الموضع عن عمرو بن ميمون الأودي ، وهو مخضرم متبوع من الأئمة الصالحين الربانيين، توفي سنة أربع وسبعين أنه قال: كان الرجل يلقى صاحبه فيقول: لقد رزقني الله البارحة من الصلاة كذا، ومن الخير كذا.وكان عمرو بن ميمون يقول هذا، ثم قال الحاكم معلقاً على هذين الأثرين: أثر أبي إسحاق وعمرو بن ميمون : رحم الله جل وعلا أبا إسحاق وعمرو بن ميمون فلقد نبها لما يرغب الشباب في العبادة.هذا أبو إسحاق مع منزلته التي ذكرتها كان يقول: وددت أني نجوت من عملي كفافاً.قال الذهبي : كان صلابة بالعلم، كبير القدر صواماً قواماً، عاش خمساً وتسعين رحمة الله ورضوانه عليه، توفي سنة تسع وعشرين ومائة للهجرة.
ترجمة قيس بن الربيع
قال أبو عيسى : وهكذا روى قيس بن الربيع . يعني: أن قيس بن الربيع روى الحديث عن إسرائيل عن أبي إسحاق ، وكأنه يقصد بذلك أنه تابعه، أي: روى إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله ، وروى قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله ، فتابعه. وقيس بن الربيع تقدم معنا ذكره في تخريج أحاديث الاستجمار التي ذكرتها آنفاً، وهو قيس بن الربيع الأسدي أبو محمد الكوفي صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس في حديثه فحدث به، من السابعة، توفي سنة بضع وستين يعني: بعد المائة، وحديثه في السنن الأربعة إلا سنن النسائي .وتقدم معنا حديثه وكلام الهيثمي في المجمع في الجزء الأول صفحة إحدى عشرة ومائتين: وثقه الثوري وشعبة وضعفه جماعة.وهؤلاء هم الرجال الذين سيذكرهم في هذه الروايات الأربعة المختلفة، وسأبين تراجمهم على وجه الإيجاز، ثم أزيل الاضطراب بإذن الله من هذه الروايات.وقول الترمذي : هذا اضطراب يعني: في الظاهر، ولذلك رجح عدم الاضطراب في الرواية، والبخاري رجح رواية أخرى، وذلك يزيل الاضطراب إن شاء الله.وكأنه قال: ما انفرد إسرائيل بهذا فضلاً أن إسرائيل في الأصل أضبط الناس وأحفظهم لحديث جده أبي إسحاق ، فإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق كما تقدم معنا، واسم أبي إسحاق : عمرو عبد الله السبيعي أي: ابن أبي إسحاق ، مع ذلك له متابع وهو قيس بن الربيع .هذه هي الرواية الأولى. وقد انتهينا منها.اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، واغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.
 تدليس أبي إسحاق السبيعي
التنبيه الثاني: في تحفة الأحوذي في ترجمة أبي إسحاق قال: أبو إسحاق مدلس كما قال الحافظ ابن حجر في الكتاب الذي جمعه في طبقات المدلسين؛ تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس.والذي يبدو لي -والعلم عند ربي- أن هذا وهم من الشيخ المباركفوري ، وأن هذا التدليس ليس لـأبي إسحاق وإنما هو لولده يونس الذي اعتراه الاختلاط، أما أبو إسحاق السبيعي فما وقفت على ذلك، ولا علم لي بذلك بعد البحث.لكن يقول الحافظ: يقال أنه روى عن الشعبي حديثه، وهو حديث عن الحارث الأعور .والحارث الأعور ضعيف، وممن اتهمه ابن معين والشعبي وكان يقول عنه: كذاب.على كل حال: روى يونس عن الشعبي حديثاً، وهو حديث عن الحارث عن علي : ( أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة)، فأسقط منه الحارث وجعله يونس عن الشعبي ، هذا يقال: دلسه ورواه بصيغة عن عن الشعبي .والحارث الأعور ما خرج له النسائي غير حديثين، وهو ضعيف بالاتفاق، وهذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجه في السنن، وعبد الله ولد الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه. ورواه الترمذي أيضاً، والضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة عن أنس رضي الله عنه.وروي عن أبي جحيفة رضي الله عنه، انظر الجامع الصغير وفيض القدير في الجزء الأول شرح الجامع الصغير صفحة ثمان وثمانين، وقال أئمتنا: إن هذا الحديث صحيح: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة إلا النبيين والمرسلين).وهذا الحديث ذكره في أسنى المطالب في صفحة ست وعشرين، وقال: رواه الشيخان، وهو وهم حتماً، لكن العجب من المعلق على الكتاب وغالب ظني أنه في لبنان، يحقق كتباً ما أكثرها! وجاء في التعليق: انظر كذا وانظر كذا وانظر كذا في بيان مصادر هذا الحديث.يا عبد الله! الآن أنت تقول: انظر وانظر، حسناً أنت ما نظرت عندما هو يقول: رواه الشيخان، وأنت تقول: انظر الجامع الصغير، وانظر صحيح الجامع الصغير، وانظر كشف الخفاء، أنا أريد أن أعلم صحة هذا الكلام عندما يقول: رواه الشيخان، وما عليه لو قال: وهم الشيخ، في كتابه أسنى المطالب في بيان أحاديث مختلفة المراتب، لو قال: وهم، انظر كذا وكذا لا بأس، لكن يقول: رواه الشيخان، وهذا يعطيك علامة في الحاشية، يقول: انظر وانظر، لترى هذا الكلام في هذه الكتب، وهذا عمل المحققين هذه الأيام، انظر وانظر.وهذا مصري صاحب الرسالة التي فيها ترجمة محمد بن إسماعيل أبي عبد الله البخاري الذي دخل بغداد بعد سنة خمسمائة للهجرة، هذه الترجمة المظلمة قالها في حق: أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، ولذلك لما جاء ليترجم للبخاري قال: كذاب، وبدأ كما يقال: يذكر الذم في ترجمته، ولما قيل له: كيف تفعل هذا؟ قال: هذا موجود في الكتاب، قلت: الإمام البخاري تقول عنه: كذاب ومتهم، قال: هذا في لسان الميزان، وقلت: إن هذا الكتاب ما له عقل وأنت ما لك عقل، سبحان ربي العظيم! هذا كالذي يقرأ: فخر عليهم السقف من تحتهم، هذا إذا ما عندك عقل، السقف يكون من فوق أو من تحت؟! يعني: لا قراءة ولا عقل.إذاً: في كتابه خطأ، اضرب هذا الكتاب. وقلت له: نساء البادية تسمع بـالبخاري وتقول: هو شيخ المسلمين، ولكنها لا تعلم في أي عصر هو، وقل لها: يا خالتي! أسمعت بـالبخاري ؟فستقول: دائماً يقولون: رواه البخاري. وأنت تناقش رسالة في علم التوحيد، وتأتي بعد ذلك تتهجم على أئمتنا، وتقول: هذا في لسان الميزان، وهذا الكتاب لمن له ذكر مما ليس في الكتب الستة، ثم في الترجمة يقول: دخل بغداد بعد سنة خمسمائة، لكن انتحل اسم البخاري وكنيته ونسبته لأجل أن يدلس على الناس، ذكرنا هذه الترجمة في ترجمة صاحب حديث: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) رواه البخاري ، ثم يترجم للبخاري بهذه الترجمة المظلمة.هذا حاله وهو يقول: وكل هذه الكتب التي أحلت عليها ما أحد قال: إن الحديث في الصحيحين، ويأتي أحد يقول: صحيح وضعيف، والسؤال كيف صححته؟ يقول: سبق نظري إلى سند الحديث الذي قبله، ما شاء الله على هذا العلم، وهذا الذي تنشره للأمة باسم غربلة كتب السنة -هذا سبق نظره- وإذا كنت تنظر فانظر إلى هذا الكلام، ولا أقول: نحن أحسن حالاً منهم لا، بل نحن أنزل، وهذا حالنا لنعرف قدرنا، وإذا عرفنا قدرنا فلنقف عند حدنا على أقل شيء، أما أنه بعد ذلك نجد بأنفسنا فيما لسنا له بأهل، والله هذه بلية وافدة، فأين الذين يتباكون على حفظ السنة في هذه الأيام؟ أريد أن أعرف أي سنة ستحفظ إذا فتحنا مثل هذا الباب؟ قلت لهذا: كيف تذكر هذه الترجمة؟ قال: في الكتاب.حسناً: أما عندك عقل؟ قال: يا شيخ! هذا في الكتاب، قلت: يا عبد الله! والله الذي لا إله إلا هو ظننت أنك ستقول: الأمر انقلب عليَّ والتبس وما انتبهت، وأما هذا الجواب فهو أقبح عندي من خطئك، ومن عدم علمك.وذكر تلك الترجمة المظلمة في ترجمة البخاري ، وهذا أعجب بكثير، وأعوذ بالله أن نتكلم به، ولعل هذا المحقق الآن يناقش رسائل ويمنح لغيره، ونسأل الله الستر في الدنيا والآخرة.إذا كان الانحطاط الذي وصلت إليه الأمة إلى هذا الحد، فما ذنبهم حقيقة أن يعول على بحث باحث جديد كما أقول مراراً: لا نظلم أحداً، ونستفيد من كل أحد، لكن بعد التحقق والتمحيص والتدقيق، فكل كلام قاله وافق فيه أئمتنا على العين والرأس، وإلا يرد عليه وعلى غيره، كلام قاله وواهم فيه فلا يقبل.وحقيقة: من البلايا التي انتشرت في هذا العصر عكوف طلبة العلم على الكتب المؤلفة في هذا الوقت وانقطاعهم عن كتب سلفهم.وأنا أقول: إذا أردنا أن ندعو إلى السلفية -وهذا واجب علينا، ولا خير فينا إذا لم نتعلق بسلفنا في كل شيء- فلنعد إلى إحياء كتبهم والالتزام بها وعدم الخروج عنها، هذا لابد من وعيه، فلنرتبط بصحيح البخاري مباشرة، لا بصحيح الجامع، ولا بضعيف الجامع، بل ارجع لصحيح البخاري وارجع لصحيح مسلم وارجع لكتب السنة، وانظر ما قاله أئمتنا، أما أن تأخذ الكلام مبتوراً: صحيح وضعيف وانتهى، فهذا في الحقيقة هو التقليد الذي ينادي الناس بتحريمه، وأي تقليد بعد هذا التقليد، وأشنع من هذا التقليد؟ إذا كنتم لا ترون أن نقلد الترمذي عندما نقرأ كتابه وسنده وتكلمه على الرجال، ووزنه الأمور بالموازين الشرعية، وتريدون منا أن نعود إلى من يقول: صحيح، ضعيف، منكر، متروك، ضعيف جداً على حسب ما يقدر، وما يحتمل التحسين ضعيف فلهم فيها موازين دقيقة، وأنتم ستلزموننا بهذه الآراء.ذكر الشيخ المباركفوري عليه رحمة الله في تحفة الأحوذي: أن ابن حجر ذكر أبا إسحاق السبيعي من جملة المدلسين في كتاب: تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، وقلت: هذا فيما يظهر وهم، والمدلس هو ولده يونس ، ومع ذلك يقول الحافظ : يقال: إنه روى عن الشعبي حديثاً أسقط منه الحارث الأعور ورفعه إلى الشعبي عن علي رضي الله عنه: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين). إن أبا إسحاق السبيعي وهو الراوي الأول له مكانة عظيمة في العلم، وكان شيخ الكوفة وعالمها ومحدثها كما يقول الذهبي في السير، وهو يشبه الإمام الزهري في أهل المدينة، وقيل: إنه سمع من ثمانية وثلاثين صحابياً، ولم يتجاوز أباه، وكان يختم القرآن كل ثلاثة أيام، ولم ينم أربعين سنة متصلة، وكان يشغل ليله بمناجاة الرحمن. وقد ثبت في المستدرك بإسناد صحيح في الجزء الثاني صفحة سبع وعشرين وخمسمائة عن أبي إسحاق أنه قال: يا معشر الشباب! اغتنموا شبابكم، قل ما تمر بي ليلة إلا وأنا أقرأ ألف آية، يعني: ثلث القرآن، وإني لأقرأ البقرة في ركعة، وإني لأصوم الأشهر الحرم، وثلاثة أيام من كل شهر، والاثنين والخميس، ويقول: هذا من باب: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11].ولذلك أورد الحاكم هذا الأثر عند قوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11] فهو يتكلم بما من الله به عليه من نعمه، ثم يحث الشباب على اغتنام أعمارهم.ونقل الحاكم أيضاً في نفس الموضع عن عمرو بن ميمون الأودي ، وهو مخضرم متبوع من الأئمة الصالحين الربانيين، توفي سنة أربع وسبعين أنه قال: كان الرجل يلقى صاحبه فيقول: لقد رزقني الله البارحة من الصلاة كذا، ومن الخير كذا.وكان عمرو بن ميمون يقول هذا، ثم قال الحاكم معلقاً على هذين الأثرين: أثر أبي إسحاق وعمرو بن ميمون : رحم الله جل وعلا أبا إسحاق وعمرو بن ميمون فلقد نبها لما يرغب الشباب في العبادة.هذا أبو إسحاق مع منزلته التي ذكرتها كان يقول: وددت أني نجوت من عملي كفافاً.قال الذهبي : كان صلابة بالعلم، كبير القدر صواماً قواماً، عاش خمساً وتسعين رحمة الله ورضوانه عليه، توفي سنة تسع وعشرين ومائة للهجرة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب الاستتار عند الحاجة، والاستنجاء باليمين، والاستنجاء بالحجارة [8] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net