اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب الاستتار عند الحاجة، والاستنجاء باليمين، والاستنجاء بالحجارة [7] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب الاستتار عند الحاجة، والاستنجاء باليمين، والاستنجاء بالحجارة [7] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
من محاسن الشريعة حثها على النظافة وستر العورة، وإن مما يشرع عند قضاء الحاجة: التستر حتى وهو ينزل إلى الأرض ليتخلى، وعدم مباشرة الذكر باليمين، وعدم الاستنجاء بها، ومن أراد الاستجمار بالأحجار استحب له الثلاث وتراً، هذا وقد ابتلينا في زماننا بدعاة التصحيح والتضعيف، والجرأة حتى على صحيح البخاري بدعوى الاجتهاد، وهو في الحقيقة فساد.
تخريج حديث: (إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه...)
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: فلا زلنا نتدارس في الباب العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر من أبواب الطهارة في جامع الإمام الترمذي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وعناوين هذه الأبواب الثلاثة. الباب العاشر: باب ما جاء في الاستتار عند الحاجة، لما روى الإمام الترمذي في هذا الباب حديثاً عن صحابيين مباركين عن أنس وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض).والباب الحادي عشر: باب ما جاء في كراهة الاستنجاء باليمين، وروى الحديث عن أبي قتادة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه ).والباب الثاني عشر: باب الاستنجاء بالحجارة، ولفظ الحديث عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قيل لـسلمان يعني الفارسي رضي الله عنه: (قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة؟ قال سلمان : أجل، نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وأن نستنجي باليمين، وأن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، وأن نستنجي برجيع أو عظم).وقد انتهينا من مبحثين من مباحث هذه الأحاديث، المبحث الأول: في تراجم أسانيد هذه الأحاديث الثلاثة، والرجال الذي ذكروا ضمن هذه الأقوال.والمبحث الثاني: في فقه هذه الأحاديث، وقلت: دار فقه الأحاديث على ثلاثة أمور: الأمر الأول: حول الاستتار عند قضاء الحاجة، وأن الإنسان لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، وإذا قضى حاجته وأراد أن يقوم يرخي ثوبه ويسدله قبل أن ينتصب قائماً، وبينت أن هذا أدب رفيع ينبغي أن يحافظ عليه المسلمون.والأمر الثاني: في النهي عن مس الذكر باليمين، وعن الاستجمار أو الاستنجاء باليمين، وبينت هذا في فقه الحديث.وختمت الكلام بالأمر الثالث: في حكم الاستنجاء بالحجارة، وأما الاستنجاء بالماء فسيأتينا تفصيل الكلام عليه بعد أبواب إن شاء الله.وبقي علينا مبحثان: تخريج هذه الأحاديث، وبيان من رواها من أئمة الحديث.المبحث الثاني: تخريج الروايات التي أشار إليها الإمام الترمذي في الباب، وفي نيتي إن يسر الله ووفقنا أن نكمل هذين المبحثين مدارسةً في هذه الموعظة أن نأخذ الباب الثالث عشر فيما يتعلق بمباحثه كلها. الحديث الأول: حديث أنس وحديث عبد الله بن عمر ، رواه الإمام أبو داود مع الإمام الترمذي من أهل الكتب الستة فقط، ورواه البيهقي والدارمي عن أنس رضي الله عنه وأرضاه، وقال الدارمي بعد رواية حديث أنس: هذا أدب ينبغي الالتزام به، وهذا أدب في الشريعة المطهرة، كأنه يشير بذلك إلى أن هذا ليس من باب الوجوب وإنما من باب الشيم المحمودة التي ينبغي أن يتصف بها المسلم.
 شواهد لحديث: (من أراد الحاجة...)
في هذا الباب -كما ترون- ما أشار الترمذي إلى أحاديث في الباب، كما يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، وقد وقفت على رواية في الباب بمعنى حديث أنس وابن عمر مروية عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، لكنها من طريق ثالث، هذه الرواية في معجم الطبراني الأوسط، كما هي في مجمع الزوائد في الجزء الأول صفحة ست ومائتين، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض)، وفي الإسناد الحسين بن عبيد الله العجلي ، قال الهيثمي : قيل: كان يضع الحديث، وإلى مثل هذا ذهب ابن حجر في لسان الميزان في الجزء الثاني صفحة ست وتسعين ومائتين، فذكر هذا الحديث أيضاً في ترجمته وقال: قيل: كان يضع الحديث، وقد حكم عليه بذلك الإمام الذهبي أيضاً في المغني في الضعفاء في الجزء الأول صفحة ثلاث وسبعين ومائة، وقال: كان ممن يضع الحديث.إذاً: وفي الباب رواية جابر ، لكنها ضعيفة وهي بمعنى حديث أنس وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين. ورواية جابر أشار إليها الشيخ المباركفوري في تحفة الأحوذي في الجزء الأول صفحة أربع وعشرين وسكت عن بيان حالها ودرجتها، وهذا قصور وتقصير قطعاً وجزماً، وإذا كانت الرواية فيها من هو متهم بالوضع، فلا بد من بيان حاله، فهو لم يتكلم نحوها بأي كلمة إنما أشار إلى أن هذه الرواية، رواها الإمام الطبراني في الأوسط كما في فيض القدير، أي: في شرح الجامع الصغير للإمام السيوطي ، وفيض القدير للإمام المناوي ، وليته أيضاً انتبه لما في فيض القدير، فالمناوي نقل عن الهيثمي هذا الحكم الذي ذكرته لكم وهو في مجمع الزوائد، وانظر كلام المناوي في الجزء الخامس صفحة اثنتين وتسعين من فيض القدير، والعلم عند الله جل وعلا.
تخريج حديث أبي قتادة: (نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يمس الرجل ذكره بيمينه) ورواياته
الحديث الثاني في الباب الحادي عشر: حديث أبي قتادة ، والإمام الترمذي قال: هذا حديث حسن صحيح، وتقدم معنا أن: حسن صحيح، بمعنى: حسن وصحيح، أو حسن أو صحيح، يعني: إن جمعا فلتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فالاعتبار فيما بينهم. وهذا الحديث في أعلى درجات الصحة، وقد اتفق على إخراجه أهل الكتب الستة في الصحيحين والسنن الأربعة، ورواه الإمام أحمد في المسند، كما رواه ابن خزيمة في صحيحه، وابن حبان في صحيحه أيضاً، والبيهقي في السنن الكبرى، والدارمي في مسنده.ولفظ الحديث كما مر معنا (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل أن يمس ذكره بيمينه). قوله: وفي الباب عن عائشة وسلمان وأبي هريرة وسهل بن حنيف أربع روايات، نتدارس تخريجها.
 تخريج رواية: سهل بن حنيف
قال الترمذي: وفي الباب عن عائشة وسلمان وأبي هريرة وسهل بن حنيف، حديث سهل تقدم معنا في الباب السادس لكن ليس فيه هذا الشاهد.وقال الشيخ المباركفوري في تحفة الأحوذي في الجزء الأول صفحة ست وعشرين: لم أقف على رواية سهل بن حنيف التي فيها: أن اليمين لا تستعمل في الاستنجاء والاستجمار، ولا يمس بها الذكر. قلت: هي في المسند كما تقدم معنا، وعزوتها إلى سنن الدارمي ، وهي -أيضاً- في المستدرك في الجزء الثالث صفحة اثنتي عشرة وأربعمائة، ورواها عبد الرزاق في مصنفه في الجزء الثاني صفحة إحدى عشرة وأربعمائة، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أرسل سهل بن حنيف إلى مكة قال: (أنت رسولي إلى أهل مكة، فأقرئهم مني السلام، وقل لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بثلاث -تقدم معنا الحديث-: ألا تحلفوا بغير الله، وإذا تخليتم فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولا تستنجوا بعظم ولا بعر)، وليس في الرواية: ولا تستنجوا باليمين، أو لا تمسوا ذلك المكان باليمين، فرواية سهل بن حنيف إما هي هذه وفيها زيادة في بعض الروايات، أو هي أخرى والعلم عند الله جل وعلا، إنما هذه فيها كرواية أبي أمامة التي تقدمت معنا، ولم يمكن الوقوف عليها على حسب علمنا وجهدنا وقصورنا وضعفنا.قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، لا شك في ذلك؛ فهو في الكتب الستة. انتهينا إذاً من حديث الباب الحادي عشر والروايات التي في الباب.
تخريج روايات حديث سلمان ضمن قول الترمذي: (وفي الباب...)
حديث الباب الثاني عشر: وهو حديث سلمان رضي الله عنه ذكر بعده الإمام أبو عيسى أحاديث أخرى فقال: وفي الباب عن عائشة وخزيمة بن ثابت وخلاد بن السائب عن أبيه، وهو السائب بن خلاد. هذه ثلاث روايات فيها دلالة على مشروعية الاستنجاء بالحجارة. ‏
 تخريج رواية السائب بن خلاد
وأما رواية السائب بن خلاد فرواها الطبراني في معجمه الكبير، والأوسط، وأيضاً في الجزء الأول صفحة إحدى عشرة ومائتين من مجمع الزوائد: لكن في الإسناد حماد بن الجعد ، وقد أجمعوا على ضعفه، هذا كلام الهيثمي في المجمع.وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: حماد بن الجعد ضعيف، ثم رمز له (خت)، أي: أن البخاري روى عنه معلقاً، ولم يرو له أحد من أهل الكتب الستة.ولفظ حديث السائب بن خلاد عن نبينا عليه الصلاة والسلام: (إذا دخل أحدكم الخلاء فليمسح بثلاثة أحجار).إذاً: عندنا روايات أربع: عن عائشة ، وعن خزيمة بن ثابت ، وعن جابر ، وعن خلاد ، ورواية عائشة صحيحة بنفسها، ورواية جابر كذلك في صحيح مسلم، ورواية خزيمة تقدم معنا أن فيها أبو خزيمة وهو مقبول، وهنا رواية السائب بن خلاد فيها كما قلت: حماد بن الجعد ، لكن يشهد لهذين الحديثين حديث سلمان ، وجابر ، وعائشة ، ويدل على المطلوب وهو: أن الاستجمار بالحجارة جائز مشروع.
روايات أخرى لم يذكرها الترمذي ضمن باب الاستنجاء بالحجارة
والترمذي اقتصر على هذه الروايات الأربع، ويحسن أن أزيد عليها روايات أخرى رويت في الباب لم يذكرها رحمة الله عليه.
 الرواية الحادية عشرة: رواية أبي
الرواية الحادية عشرة -وهي آخر شيء-: رواية أبي سعيد الخدري وهي ثابتة في الصحيحين، ولفظ الحديث من رواية أبي هريرة وأبي سعيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر).هذه إحدى عشرة رواية مع الروايات الأربع التي أشار إليها الإمام الترمذي في الباب، فصار معنا خمس عشرة رواية، ومع رواية سلمان صارت ست عشرة، كلها تدل على مشروعية الاستجمار بالحجارة، وأن ذلك يجزئ، وتقدم معنا أنه لا خلاف في ذلك عند أئمتنا الكرام، نعم خالف في ذلك بعض الشيعة كما تقدم معنا، وقلت: لا يعتد بكلامهم.وأما الاستنجاء بالماء فسيأتينا حكمه وقلت: إنه خالف فيه عدد من السلف الكرام، وبينت التوجيه لما نقل عنهم رضي الله عنهم، أما الاستجمار بالحجارة: فهذا متفق على جوازه لم ينقل عن أحد من السلف المنع منه كما تقدم معنا، وكما قلت: نقل عن بعض من لا يعتد بكلامه وبخلافه، وهذه أحاديث كلها تدل على ذلك، أكثر من عشر روايات كلها ثابتة بنفسها، وما فيه شيء من الضعف ينجبر بهذه الروايات المتعددة، ويمكن أن يقطع بذلك الإنسان؛ لأن هذا الأمر ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام عن طريق التواتر والعلم عند الله عز وجل، هذا فيما يتعلق بهذه المباحث الأربعة حول هذه الأحاديث الثلاثة.حديث أنس ، وابن عمر الذي هو أول الأحاديث التي تكلمنا عنها وتدارسناها في هذه الموعظة وهو حديث الباب العاشر: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض)، قلت: إن الحديث من رواية الترمذي وأبي داود منقطع، لكن حصل بيان اتصاله في رواية البيهقي وغيره.
وقفات مع الناقدين لأحاديث في الصحيحين في هذا العصر
عند هذا أحب أن أنبه إلى أمر: وهو أنه ينبغي على طالب علم الحديث بأن يعنى بالبحث عن الروايات، وتعدد طرق الحديث ومخارجه؛ ليزول عنه خفاء في بعض الروايات، وأحياناً هذا الخفاء قد يتعلق بالمعنى، وأحياناً قد يكون حول الإسناد، فإذا جمعت الروايات زال عنك الإشكال، وهذا كان متوفراً لأئمتنا في منتهى اليسر والسهولة، ولذلك كان الواحد منهم يحفظ الحديث أحياناً من مائة طريق، فما يوجد لبس في طريق يزول بالطرق الأخرى، ونحن جئنا في هذا العصر على حسب حالنا -ونسأل الله أن يتوب علينا- إذا اطلعنا على طريق فرحنا به، ثم بعد ذلك أحياناً نتطاول على أئمتنا.عند هذا المبحث أريد أن أبين أمراً ينبغي أن نعيه تمام الوعي، وهو أنه ما نقل عن أئمتنا من تضعيف لبعض الأحاديث كما قال الإمام الترمذي هنا: وكلا الحديثين مرسل، إذا نحن وقفنا على طريق يزول به الضعف الظاهري فلنحمد الله، وهذا لا يكون في الحقيقة أننا خالفنا الإمام، فالإمام إنما حكم على الطريق التي عنده، ونحن عندنا رواية هنا عن القاسم بن محمد، عن ابن عمر رضي الله عنهما -مثلاً- فهذا شيء لا إشكال فيه، لكن الذي ينبغي أن نحذره غاية الحذر، ومن خاض فيه ينبغي أن نقطع لسانه، ألا وهو: أن ما صححه أئمتنا فلنقف عن تضعيفه، والله أولئك ما صححوه إلا عن بينة ويقين، وقد يكون الطريق الذي بلغنا لحديث صحح، وقد يكون كلاماً، لكن عندهم من الأمور التي تزيل ما وقفنا عليه، والجاهل لم يقف على ما يزيل هذا الوهم فعندهم الشيء الكثير، فما صححوه دعه لهم وخذه منهم، واحذر أن تنازعهم فيما ضعفوه، فعندما تقف على رواية تقول: هو ضعف هذه الرواية -كما معنا مثلاً- يقول: كلا الحديثين مرسل، قل: حديث روي من هذا الطريق حكم عليه بالانقطاع، فهو مصيب، وليس عندما نقول: هذا الانقطاع زال في رواية أخرى، أننا نخطئه لا ثم لا، بل قلنا: مع انقطاع الحديث استدل أئمتنا به، وبنوا عليه ذلك الحكم الشرعي، لكن إذا صحح الحديث فقف عند حدك، لا سيما إذا كان الحديث في الصحيحين، والله إن الكلام عليه إذا كان في الصحيحين أو في أحدهما قاصمة الظهر. وفي هذا العصر فتح باب باسم الاجتهاد، وغربلة السنة وتمحيصها وتحقيقها، ونشهد كل يوم ثورات وحملات على سنة خير البريات عليه الصلاة والسلام باسم تنقية السنة، ما سلم صحيح البخاري ولا صحيح مسلم من هذه الغربلة التي يدعيها هؤلاء.
 رد ابن حجر على الاستدلال بانتقاد المتقدمين للصحيحين
قلت: وما حصل من اعتراض من بعض الأئمة على بعض الأحاديث التي في صحيح البخاري ، يقول الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله في رد هذا في كتاب هدي الساري في شرح مقدمة صحيح البخاري في صفحة ست وأربعين وثلاثمائة، يقول: هذه الاعتراضات التي وجهت على صحيح البخاري من الدارقطني وغيره، نجيب عنها بجوابين: جواب إجمالي وجواب مفصل.أما الجواب الإجمالي فنقول: لا ريب في تقديم البخاري ومسلم على علماء عصرهما، وعلى العلماء الذين جاءوا بعدهم، وهذا لا نزاع فيه، فـالبخاري ومسلم أعلم العلماء في عصرهم ومن بعدهم، فهم أولى وأعلم ممن بعدهما.يقول: وعليه فما أورداه في الصحيح فهو صحيح، ولا يمكن أن يكون فيه علة، فالإمام البخاري ومسلم تلقيا وأخذا العلم عن الإمام علي بن المديني وهو أعلم أقرانه بالعلل، وعن محمد بن يحيى الذهلي وهو أعلم الناس بعلل حديث الزهري ، وقال البخاري عليه رحمة الله: عرضت هذا الجامع من أوله إلى آخره على أبي زرعة ، فما قال فيه علة تركته، وقال أيضاً: ما أدخلت في الجامع حديثاً إلا بعد أن استخرت الله، وتيقنت صحته.علي بن المديني ، والذهلي ، وأبو زرعة ، والبخاري كلهم مشتركون -الآن- في الجامع الصحيح وإن كان ينسب إلى البخاري .ونحن نقول للمعترض: هذا إمام، وأنت مهما عليت إمام، لكن إمامة من أعلى؟ إمامة البخاري ، وإذا كانت إمامة البخاري أعلى من إمامتك، فذهب كلامك، وثبت كلام الإمام البخاري ، أوليس كذلك؟ فهو أعلم منك بهذه الصنعة، هو يصحح ويقول: هذا الحديث شاركني فيه الحفاظ وعرضته عليهم، ولا يوجد الآن في هذا الصحيح حديث فيه علة، وعليه لو قدر أننا اطلعنا على علة إما أن هذه العلة غير مؤثرة، وإما أنها ليست بعلة ونحن توهمناها علة، أو علة ولكن ليست مؤثرة، هذا لا بد من أن نجزم به.الأمر الثاني: يقول الحافظ ابن حجر : كما دخلت أنت مع البخاري نحن ندخل، أنت تعترض أحاديثه فنرد اعتراضك عليك اعتراضاً اعتراضاً، ونثبت صحة فعل الإمام البخاري في صحيحه، فنناقشك مناقشةً تفصيلية ثم نقول: كل ما اعترضته على البخاري فله متابع، وله عاضد، وله شاهد أي: يوجد قرينة في الجملة تقويه، وعليه فالتصحيح من حيث المجموع -هذا لو سلم لك أنه يوجد اعتراض في راوٍ معين- وبذلك تسلم أحاديث الصحيح، وكما قلت: هذه شيء من الانتقادات وجدت في العصر الأول وزالت وانقضت.
مناقشة الألباني في تضعيفه حديث يحيى بن سليم في صحيح البخاري
وفي هذا العصر الإنسان يتعجب غاية التعجب -ويعلم الله لا علم لي سابقاً بهذا- اليوم صباحاً بعد صلاة الفجر بينما أتصفح بعض الأحاديث التي تلزمني في موضوع الدرس والخطبة، ثم وقف نظري على حديث في ضعيف الجامع الصغير وزياداته للشيخ الألباني ، نسب الحديث السيوطي ؛ لأن الألباني إنما رتب تلك الأحاديث على طريقته: صحيح وضعيف، وهذا في الأصل جامع الصحيح، وهكذا الزيادات التي ضمت إليه في الفتح الكبير، فهو مجرد ترتيب لكن: صحيح وضعيف، كما جاء للترمذي ولغيره، في هذا وقف نظري صبح اليوم بعد صلاة الفجر يقول -الحديث في المسند والبخاري-: الألباني ضعيف، قلت: -سبحانك ربي!- لعله في الطباعة خطأ، ثم أحال إلى مصدر، ورأيت الكلام متضارباً غاية الاضطراب والتناقض، في صفحة تسعين وخمسمائة. فالطرق التي نقف عليها -كما قلت- لنبني، لا نأتي لنهدم -انتبه ماذا يقول- قال الله تعالى في الحديث القدسي: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه فلم يعطه أجره)، فالحديث كان مقرراً في المرحلة الثانوية.يقول الإمام السيوطي : (حم) يعني: المسند و(خ) يعني: البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، والحديث أيضاً في سنن ابن ماجه ، ورواه ابن الجارود في المنتقى، والبيهقي في السنن الكبرى، والطحاوي في مشكل الآثار.يقول الألباني : ضعيف، سبحانك ربي! فهل هذا من الطباعة أم لا؟ لا أعلم، وكتاب ضعيف الجامع الآن موجودة عندي منه الطبعة الثالثة، ألف وأربعمائة وعشرة، وما أعلم هل هو من المتقدم أو من المتأخر في الكتاب؟يقول هو: انظر إرواء الغليل، ورقم الحديث تسع وثمانون وأربعمائة بعد الألف، في الجزء الخامس صفحة ثمان وثلاثمائة، والإنسان يرى ما يسره وما يضره عندما يقرأ في كتب المحدثين في هذا الحين، يقول هنا: وفيه -أي: في الصحيح- على حسب منار السبيل الذي يخرج أحاديثه: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يؤته أجرته) -انتبه- يقول: حسن أو قريب منه. هل هذه خدمة للسنة أم تلاعب بها؟ هناك ضعيف، وهنا حسن أو قريب منه، هذا الحديث في صحيح البخاري ، أنت تقول: أخرجه البخاري في صحيحه، وكذا ابن ماجه ، وكذا الطحاوي ، وكذا الإمام أحمد ، وكذا ابن الجارود وبدأ يعدد، ثم يقول: قلت: وهذا الحديث مع إخراج البخاري إياه في صحيحه فالقلب لم يطمئن لصحته؛ ذلك لأن مدار إسناده على يحيى بن سليم ، وهو الطائفي ، وقد اختلفت أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه.
 ترجمة ابن حجر ليحيى بن سليم
وفي التهذيب -حقيقةً- أطال الإمام ابن حجر في ترجمته وذكر أشياء أخرى لم يذكرها هنا: يحيى بن سليم القرشي الطائفي أبو محمد ويقال : أبو زكريا المكي الحذاء قال ابن سعد : طائفي سكن مكة، روى عن عبيد الله بن عمر العمري ، وموسى بن عقبة ، وداود بن أبي هند وابن جريج وإسماعيل بن أمية ، وعبد الله بن عثمان بن خثيم ، وعثمان بن الأسود ، وإسماعيل بن كثير ، والثوري ، وعمران القصير وغيرهم، روى عنه وكيع وهو من أقرانه، والشافعي وابن المبارك ومات قبله، أبو بكر بن أبي شيبة ، وبشر بن عبيس وإسحاق بن راهويه والحميدي وقتيبة ، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر ، وهشام بن عمار ، والحسين بن حريث ، ويوسف بن محمد العصفري ، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، وأحمد بن عبدة الضبي ، والحسن بن محمد الزعفراني ، والحسن بن عرفة وآخرون. قال الميموني عن أحمد : سمعت منه حديثاً واحداً، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: يحيى بن سليم كذا وكذا، والله إن حديثه يعني: فيه شيء، وكأنه لم يحمده.وقال في موضع آخر: كان قد أتقن حديث ابن خثيم ، فقلنا له: أعطنا كتابك، فقال: أعطوني رهناً. الدوري عن ابن معين : ثقة، وقال أبو حاتم : شيخ صالح، محله الصدق، ولم يكن بالحافظ، يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال: ابن سعد كان ثقةً، كثير الحديث، وقال النسائي : ليس فيه بأس، وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر ، وقال الدولابي : ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ، مات سنة ثلاث، أو أربع وتسعين ومائة، وقال البخاري عن أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بزة : مات سنة خمس وتسعين -يعني ومائة- وهو مكي، كان يختلف إلى الطائف فنسب إليه، قلت: وقال الشافعي : فاضل كنا نعده من الأبدال -وهو شيخ الشافعي -، وقال العجلي : ثقة، وقال يعقوب بن سفيان سني، رجل صالح، وكتابه لا بأس به، وإذا حدث من كتابه فحديثه حسن، وإذا حدث حفظاً فتعرف وتنكر، وقال النسائي في الكنى: ليس بالقوي، وقال العقيلي : قال أحمد بن حنبل : أتيته فكتبت عنه شيئاً، فرأيته يخلط في الأحاديث، فتركته وفيه شيء، قال أبو جعفر : ولين أمره.قال الساجي : صدوق يهم في الحديث، وأخطأ في أحاديث رواها عن عبيد الله بن عمر ، لم يحمده أحمد ، وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالحافظ عندهم، وقال الدارقطني : سيئ الحفظ، وقال البخاري في تاريخه وفي ترجمة عبد الرحمن بن نافع : ما حدث الحميدي عن يحيى بن سليم فهو صحيح.هذا الكلام في نهاية أمره -كما قلت- نستنبط منه هذا الأمر، ألا وهو أن حديث هذا الإنسان إذا حدث من كتابه، وإذا حدث عنه الحميدي ، وإذا لم يحدث عن عبيد الله بن عمر العمري ، فحديثه صحيح إن شاء الله. ولذلك فتح الكلام في تضعيف أحاديث ثابتة في صحيح البخاري بلية من البلايا ورزية من الرزايا، فلنحذر هذا إخوتي الكرام، ولما كنت أراجع هذا الأمر وما يتعلق به وكنت ذكرت فيما يتعلق من الأنباء الغريبة في الأحاديث التي في سنن الترمذي ، يقول الألباني في صفحة ثلاثين من سلسلة الأحاديث الضعيفة في الجزء الثالث: قلت: تساهل الترمذي إنكاره مكابرةٌ لشهرته عند العلماء، وقد تتبعت أحاديث سننه حديثاً حديثاً، فكان الضعيف منها نحو ألف حديث، أي: قريباً من خمس مجموعها.نستكمل كلام الألباني فيما يأتي، ونرد عليه إن شاء الله.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا، اللهم اغفر لمن علمنا، ولمن تعلم منا، اللهم اغفر لوالدينا، وارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب الاستتار عند الحاجة، والاستنجاء باليمين، والاستنجاء بالحجارة [7] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net