اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب الاستتار عند الحاجة، والاستنجاء باليمين، والاستنجاء بالحجارة [3] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب الاستتار عند الحاجة، والاستنجاء باليمين، والاستنجاء بالحجارة [3] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
إن الله يصطفي من خلقه ما يشاء، ويصطفي لنصرة دينه من يشاء، وممن هداهم الله لهذا الدين الصحابي الجليل: سلمان، وهو فارسي الأصل، وقد قرأ الكتب السابقة، وكان نصرانياً عليماً حكيماً، ثم ولي على المدائن من قبل عمر، وضرب أمثالاً رائعة في الزهد والورع والعبادة والصراحة، وأعطاه الله من الفقه ما لم يكن لغيره، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي الدرداء، وكانت بينهما مكاتبات ووصايا.
إخبار سلمان الفارسي عما وقع في الأمم السابقة
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فكنا شرعنا في الموعظة الماضية في مدارسة الباب العاشر والبابين بعده من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وهذه الأبواب الثلاثة دارت حول ثلاثة أمور، أولها: الاستتار عند قضاء الحاجة، وثانيها: كراهة الاستنجاء باليمين، وثالثها: الاستنجاء بالحجارة وهو الاستجمار، وكما هي عادتنا إخوتي الكرام بعد سرد الأحاديث الواردة في الأبواب التي يوردها الإمام الترمذي نتدارس أولاً ما يتعلق بأسانيد الأحاديث، ثم نتدارس فقه الأحاديث، ثم بعد ذلك نستعرض تخريج الأحاديث وبيان درجتها، ونختم الكلام بالإشارة إلى الروايات التي ذكرها الإمام الترمذي في الباب.وكنا نتدارس المبحث الأول من هذه المباحث الأربعة في الموعظة الماضية في ترجمة رجال الأسانيد لهذه الأحاديث، وانتهينا من ذلك، وشرعنا في ترجمة مفصلة موجزة لـسلمان الخير ابن الإسلام حكيم هذه الأمة رضي الله عنه وأرضاه.وقلت: سنتدارس ترجمته ضمن ثلاثة أمور:أولها: فيما يتعلق بإسلامه وقد مضى الكلام عليه، وبينت أحواله، وأنه على المعتمد عاش خمسين ومائتي سنة على أقل التقدير، نعم اختلف أئمتنا فيما زاد على ذلك، وذكرت وفاق الإمام الذهبي للجمهور في هذا القول، ثم كيف خالفهم بلا مستند كما وضحت هذا وقررته فيما مضى. وأما المبحث الثاني في منزلة سلمان الإسلام رضي الله عنه وأرضاه فتقدم معنا أنه هو سابق الفرس، كما أن نبينا عليه الصلاة والسلام هو سابق العرب، وبينت أنه من أهل البيت رضي الله عنه وأرضاه، وذكرت الروايات الواردة في ذلك، وقلت: فيها ضعف مرفوعةً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن يشهد لها ما ثبت بإسناد صحيح كالشمس عن أمير المؤمنين رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه بأن: سلمان منا أهل البيت، وأنه حكيم هذه الأمة، أدرك العلم الأول والآخر، وقرأ الكتاب الأول والآخر، وهو منا أهل البيت وبحر لا يدرك قعره، كما تقدم معنا أثر علي رضي الله عنه، وقلت: رواه يعقوب الفسوي في كتاب المعرفة والتاريخ، كما رواه أبو نعيم في الحلية وأحمد بن منيع في مسنده، ورواه الطبراني في معجمه الكبير كما في المطالب العالية، وابن سعد في الطبقات، وقلت: إن إسناد الأثر صحيح عندما سئل عن أصحابه ومنهم سلمان رضوان الله عليهم أجمعين، فقال: عن لقمان الحكيم تسألوني، أدرك العلم الأول والآخر، وقرأ الكتاب الأول والآخر، هو منا أهل البيت بحر لا يدرك قعره، وقلت: هذا بمعنى الرواية المرفوعة وفي إسنادها ضعف عن نبينا عليه الصلاة والسلام: (سلمان منا أهل البيت). وقلت: جرى من نبينا عليه الصلاة والسلام هذا الكلام تطييباً لثلاثة أصناف من المسلمين الكرام، تطييباً لنفوس المهاجرين والأنصار ولنفس سلمان ؛ لأنه عندما ادعاه المهاجرون وادعاه الأنصار فلو نسبه إلى واحد من هاتين الفرقتين القليلتين ينكسر خاطر الفرقة الثانية والقليلة الثانية، وإذا قال له: أنت عدادك لست من المهاجرين ولا من الأنصار ينكسر خاطره، فلا بد إذاً من إرضاء الجميع بحل، الكل يفرح به، فقال: (سلمان منا أهل البيت). وختمت الأمر الثاني بما ثبت في صحيح مسلم وغيره من قول نبينا عليه الصلاة والسلام لـأبي بكر : (إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك)، وذكرت الحديث مفصلاً وقلت: إنه صحيح مروي في المسند وفي صحيح مسلم وغير ذلك، فهذا يدل على منزلة سلمان في الإسلام، سابق الفرس، من أهل البيت، حكيم هذه الأمة، ولقمان هذه الأمة، إذا أغضبه الإنسان فقد أغضب ذا الجلال والإكرام. إن حال سلمان كما تقدم معنا أنه قرأ الكتاب الأول والآخر، وعلم العلم الأول والآخر، فكان سلمان رضي الله عنه يحدثنا عما وقع في الأمم السابقة، وقد اطلع ورأى وقرأ وسمع ما جرى فيهم، فمن ذلك:ما ثبت في حلية الأولياء لـأبي نعيم في الجزء الأول في صفحة ست ومائتين عن أبي عثمان النهدي رحمه الله قال: قال سلمان رضي الله عنه: كانت امرأة فرعون تعذب وتظلها الملائكة، وكانت ترى بيتها في الجنة، تعذب لكن عندها ما يسليها، الملائكة تظللها، وترى أيضاً بيتها في الجنة الذي سألته من ربها: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ [التحريم:11].فإن قيل: إذا بلغت زوجة فرعون تلك المنزلة التي ترى فيها منزلها والملائكة تظللها، هلاَّ رفع الله البلاء عنها؟فنقول: لا تعترض على قدر الله جل وعلا، فهذه الدنيا من أولها لآخرها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وإذا أهين فيها أهل الإيمان وعذبوا فلا منقصة عليهم، لكن الخسارة هي التي تقع في الآخرة، فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15] ، أما أن يخسر الإنسان الدنيا وأن يعذب وأن يمتهن وأن يسجن وأن يفترى عليه، فلا ضير عليه، (وأشد الناس بلاءً في هذه الحياة -كما تقدم معنا- الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل). ونقل أيضاً سلمان عن أخبار الأمم السابقة، كما في حلية الأولياء، قال: وجوع لإبراهيم خليل الرحمن على نبينا وعليه الصلاة والسلام أسدان ضاريان فأرسلا عليه، فبدآ يلحسانه ويسجدان له- والله على كل شيء قدير- أرسلا عليه من قبل العاتي في ذلك الزمن النمرود ، فحفظه الله من شرهما، فبدآ يلحسانه ويتبركان به، ويسجدان له. وثبت أيضاً في حلية الأولياء في الجزء الأول صفحة ثلاث ومائتين عن طارق بن شهاب البجلي ، وقد رأى النبي عليه الصلاة والسلام كما قال أبو داود ، فله شرف الصحبة، لكن لم يثبت سماعه منه ولم يرو عنه فهو صحيح، وقد توفي سنة ثلاث وثمانين للهجرة، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل رجل النار في ذباب، قالوا: وكيف؟ قال: مر رجلان على قوم عندهم صنم يعبدونه، فقالوا لهذين الرجلين: قربا لهذا الصنم شيئاً، فقال أحدهما: ما عندي شيء أقربه لصنمكم، قالوا: قرب له ذباباً، فاصطاد ذبابةً وقربها إلى الصنم فخلوا سبيله فدخل النار -لأنه عظم طاغوتاً من الطواغيت، وصرف حق الله جل وعلا لغيره، هذا هو شرك، ولا يشترط أن تسجد له وأن تموت في سبيله، بل إذا كان في قلبك تعظيم لغير الله جل وعلا، فهذا هو الشرك- وأما الآخر فقال: ما كنت لأقرب لغير الله شيئاً، فضربت رقبته، فدخل الجنة.والأثر -كما قلت- في حلية الأولياء بإسناد صحيح عن طارق بن شهاب البجلي عن سلمان الفارسي رضي الله عنهما، وقد رواه الإمام أحمد في الزهد في صفحة خمس عشرة، لكن وقع في الطبعة المطبوعة وما عندي غيرها، وما أعلم إذا طبع كتاب الزهد للإمام أحمد طبعةً أخرى، طبعة ليست محققة فيها بدل سلمان سليمان ، وهذا خطأ إنما هو سلمان ويراد به الفارسي كما هو في حلية الأولياء.وقد روى الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد حديث الذبابة، ونسبه إلى نبينا المجيد عليه الصلاة والسلام، فقال: روى طارق بن شهاب البجلي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل رجل النار في ذباب)، وقال بعد ذلك: رواه الإمام أحمد ، وهذا وهمٌ من ناحيتين:لم يروه الإمام أحمد في المسند، وإذا أطلق أنه رواه الإمام أحمد فيراد المسند، وليس كذلك فليس في المسند.والأمر الثاني: أن الأثر ليس من رواية طارق عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هو من رواية طارق عن سلمان ، والشيخ وهم في الأمرين، والذين حققوا بعد ذلك كتبه في الأسبوع الذي سموه بأسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب حافظوا على الوهم في هاتين القضيتين، وما حققوا الكلام في ذلك، وهذا خطأ، ولذلك ينبغي أن تنتبهوا لذلك، وإذا قرأ أحد كتاب التوحيد فليعلم أن هذا الأثر ليس في المسند، وليس من رواية طارق بن شهاب عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وإنما هو من رواية طارق بن شهاب عن سلمان رضي الله عنهما، والأثر أيضاً في الحلية كما وضحت لكم فكونوا على علم بذلك، والعلم عند الله عز وجل. هذا كله كما قلت يتعلق بالأمر الثاني في منزلة سلمان في الإسلام، وله هذه المكانة، وكان أيضاً ينقل لنا عن الكتب السابقة وعما فيها من أخبارٍ وفوائد وفرائد.
 

نماذج من عبادة سلمان وجده وحكمته وزهده
الأمر الثالث في ترجمة سلمان -كما قلت- عبادته وجده وبصيرته وحكمته. كان رضي الله عنه أواباً منيباً، خاشعاً قانتاً، وجلاً خائفاً من ربه عز وجل، وهو من الصحابة الأخيار رضوان الله عليهم أجمعين.ثبت في كتاب الزهد للإمام أحمد -ليس في المسند- وعند ابن ماجه في سننه وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، والطبراني في معجمه الكبير، وهو في طبقات ابن سعد ، وحلية الأولياء لـأبي نعيم ، وإسناد الأثر صحيح، عن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه قال: اشتكى سلمان رضي الله عنه وأرضاه، فزاره نفر من الصحابة الكرام، عيادة للمريض، منهم سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ، فبكى سلمان فقال له سعد : علام تبكي يا سلمان ؟ أليس قد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدأ يعدد عليه مناقبه وفضائله، فقال سلمان : والله ما أبكي واحدةً من اثنتين: ما أبكي ضناً على الدنيا وبخلاً بها وحرصاً عليها، ولا كراهيةً للقاء الله، ولكن أبكي لأن النبي عليه الصلاة والسلام عهد إلينا عهداً ما أراني إلا قد ضيعته، قالوا: وما هو؟ قال: عهد إلينا عهداً فقال: (ليكن زاد أحدكم في الدنيا كزاد الراكب)، والراكب عندما يسافر يأخذ بمقدار حاجته وسفره، ولا يحمل سيارته ودابته ما يحتاجه إلى سنوات كثيرة، إنما ما يكفيه في سفره؛ لئلا يتعب نفسه، ولئلا يتعب دابته، فالنبي عليه الصلاة والسلام عهد إلينا هذا فما أراني إلا قد فرطت وتعديت، ثم التفت إلى سعد وقال: وأنت يا سعد اتق الله في حكمك إذا حكمت، وفي همك إذا هممت، وفي قسمك إذا قسمت، وإنما ذكره بذلك لأنه كان أميراً على بلاد العراق، فيذكره سلمان بما ينبغي أن يقوم به نحو رعيته، ما ذكره سلمان رضي الله عنه وأرضاه حتى اتهم نفسه بأنه تعدى.
 صراحة سلمان وبعده عن التكلف
وكان عند سلمان صراحة ووضوح، وهذا حال الأتقياء في هذه الأمة، برآء من التكلف، انظر لهذه القصة التي جرت ولوضوح كلامه وفعله فيها، والأثر رواه الطبراني في معجمه الكبير كما في مجمع الزوائد في الجزء الثامن صفحة اثنين وسبعين ومائة، وإسناد رجاله رجال الصحيح غير محمد بن منصور الطوسي، وهو ثقة، عن شقيق بن سلمة قال: دخلت أنا وصاحب لي على سلمان رضي الله عنه، فقدم لنا خبزاً وملحاً، وكان على المدائن يغمس الخبز بالملح ويأكل ويشرب الماء، ثم قال: لولا أنا نهينا عن التكلف لتكلفت، يعني لولا أنه نهي الإنسان أن يكلف نفسه ما لا يستطيعه، فإذا كان عندك من ألوان الأطعمة، وقدمت خبزاً وملحاً، فهذه دناءة وحقارة وسفاهة وبخل وقلة دين وعدم إكرام لهذا الضيف، أطعم الناس مما تأكل، فقوله: لولا أنا نهينا عن التكلف لتكلفت، يعني: ممكن أن أبيع ثوبي، أو أرهن درعي، أعمل أي شيء من أجل أن أتكلف، لكن نهينا عن التكلف.وكما قلت: الأثر إسناده صحيح، والنهي من قبل نبينا عليه الصلاة والسلام، فقال هذا الصاحب الذي مع شقيق : لو كان في ملحنا صعتراً، لعله: شيء من البهارات، يعني ملح لكن معه شيء من الفلفل، فخرج سلمان ورهن درعه وأتاهم بصعتر، ووضعها على الملح فأكلوا، فقال هذا الضيف الذي مع شقيق: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا، فقال له سلمان بصراحة: لو قنعت بما رزقت لم تكن درعي مرهونة. نكتفي بذلك.والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب الاستتار عند الحاجة، والاستنجاء باليمين، والاستنجاء بالحجارة [3] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net