اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وباب الرخصة في ذلك [5] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وباب الرخصة في ذلك [5] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
مسألة حكم استقبال القبلة واستدبارها عند البول أو الغائط من المسائل التي كثرت فيها الآراء وتعددت فيها الأقوال لظهور شيء من التعارض، واحتمال النسخ في أدلتها، ومن هذا الأقوال ما اشتهر من مذهب الإمامين أحمد وأبي حنيفة بالقول بالحرمة مطلقاً، وعلى العكس من ذلك قال عروة وربيعة وداود الظاهري بالجواز مطلقاً مرجحين أدلة الجواز في حين رجح الأوائل أدلة المنع، وهناك من جوزوا مطلقاً في البنيان ومنعوا في الصحراء، وهذا هو أرجح الأقوال في حين أن الأول أحوطها.
أقوال العلماء في النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين! اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين!سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك! سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك!اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس الباب السادس والسابع من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي, عليه وعلى أئمتنا والمسلمين أجمعين رحمة رب العالمين.وهذان البابان يتعلقان بما جاء من النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول، وبما ورد من الرخصة في ذلك.وقد أورد الإمام الترمذي في هذين البابين أربعة أحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام, أولها حديث أبي أيوب رضي الله عنه وأرضاه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. قال أبو أيوب : فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت مستقبل القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله ).قال الإمام أبو عيسى : حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح.والأحاديث الأخرى إخوتي الكرام! ذكرتها ويأتي الكلام عليها مع هذا الحديث ضمن فقه الحديث, وهو المبحث الثاني الذي كنا نتدارسه، وأخذنا قسماً منه في موعظة البارحة بعد أن انتهينا من المبحث الأول من دراسة رجال إسناد هذه الأحاديث الشريفة الثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام.أما المبحث الذي كنا نتدارسه في فقه الحديث إخوتي الكرام! فقلت: إن هذه الأحاديث دلت على أمرين: على النهي والتحريم من استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول، وعلى الترخيص في ذلك. فما هو التوفيق بين هذه الأحاديث وبين هذين الحكمين المتقابلين؟قلت: لأئمتنا البررة في ذلك أربعة أقوال معتبرة، وألحق بها كما قلت ثلاثة أقوال, ومجموع الأقوال في ذلك سبعة كما ذكرت البارحة, وأفصل الكلام عليها في هذه الموعظة إن شاء الله.ولعلنا بعون ربنا ننتهي من الكلام على فقه الحديث في هذه الليلة لنتدارس المبحث الثالث والرابع فيما يتعلق بتخريج الأحاديث, وبيان الروايات التي أشار إليها الإمام الترمذي في قوله وفي الباب.
 أجوبة من قال باستقبال القبلة واستدبارها في البنيان دون الصحراء على المخالفين
وحقيقة ما قالوه هو المعتمد، نقول لهم بعد ذلك: ماذا تجيبون عن تلك الأقوال؟ قالوا: عندنا جواب، إن شاء الله نلحق به بقية الأقوال، وهذا الجواب يرجح قولنا.قالوا: أما الأحاديث المانعة التي رجحها أهل القول الأول فهي محمولة على حالة معينة، وهي الصحراء.الأمر الثاني: أصحاب القول الأول قالوا: العلة من النهي عن الاستقبال والاستدبار لجهة القبلة أنها مكرمة مشرفة مباركة، وإذا نهينا عن ذلك في الصحراء فلننهى عنه في البناء. قال أصحاب هذا القول, وهم الجمهور، العلة كما قلت ولا ننازعكم ولا نخالفكم أنها حرمة القبلة ومكانتها وتشريفها، لكن ورد الشرع بالفرق بين كون الإنسان في البناء أو في الصحراء، فالشارع هو الذي فرق. قال: إذا كنت في بنيان فلا تمنع؛ لأنك لا تستقبل القبلة حقيقة، وإن قيل: إنك تستقبلها عرفاً, لكن حقيقة ما استقبلتها، بينك وبينها حاجز حقيقي أمامك منع من استقبال القبلة.قال الإمام النووي وابن حجر : وقد ورد الشرع بالفرق بينهما على ما قدمناه, فلا يلتفت إلى قياس ومعنى يخالفه. ومع هذا فالفرق بينهما ظاهر, للمشقة التي تقدمت معنا, وهي إحدى الأدلة المعتبرة من أدلتنا.إخوتي الكرام! حقيقة لو وعت الأمة فقه فقهاء الأمة المباركة المرحومة -كما قلت مراراً وتكراراً- لعرفت قدرهم، فالناس ما أتوا إلا بسبب جهلهم، ولذلك عندما يطَّلع بعض الناس في هذه الأيام على حكم قد يرى دليلاً شرعياً عليه، ويرى بعد ذلك أن الأمة تخالف هذا، فيطلق العبارة بلا أدنى توقف، ولو عرضت هذه المسألة على عمر رضي الله عنه لجمع أهل بدر للنظر فيها، وهو بلا أدنى توقف يقول: هؤلاء أهل بدع، فلان مبتدع، والسنة كذا، يا رجل! رفقاً بنفسك، يا رجل! اتق ربك فيما تقول. وبعض الناس من أيام عرض كتاباً وهو إن شاء الله من أهل الخير, لكن كما قلت الأمة تأثرت بهذه اللوثة التي ابتلي بها هذا الشباب الذي غرر بأنه في صحوة, وهو في أشنع أنواع البلوة، وما أعلم أن الأمة الإسلامية مر عليها ظلمات وضلالات كالأيام التي نعيش فيها، ثم يقال لنا: إنكم في صحوة, وأنتم على هدى. ونسأل الله أن يحسن ختامنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين!إخوتي الكرام! هذا الرجل من أهل الخير والصلاح, وأعرفه شخصياً, قدم كتاباً للنظر فيه, يعني: من أجل أمر من الأمور يكتبه بخط يده. أسأل الله أن يفيده ويفيد المسلمين أجمعين. لما جاء في موضوع الصلاة ذكر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يضع يمينه على يساره فوق صدره, ولا يصح غير ذلك، وكل ما عدا هذا لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. يا رجل! رفقاً بنفسك، هي العبارة يعني هكذا؟ المذاهب الأربعة من أولهم لآخرهم ما أحد قال: بوضع اليد فوق الصدر, ولا أقول: من وضع فهو مبتدع, لكن رفقاً بنفسك، ماذا تفعل بالرواية التي رواها الإمام البزار وهي صحيحة ( كان النبي عليه الصلاة والسلام يضع يده عند صدره )؟ يعني: فوق صدره, كرواية ابن خزيمة والتي أيضاً حولها كلام، لكن هي عند صدره, ماذا تفعل في عند هذه التي بمعنى فوق؟! وماذا تفعل بما ثبت عن علي بسند حسن أنه كان يضع يده رضي الله عنه وأرضاه في الصلاة اليمين على اليسرى فوق السرة؟ هذا صحابي يلازم النبي عليه الصلاة والسلام, ماذا تفعل بهذا؟ والإمام الترمذي -رحمه الله- لما حكى اختلاف الصحابة وأئمة المسلمين في هذه قال: بعضهم رأى أن يضع اليد فوق السرة، وبعضهم رأى تحتها، وقال: والكل واسع. لكن ما ذكرت فوق الصدر, هذا بسنن الترمذي التي سنتدارسها ونأتي عنده.يا رجل! هذا مقرر في كتب السنة، ثم تقليداً منك لواحد في هذه الأيام تطلق العبارة هكذا بلا نظر ولا تأمل ولا رجوع, يجزم فيقول: هذه ثابتة، ولم تثبت بعد ذلك كيفية أخرى عن النبي عليه الصلاة والسلام.والله لو عرض هذا الأمر على إمام المسلمين وسيد المحدثين أبي عبد الله البخاري لقال: يا عباد الله! تحتاج إلى نظر, لعل عند غيرنا ما ليس عندنا. والأمر هكذا كتاب سينشر للعامة من أجل أن يتعلموا كيف يصلون، ثم تأتيهم بهذه الإطلاقات التي لا احتراز فيها، من قال: ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام وضع اليد فوق الصدر على العين والرأس، ولو خرجت عن المذاهب الأربعة, وإن كنت أقول ولا أزال: ما خرج عن المذاهب الأربعة ينبغي أن نحترز منه، وأن نتبين أمره غاية التبين, وهل الدليل مقبول عند أئمتنا أم لم يبلغهم, ولم تركوا العمل به؟ بعد هذه التحقيقات ما خرج عن المذاهب الأربعة نعمل به، لكن المذاهب الأربعة لم يعملوا فرأيت حديثاً في المسند على خلاف الأئمة فنعمل به! قف عند حدك. سنة النبي عليه الصلاة والسلام على العين والرأس, لكن هذه كتب السنة ما تحكي ما ذكرت هنا. وغاية ما في الترمذي بعد أن حكى -كما قلت لكم- خلاف الصحابة وأئمة المسلمين في هذا على أنهم يضعون فوق السرة أو تحت السرة, قال: الأمر كله جائز, وفيه سعة.لذلك إخوتي الكرام! لا بد من أن نعي هذه القضية، وهي أن ندرس فقه أئمتنا، وكما قلت في إحدى خطب الجمعة: ندرس أدلة الشرع؛ لنعتبر ونرى كيف أخذ أئمتنا أحكام الشرع من نصوص الكتاب والسنة. ووالله الذي لا إله إلا هو سنزداد بعد ذلك إيماناً بالله جل وعلا، وحباً لأئمتنا الكرام الذين ما عملوه هو من أكبر معجزات نبينا عليه الصلاة والسلام، فقه يعالج أمور الحياة إلى قيام الساعة، استنبطه أئمتنا وقرر في الكتب, يأتي سفيه في هذه الأيام ويقول: هذه الكتب كلها دعنا منها, آراء رجال. ماذا تريد؟ يريد آراء رجال من الحاضر، وعندما تراه يتبع - وكلمة يتبع استغفر الله منها- يقلد واحداً، يقول: أنت لم تفعل هذا وفلان قال؟ وهو ينهى عن التقليد, يعني: إذا قلدنا الإمام أحمد تنعى علينا تقليده، وأنت عندما تقلد بعض الحاضرين الذين يخطئون أكثر مما يصيبون أو يعني: كما يصيبون أو أقل, وأنا أولهم، فإذا جئت لتقلد واحداً من هؤلاء رخصت لنفسك, وأنك تتبع السنة, ولما نستدعي الإمام الشافعي يقول: لا, أنت الآن مقلد متعصب، بدأت تثير رائحة العصبية المذهبية. والله الذي يتعصب لأئمته بارك الله به، والذي لا يتعصب لأئمته فغضب الله عليه، إذا لم نتعصب لأئمتنا أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والله لا خير فينا، وهذا التعصب المحمود. لكن لفظ التعصب إخوتي الكرام! صار يطلق كما يقال لمن يرخي لحيته: متحجر .. متزمت، هذه الألفاظ ينبز أهل البدع بها أهل الهدى، لذا لفظ التعصب على الإنسان أن يتركه، لقد صار هذا الآن حتى بين الملل, فلو اجتمع مسلمون من دول مسلمة في بعض الدول الضالة من بلاد الكفر قالوا: أنتم متعصبون، تقول به: كلنا إخوة، ونحن لا نشرب خمراً ولا نزني، وما بيننا الآن اجتماعات! لكن لفظ التعصب إخوتي الكرام! لا بد من تحقيق معناه، التعصب لإمام من الأئمة الأربعة -كما قلت- هذا هدى وبصيرة وخير وفضيلة. نعم التعصب المذموم أن تقول: الإمام إمامي, والأئمة الآخرون جاهلون، أقول: لتقف عند حدك، هذا الذي نقول هو التعصب المذموم, هذا حقيقة صحيح، أن أقول: الإمام الشافعي وكفى, هذا خطأ، قف عند حدك واتق ربك، لكن قولك: أنا أريد أن أتعصب للإمام الشافعي فأنت على هدى.هذا -إخوتي الكرام- لا بد من أن نعيه, لا سيما وأن في هذه الأيام لغط كثير, وما يكفي أن دين الله نحي عن الحياة, حتى جاء هؤلاء بعد ذلك ليقضوا على البقية الباقية في نفوس المسلمين، مع أن هذه البقية كما قلت لا تحكم في هذه الحياة، إنهم يقضون عليها باسم اتباع السنة وعدم التعصب، والمذهبية مقيتة، ومن هذه الألفاظ المنكرة المذمومة. هذا فقه أئمتنا، مذاهب أربعة. الآن أسألكم بالله هل خرج قول مما ذكرته عن أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام؟ وسأذكر بعد ذلك ما علق به بعض الناس على كلام الإمام الشافعي ومالك وإحدى الراويتين عن الإمام أحمد بعبارة حقيقة ينبغي أن نقف عند حدنا, ولنرى ورع أئمتنا، وتطاول السفهاء في هذه الأيام على أئمة الإسلام.إخوتي الكرام! إذاً قالوا: الأحاديث المانعة على العين والرأس كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن في الصحراء, العلة هي القبلة، لكن الشارع فرق بين وجودنا في البنيان ووجودنا في الصحراء، فلنعتبر ما اعتبره الشرع, فقال: هنا يرخص لكم وهناك تمنعون.الأمر الثالث - وهذا في الإجابة عن الأقوال الأخرى وتوجيهها-: قال أصحاب القول الأول وهو دليلهم الثالث: لو أجزنا ذلك في العمران فينبغي أن نجيزه في الصحراء؛ لأن الذي في الصحراء عندما يتوجه إلى القبلة بينه وبينها جبال وأشجار ووديان، فعليه ما استقبل القبلة على حسب اصطلاحكم، كما أنه لم يستقبلها في العمران لم يستقبلها في الصحراء, قال أئمتنا: لا يصح هذا؛ لأن ما في البنيان مكان معد لذلك، وأما هنا فليس كذلك.الأمر الثاني: لا يصح هذا، ليس الموضوع صحراء وبنيان، الموضوع كما قلنا وجود ساتر تقترب منه بحيث يقال: إنك استقبلته واستدبرته، أو يقال: إنك استقبلت القبلة واستدبرتها، فإذا كان هناك ساتر وما بعدت عنه أكثر من ثلاثة أذرع -يعني: لو أردت أن تسجد ما بقي مجال، سيضرب برأسك الجدار- فأنت الآن مستقبل للجدار, ليس بمستقبل للقبلة، لكن لو تأخرت فصار بينك وبينه أكثر من ثلاثة أذرع، والذراع إخوتي الكرام! طوله ثلاثين سنتي إلى خمس وثلاثين, يعني: ثلاثة أذرع مائة سنتي. وعليه؛ لو أراد أن يقضي الحاجة والجدار بينه ثلاثة أذرع لضرب رأسه, ما يستطيع، فهذا ما استقبل القبلة, إنما الآن استقبل الجدار واستدبره، ثم هذا الجدار مع أنه قريب منك ينبغي أن يكون ساتراً لك, أدناه كمؤخرة الرحل بحيث لو جلست لا يظهر الفخذ. فأنت بهذين الشرطين والاعتبارين أنت مستقبل ومستدبر لهذا الساتر الحاجز القبلة، وأما إذا قلت: بيني وبين القبلة حواجز بعيدة يا عبد الله! فأنت مستقبل حقيقة القبلة، ولو أردت أن تسجد لسجدت في هذه الجهة التي تقضي حاجتك فيها. فتمنع إذاً إذا لم تجعل ساتراً في الصحراء وفي العراء، وإذا جعلت ساتراً صار حكمه حكم البنيان، والعلم عند الرحمن.الأمر الرابع: قال: وأما قول أبي أيوب؛ لأنه اعترض عليهم بقول أبي أيوب، هو راوي حديث ( فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا بول )، وأبو أيوب الذي روى هذا الحديث قال: قدمنا الشام فوجدنا مراحض قد بنيت مستقبل القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله، قالوا: لأي شيء ينحرف ويستغفر الله إذا كان الاستقبال أو الاستدبار في الكنف والمراحيض وفي البنيان جائزة؟ فـأبو أيوب ما فعل معصية، فلم يستغفر؟ قال أئمتنا الكرام: لعل أبا أيوب رحمه الله ورضي الله عنه وعن الصحابة الكرام شك في عموم النهي, فاحتاط بالاستغفار، يعني: الحديث الذي رواه ( لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا ببول، ولكن شرقوا أو غربوا ), شك هل هذا خاص بالصحراء أو يشمل ما في البناء فاحتاط، ولذلك إذا رأى المرحاض يتجه إلى القبلة ينحرف عنه ويستغفر لما جرى منه من قصور. واضح هذا؟أو جواب ثاني: لعل مذهبه يرى أن المنع مطلقاً سواء كان في الصحراء أو في البناء، لكن لم ينقل هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام، هو ما قال: إنكم تمنعون من البنيان, إنما نقل فقط ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ). وعليه؛ هذا يكون -كما قلت- اجتهاداً له ومذهب له، فهو مذهب صحابي دل الحديث على خلافه, وعلى الترخيص في هذه الحالة، فلا حرج, على أنه يمكن أن يقال وكما سيأتينا هذا: أنه فعل هذا وإن كان جائزاً؛ لأن الأدب بالاتفاق حتى عند أهل هذا القول ألا نستقبلها ولا نستدبرها وإن كنا في البنيان، لكن إذا استقبلناها ليس علينا إثم، وأما في الصحراء فهو حرام, ارتكبنا إثماً ومعصية، وأما هنا فالأدب ألا تستقبل ولا تستدبر. فـأبو أيوب أراد أن يحافظ على هذا الأدب.
توجيه استغفار أبي أيوب بعد الانحراف من استقبال القبلة أثناء قضاء الحاجة
فإن قيل: لم استغفر رضي الله عنه وأرضاه؟ قال أئمتنا: استغفار أبي أيوب يحتمل ثلاثة أمور: أولها: أن يستغفر من الاستقبال أو الاستدبار. فإن قيل: ورد أنه ينحرف، نقول: لعله كان يجري منه الاستقبال أو الاستدبار نسياناً وذهولاً وغفلة، فإذا تذكر انحرف، لكن هو إذا انحرف لم يستغفر؛ لأنه ما عمل خطأ، وما توجه إلى القبلة لا استدباراً ولا استقبالاً، إنما يفهم منه أنه أحياناً يسهو .. يذهل, يدخل إلى هذا المرحاض وهو متوجه إلى القبلة استدباراً أو استقبالاً، فعندما يقضي الحاجة يتذكر فينحرف، فبعد ذلك يستغفر الله مما حصل منه من استقبال أو استدبار غير مقصود وبلا تعد.فإن قيل: إذا فعل هذا سهواً وخطأ وذهولاً ليس بعاص, فعلام يستغفر؟ نقول: هذا حال الكمل, حال الصديقين, يستغفرون الله جل وعلا في كل حين، حتى لو عملوا الطاعات يعقبونها بالاستغفار؛ لما يجري عندهم نحوها من قصور, فهم لعظيم علمهم بربهم جل وعلا يعلمون أن كل أحوالهم فيها نقص وفيها قصور، ولا يرون لأنفسهم الكمال. هذا ما يتعلق بالسبب الأول لاستغفار أبي أيوب.إذاً: يقع أحياناً في الاستقبال, ثم ينحرف, فيعقب هذا بالاستغفار عندما يعود إلى الحالة الطبيعية.ثانياً: وقيل: إنه كان يستغفر لا من أجل استقبال القبلة, لا, ثم لا، كان إذا دخل ينحرف ويقضي الحاجة إلى غير جهة القبلة. فإن قيل: لم يستغفر؟ نقول: هو عندما يرى هذا الوضع الذي هو غير شرعي وإن انحرف عنه وما فعل مخالفة لكنه يذكره بذنوبه الأخرى، فالذنب يذكر بالذنب، فهو عندما يدخل إلى المرحاض ويراه قد وجه إلى القبلة يرى أن هذا خطأ، وأن هذا تقصيراً، وأن هذا نقصاً، فانحرف عنه, هو ما أخطأ ولا قصر، إذاً: لم استغفر؟ استغفر من ذنوبه الأخرى. ولذلك المؤمن إذا رأى عاصياً يستغفر؛ لأن معصية العاصي تذكره بمعصيته، وإذا ذكرتك معصية العاصي بطاعتك فاعلم أنك مغرور، وعصيانك أكثر من عصيانه؛ لأن ما تعلمه من حال غيرك قليل، وما تعلمه من حال نفسك كثير، ويصدق على كل أحد فينا قول الله: ( إنكم تخطئون في الليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم ). إذا كانت خطيئتك متتالية ليل نهار لم تغفل عنها؟ لم نبصر القذاة في عين غيرنا, ولا نبصر الجذع في أعيننا؟ لم؟ فمعصية العاصي تذكرنا بمعصيتنا, فنتوب إلى ربنا. فهذا الوضع الذي يراه أبو أيوب ليس بشرعي يذكره بأوضاعه التي يرى فيها تقصيراً مع الله جل وعلا, فيعقب ذلك بالاستغفار.الاحتمال الثالث ذكره الإمام ابن دقيق عليهم جميعاً رحمة الله، قال: ومن أدراكم أن أبا أيوب كان يستغفر؛ لأنه استقبل نسياناً ثم عدل وضعه وانحرف، أو أن هذا الوضع ذكره بذنوبه, من أدراكم؟ كان يستغفر لمن بنى هذه المراحيض على غير الوضع الشرعي، فينحرف عنها, ثم يستغفر الله لمن بناها. فأورد على قول ابن دقيق أن الذين بنوها الروم، وهم لا يؤمنون بالحي القيوم؟ فأجيب عن هذا الاعتراض: ومن أخبركم أن كل المراحيض في بلاد الشام بنيت من قبل الروم؟ عندما فتحت ودخل فيها الإسلام فأهل الشام لعلهم كانوا يرون سعة في الأمر، وأن هذا النهي لا ينصب إلا على من كان في الصحراء، فكانوا يبنون بيوتهم والمراحيض فيها جهة القبلة. فـأبو أيوب على حسب اجتهاده ومذهبه واحتياطه يرى أن هذا الوضع غير شرعي، فكان يستغفر لمن بنى هذه المراحيض على غير الوجهة الشرعية.خامس الأمور وهو آخرها: قال أئمتنا الكرام رضوان الله عليهم أجمعين الذين قالوا بهذا القول: لا يصح الاعتراض على هذا القول الذي ذكره أئمتنا بالتفريق بين حالة العمران وحالة الصحراء؛ لأن ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام هو حكاية فعل. فنعترض إذاً على هذا القول بأنه حكاية فعل، وحكاية الفعل يحتمل الخصوصية، فلا يصح هذا، يعني: لا يصح أن تقولوا لنا أنتم استدللتم بحديث جابر وبحديث ابن عمر وبحديث أمنا عائشة ، وهذه كلها حكاية أفعال للنبي عليه الصلاة والسلام، وحكاية الفعل كما تقدم معنا يتطرق إليها الاحتمال, فلا يصح بها الاستدلال.قال أصحاب هذا القول: لا يجوز أن يقال: هذا لا يجوز، لم؟ قالوا: لأن دعوى الخصوصية ينبغي أن يقوم عليها برهان جلي، والأصل لنا في نبينا عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة، إلا ما قام الدليل على تخصيصه. فإن قيل: عندنا ما يدل على التخصيص وعندنا النهي نقول: لا، عندنا ما يجمع بين فعله وقوله عليه الصلاة والسلام، لم نلغ الفعل ونأخذ بالقول؟ فلا يصح الاعتراض على هذا القول بدعوى أن فعل النبي عليه الصلاة والسلام حكاية حال، فلا يصح به الاستدلال، لا يصح هذا.يقول أئمتنا وهذا جواب الإمام النووي وابن حجر عليهم جميعاً رحمة الله قالوا: دعوى الخصوصية لا تثبت بالاحتمال.إخوتي الكرام! حقيقة من نظر إلى حال الصحابة الكرام يرى أنهم كانوا يقتدون به عليه الصلاة والسلام بفعله كما يقتدون بقوله عليه الصلاة والسلام, وتقدم معنا الإشارة إلى ذلك عند حديث الإفك حديث أبي داود ، وقلت: هو في سنن أبي داود بإسناد صحيح من رواية أبي سعيد الخدري ، وبوَّب عليه أبو داود عليه رحمة الله باب الصلاة في النعل. ووجه الاستشهاد فيه: أنه في تبرئة أمنا عائشة رضي الله عنها, وهنا كذلك يعني إذا ما رضي الله بالقذر في خف النبي عليه الصلاة والسلام ونعله الشريف عليه صلوات الله وسلامه، كيف سيرضاه في عرضه وزوجه؟ عليه وعلى آل بيته صلوات الله وسلامه.الحديث فيه دليل الآن لمسألتنا, ألا وهو الاقتداء بفعل النبي عليه الصلاة والسلام دون معرفة وجه ذلك الفعل. وتقدم معنا حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ( بينا نحن نصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام إذ خلع نعليه عليه صلوات الله وسلامه, فوضعهما عن يساره وهو في الصلاة، فخلع الصحابة نعالهم رضوان الله عليهم مباشرة أجمعين، فلما انصرف النبي عليه الصلاة والسلام من الصلاة قال: ما حملكم على خلع نعالكم؟ عليه صلوات الله وسلامه، قالوا: يا رسول الله! عليه الصلاة والسلام رأيناك خلعت فخلعنا، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] ). فإذاً: هذا يدل على الخصوصية؟ لا, أنت خلعت ونحن خلعنا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( أتاني جبريل فأخبرني أن فيهما قذراً ).والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلَّم تسليماً كثيراً.
 أجوبة من قال باستقبال القبلة واستدبارها في البنيان دون الصحراء على المخالفين
وحقيقة ما قالوه هو المعتمد، نقول لهم بعد ذلك: ماذا تجيبون عن تلك الأقوال؟ قالوا: عندنا جواب، إن شاء الله نلحق به بقية الأقوال، وهذا الجواب يرجح قولنا.قالوا: أما الأحاديث المانعة التي رجحها أهل القول الأول فهي محمولة على حالة معينة، وهي الصحراء.الأمر الثاني: أصحاب القول الأول قالوا: العلة من النهي عن الاستقبال والاستدبار لجهة القبلة أنها مكرمة مشرفة مباركة، وإذا نهينا عن ذلك في الصحراء فلننهى عنه في البناء. قال أصحاب هذا القول, وهم الجمهور، العلة كما قلت ولا ننازعكم ولا نخالفكم أنها حرمة القبلة ومكانتها وتشريفها، لكن ورد الشرع بالفرق بين كون الإنسان في البناء أو في الصحراء، فالشارع هو الذي فرق. قال: إذا كنت في بنيان فلا تمنع؛ لأنك لا تستقبل القبلة حقيقة، وإن قيل: إنك تستقبلها عرفاً, لكن حقيقة ما استقبلتها، بينك وبينها حاجز حقيقي أمامك منع من استقبال القبلة.قال الإمام النووي وابن حجر : وقد ورد الشرع بالفرق بينهما على ما قدمناه, فلا يلتفت إلى قياس ومعنى يخالفه. ومع هذا فالفرق بينهما ظاهر, للمشقة التي تقدمت معنا, وهي إحدى الأدلة المعتبرة من أدلتنا.إخوتي الكرام! حقيقة لو وعت الأمة فقه فقهاء الأمة المباركة المرحومة -كما قلت مراراً وتكراراً- لعرفت قدرهم، فالناس ما أتوا إلا بسبب جهلهم، ولذلك عندما يطَّلع بعض الناس في هذه الأيام على حكم قد يرى دليلاً شرعياً عليه، ويرى بعد ذلك أن الأمة تخالف هذا، فيطلق العبارة بلا أدنى توقف، ولو عرضت هذه المسألة على عمر رضي الله عنه لجمع أهل بدر للنظر فيها، وهو بلا أدنى توقف يقول: هؤلاء أهل بدع، فلان مبتدع، والسنة كذا، يا رجل! رفقاً بنفسك، يا رجل! اتق ربك فيما تقول. وبعض الناس من أيام عرض كتاباً وهو إن شاء الله من أهل الخير, لكن كما قلت الأمة تأثرت بهذه اللوثة التي ابتلي بها هذا الشباب الذي غرر بأنه في صحوة, وهو في أشنع أنواع البلوة، وما أعلم أن الأمة الإسلامية مر عليها ظلمات وضلالات كالأيام التي نعيش فيها، ثم يقال لنا: إنكم في صحوة, وأنتم على هدى. ونسأل الله أن يحسن ختامنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين!إخوتي الكرام! هذا الرجل من أهل الخير والصلاح, وأعرفه شخصياً, قدم كتاباً للنظر فيه, يعني: من أجل أمر من الأمور يكتبه بخط يده. أسأل الله أن يفيده ويفيد المسلمين أجمعين. لما جاء في موضوع الصلاة ذكر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يضع يمينه على يساره فوق صدره, ولا يصح غير ذلك، وكل ما عدا هذا لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. يا رجل! رفقاً بنفسك، هي العبارة يعني هكذا؟ المذاهب الأربعة من أولهم لآخرهم ما أحد قال: بوضع اليد فوق الصدر, ولا أقول: من وضع فهو مبتدع, لكن رفقاً بنفسك، ماذا تفعل بالرواية التي رواها الإمام البزار وهي صحيحة ( كان النبي عليه الصلاة والسلام يضع يده عند صدره )؟ يعني: فوق صدره, كرواية ابن خزيمة والتي أيضاً حولها كلام، لكن هي عند صدره, ماذا تفعل في عند هذه التي بمعنى فوق؟! وماذا تفعل بما ثبت عن علي بسند حسن أنه كان يضع يده رضي الله عنه وأرضاه في الصلاة اليمين على اليسرى فوق السرة؟ هذا صحابي يلازم النبي عليه الصلاة والسلام, ماذا تفعل بهذا؟ والإمام الترمذي -رحمه الله- لما حكى اختلاف الصحابة وأئمة المسلمين في هذه قال: بعضهم رأى أن يضع اليد فوق السرة، وبعضهم رأى تحتها، وقال: والكل واسع. لكن ما ذكرت فوق الصدر, هذا بسنن الترمذي التي سنتدارسها ونأتي عنده.يا رجل! هذا مقرر في كتب السنة، ثم تقليداً منك لواحد في هذه الأيام تطلق العبارة هكذا بلا نظر ولا تأمل ولا رجوع, يجزم فيقول: هذه ثابتة، ولم تثبت بعد ذلك كيفية أخرى عن النبي عليه الصلاة والسلام.والله لو عرض هذا الأمر على إمام المسلمين وسيد المحدثين أبي عبد الله البخاري لقال: يا عباد الله! تحتاج إلى نظر, لعل عند غيرنا ما ليس عندنا. والأمر هكذا كتاب سينشر للعامة من أجل أن يتعلموا كيف يصلون، ثم تأتيهم بهذه الإطلاقات التي لا احتراز فيها، من قال: ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام وضع اليد فوق الصدر على العين والرأس، ولو خرجت عن المذاهب الأربعة, وإن كنت أقول ولا أزال: ما خرج عن المذاهب الأربعة ينبغي أن نحترز منه، وأن نتبين أمره غاية التبين, وهل الدليل مقبول عند أئمتنا أم لم يبلغهم, ولم تركوا العمل به؟ بعد هذه التحقيقات ما خرج عن المذاهب الأربعة نعمل به، لكن المذاهب الأربعة لم يعملوا فرأيت حديثاً في المسند على خلاف الأئمة فنعمل به! قف عند حدك. سنة النبي عليه الصلاة والسلام على العين والرأس, لكن هذه كتب السنة ما تحكي ما ذكرت هنا. وغاية ما في الترمذي بعد أن حكى -كما قلت لكم- خلاف الصحابة وأئمة المسلمين في هذا على أنهم يضعون فوق السرة أو تحت السرة, قال: الأمر كله جائز, وفيه سعة.لذلك إخوتي الكرام! لا بد من أن نعي هذه القضية، وهي أن ندرس فقه أئمتنا، وكما قلت في إحدى خطب الجمعة: ندرس أدلة الشرع؛ لنعتبر ونرى كيف أخذ أئمتنا أحكام الشرع من نصوص الكتاب والسنة. ووالله الذي لا إله إلا هو سنزداد بعد ذلك إيماناً بالله جل وعلا، وحباً لأئمتنا الكرام الذين ما عملوه هو من أكبر معجزات نبينا عليه الصلاة والسلام، فقه يعالج أمور الحياة إلى قيام الساعة، استنبطه أئمتنا وقرر في الكتب, يأتي سفيه في هذه الأيام ويقول: هذه الكتب كلها دعنا منها, آراء رجال. ماذا تريد؟ يريد آراء رجال من الحاضر، وعندما تراه يتبع - وكلمة يتبع استغفر الله منها- يقلد واحداً، يقول: أنت لم تفعل هذا وفلان قال؟ وهو ينهى عن التقليد, يعني: إذا قلدنا الإمام أحمد تنعى علينا تقليده، وأنت عندما تقلد بعض الحاضرين الذين يخطئون أكثر مما يصيبون أو يعني: كما يصيبون أو أقل, وأنا أولهم، فإذا جئت لتقلد واحداً من هؤلاء رخصت لنفسك, وأنك تتبع السنة, ولما نستدعي الإمام الشافعي يقول: لا, أنت الآن مقلد متعصب، بدأت تثير رائحة العصبية المذهبية. والله الذي يتعصب لأئمته بارك الله به، والذي لا يتعصب لأئمته فغضب الله عليه، إذا لم نتعصب لأئمتنا أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والله لا خير فينا، وهذا التعصب المحمود. لكن لفظ التعصب إخوتي الكرام! صار يطلق كما يقال لمن يرخي لحيته: متحجر .. متزمت، هذه الألفاظ ينبز أهل البدع بها أهل الهدى، لذا لفظ التعصب على الإنسان أن يتركه، لقد صار هذا الآن حتى بين الملل, فلو اجتمع مسلمون من دول مسلمة في بعض الدول الضالة من بلاد الكفر قالوا: أنتم متعصبون، تقول به: كلنا إخوة، ونحن لا نشرب خمراً ولا نزني، وما بيننا الآن اجتماعات! لكن لفظ التعصب إخوتي الكرام! لا بد من تحقيق معناه، التعصب لإمام من الأئمة الأربعة -كما قلت- هذا هدى وبصيرة وخير وفضيلة. نعم التعصب المذموم أن تقول: الإمام إمامي, والأئمة الآخرون جاهلون، أقول: لتقف عند حدك، هذا الذي نقول هو التعصب المذموم, هذا حقيقة صحيح، أن أقول: الإمام الشافعي وكفى, هذا خطأ، قف عند حدك واتق ربك، لكن قولك: أنا أريد أن أتعصب للإمام الشافعي فأنت على هدى.هذا -إخوتي الكرام- لا بد من أن نعيه, لا سيما وأن في هذه الأيام لغط كثير, وما يكفي أن دين الله نحي عن الحياة, حتى جاء هؤلاء بعد ذلك ليقضوا على البقية الباقية في نفوس المسلمين، مع أن هذه البقية كما قلت لا تحكم في هذه الحياة، إنهم يقضون عليها باسم اتباع السنة وعدم التعصب، والمذهبية مقيتة، ومن هذه الألفاظ المنكرة المذمومة. هذا فقه أئمتنا، مذاهب أربعة. الآن أسألكم بالله هل خرج قول مما ذكرته عن أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام؟ وسأذكر بعد ذلك ما علق به بعض الناس على كلام الإمام الشافعي ومالك وإحدى الراويتين عن الإمام أحمد بعبارة حقيقة ينبغي أن نقف عند حدنا, ولنرى ورع أئمتنا، وتطاول السفهاء في هذه الأيام على أئمة الإسلام.إخوتي الكرام! إذاً قالوا: الأحاديث المانعة على العين والرأس كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن في الصحراء, العلة هي القبلة، لكن الشارع فرق بين وجودنا في البنيان ووجودنا في الصحراء، فلنعتبر ما اعتبره الشرع, فقال: هنا يرخص لكم وهناك تمنعون.الأمر الثالث - وهذا في الإجابة عن الأقوال الأخرى وتوجيهها-: قال أصحاب القول الأول وهو دليلهم الثالث: لو أجزنا ذلك في العمران فينبغي أن نجيزه في الصحراء؛ لأن الذي في الصحراء عندما يتوجه إلى القبلة بينه وبينها جبال وأشجار ووديان، فعليه ما استقبل القبلة على حسب اصطلاحكم، كما أنه لم يستقبلها في العمران لم يستقبلها في الصحراء, قال أئمتنا: لا يصح هذا؛ لأن ما في البنيان مكان معد لذلك، وأما هنا فليس كذلك.الأمر الثاني: لا يصح هذا، ليس الموضوع صحراء وبنيان، الموضوع كما قلنا وجود ساتر تقترب منه بحيث يقال: إنك استقبلته واستدبرته، أو يقال: إنك استقبلت القبلة واستدبرتها، فإذا كان هناك ساتر وما بعدت عنه أكثر من ثلاثة أذرع -يعني: لو أردت أن تسجد ما بقي مجال، سيضرب برأسك الجدار- فأنت الآن مستقبل للجدار, ليس بمستقبل للقبلة، لكن لو تأخرت فصار بينك وبينه أكثر من ثلاثة أذرع، والذراع إخوتي الكرام! طوله ثلاثين سنتي إلى خمس وثلاثين, يعني: ثلاثة أذرع مائة سنتي. وعليه؛ لو أراد أن يقضي الحاجة والجدار بينه ثلاثة أذرع لضرب رأسه, ما يستطيع، فهذا ما استقبل القبلة, إنما الآن استقبل الجدار واستدبره، ثم هذا الجدار مع أنه قريب منك ينبغي أن يكون ساتراً لك, أدناه كمؤخرة الرحل بحيث لو جلست لا يظهر الفخذ. فأنت بهذين الشرطين والاعتبارين أنت مستقبل ومستدبر لهذا الساتر الحاجز القبلة، وأما إذا قلت: بيني وبين القبلة حواجز بعيدة يا عبد الله! فأنت مستقبل حقيقة القبلة، ولو أردت أن تسجد لسجدت في هذه الجهة التي تقضي حاجتك فيها. فتمنع إذاً إذا لم تجعل ساتراً في الصحراء وفي العراء، وإذا جعلت ساتراً صار حكمه حكم البنيان، والعلم عند الرحمن.الأمر الرابع: قال: وأما قول أبي أيوب؛ لأنه اعترض عليهم بقول أبي أيوب، هو راوي حديث ( فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا بول )، وأبو أيوب الذي روى هذا الحديث قال: قدمنا الشام فوجدنا مراحض قد بنيت مستقبل القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله، قالوا: لأي شيء ينحرف ويستغفر الله إذا كان الاستقبال أو الاستدبار في الكنف والمراحيض وفي البنيان جائزة؟ فـأبو أيوب ما فعل معصية، فلم يستغفر؟ قال أئمتنا الكرام: لعل أبا أيوب رحمه الله ورضي الله عنه وعن الصحابة الكرام شك في عموم النهي, فاحتاط بالاستغفار، يعني: الحديث الذي رواه ( لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا ببول، ولكن شرقوا أو غربوا ), شك هل هذا خاص بالصحراء أو يشمل ما في البناء فاحتاط، ولذلك إذا رأى المرحاض يتجه إلى القبلة ينحرف عنه ويستغفر لما جرى منه من قصور. واضح هذا؟أو جواب ثاني: لعل مذهبه يرى أن المنع مطلقاً سواء كان في الصحراء أو في البناء، لكن لم ينقل هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام، هو ما قال: إنكم تمنعون من البنيان, إنما نقل فقط ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ). وعليه؛ هذا يكون -كما قلت- اجتهاداً له ومذهب له، فهو مذهب صحابي دل الحديث على خلافه, وعلى الترخيص في هذه الحالة، فلا حرج, على أنه يمكن أن يقال وكما سيأتينا هذا: أنه فعل هذا وإن كان جائزاً؛ لأن الأدب بالاتفاق حتى عند أهل هذا القول ألا نستقبلها ولا نستدبرها وإن كنا في البنيان، لكن إذا استقبلناها ليس علينا إثم، وأما في الصحراء فهو حرام, ارتكبنا إثماً ومعصية، وأما هنا فالأدب ألا تستقبل ولا تستدبر. فـأبو أيوب أراد أن يحافظ على هذا الأدب.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وباب الرخصة في ذلك [5] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net