اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وباب الرخصة في ذلك [3] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وباب الرخصة في ذلك [3] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
إن دين الإسلام مبني على خمسة أمور منها: الآداب والأخلاق التي بعث النبي صلى الله عليه وسلم لإتمامها، ومن أفضلها تعظيم المصحف الذي لا يجوز امتهانه ولا وضعه على الأرض ولا مد الأرجل نحوه.وسفيان بن عيينة أحد أئمة الإسلام، وقد رمي بالتدليس عن الثقات واختلاطه في آخره.
أهمية الآداب في الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:فلا زلنا نتدارس الباب السادس والسابع من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي وعنوان الباب السادس: باب في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول. والباب السابع: باب ما جاء من الرخصة في ذلك.وقد أورد الإمام الترمذي في هذين البابين أربعة أحاديث، أذكر الحديث الأول متبركين بتلاوته وقراءته، ثم نفصل الكلام على ما يتعلق بهذه الأحاديث إن شاء الله.الحديث الأول: يقول الإمام أبو عيسى الترمذي عليه رحمة الله: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا)، فقال أبو أيوب رضي الله عنه: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت مستقبل القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله، قال الإمام أبو عيسى : حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح.إخوتي الكرام! إن الأحكام التي تتعلق بهذين البابين تدخل في دائرة الأدب الذي أدبنا عليه نبينا صلى الله عليه وسلم.والأدب باختصار: هو فعل ما يحمد ويستحسن، وترك ما يستقبح ويسترذل قولاً أو فعلاً، ويترتب على ذلك أن نحترم الكبير، وأن نرحم الصغير، وأن نأخذ بمكارم الأخلاق، كما تقدم معنا في تعريف الأدب.
 ضياع الأدب في زماننا
ولكن نحن في زمن ضاع فيه الأدب، وما بقي عندنا إلا قشور من العلم ولعاعة منه، وأما الأدب فقد ذهب مع السلف الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وقد وصل الشطط ببعض السفهاء وهو من المسئولين الكبار في بعض البلاد التي تسمي نفسها عربية أو إسلامية وأمرها عند رب البرية، وهو حاكم دولة أيضاً، ولما أصدر هذا الكلام صار في البلاد الإسلامية ضجيج ورد عليه، وكنت رددت على ضلاله وخبثه في بعض محاضرات التفسير في رأس الخيمة، بلغ الشطط بهذا السفيه الضال أنه يقول في احتفال رسمي على رءوس الأشهاد: المسلمون يغلون في النبي عليه الصلاة والسلام، ويرفعونه إلى درجة الألوهية؛ لأنهم كلما ذكروه صلوا عليه، عليه صلوات الله وسلامه، قصمك الله وقصم ظهرك، هذا غلو في النبي عليه الصلاة والسلام؟ يقول هذا عبر وسائل الإعلام بأسرها، ثم ينشر مقاله في الصحف! ماذا ينتظر من هذه القبائح التي يفوح نتنها هنا وهناك، صارت الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام غلواً؟ لا إله إلا الله! حقيقة: إن هذا زمن قلة الأدب. وكنت مرة في المدينة المنورة، وأرى من يحرسون الحجرة المشرفة؛ لئلا يقع إيذاء حولها، ولكن ما ينبغي أن نمنع البدع ببدع، وأن نمنع إساءة الأدب بإساءة أدب، ترى من يحرسون الحجرة يقف أحدهم بلباس الشرطة، وإدخال مثل هذا المنظر إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام يبعث في الناس شيئاً من الفزع وهذا لا ينبغي، ثم البلية تهون عند هذا، لكن ما بعدها أشنع، فإنه يلصق ظهره ومؤخرته بجدار الحجرة المشرفة، وإلى الشبك -وأراه بعيني- ثم يجعل رجله على الشبك المبارك بحيث يكون عقب الرجل على الشبك وهو يستقبل الناس ورجله إلى الحجرة المشرفة على نبينا صلوات الله وسلامه.لا يجوز أن نطوف بالحجرة، ولا شك أن هذا بدعة، ولا يجوز أن نتمسح بها، وكذلك لا يجوز أن نضع الأقدام عليها وأن نمتهنها، فلا هذا يجوز ولا هذا، فكيف نمنع قلة الأدب، ثم نبيح أن يفعل عند حجرة النبي عليه الصلاة والسلام قلة الأدب؟ فالتمسح بها قلة أدب، وامتهانها إلى هذا الحد قلة أدب. وأنا أعجب لهؤلاء عندما يمر بهم موكب المسئول يقفون بحركة استعداد، وبعد ذلك في أتم تحية، وبعد ذلك يجعل رجله موجهة إلى القبر الشريف! هل هذا يفعل ذلك مع أميره أو مع مسئوله في يوم من الأيام؟ هل يوليه ظهره ويرفع رجله بعد ذلك إلى وجهه؟ نعوذ بالله من قلة الأدب التي ابتليت بها الأمة في هذه الأيام. كنت مرة في بعض الكليات التي تعد كليات شرعية في جامعات إسلامية، وبعض من يكون طالباً عندما يتخرج يصير له منصباً ومسئولية، فيكون بجواره بعض المشايخ وإلى الله المشتكى، عندما امتهنا أنفسنا امتهننا هؤلاء الصعاليك، بجواره بعض المشايخ وهو جالس واضعاً رجلاً على رجل، وهذه جلسة الجبابرة، وجلسة الفراعنة، وليست جلسة عباد الله الأخيار المتواضعين، جالس هذه الجلسة بحيث يكون باطن قدمه باتجاه وجه من بجواره، ثم إن هذا الذي بجواره زاد نفسه امتهاناً عندما بدأ يلتقط الخيطان والشوائب التي على جورب هذا المسئول، أهذه نتيجة العلم؟! إذا لم يتأدب هذا المسؤول فلم أنت لم تصن نفسك وتخرج من هذا المكان الذي لا يلتزم فيه بالأدب؟ صار عنوان الحياة في هذه الأيام قلة الأدب، ولم يبق من العلم كما قلت إلا لعاعة منه نطنطن بها وندجل بها هنا وهناك.إن الأدب من لم يتصف به دب إليه الهلاك والعطب، وتقدم معنا كلام الشافعي عليه رحمة الله: اجعل علمك ملحاً وأدبك دقيقاً.
من أحكام المصحف

 ما يشرع من الآداب نحو المصحف
ينبغي أن نلتزم بالأدب، كان أئمتنا -انظر لأدبهم- يكرهون أن يعامل شيء من الأشياء بمعاملة القرآن، فكتب الحديث، وكتب الفقه على جلالتها لا تعامل كمعاملة المصحف الشريف، قالوا: لا ينبغي أن نتخذ لها كراسي ككراسي المصحف، هذا نص عليه أئمتنا، المصحف له درج خاص، كرسي خاص، وضع خاص؛ لأنه كلام الله فإذا أخذ أخذ بتوقير وإجلال. ورد في كتاب المصاحف لـابن أبي داود صفحة خمسين ومائة عن الضحاك ومجاهد وإبراهيم النخعي -ثلاثة من أئمة التابعين-: أنهم كرهوا اتخاذ الكراسي للحديث ككراسي المصحف، وموجود الآن في عرف المسلمين أجمعين اتخاذ كراسي للمصحف لا لكتب أخرى، هذا منقول عن سلفنا؛ ليتميز القرآن الذي وضع على كرسي، مع أن الحديث كلام النبي عليه الصلاة والسلام؛ لكن يبقى القرآن من أجل نظمه ولفظه له قداسة، ومن أجل التعبد بتلاوته الذي لا يحصل لغيره، ولعلك لو قلت هذا لبعض السفهاء في هذه الأيام لقال: هذه بدعة، تبرز المصحف بكراسي، يا عبد الله! هذا يقرره أئمتنا التابعون الذين تلقوا الأدب عن الصحابة، الذين تلقوا الأدب عن النبي عليه الصلاة والسلام.وكان إبراهيم النخعي يقول: كان يقال: عظموا المصاحف، قال: وكانوا يكرهون تصغيرها، أي: دقة الكتابة وتكون المصاحف بحجم صغير، من أجل أن خط الحروف فيها غير واضح، فقد يحصل فيها لبس، ثم إن هذا كلام الله فكيف تجعله بهذا الحجم؟ ينبغي أن يكون له شكل خاص، بحيث تكون له هيبة في حجمه، وفي ورقه، وحقيقةً هذه المعاني كانت في نفوس سلفنا، ولذلك عرفوا كيف يتأدبون مع القرآن، ولما وصلت إلينا السفاهة رأيته في كثير من البيوت طبع من أوله إلى آخره في ورقة واحدة، وتعلق ولا تستطيع أن تميز آية إلا بمجهر! لم؟ قال: للبركة؟ ألا تستحون من الله تمتهنون القرآن ثم تقولوا: للبركة؟ وهل يعلق القرآن في مكان للبركة؟ أو تضعه في مكان محترم ككرسي في درج خاص، إن امتهان القرآن عمل السفهاء، ليس عمل من يتبركون بكلام رب الأرض والسماء.ونقل عن علي رضي الله عنه أنه كان يكره أن يكتب المصحف بالشيء الصغير.ويكره مد الرجلين إلى المصحف، ولا يجوز أن نضع المصحف فوق الأحذية كما فعل ذاك السفيه في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، ولما أخذ المصحف من فوق الأحذية مد يده وهو ساجد وأخذ المصحف منه وطرحه فوق الأحذية، ثم بعد أن سلم قال: ما الدليل على أنه لا يجوز وضع المصحف فوق الأحذية؟ حقيقة: أمة مسخت إلا ما رحم ربك، لقد ابتلينا بقلة أدب وانعدام صفاء وعدم تعظيم لشعائر الله، هذا المسخ لبس في هذه الأيام بمسميات كالالتزام بالنصوص وطريق سلف الأمة، ولا نريد أهواءً ولا بدعاً، ولا نريد قولاً يقوله النووي ، ولا الشعبي ، ولا النخعي ، هاتوا حديثاً على أنه يحرم أن نتوسد المصحف، أو أن نمد الرجل إليه؟ وهاتوا دليلاً على أنه يحرم القعود عليه؟ إلى آخر هذا الباب، وما قال ذاك السفيه: إن الأمة تغلو في النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنها كلما ذكرته صلت عليه، قال مقالته هذه إلا بعد أن سمع هذه النغمة، أن كل مسألة لا بد عليها من دليل، فقال: أنتم هاتوا الدليل، فكلما يذكر الرسول تصلون عليه، هذا غلو!إن جزئيات الأدب وأفراده يكفي أن تقيم الدليل عليها على أنها شيء مستحسن محمود، دلت قواعد الشرع العامة على حسنه، وعلى توقيره، وعلى تعظيمه، وعلى تقديره، فما ينبغي أن آتيك على كل جزئية بدليل خاص فيها.فلو أن إنساناً جاء وقال: ما حكم أكل الطين والتراب وأكل الزجاج والخشب؟ نقول: حرام، يقول: هاتوا دليلاً على تحريم أكل التراب؟ ما عندنا حديث: لا تأكلوا التراب، لكن عندنا أن هذا ضار، وكل ضار نهينا عنه بأدلة قطعية لا شبهة فيها ولا شك، فلا يلزم أن نأتيك بحديث خاص في تحريم أكل التراب قال إذا: بما أنه لا يوجد دليل على تحريم أكل التراب فأكله جائز، هذه سفاهة، وهذه هي السفاهة التي نعيش فيها، لكن ليست سفاهة عرفت شناعتها ووقفت عند حدها، سفاهة جاءت باسم الالتزام، ومن فعل شيئاً من ذلك الإكرام قالوا: إنه مبتدع متنطع مخرف يقبل المصحف، وسمعت بهاتين الأذنين -يعلم رب الكونين- من يقول: فلان وفلان مخرفون؛ لأنهم إذا ذكروا النبي عليه الصلاة والسلام يقولون: سيدنا، وأي تخريف أيها المخرف! إذا قلنا عن حبيبنا، عن سيد ولد آدم، ولا يقولن قائل: إنه يعني من قال في الصلاة أو في الأذان، لا لا، هو يقول: من ذكر النبي عليه الصلاة والسلام وقال: سيدنا رسول الله فهو مخرف، هذه السفاهة التي نعيش فيها، صار الأدب مع النبي عليه الصلاة والسلام تخريفاً وبدعة.إن الأدب جحده كثير من الناس، وليتهم عرفوا ذلك الجحود وقالوا: قصرنا في الأدب، ونحن اتصفنا بهذه النقيصة، لا، بل قلة أدبهم جعلوها في هذه الأيام شريعةً محكمة، من خرج عنها رموه بأنه قليل الأدب.هذه هي نصوص أئمتنا في هذا الأمر وفي غيره، فانتبهوا لذلك، وأسأل الله أن يرزقنا الأدب معه ومع عباده، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
تراجم رجال أسانيد باب في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وما جاء في الرخصة من ذلك
بعد هذا ندخل في المبحث الأول من مباحث الحديث، في دراسة رجال أسانيد الأحاديث للبابين المباركين. ‏
 ترجمة محمد بن المثنى الزمن
قال الحافظ ابن حجر في التقريب: محمد بن المثنى بن عبيد العنزي -بفتح العين والنون- وبفتح الزاي العنزي، وهو أبو موسى البصري المعروف بـالزمن -بفتح الزاي المشددة وكسر الميم- والزمن هو: الذي يصاب بالشلل والفالج، ثقة ثبت من العاشرة، ع، أشار إلى أن حديثه مخرج في الكتب الستة، أي: أخرج حديثه الجماعة.وأما ما يتعلق بقوله: بـالزمن ، فقد أصيب هذا العبد الصالح بالشلل والفالج في فترة من حياته، وكان في ليلة باردة فجثى على يديه وركبتيه وتوضأ ثم صلى وسأل الله أن يطلق أعضاءه، وأن يكشف ضره وكربه، فاستجاب له، وزال ما به من زمانة وشلل وفالج، ولذلك كان بعض المحدثين إذا روى عنه لا يصفه بـالزمن ، فيقال له: لم لم تقل بالزمن؟ يقول: ما رأيته زمناً، أي: ما فيه هذه الآفة، حلت به ثم زالت عنه.في كتب أهل المصطلح عند مبحث التصحيف جنوا على هذا الإمام، وكنت أتلقى هذه الجناية على التسليم والقبول، وهي في ذهني حتى أزال الإمام الذهبي في هذا اليوم هذه الجناية من ذهني، فرحمه الله ورضي عنه، هذه الجناية أنهم قالوا: إنه صحف الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما من رواية أبي جحيفة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر في سفره ركعتين عندما كان في مكة وبين يديه عنزة) وهي: الرمح الصغير، عصا في أسفلها زج رمح تنصب، فيجعلها النبي عليه الصلاة والسلام سترة له، ذكروا أن محمد بن المثنى ظن أن المراد من العنزة قبيلته عنزة، وهو العنزي ، فكان يقول: صلى إلينا النبي صلى الله عليه وسلم، فنحن قوم لنا شرف. وفي الحقيقة ليس كذلك، والقصة مروية في سائر كتب المصطلح، ففي فتح المغيث للسخاوي عليه رحمة الله أوردها في الجزء الثالث صفحة ثلاث وسبعين، وعزاها للإمام الدارقطني ، وفي فتح الباقي في شرح ألفية العراقي للشيخ زكريا الأنصاري في الجزء الثاني صفحة تسع وتسعين ومائتين، عند كلام العراقي :وصحف المعنى إمام عنزةظن القبيل بحديث العنزةوبعضهم ظن سكون نونه فقال شاة خاب في ظنونه نعم ذاك أعرابي من الأعراب، ففهم من الحديث صلى النبي عليه الصلاة والسلام إلى عنزة -بفتح النون- ظنها إلى عنْزة -بسكون النون- أي من فصيلة الضأن، وهي المعروفة بالشاة، فكان هذا الأعرابي إذا أراد أن يصلي يجعل العنزة -بسكون النون- أمامه ويستقبلها ويصلي إليها.والإمام السخاوي في فتح المغيث ينقل معيبةً عن أهل اليمن، كما كنا نذكر عنهم فضائل ومحامد كثيرة، يقول عن بعض المحدثين: إنه ذهب إلى اليمن فصلى معهم صلاة العيد، فرآهم قد أتوا بعنزة -بسكون النون- وربطوها بالمحراب وصلوا إليها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج إلى صلاة العيد تنصب بين يديه العنزة، فقال لهم: علام تفعلون هذا؟ قالوا: هذه هي السنة، وظنوا أنها الشاة المعروفة، وفي الحقيقة هذا تصحيف فعله بعض الأعراب. وأما أن محمد بن المثنى شيخ المسلمين يصحف ويظن أن العنزة هي قبيلته فلا، نعم إنه كان يقول هذا من باب الدعابة والفكاهة مع أصحابه. قال الإمام الذهبي : مزح محمد بن المثنى مرةً، أي: من باب المزاح، وقال: نحن قوم لنا شرف، صلى النبي عليه الصلاة والسلام إلى عنزة، يعني: إلى قبيلتنا، فليس هذا من باب التصحيف الحقيقي فانتبه لهذا، وما وجد في كتب المصطلح من أن محمد بن المثنى صحف وظن أن المراد من العنزة هي قبيلة عنزة، هذا في الحقيقة جناية على هذا الإمام. وصحف المعنى إمام عنزة ظن القبيل بحديث العنزة وبعضهم ظن سكون نونه فقال شاة خاب في ظنونهفذاك تصحيف وهذا تصحيف، ذاك صحف المعنى وهذا صحف اللفظ والمعنى، عنزة -بفتح النون- ضبطها عنزة -بسكون النون-، ثم فهم منها الشاة المعروفة، فذاك تصحيف في المعنى مع إبقاء اللفظ على ما هو عليه، وهذا تصحيف في الأمرين وكلاهما وهم وخطأ. على كل حال نعود للحديث الأول لنتدارس إسناده على حسب الترتيب. الحديث الثامن من الباب السادس: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي تقدم معنا ذكره، وهو سعيد بن عبد الرحمن بن حسان أبو عبيد الله المخزومي ثقة، من صغار العاشرة، توفي سنة تسع وأربعين، أي: بعد المائتين، من رجال الترمذي وسنن النسائي.
ترجمة سفيان بن عيينة
قال: حدثنا سفيان بن عيينة ، وهو سفيان بن عيينة أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة، حافظ، فقيه، إمام، حجة، ليته نعته بشيخ الإسلام، أو بسيد الحفاظ كما كان ينعت أمثاله، فيستحق هذا كما سيأتينا في وصفه، ولا ينزل عن درجة سفيان الثوري ومالك ، ولولا أن الله أكرم أهل الحجاز بـمالك وسفيان بن عيينة لضاع علم الأثر منهم.
 قصة سفيان بن عيينة في بداية طلبه للعلم
وأما قصة ابن عيينة في موضوع طلبه العلم فهي بعبارات لطيفة ذكرها الذهبي ثم قال: في صحتها نظر، وإنما ذكرها لما فيها من فوائد وعبارات معسولة من هذا الإمام المبارك عليه رحمة الله، يقول: قال أحمد بن النضر الهلالي: سمعت أبي يقول: كنت في مجلس سفيان بن عيينة فنظر إلى صبي جاء ليحضر مجلس سفيان بن عيينة ، فكأن أهل المجلس تهاونوا به لصغره، وما وسعوا له، وما التفتوا إليه، فقال سفيان بن عيينة : كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم، وهذه الآية كان كثيراً ما يرددها بعض شيوخنا عندما يعلم الطلاب ويسأل فيقول: كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم، أي: كنت قبلكم أسأل وأنتم الآن تسألوني، ثم قال: يا نضر ! سفيان بن عيينة يقول للنضر والد أحمد بن النضر الذي ينقل القصة عن والده يا نضر ! لو رأيتني ولي عشر سنين، طولي خمسة أشبار، ووجهي كالدينار، وأنا كشعلة نار، ثيابي صغار، وأكمامي قصار، وذيلي بمقدار، ونعلي كآذان الفأر، اختلف إلى علماء الأمصار، كـالزهري وعمرو بن دينار -وقلت: هو أثبت الناس في عمرو بن دينار - أجلس بينهم كالمسمار، أي: كما لا يتحرك المسمار عندما يدخل في الخشب فهو لا يتحرك، محبرتي كالجوزة، ومقلمتي كالموزة، وقلمي كاللوزة، فإذا أتيت -وهو ابن عشر سنين- قالوا: أوسعوا للشيخ الصغير، ثم ضحك رحمه الله.
ترجمة محمد بن شهاب الزهري
الزهري ، وما أدراكم ما الزهري ، هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري ، كنيته أبو بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه، من رءوس الطبقة الرابعة، توفي سنة خمس وعشرين، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين، حديثه مخرج في الكتب الستة، أخرج حديثه الجماعة.والحافظ ابن حجر كعادته في التقريب يوهم، وحقيقةً: إن الأئمة الجهابذة لو أن الإنسان وقف مع تراجمهم قليلاً كترجمة سفيان بن عيينة ، دون توسع كثير كحال الصحابي؛ ليظهر من هو الزهري عليه رحمة الله، فقد كان أحفظ من في عصره لحديث نبينا عليه الصلاة والسلام، وأوثقهم في الرواية، وبلغ من حفظه وضبطه أنه كان يقول: ما قلت لأحد قط: أعد علي، أي: إذا سمعت حفظت.قال عمرو بن دينار : ما رأيت أنص للحديث من الزهري ، يعني: أحفظ وأضبط ويرويه بنصه وحروفه كما سمعه، وما رأيت أحداً أهون عنده الدراهم منه، هي عنده بمنزلة البعر. يتقن حفظ الحديث، وإذا رواه كأنه مصحف يتلى، وأما الدراهم والدنانير فهي مهينة عنده كأنها بعر.وكان الزهري يختم مجلسه بهذا الدعاء فكان يقول: اللهم إني أسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، وأعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، يختم مجلسه إذا حدث بهذا الدعاء، وهو دعاء مبارك يجمع تحصيل كل خير، والاستعاذة بالله من كل شر. كان يقول: الاعتصام بالسنة نجاة. ومن كلامه المحكم: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب، فانتبه لهذا، مجالس الزيارة بمقدار مناصحة ومؤانسة، ومتى ما طالت كثر اللغط والقيل والقال والغيبة والنميمة، وأما مجالسات تأخذ ساعات وعندما يريد أن يقوم الزائر تقول له: ما زال الوقت باكراً، وقد يكون انتصف الليل وزيادة. وحقيقةً: لو كان يرخص في الكتابة على الجدران لكان ينبغي أن يكتب الناس في مجالسهم هذا، ولكن الكتابة على الجدران وتعليق شيء عليها من فعل أهل الهذيان، وليس فعل أهل النهى والأحلام، وإذا كنا لا نكتب على الجدران ولا نعلق عليها شيئاً فاكتبوها في القلوب.وكان يقول: ثلاث إذا كن في القاضي فليس بقاض، إنما يكون فاضياً: إذا كره الملامة، وأحب المحامد، وخشي العزل.فإذا كان يكره القاضي أن تلومه، وأن تعنفه، وأن تخطئه، ويحب أن يحمد، ويخشى من العزل فهذا لا خير فيه، وإذا كانت هذه الخلال في القاضي فهو شر القضاة.للإمام الزهري مكانة عظيمة في الإسلام، ومع ذلك بعض أئمتنا كأنه ارتاب لموقف وقفه الإمام الزهري أتكلم عليه فيما يأتي باختصار إن شاء الله، وأكمل دراسة بقية رجال الإسناد، وبقية المباحث، وهذا الموقف خلاصته أنه كان يتصل بالأمراء والسلاطين فجرى من أجل اتصاله بهم شيء من الكلام عليه من مكحول الدمشقي وغيره، وهو إمام علم ثقة عدل رضا، وسيأتينا كيفية ذلك الاتصال، وأنه عندما اتصل بهم لا دلس دينه ولا خدش مروءته، وإنما كان يقوم بواجب النصح، ولا حرج في ذلك إذا اتقى الإنسان ربه.اللهم إنا نسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، ونعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.
 قصة سفيان بن عيينة في بداية طلبه للعلم
وأما قصة ابن عيينة في موضوع طلبه العلم فهي بعبارات لطيفة ذكرها الذهبي ثم قال: في صحتها نظر، وإنما ذكرها لما فيها من فوائد وعبارات معسولة من هذا الإمام المبارك عليه رحمة الله، يقول: قال أحمد بن النضر الهلالي: سمعت أبي يقول: كنت في مجلس سفيان بن عيينة فنظر إلى صبي جاء ليحضر مجلس سفيان بن عيينة ، فكأن أهل المجلس تهاونوا به لصغره، وما وسعوا له، وما التفتوا إليه، فقال سفيان بن عيينة : كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم، وهذه الآية كان كثيراً ما يرددها بعض شيوخنا عندما يعلم الطلاب ويسأل فيقول: كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم، أي: كنت قبلكم أسأل وأنتم الآن تسألوني، ثم قال: يا نضر ! سفيان بن عيينة يقول للنضر والد أحمد بن النضر الذي ينقل القصة عن والده يا نضر ! لو رأيتني ولي عشر سنين، طولي خمسة أشبار، ووجهي كالدينار، وأنا كشعلة نار، ثيابي صغار، وأكمامي قصار، وذيلي بمقدار، ونعلي كآذان الفأر، اختلف إلى علماء الأمصار، كـالزهري وعمرو بن دينار -وقلت: هو أثبت الناس في عمرو بن دينار - أجلس بينهم كالمسمار، أي: كما لا يتحرك المسمار عندما يدخل في الخشب فهو لا يتحرك، محبرتي كالجوزة، ومقلمتي كالموزة، وقلمي كاللوزة، فإذا أتيت -وهو ابن عشر سنين- قالوا: أوسعوا للشيخ الصغير، ثم ضحك رحمه الله.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وباب الرخصة في ذلك [3] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net