اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [11] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [11] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
الدلالات المستنبطة على براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من الآيات التي أنزلت في براءتها كثيرة، وقد برأها الله بما لم يبرئ به غيرها، وهي أولى بالبراءة من مريم بنت عمران كما أوضح ذلك الباقلاني في مناظرته للروم، فتبرئة مريم العفيفة وكذا موسى ويوسف عليهما السلام وجريج تمت بشيءٍ دون تبرئة أم المؤمنين رضي الله عنها، فقد برئت بآيات تتلى إلى يوم الدين.
دلالات قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات..) على براءة عائشة رضي الله عنها
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فما زلنا نتدارس ترجمة أمنا المباركة الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله على نبينا وآله وأزواجه صلوات الله وسلامه، وكنا في الأمر السادس إخوتي الكرام من ترجمتها، ويدور هذا الأمر حول حب الله جل وعلا لها، ودفاعه عنها، وغيرته عليها، وقلت: سأذكر في هذا الموضوع أمرين اثنين يقرران ذلك: الأمر الأول: ما يتعلق ببركة أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها في سبب نزول آية التيمم؛ فإنها لما انقطع عقدها رضي الله عنها وأرضاها وسع الله عليها وعلى هذه الأمة المباركة المرحومة، فشرع التيمم إذا لم يجد الإنسان الماء ببركتها رضي الله عنها وأرضاها، وتقدم معنا أن هذا ليس أول بركةٍ منها، ومن آل أبي بكر، فبركاتهم كثيرة، جزاهم الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء.والأمر الثاني إخوتي الكرام الذي يدل على منزلة أمنا عائشة رضي الله عنها عند ربنا جل وعلا، وعلى حب الله لها، وعلى غيرته عليها، قلت: إنزال آياتٍ تتلى من كلام الله في كتابه يتعبد بتلاوتها إلى يوم القيامة في تبرئة أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وقد أنزل الله في ذلك ست عشرة آية من سورة النور، وقد ذكرت عشرة أمورٍ فيها تبين منزلة أمنا عائشة رضي الله عنها عند العزيز الغفور، وقلت: سأختمها بعد ذلك بأمرين اثنين: بما يدل على فضيلة أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، وأنه خير هذه الأمة بعد نبيها على نبينا وآله وأصحابه صلوات الله وسلامه، فهذه الآيات التي نزلت ببركة أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها أثبتت مكانتها عند الله كما أثبتت مكانة أبيها عند الله جل وعلا، ثم نروي لكم حديث الإفك الذي روي في كتب السنة المطهرة.إخوتي الكرام! كنا نتدارس الأمر الرابع من الأمور العشرة في الآيات التي أنزلها الله في تبرئة أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها مما رميت به.وقلت: سنتكلم على ثلاثة أمور في هذه الدلالة الرابعة.
 ما تفيده لفظة (بأنفسهم) وقوله تعالى: (ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفهسم خيرا) من الدلالة
الدلالة الثالثة في هذه الجملة المباركة: (بأنفسهم)، المراد بإخوانهم المؤمنين، وبأخواتهم من المؤمنات، وإنما قال: (بأنفسهم) حيث نزل المؤمن منزلة نفسه، فنزل المؤمن أخاه منزلة نفسه؛ لأن المؤمنين إخوة، وما يسر أخاك يسرك، وما يضره يضرك، والله جل وعلا يشير إلى هذا المعنى في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم، يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ [الحجرات:11]، والمراد هنا: ولا يلمز بعضكم بعضاً بنقيصةٍ وتعييرٍ وطعنٍ وذمٍ وتحقير، فلمز الأخ لمزٌ للنفس؛ لأن المؤمنين كالجسد الواحد، فإذا طعنت في أخيك فقد طعنت في نفسك، وعلى هذا يتنزل قول الله جل وعلا: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29].
دلالة قوله تعالى: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء) على براءة عائشة رضي الله عنها
الدلالة الخامسة: لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:13]، كأن الله جل وعلا يقول: لا برهان على قذف أمنا الحَصان عائشة رضي الله عنها وأرضاها، الطاهرة المطهرة، وما افتري عليها فهو محض بهتان، لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:13]، إذاً لا بينة على قولهم وإفكهم وافترائهم، بل ذاك كما تقدم معنا من حبك العصبة المتآمرة، وإذا لم يقم دليلٌ على صحة الشيء وثبوته، فهو هذيان كهذيان المحموم وعربدة السكران، أي قيمةٍ لهذا الكلام إذا لم يقم عليه حجةٌ وبرهان؟! انتبه لقول الله جل وعلا: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ [النور:13]، وضع المظهر أيضاً موضع المضمر -والأصل أن يقول: فإذ لم يأتوا بهم- لزيادة التقريع، للدلالة على أن هذا لا يثبت إلا بشهداء، ينبغي ألا يغيب هذا عن أذهانكم، وأتى بصيغة اسم الإشارة الذي هو للبعد، فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور:13]، للإيذان ببعد منزلتهم في الفساد والشر حيث قالوا ما لا دليل عليه، وهو إفكٌ مفترى. لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور:13]، وإذا كان حكمهم عند الله أنهم كاذبون مفترون أفاكون، فيا عباد الله! عاملوهم بذلك، ولا تصدقوهم، فهم عند ربكم كذابون، فكيف تصدقون من كذبه رب العالمين؟!فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور:13]، وأتى بضمير الفصل هم الذي يفيد حصر الكذب فيهم، كأنه لا كاذب غيرهم لشناعة كذبهم وقبح فعلهم؛ حيث قذفوا زوجة نبيهم على نبينا وآله وأزواجه صلوات الله وسلامه.
 ما تفيده لفظة (بأنفسهم) وقوله تعالى: (ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفهسم خيرا) من الدلالة
الدلالة الثالثة في هذه الجملة المباركة: (بأنفسهم)، المراد بإخوانهم المؤمنين، وبأخواتهم من المؤمنات، وإنما قال: (بأنفسهم) حيث نزل المؤمن منزلة نفسه، فنزل المؤمن أخاه منزلة نفسه؛ لأن المؤمنين إخوة، وما يسر أخاك يسرك، وما يضره يضرك، والله جل وعلا يشير إلى هذا المعنى في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم، يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ [الحجرات:11]، والمراد هنا: ولا يلمز بعضكم بعضاً بنقيصةٍ وتعييرٍ وطعنٍ وذمٍ وتحقير، فلمز الأخ لمزٌ للنفس؛ لأن المؤمنين كالجسد الواحد، فإذا طعنت في أخيك فقد طعنت في نفسك، وعلى هذا يتنزل قول الله جل وعلا: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29].
دلالة قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم ...) على براءة عائشة رضي الله عنها
الدلالة السادسة: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور:15]، (إذ تلقونه)، فسرت هذه الكلمة بعدة أمور كلها تدل على شيءٍ واحد، قيل: تتلقونه من التلقي، وقيل: من التلقف، وقيل: من التلقن، إذاً تلقي وتلقفٌ وتلقن، قال أئمتنا: وهذه المعاني متقابلة، لكن المعنى الأول تتلقونه يفيد معنى الاستقبال، أي: تأخذونه، وتستفيدونه من غيركم في المستقبل، ولفظ التلقف يفيد معنى الخطف وأخذ الشيء؛ كأنك تخطفه، ومعنى التلقن يفيد الحذق والمهارة في أخذ الشيء، فأنتم تأخذون هذا من غيركم، وكأنكم تخطفونه عندما تأخذونه، ثم تأخذونه بحذقٍ ومهارةٍ، (إذ تلقونه)، كأنه نبأٌ غريب عديم، قامت عليه البراهين، حتى حرصتم عليه، فتأخذونه من غيركم وتحرصون عليه، وتخطفونه منه، وتحذقون بعد ذلك أخذه وتلقيه، وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ [النور:15]، والقول لا يكون إلا بالفم، فقيل: هذا للتأكيد؛ لئلا يظن أن هذا كلامٌ قلبي فقط جرى منهم، بل صدر من ألسنتهم وخرج من أفواههم من بين شفتيهم، كما قيل:امتلأ الحوض وقال قطنيمهلاً رويداً قد ملأت بطنيفالحوض عندما يقول هذا، فهذا حكاية حال، وليس بلسان المقال، فلئلا يظن أن هذا الذي جرى منهم قولٌ بالقلب وعزمٌ عليه وحديث نفس، قال الله: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ [النور:15]، يعني: ليس حديثاً قلبياً كما هو حال الحوض.وفي قوله: وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ [النور:15] إشارة إلى أن هذا القول لا مصداق له، ولا صحة له، ولا برهان عليه، لم يصدر من قلبٍ، ولم ينبع من صدرٍ، ولا حجة عليه ولا يقين ولا برهان، بل هو مجرد قولٍ بالفم واللسان، يتشدقون به وكأنه ثابت، وهو إفك مفترى، وهذا كقول الله جل وعلا: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران:167]، لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، هذا كلامٌ لا حقيقة له، فهم يعلمون أنه سيحصل قتال بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين الكفار في موقعة أحد، وهذه نزلت أيضاً في عبد الله بن أبي ابن سلول رئيس المنافقين أيضاً، عندما انحاز مع أصحابه في ثلاثمائة، وذكرت هذه الكلمة أيضاً :(وتقولون بأفواهكم للإشارة إلى توبيخهم، فكأنهم يتشدقون بهذا الكلام ملئ أفواههم، مع أنه لا صحة له ولا دليل عليه في قلوبهم وصدورهم، وعلى ذلك حمل قول الله جل وعلا في سورة آل عمران أيضاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ [آل عمران:118]، المراد أنهم يتكلمون من أفواههم ويتبجحون، ولا يكتمون ولا يسرون، بل يقولون ما يزعجكم، وما يدل على عداوتكم بملء أفواههم.
 ما تفيده لفظة (بأنفسهم) وقوله تعالى: (ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفهسم خيرا) من الدلالة
الدلالة الثالثة في هذه الجملة المباركة: (بأنفسهم)، المراد بإخوانهم المؤمنين، وبأخواتهم من المؤمنات، وإنما قال: (بأنفسهم) حيث نزل المؤمن منزلة نفسه، فنزل المؤمن أخاه منزلة نفسه؛ لأن المؤمنين إخوة، وما يسر أخاك يسرك، وما يضره يضرك، والله جل وعلا يشير إلى هذا المعنى في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم، يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ [الحجرات:11]، والمراد هنا: ولا يلمز بعضكم بعضاً بنقيصةٍ وتعييرٍ وطعنٍ وذمٍ وتحقير، فلمز الأخ لمزٌ للنفس؛ لأن المؤمنين كالجسد الواحد، فإذا طعنت في أخيك فقد طعنت في نفسك، وعلى هذا يتنزل قول الله جل وعلا: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29].
دلالة قوله تعالى: (لولا فضل الله عليكم ورحمته...) على براءة عائشة رضي الله عنها
الدلالة السابعة: هي في قوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:14]، وهي الآية التي قبل الآية المتقدمة: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور:15]، فـ(لولا) هنا حرف امتناعٍ لوجود؛ لأنه وليها اسم، وقد ترتب على تلقي ذلك الإفك الإفاضة فيه، والإفاضة: هي الخوض في الكلام والإكثار منه، ومنه فاض الوادي بالماء، إذا كثر سيلان الماء فيه، ومنه قول الله جل وعلا: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [المائدة:82-83].إذاً حصل كثرة كلام وثرثرةٌ بهذا الإفك والبهتان، وليست كلمة وانقضت، إنما هو حديث تلوكه الألسن مدة شهرٍ كامل فترتب على تلقي الإفك، وعلى النطق به إفاضةٌ وإكثارٌ وثرثرة، ولذلك يقول الله: لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:14]، لولا فضل الله ورحمته عليكم في الدنيا والآخرة، ونعمه التي لا تحصى، ومن جملتها أنه لا يعاجل المخطئ بالعقوبة بعد أن يبين له الأمر، وتقام عليه الحجة، لولا ذلك لترتب على كلامكم أن يعاقبكم الله في الدنيا، وأن يذيقكم عذاباً أليماً في الآخرة، لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ [النور:14]، التنكير في عذاب يفيد التشنيع، ووصفه بالعظم لزيادة التهويل، لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:14]، وانتبه هنا للإبهام في اسم الموصول حيث لم يذكر الإفك والقذف باسمه، ولم يعده مرةً ثانية لتهويل أمره، واستهجان ذكره، فأبهمه وكنى عنه، وكأن الله جل وعلا يقول: أنا لا أحكيه عنكم لشناعته، فكيف أنتم استسهلتم ذكره وقوله وترداده وإفاضة الكلام فيه؟!
 ما تفيده لفظة (بأنفسهم) وقوله تعالى: (ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفهسم خيرا) من الدلالة
الدلالة الثالثة في هذه الجملة المباركة: (بأنفسهم)، المراد بإخوانهم المؤمنين، وبأخواتهم من المؤمنات، وإنما قال: (بأنفسهم) حيث نزل المؤمن منزلة نفسه، فنزل المؤمن أخاه منزلة نفسه؛ لأن المؤمنين إخوة، وما يسر أخاك يسرك، وما يضره يضرك، والله جل وعلا يشير إلى هذا المعنى في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم، يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ [الحجرات:11]، والمراد هنا: ولا يلمز بعضكم بعضاً بنقيصةٍ وتعييرٍ وطعنٍ وذمٍ وتحقير، فلمز الأخ لمزٌ للنفس؛ لأن المؤمنين كالجسد الواحد، فإذا طعنت في أخيك فقد طعنت في نفسك، وعلى هذا يتنزل قول الله جل وعلا: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29].
دلالة قوله تعالى: (وتحسبونه هيناً ...) على براءة عائشة رضي الله عنها
الدلالة الثامنة في قول الله جل وعلا: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور:15]، فهو أمر عظيمٌ اسمه، كبيرٌ جرمه، كيف لا! وقذف المحصنات من المؤمنات من الموبقات المهلكات، فكيف من قذف حرم خير المخلوقات! على نبينا وآله صلوات الله وسلامه، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن قذف المحصنة من الكبائر، فكيف من قذف زوجة النبي عليه الصلاة والسلام التي يترتب على قذفها تنقيص النبي عليه الصلاة والسلام وتحقيره! وقد وردت الأحاديث في التحذير من القذف، والدلالة على أنه من الكبائر، من ذلك ما ثبت في الصحيحين وسنن أبي داود والنسائي ، والحديث رواه الإمام البيهقي أيضاً، وهو في أعلى درجات الصحة من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: وما هن يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن شناعة هذه الكبيرة وجرمها عند الله جل وعلا، ففي معجم الطبراني الكبير ومسند البزار، والحديث رواه الحاكم في المستدرك، في الجزء الرابع، صفحة ثلاثٍ وسبعين وخمسمائة، ورواه الإمام ابن عساكر في تاريخ دمشق عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة)، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور:15]، والحديث جميع رجاله ثقاتٌ أثبات إلا ليث بن أبي سليم فقد جرى حوله كلام، وهو صدوقٌ لكن طرأ عليه الاختلاط في آخر حياته، وقد أخرج حديثه البخاري لكن معلقاً في صحيحه، وأخرجه الإمام مسلم لكن مقروناً، وحديثه مرويٌ في السنن الأربعة، ولذلك قال الإمام الهيثمي في المجمع: في إسناد الحديث ليث بن أبي سليم ، وهو ضعيفٌ وقد يحسن حديثه، ودلالة الحديث العام يشهد لها آيات القرآن وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور:15]، من عظم شناعة الإفك أن القاذف بقذفه يحبط الله له عمل مائة سنة، وكنت قد أشرت في محاضراتٍ سابقة في غير هذا المسجد إلى وجه الحكمة في تحديد عقوبة القاذف في هذا الحديث بأن يحبط عمله لمائة سنة، فقلت: إن المقذوف غاية ما يتصور أن يعيش في الغالب مائة سنة وقلّ أن يجاوز ذلك، والقاذف قد آذى المقذوف بقذفه مدة حياة المقذوف فسيعير، والناس سيتكلمون على عرضه، فما دامت هناك مدةٍ يتصور أن يعيش فيها هذا المقذوف، فلا يقبل الله من القاذف عملاً فيها. إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور:23]، وهنا: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [النور:15]، إذا كان هذا هو حكم القذف بالنسبة لقذف المؤمنين والمؤمنات، فكيف يكون الحال فيمن قذف أمنا عائشة رضي الله عنها، وهي زوجة خير البريات على نبينا وآله وأزواجه صلوات الله وسلامه؟! حتماً أن الإثم سيتضاعف، والجرم سيكبر، ولذلك قال أئمتنا: كثيراً ما يكون عظم الذنوب باعتبار متعلقاتها، فالزنا جريمة، وليس الزنا بزوجة الجار كالزنا بأجنبية، وليس الزنا بالأم كالزنا بزوجة الجار، فالذنب كبير، لكن يكبر أيضاً باعتبار متعلقه، فإذا زنيت بأمك نعوذ بالله من ذلك، والعافية من سخطه، ليس الحال كما لو زنيت بامرأةٍ أخرى، وهنا من قذف أمه زوجة نبيه عليه الصلاة والسلام فإثمه أكبر بكثير مما لو قذف امرأةً من المؤمنات الأخريات.
 ما تفيده لفظة (بأنفسهم) وقوله تعالى: (ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفهسم خيرا) من الدلالة
الدلالة الثالثة في هذه الجملة المباركة: (بأنفسهم)، المراد بإخوانهم المؤمنين، وبأخواتهم من المؤمنات، وإنما قال: (بأنفسهم) حيث نزل المؤمن منزلة نفسه، فنزل المؤمن أخاه منزلة نفسه؛ لأن المؤمنين إخوة، وما يسر أخاك يسرك، وما يضره يضرك، والله جل وعلا يشير إلى هذا المعنى في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم، يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ [الحجرات:11]، والمراد هنا: ولا يلمز بعضكم بعضاً بنقيصةٍ وتعييرٍ وطعنٍ وذمٍ وتحقير، فلمز الأخ لمزٌ للنفس؛ لأن المؤمنين كالجسد الواحد، فإذا طعنت في أخيك فقد طعنت في نفسك، وعلى هذا يتنزل قول الله جل وعلا: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29].
دلالة قوله تعالى: (سبحانك هذا بهتان عظيم) على براءة عائشة رضي الله عنها
الدلالة التاسعة قول الله جل وعلا: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16]، فـ(لولا) هنا وليها الفعل فهي أيضاً تحضيضية بمعنى هلا حصل منكم هذا، وقدم الله جل وعلا الظرف (إذ) على الفعل، (ولولا إذ سمعتموه) للاعتلاء به، فالواجب المبادرة إلى إنكار هذا الكلام، ورد هذا البهتان أول سماعه؛ لأن (إذ) ظرفٌ لما مضى من الزمان، فأنت بمجرد سماعك هذا كان ينبغي أن تنكره، وأن ترده، وألا تتوقف في نفيه، وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا [النور:16]. وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا [النور:16]. أي: إذاً هلا قلتم ذلك عندما سمعتم هذا في الزمن الماضي، وبمجرد سماعه تقولون: مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا [النور:16]، ثم تتبعونه بهذه الجملة: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16]، كلمة (سبحانك) هنا تفيد أمرين معتبرين:الأمر الأول: التعجب من هذه المقولة نحو حرم النبي عليه الصلاة والسلام وزوجته الحصان، كيف تجرأ المنافقون اللئام على قذف أمنا؟! عائشة رضي الله عنها، هذا لا يمكن أن يصدر منا، فكيف نتهم به زوجة نبينا عليه الصلاة والسلام؟! (سبحانك) نتعجب ممن تفوه بهذا، وكيف طاوعته نفسه أن يتكلم بهذه الكلمة؟!الأمر الثاني: تنبيه الله جل وعلا على سلامة نبيه عليه الصلاة والسلام؛ لأن فجور المرأة طعنٌ في زوجها، فكيف يجعل الله في نبيه عليه الصلاة والسلام هذه اللوثة، وهذه المعرة، وهذه النقيصة، وهذه الرذيلة؟! فمعنى سبحانك، ننزهك يا رب أن تجعل هذا في عرض نبيك عليه الصلاة والسلام؛ لأن الطعن في زوجه طعن فيه، وحكمتك تتنزه أن تجعل هذا في نبيك على نبينا وآله وأزواجه صلوات الله وسلامه.قال أئمتنا: وهذا الكلمة (سبحانك) تفيد التقرير لما قبلها وتثبته، مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا [النور:16]، وتفيد أيضاً التنزيه والتمهيد لما بعدها، سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16].قال الإمام السيوطي في كتابه الإكليل، في صفحة ستين ومائة: قال العلماء: إن قذف أمنا عائشة رضي الله عنها كفرٌ؛ لأن الله جل وعلا سبح نفسه عند ذكره، كما سبح نفسه عند وصف المشركين له بأنه اتخذ ولداً، يقول الله جل وعلا في سورة البقرة: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [البقرة:116]، فهنا سبح نفسه إشارة إلى أن وصفه بأنه اتخذ ولداً يعتبر كفراً ونقيصة يتنزه الله عهنا، وهكذا وصف زوجة النبي عليه الصلاة والسلام بالزنا يعتبر كفراً، نزه الله نفسه عن الولد كما نزه الله نفسه أن يجعل زوجة النبي عليه الصلاة والسلام فيها ذلك الدنس الذي افتراه المنافقون اللئام.ومثل هذا قول الله جل وعلا في سورة الأنعام: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنعام:100-101].
 ما تفيده لفظة (بأنفسهم) وقوله تعالى: (ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفهسم خيرا) من الدلالة
الدلالة الثالثة في هذه الجملة المباركة: (بأنفسهم)، المراد بإخوانهم المؤمنين، وبأخواتهم من المؤمنات، وإنما قال: (بأنفسهم) حيث نزل المؤمن منزلة نفسه، فنزل المؤمن أخاه منزلة نفسه؛ لأن المؤمنين إخوة، وما يسر أخاك يسرك، وما يضره يضرك، والله جل وعلا يشير إلى هذا المعنى في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم، يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ [الحجرات:11]، والمراد هنا: ولا يلمز بعضكم بعضاً بنقيصةٍ وتعييرٍ وطعنٍ وذمٍ وتحقير، فلمز الأخ لمزٌ للنفس؛ لأن المؤمنين كالجسد الواحد، فإذا طعنت في أخيك فقد طعنت في نفسك، وعلى هذا يتنزل قول الله جل وعلا: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29].
دلالة قوله تعالى: (يعظكم الله ...) على براءة عائشة رضي الله عنها
الأمر العاشر في قوله تعالى: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:17-18]، يعظكم الله، وعظ زجر مقترناً بتخويف، وتذكير بالخير فيما يرق له القلب، انتبه لقوله: إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [النور:17]، فأبرز إيمانهم في معرض الشك ليتضمن لوعة توبيخٍ ولومٍ وذمٍ على ما جرى منهم، وليذكرهم أيضاً بالعلة في ترك الإفك، لا لنفي الإيمان عمن صدر منهم إفك من الصحابة الكرام ممن خدع بقول المنافقين اللئام، كـمسطح وحمنة وحسان رضي الله عنهم أجمعين، إنما أبرز إيمانهم في معرض الشك ليهيج شعورهم، وليزيد في نفرتهم مما صدر منهم، وليتوبوا إلى ربهم جل وعلا، يقول: فإذا كنتم تتصفون بالإيمان فكيف تقعون في الإفك والبهتان؟! هذا لا يتناسب مع الإيمان، ولذلك ينبغي ألا يتكرر منكم ذلك في وقتٍ آخر، يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:17-18]، فهو العليم بما أسررتم، وبما أعلنتم، ولا يعاقب إلا بعد إعلامكم ووعظكم، وإقامة الحجة عليكم، وهو الحكيم سبحانه وتعالى، يضع الأمور في مواضعها، وهو أعلم بمن يجعل تحت نبيه عليه الصلاة والسلام، وهو الحكيم بما اختار له من أزواجه عليه صلوات الله وسلامه، ولا يمكن أن يختار له زوجةً لا تناسب طهارته وطيبه، فهو الطيب المطيب، وزوجاته طيباتٍ مطيبات عليه وعليهن صلوات الله وسلامه.
 ما تفيده لفظة (بأنفسهم) وقوله تعالى: (ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفهسم خيرا) من الدلالة
الدلالة الثالثة في هذه الجملة المباركة: (بأنفسهم)، المراد بإخوانهم المؤمنين، وبأخواتهم من المؤمنات، وإنما قال: (بأنفسهم) حيث نزل المؤمن منزلة نفسه، فنزل المؤمن أخاه منزلة نفسه؛ لأن المؤمنين إخوة، وما يسر أخاك يسرك، وما يضره يضرك، والله جل وعلا يشير إلى هذا المعنى في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم، يقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ [الحجرات:11]، والمراد هنا: ولا يلمز بعضكم بعضاً بنقيصةٍ وتعييرٍ وطعنٍ وذمٍ وتحقير، فلمز الأخ لمزٌ للنفس؛ لأن المؤمنين كالجسد الواحد، فإذا طعنت في أخيك فقد طعنت في نفسك، وعلى هذا يتنزل قول الله جل وعلا: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29].
ذكر من قذف واتهم من الأنبياء والصالحين ونزول براءتهم
إخوتي الكرام! قبل أن أنتقل للأمرين لدلالة الآيات على فضيلة أبي بكرٍ رضي الله عنه وأرضاه، ولذكر حديث الإفك أحب أن أذكر وأوضح ما ذكرته سابقاً من أن هذه الآيات وما بعدها في تبرئة أمنا عائشة رضي الله عنها تدل على مكانتها عند الله جل وعلا، وأنه حصل لها بهذه الآيات ما لم يحصل لغيرها ممن قذفوا واتهموا بمثل ما اتهمت به رضي الله عنها وعلى أنبياء الله جميعاً ورسله صلوات الله وسلامه.فقد قذف نبي الله موسى، وقذف نبي الله يوسف ، وقذفت الصديقة مريم ، وقذف العبد الصالح الصديق جريج ، وهؤلاء كلهم برئوا، لكن ببراءة أقل من براءة أمنا عائشة التي برئت بكلام الله وبوحيٍ يتلى، فاستمع لما حصل لمن قبل أمنا عائشة من افتراءٍ وبعد ذلك تبرئة، وقارن بين التبرئتين: بين آياتٍ تتلى في محاريب المسلمين، ويتعبد بها المسلمون لرب العالمين، وبين تبرئةٍ تثبت المطلوب فيمن تقدم، لكن هو دون ذلك بكثير.
 تبرئة جريج بما هو دون تبرئة أم المؤمنين
الشخص الرابع وهو آخر الأصناف: العبد الصالح جريج أيضاً، صالحٌ صديق اتهم بالزنا، وبرأه الله جل وعلا مما اتهم به بمعجزةٍ، لكن دون ما حصل لأمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها من البراءة، حديثه أيضاً ثابت في المسند والصحيحين من رواية أبي هريرة رضي الله عنه عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة)، نبي الله عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وصاحب جريج ، والغلام الذي كان في حجر أمه.أما صاحب جريج فهو محل الشاهد، كان العبد الصالح جريج رجلاً صالحاً، يعبد الله في صومعته، فنادته أمه يوماً وهو يصلي: يا جريج ! قال: اللهم أمي وصلاتي ولم يجبها، ثم نادته بعد ذلك: يا جريج ! وهو يصلي، قال: اللهم أمي وصلاتي، ثم نادته بعد ذلك: يا جريج ! قال: اللهم أمي وصلاتي، والإنسان إذا كان يصلي نافلةً ونادته أمه وجب عليه أن يقطع النافلة وأن يجيب أمه، ولو كان جريج فقيهاً لأجاب أمه، لكن هذا الذي حصل منه، فلما لم يجبها في المرات الثلاث دعت عليه، ولم تزد على أن قالت: اللهم لا يموت جريج حتى يرى وجوه المياميس، يعني: وجوه الزانيات، هذا الذي غدا؛ ليتعبد في صومعته، ولا يعرف حق أمه عليه، لا يموت حتى يرى وجوه الزانيات، ولم تدع عليه بما هو أشنع، وكان هناك امرأةٌ بغي في ذلك المكان فاتصل بها راعٍ يرعى الغنم، ثم حملت وولدت، فقيل لها: من أين؟ قالت: من جريج ، هذا الذي يعبد الله في هذه الصومعة، فجاءوا إليه دون إنذارٍ أو إعلام، معهم المعاول والمساحي، فبدءوا يضربون صومعته، ولولا أنه خرج لأسقطوها عليه وقتلوه، وقالوا: أنت زنيت بهذه المرأة، وهذا الولد منك، قال: أين الولد هاتوه، فأتي بالولد، فنقر على بطنه وقال: أيها الولد الصغير، من أبوك؟ من ماء من خلقت؟ وكان الولد في ذاك الوقت في المهد، قال: فلان الراعي، فأكبوا يقبلون يديه ورجليه، وفي الصحيح أيضاً يتمسحون به، وقالوا: نعيد صومعتك لبنةً من ذهب ولبنةً من فضة، عندما ظهرت كرامته ومنزلته، قال: لا، أعيدوها كما كانت، رأى وجوه المياميس، واستجيبت الدعوة، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا بارين بآبائنا وأمهاتنا، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، فبرئ هذا العبد، لكن براءته دون ما حصل لأمنا عائشة رضي الله عنها من البراءة.أما الثالث الذي تكلم في المهد، كما يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: (وبينا امرأة ترضع صبياً لها، إذ مر عليها راكبٌ على دابةٍ فارهة وله شارة)، دابة فارهة، أي: منعمة مزينة جميلة ثمينة، وله شارة، أي: لباس. شارة: علامات كما هو الحال في علامات أهل الدنيا من الشرطة والجيش وغير ذلك، (فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي وهو لا يتكلم في المهد، وقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم مرت هذه المرأة بأمةٍ مسكينةٍ يضربها الناس ويقولون لها: زنيتِ سرقتِ، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، يضرب ويؤذى ويتهم، فترك الثدي وقال: اللهم اجعلني مثلها)، فعلمت الأم أنه كما تكلم يمكن أن يعي ويجيب، فقالت: (حلقى، أي: أصابك الله بداءٍ في حلقك، ثم ذكرت له ذاك؛ تقول: اللهم لا تجعلني مثله، وهو له شارة ويركب على دابة فارهة، وهذه تضرب وتتهم بالزنا والسرقة وتقول: اللهم اجعلني مثلها، قال: يا أماه! -وهو في المهد- ذاك جبارٌ من الجبابرة، وهذه مسكينةٌ لم تزن ولم تسرق، تتهم فقط من قبل الناس، فإذا كنت مسكيناً فهو خيرٌ من أن أكون جباراً).الشاهد أن العبد الصالح جريج اتهم بالزنا، فشهد ببراءته غلام في المهد، فحصلت البراءة لـجريج لكنها دون ما حصل لأمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وما ذلك إلا لمكانتها عند الله، ومكانة نبينا عليه وآله وصحبه وأنبياء الله جميعاً ورسله صلوات الله وسلامه.ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [11] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net